دموع الرجل العجوز

حازم الشناوي حس إن البرج كله بيلف بيه، والرخام اللي تحت رجليه اتهز. الكلام المكتوب بألوان الشمع في الورقة كان عامل زي مية النار اللي حرقت عينيه. “تبيعها لبتوع الشحاتة”.. الجملة دي فضلت تتردد في ودنه بصوت مرعب، وبص لمريم اللي كانت واقفة بتترعش وضامة أختها سجدة لدرجة إن عروق إيديها الصغيرة كانت بارزة وزرقا من الخوف والساقعة.
الست اللي دخلت بالعباية الحمراء، نجوى، كانت بتتحرك في صالة الاستقبال كأنها هي صاحبة المكان، صوت شبشبها على الرخام وصوت غوشتها الفالصو وهي بتخبط في بعضها عملوا شوشرة غطت على صوت المطر اللي برة. وشها كان مليان غل، وعينيها كانت بتدور على مريم زي الصقر اللي نازل ينهش فريسته. أول ما عينيها جت على البنت، زعقت بأعلى صوتها:
— إنتي هنا يا مقصوفة الرقبة؟ وأنا عمالة ألف عليكي في الشوارع وكعب داير من الصبح! بقى سايبة البيت وهربانة بالبنت عشان تشحتي لحسابك؟ تعالي هنا غارت في داهية أراضيكي!
وقبل ما فرد الأمن أو لبنى يتحركوا، نجوى مدت إيدها الضوافرها طويلة ومتبهدلة، وقبضت على كتف مريم الصغير وشدتها بعنف لدرجة إن البنت صرخت، وسجدة الرضيعة بدأت تعيط بصوت مخنوق ومكتوم كأنها معندهاش طاقة حتى للصريخ.
هنا حازم الشناوي وقف طوله، والهدوء اللي كان عليه اختفى تماماً. ملامحه اتحولت لكتلة من الغضب الصافي. خطوة واحدة منه كانت كفيلة إنه يكون واقف بين نجوى وبين مريم. مسك إيد نجوى من على كتف البنت وضغط عليها بقوة راجل رياضي، قوة خلت نجوى تصرخ وتسيب البنت وهي بتبص له بذهول.
— إنتي فاكرة نفسك داخلة زريبة؟ — صوت حازم طلع واطي بس مرعب، من النوع اللي يخلي الركب تخبط في بعضها — إنتي في برج الشناوي يا ست إنتي، وإيدك دي لو اتمدت على البنت تاني، أنا هقطعهالك هنا وقبل ما البوليس يوصل.
نجوى رجعت خطوة لورا، وحاولت تتشطر وتعلى صوتها عشان تلم الناس، وبدأت تصرخ وتلطم على صدرها:
— يا ناس يا هوه! الحقوني! بياخدوا مني عيالي! أنا جاية ألم لحمي من الشوارع والبهوات عايزين يحبسوني! ده أنا قريبتهم ومن لحمهم ودمهم، والأستاذ المحترم ده عايز يخطفهم مني!
لبنى موظفة الاستقبال بدأت تتوتر، والناس اللي كانت خارجة من المكاتب وقفت تتفرج من بعيد، والهمسات بدأت تزيد. مريم استخبت تماماً ورا ضهر حازم، مسكت في بنطلونه البدلة الشيك ودموعها نازلة سايل على وشها الساقع، وبتقول بصوت مرعوب:
— يا عمو حازم متخليهاش تاخد سجدة.. والله هتموتها.. هي قالت لي لو رجعتي من غير اللبن هوديها للراجل الأعور اللي تحت الكوبري.. أرجوك يا عمو.
حازم سمع الكلمة دي، وبص لمدير الأمن بتاعه، “عماد”، اللي كان واقف مستني إشارة. حازم شاور له براسه وقال:
— اقفلوا الأبواب الإلكترونية للبرج. محدش يدخل ولا يخرج، والست دي تتاخد على مكتب الأمن جوة حالا ومن غير شوشرة.
نجوى حست إن اللعبة بدأت تبوظ، وحاولت تجري ناحية الباب الدوار، بس فردين أمن ضخام سدوا السكة قدامها، ومسكوها من دراعاتها. بدأت ترفس وتصوت وتدعي عليهم، بس هيبتهم وجديتهم خلوها تتسحب على جوة وهي بتجر رجليها.
حازم نزل لمستوى مريم تاني، وحط إيده على راسها وبص لسجدة اللي كانت بتنين من الجوع. وشه اتغير وبقى حنين تماماً:
— متخافيش يا مريم.. طول ما أنا عايش مفيش مخلوق هيلمسك إنتي وأختك. يا لبنى!
لبنى وقفت انتباه:
— تحت أمرك يا فندم.
— اطلبي من الكافتيريا فوراً علبة لبن أطفال رقم ١، هاتيها من الصيدلية اللي تحت البرج حالا، وخلي الشيف يعمل شوربة دافية وحاجة تاكلها البنت الكبيرة دي، واطلعوا بيهم على مكتبي في الدور العشرين.
حازم أخد مريم في إيده، ومشي بيها ناحية الأسانسير الخاص بتاعه. البنت كانت بتبص للمكان المليان مرايات ورخام وإضاءة عالية كأنها دخلت كوكب تاني. لما الأسانسير طلع بسرعة، مريم خافت ومسكت في حازم أكتر، وهو طبطب عليها وقال لها: “متخافيش يا حبيبتي، إنتي في أمان”.
في مكتب حازم الواسع، اللي بيطل على شوارع القاهرة والمطر مغرق القزاز، قعد مريم على كنبة جلد ناعمة جداً. البنت كانت خايفة تقعد بهدومها المبلولة عشان متبهدلش المكان، بس حازم أصر وقعد جنبها. السكرتيرة دخلت بسرعة ومعاها بطانية صوف دافية وعلبة اللبن الصناعي والببرونة بعد ما عقمتها بمية سخنة، ومعاها أكل لمريم.
حازم أخد الببرونة وبدأ يعمل اللبن بنفسه، إيديه اللي بتوقع عقود بملايين كانت بترتعش وهو بيعاير بودرة اللبن في المية الدافية. أداها لمريم اللي أخدتها بسرعة وبدأت ترضع أختها سجدة. الرضيعة أول ما الببرونة دخلت بقها، سكتت تماماً وبدأت تشرب بنهم ولهفة تقطع القلب، كأنها كانت بتموت من الجوع فعلاً. مريم بدأت تاكل اللقمة اللي جابوها لها، وهي بتبص لحازم وعينيها مش مصدقة إن الكابوس ده ممكن يخلص.
بعد ما سجدة نامت وهي شبعانة ومريم بدأت تدفى، حازم قعد قدام مريم وقال لها بصوت هادي:
— قوليلي بقى يا مريم.. إيه الحكاية؟ أمك وأبوكي فين؟ والست نجوى دي بتعمل معاكم كده ليه؟
مريم بلعت لقمة في زورها، وبصت للورقة اللي حازم كان لسه ماسكها في إيده، وبدأت تتكلم وصوتها بيرتعش:
— بابا مات من سنة يا عمو.. كان شغال سواق تاكسي وعمل حادثة. وماما تكلفت بمصاريف علاج كتير واستلفت فلوس من طوب الأرض عشان تسدد ديونه. من ست شهور، لما سجدة اتولدت، الديانة كبسوا على ماما وكانوا عايزين يحبسوها. نجوى دي جت وقالت لها أنا هسلفك الفلوس وتكتبي لي شيكات، بس لما ماما معرفتش تدفع، نجوى أخدت ماما في عربية وم رجعتش من يومها.
حازم عقد حواجبه:
— يعني إيه مرجعتش؟ راحت فين؟
— نجوى قالت لنا إن ماما هربت وسابتنا عشان خايفة من السجن، بس أنا شوفت ماما وهي بتعيط وبتقول لنجوى “حرام عليكي متحرمنيش من عيالي”.. نجوى حبستنا في أوضة فوق السطوح في منطقة ورا الدائري. وكانت كل يوم الصبح تديني سجدة وتقولي انزلي شحاتي بيها، وجيبي لي متين جنيه في اليوم. لو رجعتي بأقل من كده، مش هتاكلي، وهبيع أختك للراجل الأعور اللي بيشغل العيال الصغيرة في الإشارات.
حازم حس إن الدم غلي في عروقه. الموضوع مش مجرد ست قاسية، دي شبكة اتجار بالبشر واستغلال أطفال. وقف ودخل مكتب الأمن اللي تحت في الدور الأرضي عن طريق التليفون، وقال لعماد مدير الأمن:
— الست دي اعترفت بحاجة؟
عماد رد بصوت جاد:
— يا فندم دي ممثلة درجة أولى، عمالة تصرخ وتقول إن البنات بنات قريبتها وهي بتتولى رعايتهم ومريم دي بنت كدابة وبتتبلى عليها، وبتهددنا بالشرطة.
حازم قال له:
— أنا نازل فوراً. اطلب لي المحامي بتاع الشركة، واطلب لي رئيس مباحث المنطقة، أنا عايز “المقدم أحمد فتحي” يجي هنا حالا، بس خليه يدخل من الباب الخلفي مش عايز شوشرة في البرج.
نزل حازم لمكتب الأمن، ودخل الأوضة اللي فيها نجوى. الست كانت قاعدة وحاطة رجل على رجل، وأول ما شافت حازم، لوت بوزها وقالت:
— أهو الباشا الكبير جه. شوف يا بيه، أنا ست ماليش في المشاكل، والبلد فيها قانون. إنت حابسني هنا بأي حق؟ أنا هاخد البنات وأمشي، وأمهم هي اللي رمياهم لي، وأنا اللي بصرق عليهم من دمي ولحمي.
حازم قعد على الكرسي قدامها، وحط الورقة اللي مكتوبة بالكرايون على المكتب وثبت عينه في عينها:
— الخط ده خطك يا نجوى؟
نجوى ارتبكت للحظة، بس سرعان ما استعادت بجاحتها:
— خطي ولا مش خطي، دي طريقة تربية! العيال دي لو مدلعوش مش هيجيبوا قرش، وإحنا ناس غلابة وعايزين نعيش.
حازم ضحك ضحكة باردة تخوف:
— غلابة؟ وبتوع الشحاتة اللي كنتي هتبعي لهم البنت الرضيعة دول غلابة برضه؟ والست اللي كانت ماشية ورا البنت بتصورها وتبعت رسايل، دي كانت بتطمن عليها ولا بتشوف الغلة كام؟
في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخل المقدم أحمد فتحي، رئيس المباحث، ومعاه اثنين أمناء شرطة. أحمد وحازم أصحاب من زمان، وبمجرد ما أحمد شاف المنظر وقرأ الورقة اللي حازم سلمهالها، ملامحه اتغيرت.
أحمد فتحي بص لنجوى وقال لها:
— الاسم إيه بالكامل يا شاطرة؟
نجوى بدأت تخاف بجد لما شافت بدلة المباحث والكلبشات:
— نجوى عبد العال يا باشا.. والله أنا غلبانة ومربياهم..
أحمد قاطعها بصوت جهوري:
— مربياهم بالتهديد والبيع؟ سيبك من حكاية البنتين دول دلوقتي.. أمهم فين؟ “سمر رأفت” فين؟
نجوى وشها اتقلب أصفر كأن الدم هرب منه:
— أمهم؟ أنا إيش عرفني؟ مش قلت لكم هربت وسابت العيال؟
المقدم أحمد قعد على طرف المكتب وقرب منها وقال لها:
— هربت برضه؟ طب إيه رأيك إننا فحصنا تليفونك أول ما دخلنا البرج بناء على بلاغ حازم بيه، ولقينا رسايل بينك وبين واحد مسجل خطر اسمه “البرص”، بتتفقي معاه على “بضاعة” واصلة من ست شهور، ولقينا كمان لوكيشن لشقة في منطقة بولاق الدكرور، الشقة دي مقفولة بقفل من برة.. تحبي نروح سوا نفتحها ونشوف مين اللي جوة، ولا تتكلمي هنا وتخلصي نفسك عشان جناية خطف واحتجاز واتجار في البشر دي فيها إعدام أو مؤبد؟
نجوى بدأت تترعش بجد، والغل اللي كان في عينيها اتقلب لرعب خالص. وقعت على ركبها قدام المقدم أحمد وبدأت تعيط وتلطم:
— أمانة عليك يا باشا بلاش المؤبد.. أنا هقول على كل حاجة.. والله ما أنا لوحدي، ده “البرص” هو اللي قالي اعملي كده. سمر أم البنات محبوسة في الشقة دي بقالها خمس شهور. إحنا مخلينها توقع على وصلات أمانة على بياض، ومستنيين البنت الكبيرة تجيب فلوس عشان نسفر الأم الصعيد ونبيع البنت الصغيرة للناس اللي مبيخلفوش برة البلد بفلوس كتير.. والله أنا عبد المأمور!
المشهد في أوضة الأمن كان كفيل يوقف شعر الراس. حازم الشناوي حس بقرف رهيب من البني آدمين اللي ممكن يبيعوا ضميرهم ويتاجروا بلحم عيال صغيرة عشان الفلوس. بص للمقدم أحمد وقال له:
— أحمد.. سمر لازم تطلع حالا. اطلعوا بالقوة على الشقة وفكوا أسرها، وأنا هجيب مريم وسجدة ونيجي وراكم على القسم عشان نعمل المحضر وتستلم أمها.
أحمد فتحي كلبش نجوى وقال لأمناء الشرطة: “خدوا البتاعة دي على البوكس، واطلعوا بنا على اللوكيشن فوراً”.
حازم طلع تاني لمكتبه، لقى مريم قاعدة على الكنبة وضامة أختها اللي نايمة في حضنها، والبنت بدأت عينيها تروح من التعب والراحة اللي مشافتهاش من شهور. حازم قرب منها وقال لها بصوت دافي:
— مريم.. حبيبتي.. إحنا لقينا ماما.
مريم أول ما سمعت الكلمة دي، الأكل وقع من إيدها، وقامت وقفت وجريت على حازم، مسكت في إيده وعينيها وسعت من الفرحة والدموع:
— بجد يا عمو؟ ماما عايشة؟ مش هربت وسابتنا زي ما نجوى كانت بتقول؟
حازم مسح دموع مريم وقال لها:
— ماما عمرها ما سابتكم يا مريم، ماما كانت محبوسة بسبب الست الشريرة دي، والشرطة دلوقتي رايحة تجيبها. يلا بينا عشان نروح نقابلها.
في نفس الوقت، كانت قوات الشرطة بتكسر باب الشقة القديمة في بولاق الدكرور. الشقة كانت ضلمة وكئيبة، وريحتها رطوبة وعفن. في أوضة جوة، كانت “سمر” أم البنات، مربوطة بسلسلة حديد من رجليها في السرير، وشها كان دبلان وعينيها غرقانة في الهالات السوداء، وجسمها بقى نحيف جداً من قلة الأكل والعذاب النفسي. أول ما شافت العساكر والضابط بيكسروا القفل، صرخت وافتكرت إن نجوى بعتت حد يموتها.
أحمد فتحي قرب منها وقال لها: “متخافيش يا مدام سمر، إحنا الشرطة، وبناتك مريم وسجدة في أمان ومعانا برة”. سمر أول ما سمعت أسماء بناتها، أغمى عليها من الصدمة والفرحة اللي مستحملتهاش.
بعد ساعتين في قسم الشرطة..
الأجواء كانت مشحونة. نجوى قاعدة في الحجز والكلبشات في إيدها، و”البرص” اتقبض عليه في كمين بعد ما نجوى اعترفت عليه. وفي مكتب رئيس المباحث، كانت سمر قاعدة بعد ما الإسعاف غسلت وشها وأدتها محلول. الباب اتفتح، ودخل حازم الشناوي وهو شايل سجدة الرضيعة، ومريم ماشية جنبه ومبرقة عينيها بتدور في الأوضة.
— ماما!
الصرخة دي طلعت من قلب مريم، وجريت بأقصى سرعة عندها وارتمت في حضن أمها. سمر خدتها في حضنها وبقت تبكي بصوت هز جدران الأوضة، صريخ بكاء مليان قهر ووجع وشوق. حازم قرب بهدوء وحط سجدة في حضن سمر، اللي بدأت تبوس فيها وتشم ريحتها وهي مش مصدقة إن ربنا رد لها عيالها تاني بعد ما كانت فاكرة إنها هتموت في الأوضة الضلمة دي.
المقدم أحمد فتحي بص لحازم وقال له: “الحمد لله يا حازم، لولا إنك ركزت في تفاصيل البنت والورقة، كان زمان الست دي اختفت بالبنات وسمر دي ماتت من الجوع جوة الشقة”.
حازم بص للعيلة اللي اتجمعت تاني، وحس إن فلوسه ومكانته ملهمش أي لازمة لو مكنش قدر يعمل الموقف ده. قرب من سمر وقال لها:
— مدام سمر.. المحامي بتاع شركتي هيتولى كل القضايا والوصلات المزورة دي هتبطل تماماً، ونجوى والشبكة دي هياخدوا جزاءهم. ومن بكرة، فيه شقة تابعة للشركة في مكان محترم هتنقلي فيها إنتي والبنات، وفيه مرتب شهري ثابت هيوصلك لحد ما صحتك ترجع وتشتغلي معايا في إدارة الحسابات في الشركة لو تحبي.
سمر مكنتش قادرة تتكلم من كتر البكاء والشكر، ومريم بصت لحازم وقالت له: “شكراً يا عمو حازم.. أنا هطلع مهندسة شاطرة وأجي اشتغل عندك وأرد لك كل الفلوس دي”. حازم ضحك من قلبه وقال لها: “وأنا مستنيكي يا بشمهندسة مريم”.
القصة كانت ممكن تنتهي هنا، والنهاية تكون سعيدة وكل حاجة تمام.. لكن القدر كان شايل سر تاني خالص، سر هيفجر مفاجأة مكنتش على بال حد.
وهما خارجين من باب القسم، حازم كان ماشي جنب سمر ومريم وشايل سجدة. الدنيا كانت لسه بتمطر خفيف، وأنوار الشارع عاكسة على المية. وفجأة، وقفت عربية سودا شيك جداً قدام القسم، ونزل منها راجل عجوز، في أواخر الستين من عمره، ملامحه كانت صارمة، لابس بالطو أسود غالي، وبيمشي بعصاية وليها يد دهب.
الراجل العجوز وقف وبص لحازم، وبعدين نقل عينه لسمر، وفجأة عينه ثبتت على البنت الصغيرة “مريم” وعلى البيبي “سجدة”. الراجل العجوز إيده بدأت تترعش، والعصاية وقعت من إيده على الأرض المبلولة.
حازم استغرب وبص للراجل وقال له: “فيه حاجة يا فندم؟ حضرتك تعبان؟”
الراجل العجوز مقدرش ينطق، دموعه نزلت وهو بيبص لسمر وللبنات، وصوته طلع مبحوح ومكسور وهو بيقول جملة واحدة خلت سمر تصرخ وتقع في الأرض من الصدمة، وخلت حازم الشناوي يقف مكانه كأنه اضرب بالكهربا، والجملة دي غيرت كل اللي فات، وفتحت باب لسر قديم ومرعب مكنش حد يتخيله..الراجل العجوز خطى خطوة واسعة ورجليه بتترعش على الأرض المبلولة، وبص لسمر اللي كانت مبرقة عينيها ومش قادرة تاخد نفسها، ونطق الكلمة اللي هزت الشارع كله:
— سمر.. إنتي عايشة يا بنتي؟ والبنات دول.. دول ولاد “رأفت” ابني؟!
حازم الشناوي حس كأن الهوا اتسحب من المكان. بص لسمر اللي كانت بتنهج وصوت شهقاتها علي، وفجأة صرخت بأعلى صوتها:
— إنت؟! إنت إيه اللي جابك هنا بعد السنين دي كلها؟ مش إنت اللي طردت رأفت ورميتنا في الشارع وقُلت معنديش ابن بالاسم ده؟ جاي عايز منه إيه تاني وهو في تربته؟!
الراجل العجوز، اللي طلع اسمه “إسماعيل الألفي”، واحد من حيتان سوق العقارات والشرير اللي الكل بيعمله ألف حساب، نزل على ركبه في المطر من غير ما يهتم ببدلته ولا برستيجه، وبص لمريم وسجدة وعينيه مليانة دموع وندم حقيقي وقال بصوت مكسور:
— أنا اضحك عليا يا سمر.. رأفت الله يرحمه مات وهو غضبان مني بسبب اللعبة اللي اتعملت علينا.. أنا بقالي ست شهور قالب الدنيا عليكي وعلى بناته، ولما عرفت إن فيه محضر اتقبض فيه على الست اللي اسمها نجوى، جيت جاري عشان كنت شاكك إنها ورا اختفائكم!
حازم الشناوي انتبه فجأة وربط الخيوط ببعضها، وبص لإسماعيل الألفي وقال له بحدة:
— يعني نجوى دي مكنتش شغالة من دماغها؟ نجوى كانت بتنفذ أمر حد تاني عشان تبعد سمر والبنات عن طريقك يا إسماعيل بيه؟
إسماعيل الألفي رفع رأسه وعينيه بتطق شرار من الغل والندم، وقال وهو بيشاور على عربية سودا تانية كانت واقفة بعيد ومطفية نورها:
— نجوى كانت شغال لحساب “مدحت”.. ابن أخويا! هو اللي فهمني إن رأفت سرق فلوس الشركة وهرب برة مصر، وهو اللي دفع لنجوى عشان تحبس سمر وتذل البنات في الشوارع، عشان يضمن إن محدش فيهم يظهر يطالب بورث رأفت في مجموعة الألفي.. مدحت هناك اهو يا حازم.. واقف مستني يتأكد إن البنات ماتوا من الجوع!
في اللحظة دي، العربية السودا اللي كانت واقفة بعيد دورت محركها فجأة وطلعت بأقصى سرعة وهي بتفرك في الأسفلت المبلول عشان تهرب، وحازم الشناوي صرخ في أفراد الأمن بتوعه وهو بيشاور على العربية:
— اقفلوا الشارع! اطلبوا النجدة! المـجـرم هيهرب!صوت فرملة العربية السودا وهي بتلف بسرعة جنونية عمل صريخ في الشارع كله. مدحت كان سايق وهو مش شايف قدامه من الرعب بعد ما لقى الخطة اللي بقاله شهور بيتدبر فيها اتفضحت في دقيقة، والكلبشات بقت قريبة من رقبته.
حازم الشناوي لم لمح العربية وهي بتجري، متهيأش ثانية واحدة؛ ساب سجدة الرضيعة في حضن أمها، وجري على عربيتة الـ (SUV) الضخمة، دارت المكنة بصوت زئير مرعب، وطلع ورا مدحت كأنه طلقة رصاص. المطر كان لسه بينزل، والأسفلت بيتزحلق، بس حازم كان سايق بروحه، مش هيفوت المـجـرم اللي هان عليه لحم أطفال.
المقدم أحمد فتحي وعساكره ركبوا بوكسات الشرطة وسارينات الإسعاف والنجدة اشتغلت وقلبت هدوء الليل في جاردن سيتي. مدحت كان بيحاول يدخل في الشوارع الجانبية الضيقة عشان يهرب ناحية الكورنيش، بس حازم كان قافل عليه السكة ومطاردة سينمائية رهيبة بدأت تخطف أنفاس كل اللي واقفين في الشارع. وفجأة، مدحت جه يلف على واسع، العربية اتزحلقت منه من مية المطر وخبطت بقوة في رصيف الكوبري، الموتور طلع دخان أبيض والعربية وقفت مكانها.
حازم وقف عربيتة بعرض الشارع عشان يقفل عليه أي مخرج، ونزل وبكل عصبية شد مدحت من باب العربية المكسور ورماه على الأرض في المية:
— قسماً بالله لو ما كنت عيل خسيس ولحقتك الشرطة، لكنت دفنتك بإيدي هنا يا مداميس!
مدحت كان وشه كله دم وبيتمرغ في الطين وهو بيعيط:
— أنا أسف يا حازم بيه.. والله الشيطان غواني.. الفلوس عمتني.. عمي إسماعيل كان هيكتب كل حاجة لرأفت وبناته وأنا كنت هطلع من المولد بلا حمص!
في ثواني، كانت عربيات البوليس حاصرت المكان، والمقدم أحمد فتحي نزّل الكلبشات في إيد مدحت ورفعه من على الأرض وقال له بقرف: “الفلوس تعميك تخلي عيلة عندها تمن سنين تشحت بأختها الرضيعة في المطر؟ ده إنت حسابك معايا في القسم مش هيخلص يا روح أمك.. خدوه على البوكس!”.
رجع حازم الشناوي للمكان اللي واقفين فيه، لقى إسماعيل الألفي قاعد على دكة خشب في الشارع، والدموع مغرقة وشه الصارم وهو حاضن مريم وسمر ومش عايز يسيبهم. أول ما شاف حازم، قام ووقف على رجليه بالعافية وسند على عصايته الدهب، وقال له وصوته بيرتعش:
— أنا مش عارف أشكرك إزاي يا حازم يا ابني.. إنت رجعت لي روحي، ورجعت لي لحمي اللي كان هيضيع بسبب غبائي وثقتي في ناس متسواش.. أنا مديون لك بعمري كله.
حازم ابتسم بطيبة وطبطب على كتف الراجل العجوز وقال له: “الشكر لله يا إسماعيل بيه، ربنا أراد إن مريم تدخل برجي عشان الحق يرجع لأصحابه، والحمد لله إن الكابوس ده انتهى”.
مرت الأيام والشهور، والمحاكمة كانت حديث الرأي العام في مصر كلها؛ نجوى ومدحت والشبكة بتاعتهم أخدوا أحكام رادعة بالسجن المؤبد والأشغال الشاقة عشان يكونوا عبرة لأي حد يفكر يتاجر بدم الغلابة والأطفال.
وبعد سنة من الحادثة دي..
الجو كان شمس وجميل في نفس البرج بـ “جاردن سيتي”. الباب الدوار اتفتح، ودخلت منه مريم، بس المرة دي مكنتش لابسة البلوفر الواسع ولا الكوتشي المقطوع، كانت لابسة فستان أبيض جميل وشيك جداً، وفي إيدها سجدة اللي كبرت وبقت بتمشي وتضحك والخدود حمرا وصحتها زي الفل، ووراهم سمر أمهم اللي وشها رجعت له الضحكة والراحة، ومعاهم الجد إسماعيل الألفي اللي كان باصص لهم بفخر.
مريم جريت في صالة الاستقبال، لبنى الموظفة أول ما شافتها ابتسمت وراحت حضنتها، ومريم طلعت تجري على مكتب حازم الشناوي في الدور العشرين. دخلت المكتب وهي بتضحك وتقول: “عمو حازم! عمو حازم! أنا طلعت الأولى على المدرسة السنة دي، وجبت لك الشهادة أهوه عشان أثبت لك إني هطلع أشطر مهندسة في شركتك!”.
حازم قام من ورا مكتبه وضحك من قلبه، وشال مريم ولف بيها وقال لها: “أنا واثق فيكي يا بشمهندسة مريم، والشركة دي كلها مستنياكي”.
وانتهت حكاية مريم وسجدة، الحكاية اللي بدأت بورقة كرايون ودموع في المطر، وخلصت بأمان وضحكة مالية الدنيا، بعد ما ربنا سخر لهم قلوب رحيمة تنقذهم من وسط الظلمات للنور.بعد مرور ثلاث سنوات كاملة..
كان برج الشناوي واقف شامخ في قلب القاهرة، لكن في الدور العشرين كان فيه مشهد مختلف تمامًا عن أي اجتماع أعمال أو صفقات بالملايين.
مريم، اللي بقت عندها إحدى عشرة سنة، كانت واقفة قدام لوحة كبيرة علقتها الشركة في المدخل الرئيسي مكتوب عليها:
“منحة الأمل التعليمية لرعاية الأطفال المتفوقين.”
تحت الاسم كان فيه توقيع صغير: “إهداء من مريم إسماعيل الألفي.”
حازم الشناوي وقف جنبها مبتسم وقال: — فخورة بنفسك يا بشمهندسة؟
رفعت مريم راسها بابتسامة واسعة وقالت: — أكتر حاجة مبسوطة بيها إن فيه أطفال كتير مش هيحسوا بالخوف أو الوحدة تاني.
في اللحظة دي، كانت سجدة الصغيرة بتجري في الاستقبال وهي ماسكة رسمة جديدة بألوانها المفضلة.
جريت ناحية حازم ومدتله الورقة: — بص يا عمو حازم… رسمتك أنت وأنا ومريم وجدو.
أخد الورقة واتأملها للحظات.
كان مرسوم فيها شمس كبيرة، وبيت واسع، وأربع أشخاص واقفين جنب بعض وكلهم بيضحكوا.
ابتسم وقال: — دي أحلى لوحة شوفتها في حياتي.
إسماعيل الألفي كان واقف بعيد شوية يتفرج عليهم، وعينه لمعت بالدموع وهو بيقول: — سبحان مبدل الأحوال… من كام سنة كنت فاكر إني خسرت كل حاجة، والنهاردة ربنا عوضني بعيلة كاملة حواليّا.
سمر قربت من والدها وربتت على إيده: — ربنا عمره ما بيسيب حد يا بابا.
في نفس الأسبوع، افتتحت شركة الشناوي مركزًا جديدًا لرعاية الأطفال وتعليمهم، وقرر حازم أن يحمل المركز اسم “دار مريم وسجدة للأمل”، تخليدًا للحكاية اللي بدأت بورقة كرايون صغيرة وغيرت مصير ناس كتير.
وفي يوم الافتتاح، وقفت مريم على المسرح الصغير قدام الحضور، ومسكت الميكروفون بتوتر بسيط قبل ما تقول:
— زمان كنت فاكرة إن الإنسان الصغير ملوش صوت، لكن اتعلمت إن كلمة واحدة ممكن تغير حياة كاملة، وإن الخير لما يبدأ من قلب واحد بس، بيكبر ويكبر لحد ما ينور حياة ناس كتير.
ساد الصمت للحظة، ثم امتلأت القاعة بالتصفيق.
حازم بص لها بفخر، وإسماعيل رفع رأسه للسماء شاكرًا، وسجدة الصغيرة كانت بتضحك من غير ما تفهم كل الكلام، لكنها كانت فاهمة أهم حاجة…
إنها أخيرًا بقت وسط ناس بتحبها وتحميها.
وهكذا انتهت الحكاية فعلًا…
ليس لأن الأحداث توقفت، ولكن لأن الخوف انتهى، وبدأت صفحة جديدة عنوانها الأمان، والعمل، والرحمة، والقلوب التي اختارت أن تكون سببًا في نجاة الآخرين.





