ليلي والشبح

ليلى حست إن لسانها اتمسح، الكلمة وقفت في زورها وريجها نشف تماماً، الراجل اللي واقف قدامها ده مكنش مجرد راجل لابس بدلة غالية، ده كان لابس هيبة تخوف، وعينيه الاتنين فيهم نظرة حادة زي الموس، لو بصلك تحس إنه قاري كل اللي جواك. الاتنين اللي واقفين وراه كانوا عاملين زي الحيطة السد، سدين باب المحل وضهرهم للشارع، والسكوت اللي حل فجأة في المكان كان مرعب، لدرجة إن ليلى كانت سامعة صوت تكتكة الساعة القديمة التعيسة اللي ع المطبخ وصوت نفسها اللي طالع بالعافية.
بلعت ريقها وبصت في الأرض وهي بتمسح إيديها في المريلة القماش المبلولة مية ومسحوق غسيل، وقالت بصوت مرعوش ومكتوم: “أيوه.. أنا ليلى.. خير يا بيه؟ حضرتك مين وعايز إيه؟ والمحل فضي كده ليه؟”.
الراجل مبوزش ولا زعق، بالعكس، ابتسم ابتسامة خفيفة أوي مفيهاش أي نوع من الدفا، وتقدم خطوتين، جزمة الجلد الإيطالي بتاعته كانت بتعمل صوت رنان على بلاط المحل المكسر. سحب كرسي خشب من بتوع المحل وقعد عليه بكل برود، وحط رجل على رجل، وبص لها وقال بنبرة هادية بس توقف الدم في العروق: “أنا مين؟ ده سؤال مش وقته يا ليلى.. بس الأهم أنا عايز إيه. أنا جاي أرد جميل.. جميل غالي أوي، برقبتي وبرقبة ناس كتير في البلد دي”.
ليلى لفتت راسها يمين وشمال وهي مش فاهمة حاجة، وقالت: “جميل إيه؟ أنا مش عارفاك أصلاً يا بيه، أنا حتة شقيانة في مطعم، لا ليا في المشاكل ولا أعرف حد من مستواكم”.
الراجل قلع النضارة الشمس السودا وحطها على الترابيزة، وظهرت عينيه اللي لونهم رمادي غامق يشبه لون الدخان، وقال: “من أسبوع.. في ليلة حر زي دي.. دخلتي بيت بيولع في السبتية، بيت كل الناس كانت خايفة تقرب منه، وطلعتي منه وببين إيديكي عيل مش بيتحرك.. عيل كان هيموت لولا إنك رميتي نفسك في النار علشانه”.
ليلى أول ما سمعت سيرة الواد والبيت، قلبها دق بسرعة لدرجة إنها حست إنه هيطلع من بين ضلوعها، عينيها وسعت وقالت بلهفة نسيتها الخوف: “الواد! هو عايش صح؟ بالله عليك تقولي هو فين؟ في المستشفى قالوا لي مفيش عيل ومفيش بيت والبيت مهجور، خلوني أشك في عقلي وأقول إني اتهبلت! الواد جراله إيه؟”.
الراجل رفع إيده عشان يهديها، وقال: “ياسين كويس.. وفي أمان، والكلاب اللي عملوا كده اتحاسبوا وخلاص بقوا في رحمة الله. المستشفى والشرطة قالوا لك كده عشان أنا اللي أمرت بكده.. ياسين ابني يا ليلى، ابني الوحيد، والناس اللي حرقوا البيت كانوا فاكرين إنهم هيخلصوا منه ومني، ومكنوش يعملوا حساب إن فيه بنت بـ ميت راجل هتعدي بالصدفة وترمي روحها في الموت عشان خاطر عيل مشلول مابينها وبينه غير شباك وابتسامة”.
ليلى رجليها مأشلتش تشيلها، ساندت على الحيطة وقعدت على أقرب دكة خشب، الدموع نزلت من عينيها من كتر الارتياح، الواد عايش، مكنتش بتحلم ولا كانت مجنونة. بس الخوف رجع يسحب في عروقها تاني لما ركزت في كلام الراجل، “الكلاب اللي عملوا كده بقوا في رحمة الله”؟ النبرة اللي قال بيها الجملة دي كانت خالية من أي رحمة.
الراجل وقف، وعدل جاكت بدلته، وطلع من جيبه شيك مكتوب فيه رقم ليلى عمرها ما شافته ولا في أحلامها، رقم يشتري المحل ده بالمنطقة اللي حواليه كلها، وحطه على الترابيزة قدامها وقال: “أنا المعلم منصور السيوفي.. وافتكري الاسم ده كويس يا ليلى، عشان الاسم ده من النهارده هيبقى ضهرك وسندك. الشيك ده تمن شجاعتك، يغير عيشتك وعيشة أهلك، وتسيبي المرمطة دي فوراً”.
ليلى بصت للشيك وبصت لمنصور، حست إن الفلوس دي وراها بحر دم ومشاكل هي مش قده، قالت بصوت متهدج: “أنا مأخدش تمن لروح بني آدم يا معلم.. أنا طلعت الواد عشان افتكرت ضحكته ليا كل يوم، وعشان ميرضيش ربنا إنه يموت محروق.. خدي شيكك يا بيه، أنا مش عايزة فلوس، أنا عايزة أعيش في حالي”.
منصور السيوفي بصلها بنظرة إعجاب وتقدير حقيقي، وسحب الشيك تاني وحطه في جيبه، وقال: “كنت عارف إنك هتقولي كده.. الغالي مابيتشريش بفلوس. بس اسمعي بقى يا بنت الأصول، منصور السيوفي مبيطلعش من ليلة مديون لحد.. والجميل ده هيرد، بطريقتي أنا”. شاور لرجاله، ولف ضهره ومشي وهو بيقول: “من النهارده.. أنتي تحت حمايتي، وأي حد هيفكر يمس شعره منك، هيبقى بيكتب نهايته بإيده”.
خرج منصور ورجاله، والشارع رجع يتنفس تاني، والناس بدأت تدخل المحل وهي بتبص لليلى بعيون كلها أسئلة ورعب، ليلى وقفت مذهولة، مش عارفة تفرح إن الواد عايش، ولا تخاف من الاسم اللي ارتبط بحياتها فجأة.. “منصور السيوفي”.. الحوت اللي الحكومة نفسها بتعمله حساب.
عدت الأسابيع، وحياة ليلى اتقلبت رأساً على عقب من غير ما تلمس مليم واحد. المحل اللي كانت شغال فيه وبياكل حقها، صاحبه فجأة بقى بيعاملها زي الملكة، زود مرتبها للضعف وبقى بيقولها “يا ست ليلى” وكل ما تطلب إجازة يقولها “المحل محلِك”. ليلى كانت عارفة إن ده مش كرم من صاحب المحل، ده رعب من “الرادار” اللي اتنصب فوق راسها.
وفي ليلة، وهي راجعة بيتها في حارة ضيقة ومظلمة في بولاق، حست إن فيه رجلين ماشية وراها، الحارة كانت فاضية والنور مقطوع كالعادة. سرعت خطوتها، وصوت الجزمة اللي وراها بيزيد ويقرب. لفت فجأة وهي ماسكة شنطتها القديمة تدافع بيها عن نفسها، لقت تلات شبان من بتوع الشوارع، وشوشهم مليانة غل وفي إيديهم مطاوي بتلمع في الضلمة.
واحد منهم قرب وقال بصوت صايع: “أهلاً يا ليلى.. أنتي بقى اللي منصور السيوفي قالب الدنيا عشانها؟ طب إيه رأيك بقى إن إحنا هنكسر عين منصور فيكي؟”
ليلى صرخت واستنجدت بالبيوت، بس محدش فتح شباك، الخوف كان مخلي الحارة كلها ميتة. الشاب قرب ومسك دراعها جامد وجرها، ليلى عافرت وضربته بشنطتها، بس التاني مسكها من شعرها. وفي اللحظة اللي ليلى حست فيها إن خلاص نهايتها جت، ظهرت عربية جيب سودا ضخمة من أول الحارة، نورت كشافاتها العالية وعمت عينين العيال.
الباب اتفتح، ونزل منه رجالة منصور السيوفي، وفي أقل من دقيقة، الحارة اتقلبت ساحة ضرب، العيال مالحقوش يرفعوا المطاوي، انضربوا علقة موت تخلي اللي يشوفهم يفتكر إنهم اتفرموا تحت قطر. واحد من رجالة منصور قرب من الشاب اللي مسك شعر ليلى، ومسكه من رقبه ورفعه لفوق وقال بصوت زي الرعد: “منصور بيه بيقولكم.. اللي بيمس ستك ليلى، بنقطع إيده من لغاليغها”.
الرجالة رموا العيال في الأرض زي الج*ثث الهامدة، وقرب واحد منهم من ليلى باحترام شديد وقدم لها منديل وقال: “اتفضلي يا ست ليلى.. منصور بيه باعتنا نأمن طريقك.. اتفضلي اركبي عشان الباشا عايز يشوفك”.
ليلى كانت بتترعش من الصدمة والرعب، وبصت للعيال اللي غرقانين في دمهم في الأرض، وفهمت إنها مبقتش حرة، حياتها البسيطة انتهت، وبقت جزء من حرب كبار مفيهاش ياما ارحميني. ركبت العربية وهي ساكتة تماماً، ومستسلمة لمصيرها الجديد.
العربية مشيت بيها لحد ما طلعت بره زحمة القاهرة، ودخلت منطقة الفلل في التجمع الخامس، ووقفت قدام قصر ضخم محاط بحراسة مشددة، كل حارس شايل سلاح أوتوماتيكي صريح، الجو كان يحسسك إنك داخل معسكر جيش مش بيت بني آدم.
نزلوا ليلى ودخلوها الصالون الكبير، القصر كان فخم جداً، سجاد إيراني وثريات كريستال بتخطف العين، بس ليلى مكانتش شايفة كل ده، عينيها كانت بتدور على حاجة واحدة بس. وفجأة، سمعت صوت عجل كرسي بيتحرك على الرخام.
لفت، ولقت الواد ياسين.. كان لابس هدوم شيك جداً، ووشه رجع فيه الدم تاني، وأول ما شاف ليلى، عينيه لمعت بفرحة طفولية بريئة، وزق عجل الكرسي بإيديه الصغيرة وجري عليها وهو بيقول بصوت كله حنان: “أبلة ليلى!”.
ليلى نسيت الخوف والبرستيج والقصر، وجريت عليه وقعدت على ركبها في الأرض واحتضنته جامد، وفضلت تعيط وهي بتطمن عليه وتشم ريحته: “حبيب قلبي يا ياسين.. أنت كويس يا حبيبي؟ رجلك وجعاك؟ النار لمستك؟”.
ياسين مسح دموعها بإيديه الصغيرة وقال: “أنا كويس والله يا أبلة، بابا جابلي أحسن دكاترة، بس أنا كنت زعلان عشان قالوا لي إنك تعبتي بسببي.. أنا مكنتش عايز أسيب الشباك من غير ما أقولك باي باي.. بس النار طلعت فجأة”.
منير منصور السيوفي ظهر من ورا الستارة، كان لابس جلابية صعيدي بيضا فاخرة وشال على كتفه، وهيبته في الجلابية كانت أضعاف هيبته بالبدلة. بص للمشهد ده وعينيه لانت لأول مرة، قرب وطبطب على كتف ابنه وقال: “شفت يا ياسين؟ قولتلك الست ليلى هتيجي وتشوفك.. يلا يا بطل اطلعي مع الدادة عشان عندي كلام مهم مع أبلة ليلى”.
ياسين باس إيد ليلى وقالها: “مش هتمشي صح؟ خليكي قاعدة معايا”. ليلى ابتسمت له و هزت راسها، ولما الولد خرج، منصور بصل ليلى وقال: “يقينك بالله يا ليلى.. العيال اللي اتعرضوا لك في الحارة دول، تبع ‘الضباع’.. دي عصابة بتهرب سلاح وآثار، وكانوا فاكرين إنهم لما يهددوا البنت اللي أنقذت ابني، هيلووا دراعي”.
ليلى وقفت وقالت بعصبية وخوف: “وأنا مالي بكل ده يا معلم؟ أنا ذنبي إيه أعيش مرعوبة وأشوف دم وضؤب تحت بيتي؟ أنا عايزة أرجع لحياتي القديمة.. أرجوك سيبني في حالي!”.
منصور قعد على الكرسي وبص لها بنظرة عميقة وقال: “حياتك القديمة ماتت يوم ما دخلتي البيت المحروق يا ليلى.. الضباع عرفوا طريقك، ولو سبتك دقيقة واحدة من غير رجالتي، هيدبحوكي بس عشان يغيظوني. مفيش رجوع.. أنتي بقيتي طرف في اللعبة”.
ليلى حست بالدنيا بتلف بيها، وقالت: “يعني إيه؟ هفضل طول عمري محبوسة وسط الحراسة والدم؟”.
منصور وقف وقرب منها وقال بنبرة حاسمة: “لا.. منصور السيوفي مبيحبش الدفاع، منصور دايماً بيهاجم. أنا هنهي قصة الضباع دول خالص من السوق.. بس لحد ما ده يحصل، أنتي وأهلك هتنقلوا تعيشوا هنا في القصر، تحت عيني.. وأي حركة تانية من الكلاب دول، هتبقى القشة اللي هتقسم ضهرهم”.
ليلى بصت من الشباك الكبير للقصر، شافت الجناين الواسعة والأسوار العالية، وحست إن الأسوار دي مش عشان تحميها، دي عشان تقفل عليها جوه عالم غريب ومخيف.. عالم “السيوفي” اللي الداخل فيه مفقود والخارج منه مولود.
الشهور مرت، وليلى بقت عايشة في القصر، نقلت والدتها العيانة وأختها الصغيرة لمعيشة تانية خالص، منصور وفرلهم كل سبل الراحة والأمان، بس ليلى مكانتش قادرة تتأقلم مع “القفص الدهبي” ده. كانت بتقعد بالساعات مع ياسين، تعلمه القراءة والكتابة وتلعب معاه، والولد بقى متعلق بيها أكتر من أي حد في الدنيا، وحتى منصور نفسه، بدأ يتغير.. النبرة الحادة والوش الخشب كانوا بيختفوا أول ما يدخل الأوضة ويلاقي ليلى بتضحك مع ابنه.
في ليلة من ليالي الشتا، الجو كان برد والمطر بيمطر بغزارة بره، منصور دخل المكتب وكان باين عليه التعب والهم، ليلى كانت بتشرب شاي في الصالة، شافته وهو بيدخل وساند بإيده على مكتبه وكأنه بيتألم. بدافع الإنسانية، عملت له كوباية شاي دافية ودخلت المكتب.
”اتفضل يا معلم.. الشاي ده هيدفيك”، ليلى قالتها وهي بتحط الكوباية بحذر.
منصور رفع راسه، وبصلها بعيون تعبانة أوي، وقال بصوت خافت: “شكراً يا ليلى.. تعبتك معايا”.
ليلى لاحظت إن فيه بقعة دم صغيرة بتكبر على قميصه الأبيض من ناحية كتفه، شهقت وقالت: “يا لهوي! أنت مجروح يا معلم؟ أنت بتنزف!”.
منصور حاول يخبي وقال: “مفيش.. خدش صغير من عملية انهارده في المينا.. متقلقيش”.
ليلى بدت تتحرك بسرعة، جابت علبة الإسعافات الأولية وقربت منه وقالت بإصرار: “خدش إيه ده قميصك غرقان دم! اقعد وخليني أشوف الجرح ده.. أنا ياما شفت جروح في المطبخ من السكاكين وأعرف أتصرف”.
منصور استسلم وقعد، وليلى بدأت تقص القميص بالراحة وتطهر الجرح اللي كان رصاصة سطحية كشطت الكتف. كانت بتتحرك بحنان وخوف حقيقي عليه، ومنصور كان بيبصلها بذهول.. الراجل اللي الكل بيخاف منه وبيترعش قدامه، لقى بنت بسيطة بتتعامل معاه كأنه بني آدم ضعيف ومحتاج رعاية.
وهي بتمسح الدم، سألته بصوت واطي: “هو العمر ده يستاهل كل الخوف والضرب ده يا معلم؟ أنت عندك كل حاجة.. فلوس وقصر وجاه.. ليه مابتسيبش الكار ده وتعيش في أمان مع ابنك؟”.
منصور سكت لثواني، وبص للفراغ وقال: “الكار ده يا ليلى زي الساقية.. لو وقفتي، هتقع عليكي وتفركك. أنا مدخلتش الكار ده بمزاجي، أنا ورثته عن أبويا وجدي، ولو سبته النهارده، أعدائي مش هيرحموا ابني ولا هيرحموني.. القوة هي الحاجة الوحيدة اللي مخليانا عايشين”.
ليلى بصت في عينيه ولقت فيهم حزن عميق ودفين، وفهمت إن منصور مش وحش برغبة منه، ده ضحية لعالم مبيقبلش الضعفاء. وفي اللحظة دي، حصلت حاجة مكنتش في الحسبان.
صوت إنذار القصر ضرب فجأة بصوت عالي ومفزع.. صوت ضرب نار حي وبكثافة بدأ يتسمع من الجنينة بره، الحراس كانوا بيصرخوا وصوت القنابل اليدوية هز الحوائط والرخام.
منصور اتنفض من مكانه وسحب طبنجته السريعة من درج المكتب وهو بيشد أجزاءها، وعينيه رجعت فيها نظرة الوحش المفترس، مسك ليلى من دراعها وقال بصوت حاسم: “الضباع دخلوا القصر! اطلعي جري على أوضة ياسين، اقفلي الباب الحديد من جوه ومتفتحيش لمخلوق غير بصوتي أنا.. فاهمة؟!”.
ليلى جريت والرعب مالي قلبها، طلعت السلالم وضرب النار وراها بياكل في حوائط القصر، دخلت أوضة ياسين ولقت الولد بيعيط ومرعوب في سريره، زقته بالكرسي ودخلوا الحمام الداخلي وقفت الباب الحديدي وخدت الواد في حضنها وقعدت في الأرض وهي بتدعي وتصلي إن الليلة دي تعدي على خير.
صوت الضرب بره كان عامل زي حرب أكتوبر، تفجيرات وصراخ وعياذ مالي المكان، ليلى كانت حاطة إيديها على ودان ياسين وبتقرأ قرآن بصوت عالي عشان تخوش على صوت الموت اللي بره.
بعد حوالي نص ساعة كاملة من الرعب، الضرب بدأ يقل بالتدريج، لحد ما حل هدوء قاتل ومريب.. هدوء يخوف أكتر من ضرب النار نفسه.
ليلى فضلت قاعدة مكانها مش بتتحرك، وياسين نام من كتر الخوف والتعب في حضنها. وفجأة.. سمعت صوت خطوات رجلين بره الأوضة.. خطوات بطيئة ومقلقة.
الخطوات قربت من باب الحمام الحديد.. وصوت خبطة خفيفة على الباب.
ليلى كتمت نفسها تماماً وقلبها وقف.. استنت تسمع صوت منصور وهو بيقولها تفتح.. بس الصوت اللي جه من ورا الباب مكنش صوت منصور السيوفي خالص.. كان صوت راجل غريب، خشن وبيضحك بابتسامة خبيثة ومستفزة وهو بيقول:
”افتحي يا حلوة.. المعلم منصور خلاص ودع.. والقصر ده بقى بتاعنا.. افتحي بدل ما نولع في الأوضة باللي فيها وتتحرقي مع الواد بجد المرة دي!”.
ليلى بصت لياسين اللي نايم في حضنها، وبصت للباب الحديد اللي بدأ يتخبط عليه بآلات حادة.. وحست إن النار اللي هربت منها في يوليو، رجعت تاني عشان تاخد كل حاجة.. والموضوع لسه مخلصش، ده الرعب الحقيقي يدوب هيبدأ.ليلى حست إن الدم هرب من عروقها تماماً، الكلمات اللي سمعتها من ورا الباب كانت زي الطلقة اللي صابت قلبها. منصور مات؟ السند والراجل اللي كان قالب الدنيا عشان يحميها خلاص مش موجود؟ وبصت لياسين اللي كان نايم في حضنها زي الملاك، بريء ومش داري إن الكلاب بره مستنيين ينهشوا لحمه.
صوت الخبط على الباب الحديد كان بيزيد، والحديد بدأ يزن ويطقطق تحت ضربات المطارق والآلات الحادة. ليلى كانت بتتنفس بسرعة، وعقلها شغال زي المكنة.. لو استسلمت، هيموتوها ويموتوا الولد، ولو فضلت مكانها، هيحرقوا الأوضة زي ما قالوا.
افتكرت كلام منصور: “منصور السيوفي مبيحبش الدفاع.. منصور دايماً بيهاجم”.
قامت بالراحة من غير ما تصحي ياسين، ونيمته في ركن بعيد في الحمام ورا الغسالة عشان لو حصل ضرب نار. وبدأت تبص حواليها في الحمام الفخم.. عينيها وقعت على حاجة غريبة؛ السقف الساقط بتاع الحمام كان فيه ضلفة صيانة صغيرة مصنوعة من الألوميتال، ودي بتبقى فتحة للتكييف المركزي ومواسير المية.
الخبط بره بقى رهيب، والباب الحديد بدأ يتورب من فوق. ليلى سحبت كرسي خشبي صغير كان محطوط في الحمام، وحطته تحت الفتحة، وطلعت عليه. زقت الضلفة بـ إيديها المترعشة، لقت الفراغ اللي جوه السقف الواسع ويشيل بني آدم، وفي نفس الوقت ممر ممتد فوق الممرات بتاعة القصر كلها.
نزلت بسرعة، وقربت من ياسين وشالته بالراحة وهي بتهمس في ودنه: “اششش.. ياسين حبيبي، اصحى معايا يا بطل وماتطلعش صوت خالص.. هنلعب استغماية ماشي؟”
الولد فتح عينيه ودموعه نزلت من الخوف، بس هز راسه بالموافقة وهو كاتم عياطه. ليلى طلعت على الكرسي وهي شايلاه بكل قوتها، ورفعته الأول جوه السقف الساقط، والولد عافر بإيديه لحد ما دخل، وبعدها سحبت نفسها وراه بالعافية، ورجعت ضلفة الألوميتال مكانها بالظبط، ونامت هي والولد على بطنهم فوق الألواح الخشبية المدعمة بحديد.
في نفس الثانية.. الباب الحديدي للحمام اتهد ووقع على الأرض بصوت رزع يهز الأرض.
ليلى كانت باصة من خرم صغير في ضلفة الألوميتال.. شافت تلات رجالة وشوشهم تقطع الخميرة من البيت، ماسكين أسلحة آلية، والغل باين في عينيهم. واحد منهم زعق وهو بيلف في الحمام زي المجنون: “فين الواد؟ وفين البت؟ الأوضة فاضية يا باشا!”.
دخل راجل رابع، لابس قميص أسود ومفتوح صدره، وفي إيده طبنجة، وبص في الحمام بنظرة فاحصة وقال بغل: “هيكونوا راحوا فين يعني؟ الكرسي المتحرك بتاع الواد بره في الأوضة.. يعني مالحقوش يهربوا. دوروا في الدواليب وتحت السرير، البيت كله محاصر، مش هيطيروا في الجو!”.
ليلى كانت سامعة كلامهم ونفسها مكتوم، وياسين كان دافن وشه في رقبتها وجسمه كله بيترعش. ليلى بدأت تضغط على إيد ياسين عشان تطمنه، وفي نفس الوقت بدأت تزحف بالراحة جداً فوق السقف، ماشية ورا مواسير التكييف الكبيرة اللي متجهة لناحية مكتب منصور في الدور الأرضي.. كانت عايزة تعرف إيه اللي حصل بالظبط، وهل منصور مات فعلاً؟
الزحف جوه السقف كان قطعة من العذاب، الضلمة كحل، والتراب بيخنق، وصوت ضرب النار بره في الجنينة بدأ يقل ويتحول لـ طلقات متفرقة. ليلى فضلت تزحف لحد ما وصلت لشبكة تهوية كبيرة، باصة مباشرة على الصالة الرئيسية والمكتب بتوع منصور.
بصت من شبكة التهوية.. ومنظر اللي شافته جمد الدم في عروقها.
الصالة كانت متبهدلة، النجف الكريستال مكسر على الأرض، وحراس منصور غرقانين في دمهم. وفي النص.. كان منصور السيوفي قاعد على كرسي، قميصه الأبيض بقى كله أحمر، ومربوط بحبال متينة، ورجليه بتنزف.. بس بالرغم من كل ده، عينه كانت لسه حادة وراسه مرفوعة لفوق ومبوزش.
قدامه كان واقف راجل عجوز بشعر أبيض، لابس بالطو طويل، وماسك عصاية بـ مقبض دهب.. ده كان “المعلم حامد الضبع”.. راس الأفعى وكبير عصابة الضباع.
حامد الـضبع ضحك بـ صوت رفيع ومستفز وقال: “نهايتك جت يا منصور.. قولتلك سوق السلاح مبيشيلش اتنين، وأنتو يا بتوع السيوفي فاكرين نفسكم ملوك. أهو ملكك ضاع في ليلة، ورجالتك بقوا ج*ثث، والبت والواد زمانهم جايين في السكة عشان تودعهم قبل ما تموت”.
منصور تف في الأرض وبصله بنظرة احتقار وقال بصوت قوي رغم التعب: “منصور السيوفي مابيموتش على إيد ضبع يا حامد.. وأنا لسه واجف على رجلي. والبت والواد لو لمست منهم شعرة، ههدم المعبد ده على دماغكم ودماغ اللي مشغلينكم”.
حامد ضحك وفجأة دخل الراجل اللي كان في الحمام وقال بنبرة خوف: “يا باشا.. ملحيناش الواد ولا البت! الأوضة والحمام فاضيين، دورنا في القصر كله ومفيش ليهم أثر!”.
منصور أول ما سمع الجملة دي، ابتسامة نصر خفيفة ظهرت على وشة، وعرف إن ليلى غفلتهم. أما حامد الضبع فـ وشه اتنرفز وبقى زي الشياطين، وضرب التربيزة بـ عصايته وقال: “يعني إيه فص ملح وداب؟ القصر متحاصر! اقلبوا الجناين، ولعوا في القصر كله.. مش هخرج من هنا والواد ده عايش!”.
ليلى وهي فوق السقف، حست إن دي فرصتها الأخيرة.. لو ولعوا في القصر هيموتوا جوه السقف. بصت حواليها، ولقت إن مواسير الإطفاء الذاتي اللي بترمى مية وقت الحريقة ماشية جمبها، والـمحابس الرئيسية بتاعتها قريبة منها. وفي نفس الوقت، لفت انتباهها إن فيه لوحة مفاتيح الكهرباء الرئيسية بتاعة الدور كله موجودة في الطرقة اللي فوق المكتب مباشرة.
همست لياسين: “خليك هنا يا حبيبي، ثواني وراجعة لك، متتحركش”.
زحفت ليلى بسرعة وبدأت تدور على طريقة تفصل بيها النور عن القصر كله عشان تعمل دربكة. وصلت للوحة الكهرباء من فوق، وفتحت ضلفتها بـ مفك صغير كانت لقتة في السقف، وبكل شجاعة، سحبت السكينة الرئيسية للكهرباء.
فجأة.. القصر كله غرق في ضلمة كحل!
الصراخ بدأ تحت: “النور قطع ليه؟ فيه إيه؟ أمنوا الأبواب!”.
في اللحظة دي، ليلى ولعت كبريت كان معاها في جيبها وقربته من حساس الحريق اللي جمبها.. الإنذار ضرب تاني بـ صوت عالي، ورشاشات المية اللي في السقف بدأت تشتغل في كل حتة في القصر وبكثافة، المية بقت تنزل زي السيول وعمت عيون رجالة الضبع في الضلمة.
وسط الهيصة والضرب العشوائي من رجالة الضبع المرعوبين، ليلى سمعت صوت كسر إزاز شديد جاي من الجناين.. وصوت سرينات شرطة قوية جداً بتهز المكان! بس دي مكانتش شرطة.. دي كانت عربيات نص نقل محملة بـ رجالة الصعيد، رجالة منصور السيوفي اللي جم الدعم من المحافظات بعد ما الإشارة وصلت لهم.
صوت ضرب النار رجع أشد من الأول ميت مرة، بس المرة دي كان لصالح منصور. رجالة السيوفي دخلوا القصر وزي الإعصار فرموا كل اللي يقابلهم.
ليلى زحفت بسرعة ورجعت لياسين وشالته، ونزلت بيه من فتحة السقف للحمام تاني بعد ما رجالة الضبع جريوا لبره. خرجت للأوضة، ولقت المكان فاضي والمية مغرقة كل حاجة. شالت ياسين على كتافها ونزلت السلالم بسرعة وهي بتفادي الج*ثث والضرب.
أول ما وصلت الصالة، شافت رجالة منصور بيفكوا حباله، ومنصور واقف على رجليه والدم مغرق كتفه ورجله، بس ماسك سلاحه. أول ما شاف ليلى وشايلة ياسين، عينيه دمعت وجري عليهم، خد ابنه في حضنه وبص لليلى ونطق بكلمة واحدة هزت كيانها: “أنتي مش بنت بـ ميت راجل.. أنتي بـ جيش بحاله يا ليلى”.
حامد الضبع كان واقع في الأرض وممسوك من رجالة منصور، ومنصور قرب منه وبصله ببرود وقال: “قولتلك.. الضبع مياكلش الأسد”. والتفت لرجاله وقال: “خدوا الكلب ده وسمعوني فيه أحلى كلام.. وقصر السيوفي ينظف فوراً”.
بعد الليلة دي بـ تلات أيام..
الهدوء رجع للقصر، بس المرة دي هدوء حقيقي ونظيف. حامد الضبع وعصابته انتهوا تماماً ومبقاش ليهم وجود في السوق، ومنصور السيوفي اتعالج من جروحه، وبقى قاعد في مكتبه.
ليلى كانت واقفة في الصالة الواسعة، لامة شنطتها الصغيرة ومعاها والدتها وأختها. منصور دخل عليها، وبصلها وقال بنبرة فيها حزن بس احترام شديد: “ماشية يا ليلى؟ القصر خلاص بقى أمان، والضباع مابقاش ليهم حس”.
ليلى ابتسمت بحزن وقالت: “الحمد لله إنكم بخير يا معلم، وإن ياسين رجع له حقه. بس أنا مكاني مش هنا.. أنا بنت شقيانة وبتاعت شقا، والعيشة وسط السلاح والموت دي مش بتاعتي. أنا عايزة أرجع لـ حياتي البسيطة، أرجع للمطعم، وأمشي في الشارع وأنا مش خايفة من ضلعي”.
منصور سكت لثواني، وقرب منها وطلع مفتاح شقة وعقد ملكية، وحطه في إيدها وقال: “مش هجبرك تعيشي في قفص م بتحبيهوش.. بس الشقة دي في مكان راقي وأمان، والمطعم اللي كنتي شغالة فيه.. أنا اشتريته كله وكتبته بـ اسمك.. ده مش تمن للي عملتيه، ده حقك كـ شريكة في عمر ابني”.
ليلى بصت للمفاتيح، والمرة دي رفضت تاخدهم وقالت: “المطعم ده تمنه غالي أوي يا معلم.. وأنا قولتلك مباخدش تمن لـ روحي”.
منصور ابتسم وقال: “ده مش تمن يا ليلى.. ده مشروع.. وأنتي المديرة بتاعته.. وياسين ابني هيبقى يجيلك كل يوم العصر، يقعد قدام الشباك ويشاورلك.. بس المرة دي في مطعمك أنتي.. ووسط أمانك”.
ليلى بصت لـ ياسين اللي كان واقف بعيد وبيبتسم لها وبيشاورلها بـ إيده.. حست إن الدائرة لفت ورجعت تاني لنفس الابتسامة ونفس الشباك.. بس المرة دي، النار انطفت بجد، وحياتها بدأت من جديد.. حياة فيها أمان، وفيها ضهر اسمه منصور السيوفي.. بس بـ شروطها هي البسيطة.عدت الأيام، وليلى استلمت المطعم الجديد اللي كان في منطقة هادية وراقية في وسط البلد. مكنش مجرد مكان بتاكل فيه عيش، ده بقى حتة من روحها. غيرت اسمه وسمته “شباك الخير”. صممت واجهة المحل كلها من الإزاز، وحطت ترابيزة مخصوصة جمب الشباك الكبير الماصص على الجنينة، الترابيزة دي مكانش أي حد يقعد عليها.. دي كانت محجوزة لياسين.
وكل يوم العصر، زي الساعاتي، كانت العربية الجيب السودا تقف، وينزل منها الحارس بـ احترام، ويفتح الباب لياسين اللي كان بيزق كرسيه بـ حماس وفرحة الدنيا كلها في عينيه. يقعد جمب الشباك، وليلى تسب اللي في إيدها وتجيب له عصير المانجا اللي بيحبه، ويقعدوا يضحكوا ويتكلموا عن المدرسة والمذاكرة.
منصور السيوفي مكنش بيظهر كتير، بس ليلى كانت عارفة إنه موجود. دايماً فيه عربية حراسة واقفة من بعيد بتأمن المكان من غير ما تحسس الزباين بـ حاجة، والكل في المنطقة عرف إن المطعم ده صاحبيته خط أحمر، ومحدش يجرؤ حتى يبص له بـ نظرة مش تمام. منصور وفى بـ وعده، ساب لها حريتها وعيشتها البسيطة اللي بتحبها، بس فضلت عينيه عليها كـ ضهر وسند مبيغفلش.
وفي يوم من أيام الصيف الصافية، وليلى واقفة ورا الكاونتر بتكتب حسابات المحل، لفتت راسها وبصت على ياسين وهو قاعد بيشرب عصيره ويشاور لها ويبتسم من ورا الإزاز. ليلى خذت نفس طويل من جوه قلبها، وحست بـ راحة بال ومكنتش حستها من سنين. افتكرت الليلة الكحلة بتاعة يوليو، والنار والدم والرعب اللي عاشته، وبصت لحياتها دلوقتي.
ابتسمت لياسين وشاورت له هي كمان، وقالت لنفسها وهي بتمسح دموع الفرحة من عينيها: “سبحانك يا رب.. رميت روحي في النار عشان أنقذ عيل غريب، فـ طلعت من النار دي بـ سند وعمر جديد.. وبأحلى شباك في الدنيا”.


