رفضوه في الفندق

كان خاېف يخسر منصبه، وإن أصحاب الشركات كانوا بيضغطوا عليه عشان يمنعوا ناس من دخول الفندق، وإن هو غلط غلط كبير ومستاهل أي قرار يتخذه فيه.
قرر عمر إنه يسيبه يقدم استقالته بكرامة، ومش هيعمل له قضية، بس مش هيسمح له يعمل في أي شركة تابعة لمجموعة الجمال طول عمره، وطلب منه ما ينساش الدرس ده طول ما هو عايش.
خلال الأيام التالية، بعت عمر تعميم لكل الفنادق التابعة للمجموعة في كل المحافظات، يقول فيه إن أي موظف يتعرض لأي نزيل أو زائر بأسلوب غير لائق، أو يحكم عليه بالمظهر، سيتعرض للعقاپ الفوري، وإن كل الموظفين لازم يخضعوا لدورات تدريبية جديدة تعرفهم بتاريخ المجموعة ومبادئ الحاج محمود الجمال.
وكان فيه حاجة تانية عمر اكتشفها لما سأل عن الزوجين اللي دخلوا بعد ما طردوه، لقى إنهم مش لهم أي حجز ولا صلة بالفندق، وإن سيد عاطف كان يعرفهم شخصياً، وسمح لهم ياخدوا الأوض اللي كانت محجوزة لعائلة بسيطة من بورسعيد كانت حاجزة من شهر، ودفعت عربون، واتصلوا كتير يقولوا إنهم محتاجين الأوض عشان عملية لابنهم الصغير في مستشفى قريب.
عمر بعت لهم الأوض فوراً، ودفع كل تكاليف إقامتهم، وبعث لهم تبرع كبير للمستشفى، واعتذر منهم باسم الفندق كله.
بعد أسبوع، نظم عمر اجتماع لكل موظفي فندق الجراند رويال، وقعد معاهم في قاعة الاجتماعات، وحكى لهم قصة أبوه، وكيف كان فرد أمن، وكيف كان بيعامل كل الناس باحترام، وكيف هو بنى المجموعة مش بفلوس بس، لكن بسمعة طيبة ومبدأ ثابت الناس كلهم سواسية عند الباب، والفرق في المعاملة يكون بس في الأدب والاحترام.
قال لهم الفندق ده مش مجرد مبنى من رخام ونجف، الفندق ده أمانة في رقبتكم، وكل مرة بتفتحوا الباب لحد، بتفتحوا باب الأمل والثقة في الناس، وكل مرة بتطردوا حد، بټكسروا ثقتهم فينا كلنا.
مر شهر، ورجع عمر للفندق تاني، وده المرة الأولى اللي ملك تيجي معاه لشغل. دخلوا من الباب الرئيسي، وشافت شريف واقف عند الريسبشن، وبص لهم بابتسامة واسعة، وقال بصوت مرحب وصل للي وراهم
أهلاً وسهلاً بكم في فندق الجراند رويال، نورتونا يا باشا عمر، نورتينا يا آنسة ملك. جاهزين لكم أي خدمة تحتاجوها، ومكانكم هنا دايماً محفوظ.
والناس اللي كانت موجودة في اللوبي، بعضهم كان عارف القصة، وبعضهم سمع عنها، كلهم بصوا باحترام، وعرفوا إن الفندق ده فعلاً مختلف عن غيره.
راحت ملك تجري ناحية الحديقة اللي فوق السطح، وعمر واقف يتابعها، وحس بالدفء والرضا يملأ قلبه. عرف إن اللي حصل امبارح، كان نعمة مش نقمة، عشان كشف له الخلل اللي كان بيتسلل لبنائه، وذكره ليه بدأ المشوار من الأساس.
كان المطر اللي نزل امبارح، غسل الغبار عن الشبابيك، وغسل معاه كل الغلط والغش والخۏف اللي كان موجود جوا المكان، وخلّى الفندق يرجع زي ما كان مفروض يكون بيت مفتوح لكل من يحتاج مأوى، ومكان يليق باسم الحاج محمود الجمال، اللي عمره ما حكم على حد بالمظهر، وعمره ما نسى إن الأصل في الإنسان القلب مش اللبس ولا المكانة.
وفي كل ليلة بيمر عمر على الفندق، بيلاقي ناس من كل الأعمار والطبقات، بيدخلوا ويخرجوا، وكلهم بيلقوا الترحيب والاحترام، وكل واحد بيخرج ومعاه ذكرى طيبة، وكل ما بيشوف موظف بيضحك في وجه أي زائر مهما كان، بيتذكر جملة أبوه اللي كانت بداية كل حاجة
يا ابني، المكان اللي يحترم الغلبان، هو المكان اللي يستحق الاحترام.
وما كانش عمر يعرف إن
القصة دي هتتكلم عنها كل الناس في القاهرة، وإن كتير من الشباب بدأوا يتعلموا منها إن القيمة مش في الملبس ولا في المكانة، وإن أحسن ما في الإنسان هو ما جواه، وإن العدل والاحترام هم أغلى كنز ممكن يملكه أي شخص، وإن مهما كبرت الدنيا وتغيرت الظروف، لازم نفضل نحافظ على مبادئنا، عشان نفضل نستاهل ما وصلنا له.
وكل سنة في نفس اليوم اللي دخل فيه عمر فندقه واترفض يدخله، بيقيم احتفال صغير في اللوبي، بيدعوا له ناس بسيطة من كل حتة، وبيروي لهم القصة، ويقول لهم الليلة دي، فندق الجراند رويال لكم جميعاً، الباب مفتوح للكل، بلا شروط ولا حجز، بس بشرط واحد تحترموا بعض، وتعرفوا إنكم كلكم أهل لهذا المكان.
وكانت ملك دايماً قاعدة جنبه، وبتبص للناس وتبتسم، وعندما تكبر، هتعرف إن الحكاية دي مش بس قصة عن فندق ولا عن أب وابنته، هي قصة عن كرامة الإنسان، وعن إن مهما حاولنا نصنف الناس ونفرق بينهم، الحقيقة واحدة كلنا بنستاهل نعيش بكرامة، وكلنا بنستاهل نلقى مكان نرتاح فيه، بلا شروط ولا أحكام مسبقة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *