ضربات قلبي

ضربات قلبك كانت عاملة زي طبول الحرب، وصوت الموتور وهو بيزيد سرعته كان بيغطي على صوت شهقاتك المكتومة. الشوارع اللي حفظتيها طوبة طوبة من صغرك بدأت تتسحب من قدام عينيكي وتختفي ورا إزاز العربية الفاميه. عم محمد البقال، طنط هدى، اليافطات المحلات اللي بتنور، كل ده بقى سراب، وبقيتي لوحدك في مساحة ضيقة جداً مع أكتر إنسان كنتي بتهربي من ملامحه في أحلامك.
كريم كان سايق ببرود غريب، إيد على الدريكسيون والإيد التانية ساندها على الكرسي اللي جنبه، بيبص ليكي في المراية الصالون كل كام ثانية ونظرة الانتصار مش مفارقة عينه. أنتي كنتي لامة نفسك في ركن الكنبة الورانية، ضامة رجليكي لصدرك وبتحاولي تستوعبي الكابوس ده.
”كريم.. أرجوك.. رجعني” صوتك طلع مخنوق، مليان عياط ورعشة مش قادرة تخبيها. “أنت كدة بتضيع نفسك وتضيعني معاك.. طارق لو عرف..”
أول ما نطقتي اسم “طارق”، فرامل العربية اتضربت فجأة لدرجة إن جسمك اترمى لقدام وخبط في الكرسي اللي قدامك. كريم لف وشه ليكي بالكامل، ملامحه اللي كانت هادية من ثواني اتقلبت لكتلة من الغضب الأعمى، عروق رقبته برزت وعينيه ضاقت وعض على سنانه وهو بيتكلم بنبرة فحيح زي التعبان: “متنطقيش الاسسسسسم ده! فاهمة ولا لأ؟ طارق ده حشرة.. واحد دخل على حاجتي وافتكر نفسه راجل لما أخدك. أنتي فاكرة نفسك هربتي؟ أنتي كنتي في فترة إعارة، والوقت خلص، وأنا جيت آخد أمانتي.”
الرعب خلاكي تسكتي، الإحساس بالخطر كان ملموس. العربية رجعت تتحرك تاني بس المرة دي دخلت في طريق سريع، أعمدة النور كانت بتعدي بسرعة مرعبة، والبيوت بدأت تقل والشجر يزيد، والهدوء اللي برة بقى يطرد أي أمل في إن حد يسمعك لو صرختي.
بعد حوالي ساعة من السكوت المطبق، العربية هديت ودخلت في مدق ترابي وسط أراضي زراعية، وفي آخره كان فيه بيت قديم من دورين، باين عليه إنه مهجور أو معزول عن الدنيا، محاوط بسور شجر عالي. العربية وقفت، وكريم نزل وفتح الباب الوراني وبص لك: “انزلي يا سما.. بالذوق كدة عشان منزعلش من بعض من أولها.”
رجلينك مكنتش شايلاكي وأنتي بتنزلي، الهوا برة كان ساقع وريحة الزرع والتراب زادت من إحساسك بالغربة. مشيتي قدامه وهو حاطط إيده ورا ضهرك بيوجهك لحد ما دخلتوا البيت. المكان من جوة كان بسيط، فيه كنب قديم متغطي بملايات، ولمبة واحدة صفراء متعلقة بسلك من السقف بتهتز وتعمل خيالات مخيفة على الحيطان.
كريم قفل الباب الخشب الكبير وراه، ورزع القفل الحديدي، الصوت عمل صدى في المكان كله، وحسيتي إن السجن قفل بيبانه بجد. لف وبص لك، قلع جاكيته ورماه على الكنبة، وقعد وحط رجل على رجل وهو بيتأملك بنظرة فاحصة، وكأنه بيتأكد إنك حقيقة مش خيال.
”منورة بيتك الجديد” قالها بابتسامة باردة.
”أنت عايز مني إيه يا كريم؟” سألتيه وأنتي ساندة ضهرك على الحيطة، حاسة بضعف شديد بس تحذيرات عقلك كانت بتقولك لازم تتماسكي. “إحنا حكايتنا خلصت من زمان.. أنا اتجوزت وبقيت على ذمة راجل تاني، أنت ليه مش عايز تفهم ده؟”
كريم قام وقف وقرب منك ببطء، وكل خطوة منه كانت بتخليكي تتمني الأرض تنشق وتبلعك. وقف قدامك بالظبط، رفع إيده ولمس خصلة من شعرك ورا ودنك، حركته كانت ناعمة بس مرعبة. “مفيش حاجة اسمها خلصت.. أنتي اللي وهمتي نفسك بالكدبة دي. طارق ده اختار السكة الغلط لما فكر يقرب من حاجة تخص كريم. هو فاكر نفسه كسب؟ فاكر لما أهلك وافقوا عليه عشان فلوسه ولا هدوءه إنه كدة بقيتي بتاعته؟ أنا سيبته يعيش الوهم ده كام شهر، بس خلاص.. اللعبة خلصت.”
”دي مش لعبة! دي حياتي!” صرختي فيه والدموع نزلت غصب عنك. “أنا مكنتش طيقاك! أنت كنت بتخنقني! حبك ده كان سجن، أنا صدقت لقيت طارق عشان أحس إني بني آدمة، إني بتنفس! أنت مكنتش بتحبني، أنت كنت عايز تمتلكني وبس!”
قلم سريع ونزل على وشك. القوة بتاعة الخبطة خلتك تقعي على الأرض، حطيتي إيدك على خدك اللي تشنج من الوجع، ودموعك نزلت بغزارة. كريم اتنحنح وقعد على ركبه قدامك، مسك فكك بأصابعه وضغط جامد لحد ما حسيتي إن عضم وشك هيتكسر في إيده.
”صوتك ميعلاش.. ومسمعش مقارنات تاني.” همس وعينيه فيها شرار. “طارق اللي فرحانة بيه ده، زمانه دلوقتي ملهي في سبوبة الشغل بتاعته، ومش دريان إن مراته وحبيبته في حضن الراجل اللي بيكرهه. أنا مش هأذيكي يا سما، أنا بحبك.. بس الحب عندي ليه شروط، وأول شرط إنك تنسي إن كان فيه حد في الدنيا دي غيري.”
سـاب وشك فجأة وقام وقف، اتمشى لحد المطبخ الصغير اللي في ركن الصالة، وطلع قزازة مية وكوباية وجابهم وحطهم على الطربيزة القديمة. “اشربي.. ونشفي دموعك دي، عشان ورانا كلام كتير، والليل لسه في أوله.”
أنتي كنتي بتترعشي على الأرض، مش بس من الخوف، من صدمة الواقع. طارق.. جوزك.. الراجل اللي دايماً بيحاميكي ويديكي الأمان، فين دلوقتي؟ تليفونك كان في شنطتك، والشنطة كريم أخدها ورماها في العربية برة. مفيش أي وسيلة اتصال. مفيش حد يعرف أنتي فين. عقلك بدأ يشتغل بسرعة.. طارق مسافر وهيغيب أسبوع، يعني محدش هيفتقدك في البيت غير بعد يومين أو تلاتة لما جوزك يكلمك ومترديش، وحتى لو كلم أهلك، هيفكروا إنك نايمة أو تليفونك فاصل. الوقت مش في صالحك خالص.
كريم قعد على الكنبة وبدأ يتكلم، يتكلم عن أيام زمان، عن تفاصيل تافهة أنتي نسيتيها، عن خناقاتكم القديمة وكأنه بيسترجع أمجاد. كان بيتكلم بشغف غريب، مريض، كأنه عايش في عالم موازي مفيش فيه غيرك أنت وهو بس.
”فاكرة لما كنا بنزوغ من الدروس ونقعد على الكورنيش في طنطا؟” قالها وهو بيضحك نبرة صافية بشكل مرعب. “كنتي بتقوليلي إنك بتخافي من المستقبـل، وأنا قولتلك طول ما أنا موجود متخافيش من حاجة.. أنا لسه عند وعدي يا سما، أنا المستقبل بتاعك.”
كنتي بتسمعيه وأنتي بتدوري بعينيكي في المكان، بتدوري على أي مخرج، أي ثغرة. الباب الخشب مقفول بقفل تقيل، وفيه شباكين عاليين ومتقفلين بحديد. المكان محصن. الطريقة الوحيدة للخروج هي كريم نفسه.. يا إما تغلبي قوته، وده مستحيل، يا إما تلاعبي عقله.
أخدتي نفس طويل، مسحتي دموعك بكم كم قميصك، وحاولتي تهدي ضربات قلبك. وقفتي ببطء، ومشيتي خطوتين ناحية الطربيزة، مسكتي كوباية المية وشربتي منها بوق صغير. كريم كان بيراقب كل حركة بتعمليها بعينين صقر.
”كريم..” صوتك طلع أهدى المرة دي، حاولت تظهري بمظهر المستسلمة. “أنت لو فضلت حابسني هنا.. الناس هتدور عليا، الشرطة هتوصلك.. أنت كدة بتدمر نفسك، وأنا مش عايزاك تتأذي.”
كلمة “مش عايزاك تتأذي” نزلت على ودنه زي السحر. عينيه لمعت، وقام وقف وقرب منك تاني، بس المرة دي مكنش فيه غضب، كان فيه لهفة. “أنتي خايفة عليا يا سما؟ بجد؟”
”أكيد خايفة..” كدبتي والغل بياكل في قلبك من جوة، بس كان لازم تكملي الدور. “إحنا كان بينا أيام كتير.. بس أنت الطريقة اللي جيت بيها خضتني، الرعب اللي عيشتني فيه برة وفي العربية خلاني مش شايفة قدامي. أنت فاجئتني.”
كريم ابتسم ابتسامة عريضة، حس إنه انتصر، إن كلامه وسيطرته جابوا نتيجة. مسك إيديكي الاتنين، وإيديه كانت دافية بزيادة بشكل مقزز بالنسبة لك. “أنا أسف لو خضيتك يا حبيبتي، بس مكنش فيه طريقة تانية. طارق كان حاطط حواليكي حراسة من أهله، ومكنتش عارف أقربلك. لما سافر، عرفت إن دي فرصتي.. الفرصة اللي ربنا بعتهالي عشان نرجع لبعض.”
”طيب.. ممكن تقعد ونهدا؟” قولتيلو وأنتي بتسحبي إيدك ببطء وتدعي إنك بتعدلي شعرك. “أنا تعبانة ومصدومة من مشوار العربية.. محتاجة ارتاح شوية ونفكر هنعمل إيه في المصيبة دي.”
”مصيبة؟” ملامحه اتقبضت تاني.
”قصدي.. الوضع ده” صححتي بسرعة قبل ما يثور. “أهلي وجوزي.. إحنا لازم نلاقي حل عشان نختفي تماماً من غير ما حد يدور ورانا، صح ولا لأ؟”
كريم هز رأسه بالموافقة، وبدأ يتكلم بحماس أشد عن خطته: “أنا مرتب كل حاجة.. هنقعد هنا يومين تلاتة لحد ما الرِجل تهدى، وبعدين هناخد طريق الصعيد، عندي شقة هناك باسم واحد صاحبي محدش يعرف عنها حاجة.. هنعيش هناك، وهتنسي كل اللي فات.”
وأهو بيتكلم، لاحظتي إنه طلع علبة سجاير وولاعة من جيبه وحطهم على الطربيزة. الولاعة كانت حديد وتقيلة، شكلها من النوع الغالي. عقلك لقط التفصيلة دي فوراً.
”أنا هدخل الحمام أغسل وشي وفوق.. ممكن؟” سألتيه بنبرة مكسورة.
كريم شاور لك على باب في آخر الصالة: “ماشي يا حبيبتي، بس متغبيش.. أنا مأخر العشا عشان ناكل سوا.”
دخلتي الحمام وقفلتي الباب وراكي. أول ما بقيتي لوحدك، سانتي بايدك على الحوض ونهجتي جامد وكأنك كنتي كاتمة نفسك. بصيتي في المراية المكسورة اللي قدامك، وشك كان شاحب، وعلامة صوابعه واضحة على خدك. الرعب كان لسه جواكي، بس الغضب بدأ ياخد مكانه. غضب من ضعفك، وغضب من الراجل اللي فاكر إنه يقدر يملك حياتك لمجرد إنه عايز كدة.
بصيتي حواليكي في الحمام.. مفيش غير شباك صغير ومنور منور ضيق جداً، حتى قطة متقدرش تعدي منه. مفيش أي أداة حادة. رجعتي للصالة وأنتي مقررة إنك لازم تنفذي خطتك فوراً قبل ما الليل يعدي والوقت يسرقك.
لما خرجتي، لقيتي كريم واقف عند الشباك الكبير، مدي ضهره للصالة وبيبص برة على الضلمة، وسرحان في سجـارته. دي كانت الفرصة.
اتحركتي بخطوات زي القطة، مفيش ليها صوت على البلاط القديم. وصلتي للطربيزة، ومديتي إيدك ببطء شديد وأخدتي الولاعة الحديد التقيلة. قبضتي عليها بكل قوتك لحد ما ضوافرك علمت في إيدك.
أخدتي نفس عميق، وقربتي منه من وراه. الهوا كان واقف، وصوت أنفاسك كان عالي في ودنك أنتي بس. لما بقيتي على بعد خطوة واحدة، كريم حس بحركة، ولسه بيلف راسه وبيقول: “سما.. أنتي..”
قبل ما يكمل الكلمة، رفعتي إيدك بكل الغل، بكل الخوف، بكل القهر اللي عيشتيه في الساعات الأخيرة، ونزلتي بالولاعة الحديد على دماغه بكل قوتك.
الخبطة عملت صوت مكتوم وقوي. كريم عينيه وسعت بصدمة، وبص لك بنظرة مكنش مصدق فيها إن “سما” الهادية الضعيفة تعمل كدة. ترنح خطوتين لورا، وإيده راحت لراسه، وبدأ دم أحمر غامق ينزل من بين صوابعه.
”أنتي.. بتعملي إيه..” قالها بصوت متقطع وهو بيحاول يوازن نفسه ويقرب منك وعينيه بدأت تظلم.
الخوف رجع يسيطر عليكي لما لقيتيه م وقعش من أول خبطة. بدأ يتقدم ناحيتك زي الوحش الجريح. صرختي بكل صوتك ونزلتي بالولاعة تاني وتالت على وشه ودماغه، لحد ما توازنه اختل تماماً، ووقع بطوله على الأرض، وعمل صوت ركـام جـامد، وفضل يتحرك ببطء وهو بيئن ويحاول يقوم.
مكنتيش قادرة تستني ثانية واحدة تشوفي هيفوق ولا لأ. رميتي الولاعة من إيدك وجريتي على جاكيته اللي على الكنبة، قلبتي الجيوب بسرعة جنونية والدموع مغمية عينيكي، لحد ما لقيتي المفاتيح الحديد الكبيرة وقفل العربية.
جريتي على الباب الخشب، إيديكي كانت بترتعش لدرجة إن المفتاح وقع منك على الأرض. صرختي من الإحباط، وقعدتي على ركبك وأخدتيه، وحطيتيه في القفل ولفيتيه.. تكتين، والباب اتفتح.
خرجتي تجري في الضلمة، الهوا الساقع خبط في وشك، بس مكنتيش حاسة بحاجة غير برغبة النجاة. وصلتي للعربية، فتحتي الباب بالريموت، ولمحتي شنطتك على الكرسي اللي جنبه. أخدتي الشنطة وطلعتي التليفون وأنتي بتجري ناحية المدق الترابي، مكنتيش عارفة تسوقي عربيته ولا كان عندك وقت تدوري على مفاتيحها.
جريتي في وسط الزرع، الشوك كان بيقطع في رجليكي وهدومك بس مكنتيش واقفة. شغلتي التليفون، ولقيتي الشبكة شرطة واحدة بالعافية. فتحتي قائمة الاتصال، وأول اسم جه قدامك كان “طارق”.
دوستي اتصال.. الخط كان بيجمع بصعوبة.. طارق.. طارق رد أرجوك..
”ألو؟ سما؟” صوت طارق جه من الناحية التانية، هادي وثابت وزي ما يكون لسه صاحي من النوم، الصوت ده كان بالنسبة لك هو الحياة.
”طارق! الحقني يا طارق!” صرختي وأنتي بتجري وبتلتفتي وراكي كل ثانية، خايفة تشوفي خيال كريم بيجري وراكي في الضلمة. “كريم خطفني.. أنا في مكان مقطوع.. فيه شجر وأراضي.. كريم كان هيموتني وأنا خبطته وهربت.. طارق أنا خايفة!”
”سما؟! أنتي بتقولي إيه؟ كريم مين؟ وأنتي فين بالظبط؟!” صوت طارق اتقلب تماماً، النبرة الهادية اختفت وحل مكانها رعب حقيقي وقلق زلزل كيانه.
”مش عارفة أنا فين! طريق سريع وفيه بيت قديم.. طارق الحقني.. أنا سامعة صوت عربية ورايا!”
وفجأة، وأنتي بتجري، سمعتي صوت كشافات عربية نورت من بعيد وراكي، وصوت موتور بيتحرق وهو بيتحرك بسرعة في المدق الترابي.. كشافات العربية نورت الشارع الضلمة كله، وظلك اترسم قدامك طويل ومكسور على الأرض.. كريم فاق.. واللعـبة مخلصتش..
”سما! متقفليش الخط! سماااا!” صوت طارق كان بيصرخ في التليفون، بس أنتي مكنتيش سامعة غير صوت العجل وهو بيقرب منك.. وبسرعة مرعبة.صوت الموتور كان بيحفر في ودنك، والضوء الأبيض القوي بتاع الكشافات عمى عينيكي ومبقيتيش شايفه قدامك غير ظلك وهو بيجري وبيتلوى على الأرض الترابية. التليفون كان لسه في إيدك، وصوت طارق طالع منه مخنوق ومجنون من الرعب: “سما! ردي عليا! أنتي فين؟”
مكنش فيه وقت للكلام، رميتي نفسك بجسمك كله وسط غيط الذرة العالي اللي على يمين المدق. دخلتي بين العيدان الناشفة وأنتي بتزحفي على ركبك وكوعك، الورق الطويل كان بيخربش وشك وإيديكي بس مكنتيش حاسة بالوجع، الإدرينالين كان مالي جسمك ومخليكي زي الآلة اللي بتتحرك بدافع البقاء وبس.
العربية فرملت بعنف في نفس المكان اللي كنتي واقفة فيه من ثواني. صوت الباب وهو بيتفتح ورزعة قفله خلت قلبك يقف. سمعتي صوت خطواته الثقيلة، مكنتش خطوات طبيعية، كان بيعرج، وصوت أنفاسه العالية والنهيج بتاعه كان واصلك برغم مسافة الكام متر اللي بينكم.
”سمااااا!” صوته طلع شرير ومبحوح، مليان غل ووجع. “فاكرة نفسك هتهربي فين؟ أنتي فاكرة الخبطة دي هتموتني؟ ده أنا هطلع روحك في إيدي!”
أنتي كتمتي بوقك بإيديكي الاتنين، التليفون كان لسه مفتوح، نزلتي الشاشة للأرض وكتمت صوته خالص عشان إضاءته أو صوت طارق ما يفضحكيش. دموعك كانت بتنزل شلالات وتغسل التراب اللي على وشك. كنتي سامعة صوت حركته وهو بيقرب من الغيط، وبدأ يزق عيدان الذرة بإيده.
”أنا شايف ريحتك يا سما.. أنا حافظك.. اطلعي بالذوق بدل ما أزعل منك بجد.”
الرعب خلاكي مش قادرة تتحركي، لو مشيتي خطوة واحدة صوت ورق الذرة الناشف هيفضحك. وفي اللحظة دي، تليفون كريم اللي في جيبه رن بصوت عالي جداً. الخطوات وقفت. سمعتيه بيطلع التليفون وبيرد بنبرة سريعة ومقروصة: “إيه يا زفت؟.. لأ لسه.. اجهز أنت بالعربية التانية عند أول الطريق السريع.. البت داخت وهي هنا في الغيطان، هجيبها من قفاها وأجيلك.. اخلص!”
أول ما سمعتي كلمة “العربية التانية” وفهمتي إن فيه حد معاه بيساعده، عرفتي إنك لو فضلتي مستخبية هنا، أول ما النهار يطلع هيجيبوكي هيجيبوكي. كريم قفل السكة وبدأ يتحرك في الاتجاه المعاكس لمكانك، تاه في الضلمة وهو بيدور عمياني.
استغليتي الفرصة وبدأتي تسحبي نفسك لورا، ببطء، خطوة خطوة، لحد ما بعدتي عن مكان صوته. رفعتي التليفون وبصيتي في الشاشة.. المكالمة مع طارق كانت قطعت لأن الشبكة طارت تماماً. مفيش إرسال. بقيتي لوحدك رسمي في قلب الضلمة.
فضلتي ماشية وسط الزرع، مش عارفة السكة دي مودية على فين، لحد ما رجليكي خبطت في أسفلت. طلعتي لقيتي نفسك على طريق ضيق ومضلم، باين عليه طريق زراعي فرعي. مشيتي على جمب الطريق وأنتي بتترعشي، لحد ما لقطتي من بعيد نور كشافات أصفر دافي.. مش كشافات عربية، ده كان نور عمود كهرباء قدام بيت ريفي صغير، وقدامه مقطورة جرار زراعي.
جريتي بكل قوتك اللي فاضلة، وروحتي خبطتي على الباب الخشب بتاع البيت بنبضات سريعة ومتهورة. “افتحوا لي! أرجوكم حد يلحقني!”
الباب اتفتح بعد ثواني، وظهر منه راجل كبير في السن، شعره أبيض ولابس جلباب صعيدي، ووراه ست عجوزة باين على وشها الطيبة والخضة. الراجل بص لمنظرك؛ هدومك المتقطعة، وشك اللي عليه آثار الدم والتراب، وعينيكي الزايغة من الرعب.
”يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم! في إيه يا بنتي؟ أنتي مين؟” الراجل سألك وهو بيقدم خطوة لحمايتك.
”عمو.. أرجوك.. فيه حد بيجـري ورايا.. خطفني وعايز يموتني.. أرجوك خبيني!” مكنتيش قادرة تكملي الجملة ووقعتي على ركبتك من التعب.
الست العجوزة جريت عليكي بسرعة وسندتك: “تعالي يا بنتي تعالي جوة، وحدي الله.. يا حاج متولي اقفل الباب بسرعة وعشّق الترباس!”
الحاج متولي قفل الباب الحديد ورزع الترباس، ودخل جاب لك كباية مية بسكر وأنتي بتترعشي ومش قادرة تمسكي الكوباية. الست قعدت جنبك تطبطب عليكي: “أنتي منين يا ضنايا؟ وإيه اللي جابك في المقطعة دي بالليل؟”
”أنا من طنطا.. وجوزي مسافر.. وفيه واحد اسمه كريم خطفني وجابني هنا في بيت مهجور.. أنا خبطته وهربت وهو بيدور عليا دلوقتي ومعاه ناس” قولتيلهم التفاصيل بسرعة وأنتي بتبصي للباب وخايفة يتهد في أي لحظة.
الحاج متولي ملامحه جِديت وبقت حاسمة: “كريم؟ البيت المهجور اللي في آخر المدق؟ ده بتاع الواد الصايع بتاع المعصرة! يا نهار مش فايت.. متخافيش يا بنتي، أنتي في عرض الحاج متولي، والكلب ده لو جيه هنا مش هيطلع حيا.”
الحاج متولي قام دخل الأوضة وجوه وجاب بندقية خرطوش، ووقف ورا الشباك يراقب الطريق. في نفس الوقت، بدأتي تبصي لتليفونك.. الشبكة رجعت شرطتين! بسرعة طلبتي رقم طارق.
الخط رن.. رنة.. تانية.. وفجأة فتح. صوت طارق مكنش صوت بني آدم، كان زئير: “سما!!! أنتي فين؟ أنتي عايشة؟ أنتي سامعاني؟”
دموعك نزلت بس المرة دي دموع أمل: “طارق.. أنا هربت.. أنا عند حد اسمه الحاج متولي في بيت ريفي.. مش عارفة المكان بالظبط بس الحاج متولي هيوصفلك.”
الحاج متولي أخد منك التليفون بسرعة وتكلم بصوت قوي وصاحي: “يا ابني اسمعني.. اسمعني يا فؤاد.. مراتك بخير وفي أمان عندي، أنت فين دلوقتي؟.. على الطريق السريع؟ حلو.. ادخل من دخلة قرية (ميت يزيد)، أول مدق زراعي على إيدك اليمين بعد بنزينة التعاون.. امشى في المدق ده تلاتة كيلو، هتلاقي بيتي قدامه جرار.. اخلص يا ابني بس اوعى تقف لحد في السكة.. الواد كريم وعصابته قالبيـن المنطقة.”
الحاج متولي قفل الخط واداكِ التليفون: “جوزك بيقول إنه قالب الدنيا، وجايب معاه رجاله وقرب يوصل.. ربع ساعة بالكتير ويكون هنا.”
الربع ساعة دي كانت أطول من سنين عمرك كلها. كنتي قاعدة في حضن الست العجوزة، وكل صوت برة؛ حفيف الشجر، صوت كلب بيهوهو من بعيد، كان بيخلي جسمك يتنفض. وفجأة.. صوت فرامل عربية جـامد وقف قدام البيت.
الحاج متولي رفع البندقية وعمرها، وصوت “التكة” بتاعة السلا..ح رعبتك أكتر. بص من الشباك وقال بصوت واطي: “دي مش عربية جوزك.. دي عربية كريم.”
صوت خبط عنيف ورزع على الباب الحديد بدأ يهز البيت كله. صوت كريم كان طالع برة زي الشيطان: “يا حاج متولي! افتح الباب! أنا عارف إن البت عندك.. سلمهالي بالذوق بدل ما أحرق لك البيت باللي فيه! البت دي بتاعتي وأنا أولى بيها!”
الحاج متولي زعق بقوة وهيبة هزت المكان: “امشي من هنا يا صعلوك يا ابن الكلب! البت في عرضي، ولو قربت من الباب ده هفضي في صدرك الخرطوش.. غور من هنا!”
”مش همشي من غيرها!” كريم صرخ، وسماح صوت زجاج بيتكسر.. كانوا بيحاولوا يكسروا الشباك الجانبي. الحاج متولي جِري على الأوضة الجانبية، وصوت ضربة خرطوش هزت أركان البيت وعملت صدى مرعب.. ضرب في الهواء عشان يخوفهم.
وفجأة.. وسط الكابوس ده، ظهر صوت سرينة عربيات تانية، وصوت حك عجل على الأرض الترابية بقوة. صوت كشافات تانية نورت المكان، وصوت باب عربية بيتفتح، وصوت طارق وهو بيصرخ بأعلى صوته: “كرييييييم!”
سمعتي برة خناقة شوارع.. تكسير، ضرب، صراخ، وصوت طارق وهو مغلول، بيطلع كل قهر الساعات اللي فاتت في ضرب كريم. الخناقة كانت عنيفة برة، والحاج متولي فتح الباب وخرج بالبندقية عشان ينهي الموضوع ويأمن رجالة طارق.
بعد دقيقتين اتفتح الباب بالكامل.. وظهر طارق. قميصه متبهدل، وشه عليه آثار خناقة، وعينيه مليانة دموع وقلق. أول ما شافك، رمى نفسه على الأرض وضمك لصدره بكل قوته، لدرجة إن ضلوعك كانت هتتكسر، بس ده كان أحلى إحساس بالأمان دوقتيه في حياتك.
”أنتي كويسة؟ عمل فيكي إيه؟” طارق كان بيتكلم وهو بيبوس راسك وإيديكي وبيعيط زي العيل الصغير.
أنتي مكنتيش قادرة تتكلمي، بس هزيتي راسك بمعنى “أنا بخير”.
بصيتي من الباب المفتوح، لقيتي كريم مرمي على الأرض، ورجالة طارق مكتفينه والدم مغطي وشه تماماً بعد ما أخد علقة عمره، والشرطة اللي طارق طلبها في الطريق كانت بدأت تظهر أنوارها الزرقا والحمرا من بعيد لتنهي الكابوس ده للأبد.
طارق شالك بين إيديه وقام، وبص للحاج متولي والست العجوزة وقالهم وعينيه مليانة امتنان: “جميلكم ده فوق راسي ليوم الدين.. مراتي رجعتلي بسببكم.”
وأنتي خارجة في حضن طارق، بصيتي على كريم وهو بيتسحب للبوكس والكلبشات في إيده، النظرة اللي في عينيه مكنتش نظرة تملك خلاص.. كانت نظرة انكسار وضياع. ركبتي مع طارق العربية، وسندتي راسك على كتفه، وأنتي عارفة إن السجن اتهد، وإنك من النهاردة بجد.. بدأتي تعيشي.



