باقي الفلوس

الراجل اللي لابس البدلة قفل الشنطة بسرعة البرق كأنها سر حربي، والهمهمات في المدرج بدأت تعلى، ودكتور المادة نفسه واقف مش فاهم حاجة. مصطفى حس إن رجليه مش شايلاه، ولم كشكول المحاضرات وقلمه بإيد بتترعش، وكل خطوة كان بيمشيها ناحية الباب كانت كأنها سنة. الدفعة كلها كانت بتبص عليه بنظرات رعب على فضول، وصاحبه اللي قاعد جنبه همس له وهو ماشي: “عملت إيه يا مصطفى؟ ورايا أهلك لو جرى لك حاجة!”. مصطفى ماردش، وبص في الأرض وخرج ورا الرجالة التلاتة.
​أول ما طلعوا من مبنى الكلية، لقي عربية مرسيدس سودا في ممر الجامعة، فاميه غامق، وواقف جنبها حرس. الراجل الطويل فتح الباب اللي ورا وشاور لمصطفى يدخل. مصطفى ركب، وجوا العربية كانت ريحة الجلد الغالي والهدوء غريبة جداً على شاب متعود على زحمة المترو وميكروباصات المرج. العربية اتحركت بسلاسة، ومصطفى فضل باصص من الشباك على شوارع القاهرة اللي بتجري، وعقله شغال زي المكنة: “هو أنا عملت إيه؟ الشنطة دي كان فيها رزم دولارات وورق رسمي عليه ختم النسر.. هو الراجل العجوز ده بيشتغل إيه؟ وهل أنا في مصيبة ولا طاقة قدر واتفتحت؟”.
​بعد حوالي ساعة من المشي في شوارع مصر الجديدة، العربية دخلت من بوابة حديد ضخمة لفيلا قديمة بطراز معماري إيطالي، الشجر فيها عالي والجو هادي بشكل مرعب. العربية وقفت، والراجل اللي لابس البدلة فتح لمصطفى الباب وقال له بنبرة محترمة جداً: “اتفضل معايا يا بشمهندس”. كلمة “بشمهندس” دي نزلت على قلب مصطفى طمنت هواجسه شوية. دخلوا من باب صالون واسع، السجاد فيه عجمي والحيطان مليانة صور قديمة لراجل في شبابه بلبس عسكري، وصور تكريمات وأوسمة ونياشين كتيرة جداً.
​في آخر الصالون، كان قاعد على كرسي هزاز نفس الراجل العجوز، بس المرة دي مكنش لابس الهدوم المبهدلة بتاعة امبارح. كان لابس قميص أبيض مكوي وبنطلون قماش، وهيبته تملا المكان، وعينه فيها لمعة ذكاء حادة جداً. أول ما شاف مصطفى، ابتسم ابتسامة صافية وقام وقف على رجليه، ورغم سنه، كان ظهره مفرود كأنه لسه في طابور العرض العسكري.
​”أهلاً يا مصطفى يا ابني.. اتفضل استريح”، قالها سيادة اللوا جلال وهو بيشاور له على الكنبة الجلد. مصطفى قعد وهو مش على بعضه، وقال بنبرة مليانة تساؤل: “سيادة اللوا.. أنا بجد مش فاهم حاجة. هو إيه اللي بيحصل؟ وحضرتك مين؟ ومظاهر امبارح دي كانت إيه؟”.
​اللوا جلال ضحك ضحكة قوية رجعت الصدى في الصالون، وقعد قصاده وقال: “أنا اللواء متقاعد جلال الدين التهامي. خدمت في القوات المسلحة من سنة 1973 لحد ما طلعت معاش من كام سنة. امبارح يا سيدي، مكنش مجرد يوم عادي، ومكنش قلة حيلة زي ما أنت افتكرت. امبارح كان اختبار.. اختبار أنا بأعمله بنفسي كل سنة في ذكرى وفاة ابني الوحيد”.
​مصطفى فتح بوقه من الصدمة: “اختبار؟! يعني حضرتك مكنتش محتاج الـ 150 جنيه؟”.
​اللوا جلال ملامحه بقت جادة جداً وعينه دمعت شوية: “ابني الله يرحمه، كان ظابط مهندس، استشهد في عملية في سينا من خمس سنين. كان دايماً يقول لي: ‘يا بابا، الشقيانين في البلد دي هما اللي شايلينها على كتافهم، والجدعنة مش بفلوس كتير، الجدعنة باللي في الجيب وقت الزنقة’. من يوم ما مات، وأنا كل سنة في نفس اليوم، بنزل الشارع لابس أقدم هدوم عندي، وبدخل مكان بسيط، وأعمل الموقف ده.. عشان أشوف هل لسه في البلد دي شباب فيهم ريحة ابني؟ هل لسه الجدعنة والشهامة المصرية عايشة، ولا الماديات عميت قلوب الناس؟”.
​سكت اللوا جلال ثانية، وبص لمصطفى بفخر وكمل: “امبارح، المحل كان مليان ناس، أغنياء ومبسوطين، وكلهم داروا وشهم. الوحيد اللي مد إيده وطلع كل اللي حيلته وهو عارف إنه هيتزنق، كان أنت. أنت يا مصطفى مش بس دفعت حساب السندوتش، أنت رجعت لي الأمل في الجيل الجديد، ورجعت لي ريحة ابني”.
​مصطفى بلع ريقه، وحس بقشعريرة في جسمه. افتكر شكل أمه وهي راجعة تعبانة، وافتكر قلقه على مصاريف الأسبوع، وقال بصوت واطي: “والله يا فندم أنا عملت كده عشان حضرتك فكرتني بوالدي الله يرحمه.. مكنتش أستحمل أشوف راجل في سنك ومقامك يتكسف قدام الناس”.
​اللوا جلال طبطب على كتف مصطفى وقال له: “وعشان كده، أنت تستاهل اللي في الشنطة دي. الشنطة اللي شفتها في المدرج دي فيها ورق رسمي. الشنطة دي فيها عقد منحة دراسية كاملة لجامعة (إم آي تي) في أمريكا، مدفوعة التكاليف بالكامل من مؤسسة ابني الخيرية، ومصروف شهري محترم يكفيك ويكفي والدتك وأختك هنا في مصر عشان تعيشهم في مستوى يليق بيهم، ده غير شقة تمليك باسم والدتك في القاهرة الجديدة عشان ترتاح من شقى الإيجار والمشاوير”.
​مصطفى حس إن الدنيا بتلف بيه. الكلام كان أكبر من استيعابه. عقد منحة لأمريكا؟ شقة تمليك لأمه؟ مصروف شهري؟ يعني أمه مش هتضطر تنضف مكاتب تاني؟ يعني أختها مش هتاكل مكرونة بصلصة عشان الفلوس خلصت؟ الدموع نزلت من عينه من غير ما يحس، وبص للو جلال وقال بصوت مخنوق: “يا فندم.. ده كتير قوي.. أنا كل اللي عملته إني طلعت 500 جنيه!”.
​اللوا جلال ابتسم وقال بحنان أبوي: “الـ 500 جنيه بتوعك دول كانوا كل ثروتك في اللحظة دي يا مصطفى. أنت ضحيت بكل اللي تملكه عشان خاطر كرامة راجل غريب. ربنا مبيسيبش حد جدع، والرزق بيجي بأسباب. الشنطة دي مش مكافأة على الـ 500 جنيه، دي استثمار في بني آدم نضيف.. والبلد دي محتاجة ناس نضيفة زيك”.
​مصطفى قعد يبص لعقد المنحة والورق وهو مش مصدق، ومضى العقد وإيده بتهتز. اللوا جلال قاله: “النهاردة تروح تفرح والدتك، ومن الأسبوع الجاي تبدأ تجهز ورق سفرك. بس افتكر دايماً يا مصطفى.. مهما تعلي وتوصل، اوعى تنسى نظرة الراجل الغلبان اللي في الشارع، واوعى تقفل بابك في وش حد محتاج”.
​خرج مصطفى من الفيلا وهو حاسس إنه طاير مش ماشي على الأرض. ركب المترو وروح على بيتهم في المنطقة الشعبية البسيطة اللي عايش فيها. أول ما فتح الباب، لقى أمه قاعدة على الكنبة القديمة بتدلك رجليها من التعب وأخته الصغيرة بتذاكر على لمبة نيون ضعيفة. رمى الشنطة على التربيزة وجري حضن أمه وفضل يعيط بحرقة. أمه اتخضت وقالت: “في إيه يا مصطفى؟ جرى لك حاجة في الكلية يا ابني؟ طمني!”.
​مسح دموعه وطلع ورق الشقة الفاخرة وورق المنحة وحطهم في إيدها وقال: “يا أمي، شقاكي انتهى.. ربنا شاف تعبك وصبرك وبعت لنا فرج كبير قوي من وسع”. وقعد يحكي لها اللي حصل من أول السندوتش والـ 500 جنيه لحد اللوا جلال والمدرج. الأم لمت الورق في حضنها وقعدت تعيط وتدعي لربنا وتسجد سجدة شكر على الأرض، وأخته قعدت تنط من الفرحة.
​بعد شهرين، كان مصطفى واقف في مطار القاهرة، لابس بدلة جديدة شيك، وماسك شنطة سفره. أمه وأخته واقفين بيودعوه والدموع في عينيهم، بس المرة دي دموع فرح وفخر. أمه حطت إيدها على خده وقالت له: “سافر يا ابني وارفه راسنا، وافتكر دايماً إن الجدعنة هي اللي فتحت لك الباب ده”.
​مصطفى ابتسم وحضنهم ودخل صالة المغادرة. وهو في الطيارة، باصص من الشباك على أنوار القاهرة وهي بتصغر تدريجياً، افتكر جملة اللوا جلال: “الرزق بيجي بأسباب”. حس بمسؤولية كبيرة على كتافه، مش بس عشان مستقبله، عشان يفضل دايماً البشمهندس مصطفى، الجدع اللي بيشيل الناس وقت الزنقة. الطيارة قلعت في السما، ومعاها طارت أحلام شاب مصري، بدأ حكايته بسندوتش كفتة وشهامة ابن بلد، وانتهت بيه في أعلى منصات العلم في العالم.مرت السنين في غربة بوسطن الباردة، ومصطفى مكنش بيضيع دقيقة واحدة. دخل جامعة (إم آي تي) وكان بيسابق الزمن، حرفياً بياكل الكتب أكل. من سيكشن لمحاضرة، ومن معمل لتجارب أبحاث، وعينه دايماً على حاجة واحدة: يرجع لبلده وهو رافع راس أمه، ومطمن قلب سيادة اللوا جلال إنه مراهنش على الحصان الخسران.
​الـ 500 جنيه القديمة دي، مصطفى مكنش صرفها؛ كان مغلفها وحاططها في محفظته زي التميمة، كل ما يحس باليأس أو الغربة تقسى عليه، يطلعها يبص عليها، ويفتكر ريحة مصر الشقيانة، ويفتكر إن الجدعنة هي اللي جابته هنا.
​بعد خمس سنين من الكفاح المتواصل، مصطفى م بقاش مجرد طالب متفوق؛ ده بقى حديث الكلية كلها بعد ما اخترع نظام ديناميكا حرارية جديد لتوليد الطاقة النظيفة بتكلفة تكاد تكون معدومة، مشروع يحل أزمة الكهربا والطاقة في دول بحالها. يوم تخرجه، المدرج الكبير في أمريكا كان بيرج من التسقيف، واسم “مصطفى رضوان” بيتردد في القاعة وهو بيستلم شهادة الدكتوراة مع مرتبة الشرف الأولى.
​نزل مصطفى من على المنصة، وعينه بتدور في الصالة وسط أهالي الخريجين الأجانب، لحد ما لمحهم.. أمه بعبايتها المصرية الشيك الطاهرة، وأخته اللي كبرت وبقت في الجامعة، وقاعد جنبهم على كرسي متحرك بعكازه اللوا جلال الدين التهامي، اللي صمم يسافر رغم تعب صحته وسنه اللي عدا الثمانين عشان يشهد اللحظة دي.
​مصطفى جري عليهم، وساب الشهادة والدرع، ونزل تحت رجلين أمه يبوسها وهو بيعيط، والأم زغرطت زغروتة مصرية هزت القاعة والكل بقى يبص لهم بذهول وفرحة. بعدين قام ومسك إيد اللوا جلال وباسها وقال له بنبرة مليانة امتنان: “أنا وفيت بالوعد يا سيادة اللوا.. وم نسيتش”.
​اللوا جلال، والدموع مالية عينه الشايبة، طبطب على إيده وقال بصوت مرتعش بس قوي: “كنت عارف يا ابني.. أنا من يوم ما شفتك في ‘لقمة هنية’ وأنا عارف إنك مش هتنزل الأرض أبدًا. ابني المهندس الشهيد مرتاح في تربته النهاردة يا مصطفى”.
​بعد أسبوع، رجعوا كلهم على مصر. مصطفى م فكرش للحظة إنه يستقر في أمريكا رغم العروض والملايين اللي اتعرضت عليه من شركات عالمية. رجع ونور شقتهم الجديدة في القاهرة الجديدة، وأول حاجة عملها إنه أسس مركز أبحاث باسم “المهندس الشهيد” لتطوير مشروعات الطاقة في المناطق العشوائية والقرى البسيطة، وبقى يعلم الشباب الصغيرين أساسيات البرمجة والهندسة ببلاش.
​وفي يوم من الأيام، ومصطفى سايق عربيته في وسط البلد بعد يوم شغل طويل ومجهد، عينه جت على مطعم صغير على الرصيف، ولمح شاب صغير واقف ورا الكاونتر بيلمع الأطباق وشكله شايل هموم الدنيا فوق كتافه، وبرا على الترابيزة كان فيه راجل غلبان باين على وشه قلة الحيلة والكسوف قدام صاحب المحل.
​مصطفى ابتسم بمرارة، وركن العربية على جنب. مد إيده في جيبه، طلع محفظته، وبص على الـ 500 جنيه القديمة المتهالكة اللي لسه محتفظ بيها.. ونزل من العربية وهو ناوي يكمل الدايرة اللي بدأت من سنين، لأن الجدعنة في مصر حبل موصول مبيتقطعش.مصطفى قفل باب العربية، وظبط ياقة قميصه، ودخل المحل الصغير الهادي. ريحة الأكل الشعبي صدمت نفاخيشه ورجعت له ذكريات قديمة قوي، ذكريات الشقى والقرش اللي بيطلع بالروح.
​وقف ثواني يراقب المشهد؛ الشاب الصغير اللي واقف ورا الكاونتر كان باصص للراجل الغلبان بنظرة كلها حيرة وعجز، والراجل العجوز كان عمال يقلب في جيوبه الفاضية بكسرة نفس تذبح، وصاحب المحل واقف على راسه ومبرق ومربع إيده ومستني الحساب بنفاد صبر.
​مصطفى خطى بخطوات واثقة وهادية، وقرب من الترابيزة. من غير ما ينطق ولا كلمة، طلع محفظته، وسحب منها ورقة بمتين جنيه جديدة، وحطها قدام صاحب المحل وقال بنبرة صوت فيها هيبة تملى المكان: “الحساب عندي يا فندم، وباقي الفلوس خليها عشان الشاي بتاع الحاج”.
​صاحب المحل أول ما شاف هيبة مصطفى وشياكته، وشه اتفرد وأخد الفلوس وهو بيشكر فيه ويدعي له، واتسحب ورجع ورا الكاونتر.
​الراجل الغلبان رفع عينه لمصطفى، وكانت مليانة دموع محبوسة، وصوته كان بيترعش وهو بيقول: “كتر خيرك يا بيه.. والله أنا مش شحات، أنا بس المحفظة ضاعت مني في الأتوبيس وم أخدتش بالي إلا وأنا بحاسب.. ربنا يجبر بخاطرك وم يحوجكش لحد أبداً”.
​مصطفى ابتسم بابتسامة صافية، وطبطب على كتف الراجل وقعد قصاده وقال له: “عيب يا حاج، إحنا أهل، ومفيش بين الأخوات الكلام ده، كل لقمة بالهنا والشفا”.
​في اللحظة دي، مصطفى لمح الشاب الصغير اللي واقف ورا الكاونتر وهو بيبص له بذهول وفرحة، وعينه بتلمع بالأمل، كأنه كان شايل جبل وانزاح من على صدره. النظرة دي بالذات رجعت مصطفى 10 سنين لورا.. نفس وقفته، نفس حيرته، ونفس الخوف اللي كان جواه لما دفع الـ 550 جنيه لسيادة اللوا جلال.
​مصطفى قام وقف، وبص للشاب الصغير، وطلع من جيبه كارت شخصي فخم مكتوب عليه: (دكتور مصطفى رضوان – مدير مركز الشهيد لأبحاث الطاقة)، وحطه قدام الشاب على الكاونتر وقال له بصوت واطي ومبتسم: “لو محتاج شغل بمرتب محترم يساعدك في دراستك وأهلك، كلمني على الرقم ده بكرا الصبح.. إحنا محتاجين رجالة جدعة زيك في مركزنا”.
​الشاب مسك الكارت وإيده بتهتز وهو مش مصدق عينيه، وبص لمصطفى كأنه شايف طاقة قدر اتفتحت له من السما، وقال بنبرة مخنوقة من الفرحة: “حاضر يا فندم.. حاضر، الله يخليك!”.
​مصطفى لف ضهره وخرج من المحل، وركب عربيته. وهو بيشغل الموتور، بص على الكرسي اللي جنبه، ولمح الـ 500 جنيه القديمة المتهالكة اللي لسه محتفظ بيها في محفظته. في اللحظة دي، فهم الحكمة الكاملة للي عمله معاه اللوا جلال.. الجدعنة والخير مش مجرد موقف وتمنه بيتدفع، دي “سلسلة” من القلوب النضيفة، كل واحد بيسلمها للي بعده عشان الدنيا تفضل بخير.
​ساق مصطفى عربيته وسط شوارع القاهرة الزاحمة، والأنوار بتعكس على زجاج العربية، وهو حاسس براحة م حسهاش من سنين. ابتسم وبص للسما وقال في سره: “الوعد اتوفى يا سيادة اللوا.. والامانة اتسلمت للي يستاهلها”. وطول ما في ولاد بلد بيشيلوا بعض وقت الزنقة، حكاية الجدعنة في مصر عمرها ما هتنتهي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *