كنت بتعشي

عارفة إيه فيها ولا لا. كمان، كلمات الجيران بتقول إنهم كانوا بيتشاجروا كتير الفترة الأخيرة، وإن دنيا كانت پتبكي كتير لوحدها.
ده الكلام خلي أمل في قلبي يعود شويةيمكن دنيا مش شريكة في القټل، يمكن هي برضه مخدوعة، ويمكن كريم استغل حبها وثقتها عشان يوصل لفلوسي. لكن مهما كانت الحقيقة، لازم أعرفها منها بنفسها.
وقت الظهر، جوا. سمعت صوت سيارتهم تقف قدام البيت، وبعد دقائق كان الجرس بيرن. فتحت لهم الباب، وكنت قاعدّة على الكرسي في الصالة، ومش عايزة أتحرك كتير زي ما كنت متعبة.
دخلت دنيا أولًا، وجت تقبلني، وبعدها جاء كريم، ووجهه كان مبتسم زي العادة، بس عينيه كانت بتدور في كل مكان، كأنه بيتأكد إن كل حاجة ماشية زي ما هو عايزها.
إيه الأخبار يا طنط؟ قال وهو بيقعد قداميلسه حاسة بالتعب؟ العصير اللي شربتيه امبارح ما أثرش معاكي أثر كويس؟
بصيت له في عينيه مباشرة، وقلت ببطء
العصير كان طعمه حلو أوي يا كريم، بس كان فيه طعم غريب شوي، ما عرفت إيه هو.
لاحظت ارتباك سريع في عينيه، بس حاول يخفيه بسرعة
طبيعي يا طنط، كان فيه فواكه متنوعة، ممكن يكون طعم واحدة منهم غريب. المهم إنه ساعدك تنامي.
دنيا كانت قاعدة جنبي، ومسكت إيدي، وقالت
ماما، لو لسه تعبانة، ممكن نكمل إجراءات التوكيل بتاعك النهاردة؟ عشان نكون مطمنين، وكل حاجة تخلص بسرعة. كريم عنده وكلاء قانون جاهزين، وهيجوا لحد هنا عشان ما تتعبيش وتطلعي.
اللحظة دي كانت اللحظة اللي كنت مستناها. رفعت إيدي ببطء، وبعدتها عن إيدها، وبصيت لدنيا أولًا، وبعدين لكريم، وقلت بصوت واضح وقوي ما فيه أي تعب ولا ضعف
التوكيل ده مش هيمضي يا دنيا. ولا أي ورق تاني هيمضي من غير ما أعرف كل كلمة مكتوبة فيها، وأتأكد من كل حاجة بنفسي.
اتفاجئوا من الكلام، ودنيا قالت بدهشة
ليه يا ماما؟ كنتي موافقة امبارح، وقلتي إنك واثقة في كريم. إيه اللي غير رأيك؟
بصيت لكريم، وقلت له بلهجة حادة
غير رأيي إن العصير اللي طلبته لي امبارح في المطعم كان فيه مادة قاټلة يا كريم. مادة بجرعة كافية تخليني أموت سكتة قلبية، ولا حد يشك فيك أبدًا.
لون وجه كريم تحول لون أبيض زي الجبس، ووقف بسرعة، وقال بصوت عالي
إيه الهبل اللي بتقوليه ده؟ إنت إيه اللي جعلك تتهميني بالكلام الفاضي ده؟
مش اتهام يا كريم، ده دليل، قلت وأنا شاورت للبابدخلي يا ليلى.
دخلت ليلى ومعاها اتنين من الضباط اللي وثقت فيهم، وكانوا بيلبسون ملابس عادية، وقعدوا بسرعة، وظهرت لهم الهويات.
دنيا كانت واقفة متجمدة، وعيونها بتتحرك بيني وبين كريم، وقالت بصوت مرتجف
ماما إيه ده؟ إيه اللي بيحصل؟ هو كريم قاللي إنك بدأتي تضيعي، وإنك بتتخيلي حاجات مش موجودة
بصيت لها بعين دامعة، وقلت لها
أنا مش بتخيل يا بنتي. الجرسون شافه وهو بيحط المادة في الكوباية بنفسه. واحتفظت بالعينة، والفحوصات أثبتت إن فيها ديجوكسين بجرعة ممېتة. وعرفنا كل حاجة عن ديونك يا كريم، وعن تاريخك القديم، وكل خطواتك اللي عملتها عشان تصل لفلوسي.
كريم حاول يهرب للباب، بس الضباط مسكوه على طول. دنيا كانت لسه مش مستوعبة، فقلت لها كل حاجة كيف بدأ يخطط، كيف استغل ثقتنا، وكيف كان عايز يتخلص مني عشان ياخد كل أملاكي ويسدد ديونه، وكيف كان بيقول لها إنني ضعيفة ومش عارفة أتصرف عشان تثق فيه وتصدق كلامه.
لما سمعت كل ده، اڼهارت دنيا وبكت بصوت عالي،
وقالت
صدقني يا ماما، ما كنتش أعرف! كان بيقوللي إن التوكيل عشان نرتب أمورك، وإنك محتاجة حد يساعدك، وإنك لو مضيتيه هتكوني مرتاحة طول عمرك. ما كنتش أعرف إنه ناوي على كده، ولا إنه بيحاول يأذيك أنا آسفة يا ماما، آسفة أوي
قربت منها وضممتها لصدري، وقلت لها
عارفة يا بنتي، عارفة إنك مخدوعة، وإنك ما كنتش تعرفي. اللي عمله ده مش حب، ده خداع واستغلال، وده ذنبه هو مش ذنبك. هنعدي من المحڼة دي مع بعض، وهنرجع كل حاجة زي ما كانت.
بعد كده، أخدنا كريم للنيابة، واعترف بكل حاجة تحت وطأة الأدلة اللي كانت ضده اعترف إنه خطط للقتل من أول ما عرف بثروتي، واعترف إنه حاول يخليني أمضي التوكيل، واعترف إنه حط السم في العصير، واعترف إنه كان بيخدع دنيا ويقول لها كلام عشان تثق فيه.
أخذت ليلى كل الأدلة للمحكمة، وثبتت كل التهم، وحكم على كريم بالسجن المؤبد، وكل الأوراق المزورة واللي دنيا كانت مضيتها وهو خدعها ببطلت تمامًا.
مرت الأشهر، وبدأت دنيا تتعافى من الصدمة، وبدأت تفهم إن الحب الحقيقي مش بيكون وراه مصلحة ولا خداع. ساعدتها في كل حاجة، وبدأت تعمل مشروع صغير من مالها الخاص، وابتسمت وجهها من جديد، وبدأت نرجع نعيش حياتنا بهدوء، بس كتير من الحكمة والحرص اللي تعلمناه من المحڼة الصعبة دي.
ذات يوم، كنت قاعدة معاها في الشرفة، والجو كان صافي، قالت لي دنيا
كنت فاكرة يا ماما إن السن بيضعف الناس، وإنك محتاجة من يحميك، بس اكتشفت إنك كنتي الأقوى منا كلنا، وإنك عرفتي توقفين في وجه الظلم والخداع.
ابتسمت لها، وقلت
القوة مش في السن ولا في الشباب يا بنتي، القوة في إنك تعرفي الحق من الباطل، وإنك ما تسكتي عن الحقيقة مهما كانت صعبة. والعدالة مهما طال عليها الزمن، مهما حاول الناس يخفوها، بتفضل تنتظر وقتها، لحد ما تطلع للنور وتاخد مجراها.
والحمد لله، في النهاية، الحق غلب، والخير بقا، والعدالة ما تنامش أبدًا.

