كريم والدم
كريم حِس إن الدم هرب من عروقه، اليد اللي كانت على كتفه مكنتش مجرد يد عابرة، دي كانت تقيلة لدرجة خلت جسمه كله يتخشب. لَف رقبته ببطء شديد، وعيونه لسه مليانة بدموع القهر والصدمة، عشان يشوف وش الراجل اللي نطق اسمه. كان راجل عجوز، ملامحه هربانة من شقا السنين، وشه مليان تجاعيد كأنها خريطة لطرق ضلمة، ولابس جلابية رمادي كحلي، وعينه فيها نظرة حزن وخوف غريبة جداً. كريم بَص للهيئة دي وقال بصوت متحشرج وهو بينهج: “أنت.. أنت مين؟ وعارف اسمي منين؟ والبيت الأخضر ده فيه إيه جوه؟”
الراجل العجوز سحب إيده بسرعة وبص حواليه برعب، كأنه خايف إن حيطان العمارة الخضرا دي يكون ليها ودان، وقرب من ودن كريم وهمس بصوت مخنوق: “أنا عم “صابر” بواب العمارة اللي جنبهم.. يا ابني أمشي من هنا، سيد أبـوك مش هو الراجل الغلبان اللي سافر الخليج، ولا هو مجرد راجل اتجوز على أمك.. البيت الأخضر ده وراه مصايب لو اتفتحت هتاكلك أنت وأمك وأختك، فوت الأيام دي وعديها، وارجع بيتك وابوس إيدك انسى إنك شفته”. كريم حس إن عقله هيطير، صرخوا جواه كانت أقوى من إنه يسكت، مسك عم صابر من جلابيته وقال بغضب مكتوم وعروقه نافرة: “أنسى؟ أنسى الراجل اللي سابنا سنتين بنموت من الجوع؟ أمي اللي ضهرها انحنى من الشغل في البيوت عشان تكفي مصاريفنا ومصاريف علاجي؟ أنسى إنه عايش هنا في رغد ولابس نضيف وعامل عيلة تانية بفلوسنا؟ قسماً بالله ما هتحرك من هنا غير لما أعرف كل حاجة!”
عم صابر حس بطاقة الغضب اللي طالعة من الشاب الصغير، ونظرة الانكسار اللي في عينه فكرته بـ ابنه اللي مات من سنين، اتنهد تنهيدة طويلة وطلّع سيجارة كليوباترا ولعها بإيد بترتعش، وقال بأسى: “تعال معايا نقعد على قهوة عم “محروس” في أول الحارة.. الكلام مش هينفع هنا تحت شبابيك البيت الأخضر، عيون “الست عبير” في كل مكان”. مَشِي كريم ورا عم صابر ورجليه بتتحرك بصعوبة، كأنه شايل جبال فوق كتافه. قعدوا على تربيزة خشب قديمة في ركن ضلمة من القهوة، والجو كان حر وخانق، وصوت شيشة المعسل وصوت الأغاني القديمة شغال في الخلفية، بس كريم مكنش سامع غير ضربات قلبه.
عم صابر حط كوباية الشاي الكشري قدامه وبدأ يتكلم: “بص يا كريم، أبـوك “سيد” لما اختفى من سنتين، مكنش مسافر الخليج ولا حاجة، أبـوك كان شغال سواق عند “حسين بيه الجارحي”، راجل من حيتان سوق السلا..ح والآثار في المنطقـة هنا. حسين بيه ده مات من سنتين في حادثة غامضة، ومراته “الست عبير” اللي شفتها مع أبوك في السوبرماركت، ورثت كل حاجة.. الست دي مفيش في قلبها رحمة، ومفيش كلب في المنطقة يقدر يقف قدامها. أبـوك مكنش مجرد سواق، أبـوك كان الصندوق الأسود لـ حسين بيه، ولما حسين مات، سيد لِعِب اللعبة صح، اتقرب من عبير، وبقى هو الكل في الكل، ومضّاها على عقود وبقى شريكها في كل الشغل الشمال، والطفل الصغير ده مش ابنه.. ده ابن حسين الجارحي، بس سيد عايش دور الأب عشان يسيطر على الورث كله لما الواد يكبر!”
كريم حس بدوخة، الكلام كان أكبر من استيعابه، أبوه اللي كان بيصلّي بيهم جماعة، الراجل اللي كان بيقولهم “القرش الحلال يعيش”، يطلع شغال في الآثار والسلا…ح وخاين لبيته وعياله؟ كريم خبط التربيزة بإيده وقال بزعيق هز القهوة: “يعني أبـويا حرامي؟ خاين؟ وقاعد جوه البيت الأخضر ده بيتمتع بفلوس حرام؟ وأنا وأمي مش لاقيين ناكل؟” عم صابر كتم بقه بسرعة وقال برعب: “اسكت يخرب بيتك! عبير ليها رجالة في كل حتة لو سمعوك هيدفنـوك مكانك.. سيد مـبقاش أبـوك بتاع زمان، سيد دلوقتي بيلعب مع حيتان، ولو حِس إنك هتهدد وظيفته أو هتكشف كدبته قدام عبير وتعرفها إن عنده عيلة قديمة، هيخلص منك بنفسه! عبير مش عارفة إن سيد متجوز وعنده عيال، هو مفهمها إنه مقطوع من شجرة، وعشان كده مخبيكم في أبعد منطقة في مصر”.
في اللحظة دي، تلفون كريم رن في جيبه.. كانت أمه “أم كريم”، الراجل العجوز شاورله يرد من غير ما يبين حاجة. كريم فتح الخط وصوته بيترعش: “أيوة يا أمي..”، صـوت أمه جه وهو تعبان ومبحوح من كتر الشغل: “أنت فين يا كريم؟ اتأخرت ليه في السوبرماركت يا ابني؟ أختك “سارة” حرارتها مرتفعة جداً ومحتاجة الدوا، وأنا مش معايا حق الروشتة.. أنت جبت الحاجة؟” كريم غمض عينه والدموع نزلت حامية على خده، بص لعمارة “البيت الأخضر” اللي باينة من بعيد، وبص لحاله وحال أمه، وقال بنبرة مكسورة: “أنا جاي يا أمي.. مسافة السكة وهكون عندك بالدوا، متقلقيش”. قفل التلفون وقام وقف، بص لعم صابر وقال بكلمات حاسمة زي السيف: “شكراً يا عم صابر.. أنت فتحت عيني، بس افتكر الكلمة دي: البيت الأخضر ده ههده على اللي فيه، والفلوس اللي سابنا نجوع بسببها، هاخدها منه تالت ومتلت”.
رجع كريم البيت، ودخل شقتهم البسيطة في منطقة “عين شمس”، الشقة اللي حيطانها مقشرة والعفش فيها قديم ومتهالك. لقى أمه قاعدة جنب أخت الصغير “سارة” وبكمدلها راسها بخرقة مبلولة ومية ساقعة. أمه بصتله بلهفة: “جبت الدوا يا كريم؟ فين أكياس السوبرماركت؟” كريم كدب وقال وهو بيبص في الأرض: “المحفظة ضاعت مني في الزحمة يا أمي.. بس متقلقيش، أنا اتصرفت واستلفت حق الدوا من صاحب السوبرماركت وهنزل أجيبه فوراً”. نزل كريم وراسه بتغلي، راح للصيدلية وجاب الدوا بآخر فلوس كانت معاه، وفضل طول الليل صاحي، باصص للسقف وعقله شغال زي الماكينة.. الفقر، الظلم، الكسرة، كل دي مشاعر اتحولت لـ غول جوه قلب الشاب اللي عنده 18 سنة. قرر إنه مش هيكون الضحية، وإنه لازم يدخل عالم أبـوه عشان يدمره من جوه.
مرت الأيام، وكريم بدأ يراقب “البيت الأخضر” بانتظام. عرف مواعيد خروج أبوه ومواعيد رجوعه. “سيد” كان بيخرج كل يوم الساعة 11 الضهر بعربيته الـ بي إم دبليو السودا الحديثة، ويروح لمخازن قديمة على أطراف طريق بلبيس الصحراوي، المخازن دي كانت متدارية ورا مصنع طوب مهجور. كريم قرر يروح هناك، لبس لبس شغل متبهدل، وراح للمصنع المهجور وطلب يشتغل أي حاجة.. شيال، عامل بوفيه، أي حاجة تخليه جوه المكان. وبسبب بنيته القوية وحركته السريعة، صاحب مصنع الطوب شغله معاه في نقل البلوكات. ومن مكانه ده، كان كريم كاشف المخازن المقفولة اللي بيدخلها أبـوه.
في يوم من الأيام، وتحديداً بعد العشا، الجو كان هسس وضلمة كحل في الصحرا، لَمَح كريم عربية أبوه واصلة، بس المرة دي مكنش لوحده، كان معاه تلات عربيات دفع رباعي زجاجهم فاميه أسود غامق. نزل من العربية “سيد” وهو لابس بدلة شيك جداً، ونزلت معاه “الست عبير” وهي حاطة شال أسود على راسها وعينها بتلمع بشر، ومعاهم حرس مسلحين ببنادق آلية. كريم استخبى ورا كومة طوب كبيرة وقرب براحة جداً، لحد ما بقى على بعد أمتار من باب المخزن الصاج اللي اتفتح بصرير مزعج.
سمع كريم صوت أبوه “سيد” وهو بيتكلم بنبرة كلها ثقة وغرور مكنش يعرفها فيه زمان: “يا عبير هانم، البضاعة دي جاية من مرسى مطروح بقالها يومين.. تماثيل فرعونية أصلية من مقبرة كوم الحجر، ومعاهم الصناديق “المعلومة” بتاعة السلا..ح الخفيف. التسليم هيكون بكرا الفجر لـ رجالة “البرنس” اللي جايين من الصعيد. الصفقة دي هتنقلنا نقلة تانية خالص، وهتخلينا نقعد على قمة السوق”. عبير بصتله ببرود وقالت بصوت حاد زي الموس: “ماشي يا سيد.. بس أنت عارف لو حصل أي غلطة، أو لو الحكومة شمت خبر، رقبتك هتبقى هي الثمن. أنا مش حسين الجارحي اللي كان بيحن عليك.. أنا بدبح فوراً”. سيد ضحك بصوت عالي وثقة: “عيب عليكي يا هانم، ده أنا تلميذك وتلميذ الجارحي.. المخازن دي أمان ومفيش صرصار يقدر يدخل هنا من غير إذنـي”.
كريم وهو سامع الكلام ده، جسمه كله قشعر.. الصدمة اتحولت لـ فرصة، فرصة ذهبية يضرب بيها ضربته. طلع تليفونه القديم وبدأ يسجل فيديو وصوت لكل اللي بيحصل، صوّر الصناديق وهي بتتفتح وصوّر التماثيل ورجالة السلا…ح، وصوّر أبـوه وهو بيستلم شنطة فلوس “دولارات” كعربون من رجالة البرنس اللي وصلوا في نفس الوقت. كريم كان حاسس إن التليفون هيفلت من إيده من كتر الرعب والإثارة، لكنه جمد قلبه وتناه يسجل لحد ما الصفقة كلها اتوثقت معاه على الموبايل.
بعد ما العربيات مشيت والمكان هدي، كريم رجع بيته وعقله بيخطط لأخطر لعبة ممكن يلعبها شاب في سنه. مكنش ينفع يروح للشرطة علطول؛ لأنه عارف إن “عبير” ليها عيون وممكن تقلب القض..ية ضده أو تهرب، وكان عارف إن أبوه لو اتمسك علطول، الفلوس والحق مش هيرجع لأمه. هو كان عايز يدمر “سيد” نفسياً ومالياً، يخليه يدوق الكسرة اللي دوقهالهم.
تانى يوم الصبح، كريم اشترى خط تليفون جديد “بدون اسم” وبعت رسالة واتساب على تليفون أبـوه “سيد”.. الرسالة مكنش فيها غير الفيديو اللي سجله امبارح، وتحتها جملة واحدة بالبلدي: “البيت الأخضر مبقاش أمان، والصفقة الجاية بتاعة بكرا بالليل في مخزن الصحراوي هتكون على الهوا قدام مباحث الأموال العامة ومكافحة المخدرات.. لو عايز الفيديو ده ومكانه ميوصلش للحكومة، تجيلي لوحدك بكرا الساعة 10 بالليل عند الملاحات القديمة في المكس.. ومعاك نص مليون جنيه كاش.. وإياك تعرف عبير هانم، وإلا رقبتك هتبقى الثمن على إيدها قبل الحكومة”.
في شقة “البيت الأخضر”، كان سيد قاعد بيشرب قهوته لما الرسالة وصلتله.. أول ما فتح الفيديو، وشه بقى أصفر زي الليمونة، وجسمه بدأ يتنفض من الرعب. بَص حواليه في الصالة الفخمة كأنه شايف عزارين واقف قدامه. مين اللي صوره؟ وإزاي دخل المخزن؟ والأخطر من كده، التهديد بـ عبير.. لو عبير عرفت إن في ثغرة بسببه، هتقتله قبل ما يسلم الفلوس. سيد رد على الرسالة بإيد بترتعش: “أنت مين؟ وعايز إيه؟ والفلوس هتكون عندك.. بس تضمنلي منين إنك تمسح النسخة اللي معاك؟” المبتز المجهول (اللي هو كريم) رد بكلمة واحدة: “المعاد والمكان.. ومفيش نقاش”.
كريم بدأ يجهز لمشهد النهاية، المشهد السينمائي اللي رتبه في خياله مية مرة. راح للملاحات القديمة، وهي منطقة مهجورة ومقطوعة تماماً، مفيش فيها غير جبال الملح البيضاء اللي عاملة زي التلج في وسط الضلمة، وصوت موج البحر البعيد بيعمل صدى صوت مرعب. كريم استخبى ورا جبل ملح كبير، وكان معاه حديدة تقيلة في إيده لحماية نفسه، وفي نفس الوقت، كان مجهز تليفونه التاني على خاصية البث المباشر المغلَق لـ صفحة سرية عملها، عشان لو حصله حاجة، كل حاجة تتكشف.
الساعة دقت 10 بالليل.. كشافات عربية “سيد” الـ بي إم دبليو نورت المكان وضلمته، نزلت العربية في وسط جبال الملح وصوت تراب الأرض بيقرقش تحت العجل. العربية وقفت، وسيد نزل منها وهو شايل شنطة سودا صغيرة، كان بيتلفت يمين وشمال وعينه طالع منها شرار وخوف، وصاح بعلو صوته: “أنا جيت.. اظهر وريني نفسك! أهو الفلوس معايا اهي، اظهر وخدها وغور من حياتي!”
كريم أخد نفس عميق، وطلع من ورا جبل الملح ببطء، خطوة ورا خطوة.. الجو كان ضلمة، وسيد مكنش شايف ملامحه بالكامل بسبب كشافات العربية اللي كانت ضاربة في ضهره. سيد زعق: “أنت مين يا ياض أنت؟ ومين اللي مشغلك؟ عبير؟ ولا البرنس؟” كريم قرب أكتر وأكتر، لحد ما نور الكشافات جه على وشه بالكامل.. ملامح كريم ظهرت واضحة وصريحة، نفس الملامح الشابة اللي سيد سابها من سنتين، بس النسخة دي مكنتش مكسورة، النسخة دي كانت مرعبة وجبارة.
سيد أول ما شاف وش ابنه، حصله صدمة ألجمت لسانه، الشنطة وقعت من إيده على الملح الأبيض، وعينه برقت لدرجة مروعة: “كـ.. كريم؟! أنت؟! مش ممكن.. أنت إيه اللي جابك هنا؟ وإيه اللي جاب الفيديوهات دي معاك؟” كريم ضحك ضحكة باردة وموجعة، ضحكة طالعة من وسط الوجع وقال بنبرة صوت خشنة هزت المكان: “أيوة كريم يا سيد.. كريم اللي سبته هو وأمه وأخته بيموتوا من الجوع عشان تروح تعمل عيلة تانية في “البيت الأخضر” بفلوس السلا..ح والآثار! كريم اللي أمك انحنى ضهرها في البيوت عشان تعالج أختي وأنت بتشتري لـ ابن حسين الجارحي لعب وعصير من السوبرماركت!”
سيد بدأ يتراجع لورا برعب، وبدأ يستوعب إن المبتز اللي هيهد حياته هو ابنه من لحمه ودمه.. حاول يغير نبرته، حاول يمثل دور الأب الحنين وقال بلجلجة ودموع تماسيح: “يا كريم يا ابني.. افهمني.. أنا عملت كل ده عشانكم! أنا دخلت السكة دي عشان أعملكم قرشين يضمنوا مستقبلكم، أنا كنت هجيلكم والله.. كنت هجيب الفلوس دي كلها وأقعدكم في قصر.. متخربش بيت أبوك يا ابني.. عبير لو عرفت هتموتني!”
كريم صرخ فيه بغضب وعينه بتطق شرار: “بسسسس! متنطقش كلمة ابني دي تاني! أنت بعتنا ورخصتنا عشان الفلوس، والنهاردة أنا جاي أخد تمن الكسرة دي.. الشنطة دي فيها كام؟” سيد قال بسرعة: “نص مليون يا كريم.. خدهم.. خدهم كلهم ومسامح فيهم، بس امسح الفيديو واقفل القصة دي”. كريم قرب من الشنطة وأخدها، وبص لأبوه بنظرة احتقار مفيش بعدها وقال: “النص مليون دول حق شقا أمي وعلاج أختي.. بس الفيديو مش هيمسح، واللعبة يلا يا “سيد” لسه بتبتدي.. أنا مش هسجنك، السجن رحمة ليك.. أنا هخليك عايش في رعب جوه البيت الأخضر، كل يوم وكل ثانية تخاف من خيالك، تخاف لتكون عبير عرفت، وتخاف لكون بلغت عنك.. هخليك تدوق طعم الخوف اللي عيشتهولنا!”
كريم لَف ضهره ومشي بالشنطة بثقة، وسيد واقف مكانه مصدوم ومشلول.. لكن فجأة، ومن نص الضلمة، نورت كشافات عربيات تانية خالص! تلات عربيات جيب ظهرت وسدت كل المداخل والمخارج للملاحات.. ونزل منها رجالة مسلحين، وفي وسطهم ظهرت “الست عبير” وهي ماسكة سيجارة وبتضحك ضحكة مرعبة، وبجانبها راجل ضخم لابس جلابية صعيدي وعينه مليانة غدر.. “البرنس”!
عبير بصت لـ سيد وقالت ببرود قاتل: “كنت فاكرنا مغفلين يا سيد؟ تليفونك كان متراقب من أول يوم دخلت فيه بيتي.. والرسائل والتهديدات كلها كانت بتوصلي أول بأول.. أنت وعيلتك القديمة كنتوا فاكرين إنكم هتلعبوا على عبير الجارحي؟” سيد ركع على ركبه ويبكي ويصرخ: “يا هانم والله ما هخونك.. ده ابني وهو اللي سرق الفيديوهات!” عبير شاورت لرجالتها وقالت وهي بتبص لـ كريم وسيد بنظرة موت: “خلصوا على الإتنين.. وادفنوا الجثث هنا في الملح.. محدش يخرج من هنا عايش”.
الرجالة رفعوا الأسلحة وعمّروا البنادق.. وصوت طلقات النار بدأ يملى المكان.. وفي اللحظة دي بالظبط، كريم عمل حاجة مكنتش في الحسبان، صرخ صرخة عالية وهو بيفتح تليفونه وبيدوس على زرار معين.. وفجأة، سمعوا صوت سرينات بوليس مرعبة بتدوي وتزلزل المكان من كل اتجاه، وكشافات ضخمة زرقا وحمرا ظهرت وحاصرت جبال الملح كلها، وصوت مكبرات الصوت هِز الصحرا: “اثبت مكانك أنت وهو.. المكان كله محاصر.. قوات الأمن المركزي ومكافحة الإرهاب مالية المكان.. ارمي السلا..ح!”
المنطقة اتقلبت لساحة حرب، ضرب نار متبادل، وجري، وصراخ.. كريم رمى نفسه ورا جبل الملح وهو ماسك شنطة الفلوس وتليفونه، وشاف أبـوه “سيد” وهو بيجري برعب والطلقات بتعدي من فوق راسه.. وفي وسط الفوضى دي كلها، كريم لَمَح حد من رجالة عبير بيوجه البندقية الآلية مباشرة نحو ضهر أبـوه “سيد” وهيدوس على الزناد.. كريم صرخ بـ أعلى صوته: “لااااااااااااااااا!”.. وقبل ما الطلقة تطلع، كريم رمى نفسه قدام أبـوه عشان يحميه.. طلقة قوية دوت في المكان، والجسمين وقعوا على الملح الأبيض اللي اتلون باللون الأحمر القاني..
الشرطة بدأت تقبض على عبير والبرنس والرجالة، والمكان بدأ يهدى.. سيد فتح عينه وهو بيترعش، لقى ابنه كريم سايح في دمه فوقيه، وباصص له بنظرة أخيرة.. كريم ابتسم ابتسامة وجع، وحط التليفون في إيد أبـوه وهو بينهج أنفاسه الأخيرة، وقال بكلمات متقطعة: “التليفون.. لسه.. لسه مسجل.. كل.. كل حاجة لايف.. أهرب.. أهرب يا.. يا أبويا.. وسامحني”. كريم غمض عينه تماماً ونفسه وقف.. سيد صرخ صرخة هزت أركان الصحرا، صرخة ندم قطعت قلبه، مسك الشنطة والتليفون وقام يجري زي المجنون في وسط جبال الملح والضلمة والبوليس وراه بيصرخ: “اقف عندك!”
سيد فضل يجري ويجري لحد ما اختفى تماماً في دروب الصحرا والملاحات، والبوليس معرفش يوصله.. بعد مرور أسبوع كامل على الواقعة دي.. شقة “عين شمس” البسيطة، كانت “أم كريم” قاعدة بتعيط ودموعها منشفتش على ابنها اللي مات، وأخت الصغير سارة ماسكة في حضنها.. وفجأة، الباب خبط براحة.. أم كريم قامت تفتح وهي بتترعش، ملقـتش حد ورا الباب.. بس لقت على الأرض “شنطة الفلوس السودا” وفوقيها جواب مكتوب بـ خط إيد بيترعش وبقع دم جافة:
”الفلوس دي حقكم.. كريم مات عشان يحميني وأنا مستاهلش.. أنا عايش دلوقتي زي الكلب الجربان، مطارد من الحكومة ومن رجالة عبير اللي لسه هربانين.. مفيش مكان يستخبى فيه، والبيت الأخضر اتقفل واتشمع.. بس اللعبة لسه مخلصتش يا أم كريم.. اللي قتلوا ابننا لسه في منهم بره.. وأنا مش هسكت غير لما أقدم راسي أو راسهم تمن لدم كريم.. افتحوا التليفون الصغير اللي جوه الشنطة.. هتلاقوا رسالة فيديو من كريم ليكم.. كان مسجلها قبل ما يموت بيوم.. وبيقولكم فيها السر اللي هيقلب كل الموازين وبسببه هتعرفوا إن كريم.. لسه مماتش!”





