تذكره عوده بقلم سمسمه

وقف الكلام بينكم، أو بمعنى أصح، الهوا اتجمد في البلكونة ومبقاش مسموع غير صوت نفسكم المضطرب وصوت كلاكيس العربيات البعيدة في شوارع القصر العيني. يوسف فضل باصص لعينيكي بنفس النظرة اللي بتدوب أي مسافة، نظرة ممزوجة بعتاب خفيف ولهفة سنين طويلة عاشها في الغربة. أنتِ كنتِ حاسة إن الأرض بتلف بيكي، ريحة المستشفى اللي كانت مخلياكي دايخة اختفت تماماً، ومبقاش في مناخيرك غير ريحتة المألوفة، ريحة البرفان القديم اللي كان بيحب يحطه زمان، مخلط بريحة سفر وتعب الساعات الطويلة في الطيارة.
​حطيتِ إيدك على السور الحديد الساقع عشان تسندي طولك اللي حسيتِ إنه هيخونك. السكوت كان تقيل، بس السرد اللي جوة قلبك كان شغال زي قطر سريع. خمس سنين وسبع شهور وتلات أيام.. الأرقام دي مكانتش مجرد حسابات على ورق، دي كانت ليالي بطولها بتعدي عليكي وأنتِ بتسألي نفسك: “يا ترى أنا صح؟ يا ترى كان لازم أضحي بحبي عشان مستقبلي؟”. ودلوقتي، الراجل اللي بسببه الأرقام دي انحفرت في عقلك، واقف قدامك، بشحمه ولحمه، وشه اللي حفرت فيه الغربة علامات النضج والتعب، وعينيه اللي لسه بتلمع بنفس الطريقة لما بيبص لك.
​لف يوسف جسمه كله ناحيتك، وسند بضهره على السور، وحط إيديه في جيوب بنطلونه الجينز. أخد نفس طويل وطلعه بتنهيدة هزت صدره، وقال بصوت أدفا شوية: “عارف إنك مش مصدقة، وعارف إن وجودي هنا صدمة ليكي. أنا نفسي مكنتش متخيل إن أول ما رجلي تلمس أرض مصر، هلاقيكي واقفة هنا. جدي تعبان أوي يا سما، تعبان لدرجة إنه وهو غايب عن الوعي في العناية، كان بينطق اسمك واسمي ورا بعض، كأنه بيحاول يربط اللي الأيام قطعتهم”.
​كلامه خبط في قلبك زي الرصاص. الحاج عبد الرحمن، الراجل الطيب اللي كان دايماً يشوفك ويقولك “يا بنتي أنتِ نوارة العيلة”، هو اللي جمعكم تاني من غير ما يقصد. بلعتِ ريقك بصعوبة، وحاولتِ تجمعي شتات نفسك عشان تتكلمي كدكتورة، أو على الأقل كإنسانة ناضجة مش كالبنت المراهقة اللي سابها زمان. قلتي وصوتك فيه رعشة مدارياها: “ألف سلامة عليه.. هو.. هو حالته حرجة فعلاً، بس الدكاترة هنا في الرعاية مركزين معاه جداً ومتابعين لحظة بلحظة. إحنا بنعمل كل اللي علينا”.
​يوسف ابتسم ابتسامة باهتة مليانة وجع، وقرب خطوة صغيرة، خطوة واحدة بس كانت كفيلة تخليكي تحسي بحرارة جسمه في ليل القاهرة البرد. قال وهو بيبص في عينيكي مباشرة: “دكاترة؟ إحنا؟ يعني بقيتِ دكتورة خلاص.. الحلم اللي وقفتِ الدنيا علشانه وسيبتيني ورا ضهرك، اتحقق”.
​الكلمة طلعت منه عاتبة، بس مكانتش تجريح، كانت وجع راجل حب بكل ما فيه واترفض. حسيتِ بنغزة في قلبك، وكنتِ عايزة تصرخي وتقوليله إن الحلم مكنش طعم حلو طول الوقت، إنك ياما عيطتِ فوق كتب الطب وأنتِ بتتمنيه جمبك يطبطب عليكي ويسهر معاكي ويوصلك في عز البرد. بس كبرياءك منعك، ووقفتِ ثابتة، وبصيتِ للسما اللي مفيش فيها ألعاب نارية النهاردة، بس فيها قمر حزين ساند على سحاب القاهرة.
​يوسف مد إيده ببطء شديد، كأنه خايف تتراجعي لورا زي ما عملتِ يوم حفلة التخرج. صوابعه قربت من خصلة شعر طارت على وشك بسبب الهوا، ورفعها بالراحة ورا ودنك. لمسة صوابعه كانت دافية، دافية لدرجة إنها صحت كل الذكريات النايمة جواكي. قال بصوت وطي أوي، كأنه سر خايف الليل يسمعه: “أنا عمري ما كرهتك يا سما.. أنا بس اتوجعت. اتوجعت لما حسيت إن خططي كلها وكل اللي بنيته في أمريكا عشان أرجع آخدك مكنش كفاية ليكي. بس لما شفت جدي بيموت، عرفت إن الدنيا أصغر بكتير من إننا نعيشها في البعد. أنا رجعت.. ومش عارف هرجع تاني ولا لأ”.
​في اللحظة دي، وقبل ما تنطقي بولا كلمة، انفتح الباب الحديد بتاع البلكونة بعنف، وخرج منه دكتور الامتياز زميلك وهو بينهج ووشه مخطوف، وبص لك وقال بسرعة: “دكتورة سما! الحقينا بسرعة.. الحالة اللي في الرعاية رقم ٤، الحاج عبد الرحمن.. ضربات القلب بتقل والضغط بيقع، الاستشاري طالبك فوراً!”.
​الدنيا لفت بيكي تاني، بس المرة دي من الرعب. بصيتِ ليوسف اللي وشه اتحول للون الأبيض في ثانية، وعينيه اتملت برعب طفل خايف يفقد آخر حبل يربطه بالدنيا. سيبتيه وجريتِ على جوة، وخطواتك السريعة على أرضية المستشفى كانت بتعزف لحن مرعب، ويوسف بيجري وراكي، وكل واحد فيكم شايل في قلبه حكاية مخلصتش، وحياة كاملة واقفة على شعرة، بين نبضات قلب راجل عجوز بيموت، وقلبين تانيين لسه بيدوروا على الحياة وسط الرماد.السرير رقم ٤ في الرعاية المركزة كان متحاط بدكاترة وممرضين، وصوت أجهزة إنذار نبضات القلب كان بيصفر ورا بعضه بنغمة رتيبة ومرعبة مخليا الأوضة كلها مشدودة. دخلتِ تجري، وفجأة نسيتِ كل حاجة ورا ضهرك؛ نسيتِ يوسف، ونسيتِ السنين، ونسيتِ الوجع اللي كان واكل قلبك في البلكونة من شوية. في اللحظة دي أنتِ كنتِ الدكتورة “سما” وبس، المسؤولة عن روح إنسان بين إيدين ربنا.
​”شحن الصدمات على ٢٠٠ جول! بسرعة!”.. صرختِ بالأمر للممرضة وأنتِ بتجهزي جهاز إنعاش القلب اليدوي. بصيتِ على الشاشة، النبض كان بينزل بسرعة رهيبة والخط بدأ يتفرد. في نفس الوقت، من ورا زجاج الرعاية المركزة، كان يوسف واقف، ساند إيديه وجبينه على الإزاز، وعينيه ماليانة دموع محبوسة وهو بيشوف جده وسنده الوحيد في الدنيا بيفرفر قدامه. كان بيشوفك وأنتِ بتحاربي وتضغطي على صدر جده بكل عزمك، شعرك اللي كان مفرود ومتبهدل من الهوا نزل على وشك، وعرقك بدأ يسيل من المجهود والتوتر.
​”ابعدوا!”.. صرختِ واديتِ الصدمة الأولى. جسم الحاج عبد الرحمن انتفض على السرير، وعينيكي راحت بسرعة على الشاشة.. مفيش فايدة، لسه الخط مستقيم. “شحن تاني! على ٣٦٠!”.. أخدتِ نفس طويل وبدأتي تعملي تدليك يدوي للصدر (CPR) بانتظام، وأنتِ جواكي بتدعي من كل قلبك: “يارب متكسرش قلبه، يارب أنا عارفة هو بيحبه قد إيه، متموتهوش في أول ليلة يرجع فيها مصر”.
​دقيقة.. دقيقتين.. تلاتة.. والوقت في الرعاية بيمر كأنه سنين. يوسف ورا الإزاز كان بيموت في كل ثانية مية مرة. كان بيفتكر جده وهو بيمشي معاه في شوارع السيدة زينب، وهو بيدي له العيدية، وهو بيقوله: “سافر يا يوسف وابني مستقبلك، بس اوعى تنسى ناسك وأصلك”. ودلوقتي، جده بيموت، ومفيش حد واقف بيحارب الموت علشانه غير “سما”.. البنت اللي سابها من خمس سنين عشان يهرب من وجع حبها.
​”ابعدوا!”.. الصدمة التانية. نفضت جسم الراجل العجوز، وفجأة.. صرخة جهاز الإنذار المتصلة قطعت، وبدأت الشاشة ترسم موجات منتظمة من تاني. طوط.. طوط.. طوط.. النبض رجع يظهر، والضغط بدأ يرفع بالراحة ويستقر.
​تنهيدة جماعية طلعت من كل اللي في الأوضة. سندتِ بإيديكي على حافة السرير وأنتِ بتنهجي، وحسيتِ إن رجليكي مش شايلاكي من كتر الشد العصبي. مسحتِ عرقك بظهر كم البالطو الأبيض، وبصيتِ للحاج عبد الرحمن اللي ملامحه بدأت تهدى ونفسه يرجع طبيعي. أول ما اطمنتي، لفيتِ وشك ناحية الإزاز.
​يوسف كان لسه واقف في مكانه، دموعه كانت نزلت على وشه وسابت علامات، بس عينيه كانت بتلمع بفرحة وامتنان ملوش حدود. بص لك ونزل راسه لتحت كأنه بيشكرك من أعمق حتة في قلبه، الشكر اللي مفيش كلمات في الدنيا تقدر توصفه.
​خرجتِ من أوضة الرعاية بعد ما سلمتِ الحالة لدكتور الوردية الجديدة عشان يفضل عينه عليه. أول ما الباب اتفتح، لقيتِ يوسف واقف قدامك مباشرة. المسافة بينكم رجعت تضيق تاني، بس المرة دي مكنش في البلكونة تحت الهوا، كان في الممر الضلمة بتاع المستشفى اللي ريحته ديتول وشغل.
​يوسف قرب خطوة، وصوته كان رايح خالص من الخضة والتعب: “أنا.. أنا مش عارف أقولك إيه. أنتِ أنقذتِ حياته يا سما. أنتِ رجعتيلي روحي تاني”.
​بصيتِ في عينيه التعبانة، وحسيتِ إن الجدار الجليدي اللي بنيتيه بينك وبينه على مدار خمس سنين بدأ يشقق ويدوب. قلتي بصوت هادي وفيه بحة تعب: “ده واجبي يا يوسف.. الحاج عبد الرحمن غالي عليا زي ما هو غالي عليك بالظبط. هو مش مجرد حالة بالنسبة لي”.
​سكتِ لثانية، وبعدين كملتِ وأنتِ بتبصي للورقة اللي في إيدك: “هو دلوقتي استقر، والدكتور طمني إن الأزمة عدت. بس لازم يفضل تحت الملاحظة الـ ٢٤ ساعة الجايين وممنوع عنه الحركة التامة أو الزعل”.
​يوسف هز راسه بامتنان، وعينيه منزلتش من على وشك. قال بنبرة دافية ورجعت فيها نغمة الرجاء القديمة: “سما.. إحنا محتاجين نتكلم. الخمس سنين دول مكانوش سهلين عليا، ولا اعتقد إنهم كانوا سهلين عليكي. الكلام اللي اتقطع زمان في حفلة التخرج.. لازم يكمل. أنا مأجرتش شقة في الزمالك ولا قعدت في فندق، أنا نزلت علطول على بيت جدي في الحتة الشعبية، ولقيت كل حاجة زي ما سيبتها.. حتى ذكرياتنا سوا في شوارع القاهرة لسه عايشة في كل ركن”.
​كلامه صحى فيكي الحنين اللي كنتِ دافناه تحت جبال من المذاكرة والمحاضرات. افتكرتِ لما كنتوا بتمشوا على كورنيش النيل وتجيبوا ترمس، وافتكرتِ وعوده ليكي. بس في نفس الوقت، افتكرتِ الخوف اللي حسيتِ بيه وقتها، خوفك من إنك تختفي في ظله وتعيشي في جلباب غناه واسمه من غير ما تثبتي نفسك.
​بصيتِ له بصلابة مدارية وراها ضعف كبير، وقلتِ: “يوسف.. الوقت اتأخر، وأنا نوبتجيتي خلاص بتخلص وفاضل ساعتين والشمس تطلع. جَدك محتاجك جمبه دلوقتي، وأنا محتاجة أروح عشان أقدر أواصل. الكلام مش هيهرب.. الأيام سابتنا خمس سنين، مش هتقف على كام ساعة”.
​يوسف حس بإنك لسه خايفة أو بتديري ضهرك للمواجهة، بس المرة دي مكنش عنده نية يستسلم أو يسيبك تضيعي من إيديه تاني. أخد نفس طويل، وبص لك بنظرة تحدي ممزوجة بحب حقيقي وقال: “ماشي يا دكتورة سما.. هسيبك ترتاحي. بس افتكري إن أنا مش يوسف بتاع زمان اللي سافر ومبصش وراه وهو مكسور. أنا رجعت وأمريكا ورا ضهرك، والمرة دي، مش هسيب مصر.. ولا هسيبك، غير لما أسمع منك الحقيقة كاملة”.
​سيبتيه ومشيتِ، وخطواتك كانت تقيلة كأنك شداها بسلاسل. دخلتِ أوضة الدكاترة المقيمين، رميتِ البالطو على السرير، وقعدتِ على الكرسي الخشب وحطيتِ راسك بين إيديكي. دموعك اللي حبستيها طول الليل نزلت فجأة وبغزارة. الصراع اللي عشتِ فيه السنين اللي فاتت رجع يشتعل تاني وبقوة؛ بين البنت الطموحة اللي بقت دكتورة وبتحقق ذاتها، وبين قلب سما القديم اللي لسه بيدق وبيتمرجح على حبال حب يوسف.
​مرت الساعتين كأنهم دقيقة، وصوت آذان الفجر رفع في مساجد القاهرة، وصوت العصافير بدأ يظهر مع أول خيوط النور اللي شققت السما. غيرتِ هدومك ولميتِ حاجتك في الشنطة، وخرجتِ من باب المستشفى. الشارع كان لسه هادي، ونسمة الصبح كانت بتغسل شوارع قصر العيني.
​وقفتِ على الرصيف عشان تشاوري لتاكسي يرجعك البيت، وفجأة، وقفت قدامك عربية سودا هادية وحديثة. الإزاز ينزل بالراحة، وظهر وراه وش يوسف، اللي كان باين عليه إنه منامش ولا ثانية، بس ضحكته الخفيفة كانت لسه منورة وشه رغم التعب.
​سند إيده على باب العربية وبص لك وقال: “مش هسيبك تركبي تاكسي في وقت زي ده وأنا موجود. اركبي يا سما.. جدي نايم ومطمن، وأنا مش هطمن غير لما أوصلك لحد باب بيتك.. زي زمان”.
​ترددتِ لثواني، بصيتِ للشارع الفاضي، وبعدين بصيتِ لعينه اللي مفيهاش أي لوم، بس فيها أمان كنتِ م thoseـاه من سنين. فتحتِ باب العربية وقعدتِ جمبه. العربية اتحركت بسكوت وسط شوارع القاهرة الصاحية على نور الصبح، والسكوت بينهم كان أبلغ من أي كلام. يوسف مد إيده وشغل كاسيت العربية بصوت واطي جداً، وصوت أم كلثوم طلع يدندن: “وعايزنا نرجع زي زمان.. قول للزمان ارجع يا زمان”.
​بصيتِ من الشباك على الشوارع والبيوت، وحسيتِ إن الرواية مخلصتش، بالعكس.. دي لسه بتبدأ فصل جديد أشد وأقوى، وفيه أسئلة كتير ملهاش إجابة مستنياكم في الشوارع اللي شهدت على حبكم القديم.العربية كانت بتنهب الشارع بسكوت، وصوت الست أم كلثوم في الخلفية بيلمس حتت مكسورة جوة قلبك ومصحّي شجن السنين. يوسف كان سايق بإيد واحدة، والإيد التانية ساندة على الدريكسيون وعينيه مركزة على طريق كورنيش النيل اللي بدأ النور يكشف ملامحه. الغبش اللي مالي الجو ونسمة الصبح الساقعة كانوا مدين للقاهرة هيبة وسحر خاص، كأنها بتشارككم السكوت.
​فضلتِ باصة من الشباك على الماية اللي بتلمع مع أول خيوط الشمس، محتارة تبدأي الكلام منين، ولا تسيبيه هو اللي يتكلم. فجأة، يوسف هدا السرعة وركن العربية على جمب، قبال نهر النيل بالظبط. قفل الكاسيت، فعمّ السكوت الأوضة الصغيرة اللي بتجمعكم جوة العربية، سكوت مشحون بكلام كتير محبوس في القلوب.
​لف يوسف بجسمه ناحيتك، وسند دراعه على الكرسي ورا راسك من غير ما يلمسك، وبص لوشك اللي لسه باين عليه إرهاق نوبتجية المستشفى. أخد نفس طويل وقال بنبرة هادية بس مليانة حسم: “سما.. إحنا خلاص مش عيال صغيرين، والأيام اللي راحت من عمرنا مش هترجع. أنا الخمس سنين اللي فاتوا دول مكنتش عايش، كنت شغال زي الآلة، بكبّر شغلي وبطوّر شركتي هناك بس عشان أثبت لنفسي -وليكي- إن أنا مش مجرد اسم وعيلة وغنى زي ما كنتِ شايفة. كنت عايز أرجع وأنا الراجل اللي تفتخري بيه وتطمني معاه، مش اللي يخبيكي في ضله”.
​بلعتِ ريقك وبصيتِ في عينيه اللي كانت بتقرأ كتاب حياتك المفتوح قدامه. قلتي بصوت وطي بس واثق: “يوسف، أنت عمرك ما فهمتني صح.. أنا مكنتش خايفة من غناك، أنا كنت خايفة من نفسي. كنت لسه بنت في المدرسة، مش عارفة أنا مين ولا هكون إيه. كان لازم أقف على رجلي الأول، كان لازم أبقى (الدكتورة سما) بتعبي ومجهودي، مش بفلوسك ولا بنفوذ اسمك. لو كنت وافقت وقتها، كنت هعيش عمري كله حاسة إن ماليش وجود من غيرك”.
​يوسف سكت لثواني، ملامحه هديت والحدة اللي في عينه دابت، وحل مكانها حنان قديم قوي. مد إيده ومسك إيدك اللي كانت سانداها على ركبتك. المرة دي ممانعتيش، سيبتِ إيدك في إيده ودفى صوابعه بيسري في عروقك الساقعة. قال بصوت فيه بحة صدق: “ودلوقتي يا سما؟ بقيتِ الدكتورة سما، وبقيتِ نوارة المستشفى كلها، وأنا فخور بيكي لدرجة متتوصفش. دلوقتي.. لسه في مكان ليوسف في حياتك؟ ولا القصة بالنسبة لك قفلتِ كتابها وخلاص؟”.
​السؤال كان صدمة لقلبك، الإجابة كانت جاهزة وجواكي من سنين، بس الخوف من المجهول لسه بيهزك. قبل ما تنطقي بولا كلمة وتديله الإجابة اللي مستنيها، تليفون يوسف اللي محطوط بين الكرسيين نور واهتز بعنف.
​يوسف بص على الشاشة بحاجبين معقودين، ملامحه اتخطفت في ثانية واللون هرب من وشه أول ما قرأ اسم المتصل: “مستشفى قصر العيني – الرعاية المركزة”.
​قلبك سقط في رجليكي، وبصيتوا لبعض برعب. يوسف فتح الخط بسرعة وبإيد بترعش، وفتح السبيكر من غير ما يفكر. صوت دكتور الوردية المقيم طلع سريع ومشوش وراه دوشة وصراخ مكتوم في الخلفية: “باشمهندس يوسف؟ الحقنا بسرعة.. الحاج عبد الرحمن فاق من الغيبوبة فجأة وطلب يشوفك أنت والدكتورة سما حالاً، بس مش ده الموضوع.. جهاز رسم القلب لقط حاجة غريبة جداً، وإحنا بنفتش في أوراقه الطبية القديمة اللي جيبتوها معاكم من أمريكا عشان نفهم تاريخه المرضي، لقينا ظرف مقفول باسمك وباسم الدكتورة سما.. جَدك كان مخبي سر بقاله خمس سنين، والسر ده هيقلب كل حاجة رأساً على عقب.. لازم تيجوا حالاً قبل فوات الأوان!”.
​الخط قطع، وصوت الصفارة الرتيبة رجع يملى ودنكم من تليفون يوسف اللي سكت. بصيتوا لبعض وعينيكوا متسعة من الذهول والرعب، والدنيا حواليكم وقفت كأن الزمن بيرتب لكم صدمة جديدة مكنتش على البال، صدمة هتغير مفهوم الخمس سنين اللي فاتوا كلهم!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *