نار الوحده

الكلمة اللي طلعت من شفايف سيف المجهدة ما كانتش “أمي” ولا كانت استنجاد بيا.. سيف بص لأمي وأختي، وعينه برقت برعب حقيقي، وشاور بصباعه الصغير وهو بينازع وبيقول: “بابا.. بابا كان معاهم في العشة!”
​الكلمة نزلت على دماغي زي الصاعقة. بابا؟ محمود؟ جوزي اللي المفروض إنه شغال في حقل بترول في وسط الصحراء ومبيجيش غير كل شهرين مرة؟ جوزي اللي قالي إنه مش هيعرف ينزل الإجازة دي بالذات عشان الشغل واقف عليه؟ الغرفة كلها اتملت بصوت صفير الأجهزة اللي بدأ يعلى، والممرضات دخلوا يجروا على السرير عشان يلحقوا الواد اللي نفسه بدأ يتقطع. أمين الشرطة، اللي كان واقف بكل ثقة وجايب آخره من أمي وأختي، تليفونه كاد يقع من إيده، وبصلي بصدمة وهو مش فاهم حاجة.. وأنا؟ أنا حسيت إن الدنيا كلها اسودت في عيني، ودموعي اللي كانت محبوسة ومتحجرة نزلت زي مية النار بتكوي وشي.
​أمي، الحاجة توحيدة، أول ما سمعت الكلمة دي، السبحة وقعت من إيدها المرتعشة، وحبات الخشب اتطوحت على بلاط المستشفى الناشف، وعينها الزايغة راحت ناحية مروة أختي اللي وشها اتقلب أصفر كأنه لمونة معصورة. مروة بدأت تترعش، وجسمها كله بيبعد ناحية الباب وعينها على الممر ومفيش في بوقها غير كلمة واحدة بتهمس بيها برعب: “احنا ملناش دعوة.. هو اللي قالنا.. هو اللي قالنا نعمل كده!”
​”بس! مش عايز أسمع صوت حد هنا! كله على برة!” الدكتور زعق وهو بيزق أمي وأختي برة الأوضة، والممرضات حطوا جهاز التنفس الصناعي على وش سيف الصغير، اللي عينيه بدأت تقفل تاني، وروحه بتنسحب من الدنيا قدام عيني. أمين الشرطة مسك مروة من دراعها قبل ما تهرب، وبص لأمي وقال بنبرة حازمة: “قدامي على مكتب النبطشية تحت.. مفيش مخلوق هيتحرك من المستشفى دي لحد ما نعرف إيه الحكاية بالظبط.”
​أنا مكنتش قادرة أتحرك. رجلي كانت لازقة في أرضية غرفة الرعاية المركزة. بصيت على ابني من ورا الإزاز وهو بين الحيا والموت، وبصيت على أمي وأختي وهما بيتسحبوا زي الحرامية وفي إيديهم الكلبشات بعد ما أمين الشرطة طلب دعم من القسم. كل كلمة سيف قالها كانت بتلف في دماغي زي السكاكين. محمود؟ محمود اللي بقالي سنتين بستحمل قرفه وبخلة وغيابه عشان خاطر لقمة العيش؟ محمود اللي وافقت إنه يسافر الصحرا ويغيب بالأسابيع عشان يوفر تمن جلسات التخاطب بتاعة ابنه؟ كان هنا؟ كان في السيدة زينب؟ وورا العشة؟
​مشيت في ممرات مستشفى أبو الريش وأنا مش حاسة بجسمي. الهوا النظيف بتاع الصبح كان بيدخل صدري كأنه تراب وخناجر. نزلت وراهم على مكتب نقطة الشرطة اللي في المستشفى. كانت الأوضة ضيقة، ريحتها سجاير كليوباترا وشاي مغلي، وفيها مكتب خشب قديم قاعد وراه معاون المباحث، النقيب أحمد، اللي جابوه بسرعة لما عرفوا إن القض..ية فيها شبهة جنائية وشروع في قتل طفل.
​أمي كانت قاعدة على الكرسي الخشب، حاطة طرحتها السمرا على بوقها وبتعيط بتمثيل رخيص، ومروة قاعدة جنبها بتبكي بجد، الرعب كان واكل قلبها. أول ما دخلت، مروة صرخت: “والله يا ليلى ما لمسته! محمود هو اللي جابهولنا.. هو اللي قال أمه مسافرة الإسكندرية والواد ده لازم يتربى عشان بيطلع أسرار البيت برة!”
​”أسرار بيت إيه يا لسان العقرب؟” صرخت فيها وأنا بهجم عليها، ومكنتش شايفة قدامي، كنت عايزة أقطع لحمها بإيدي، بس أمين الشرطة مسكني وحجزني عنها. “ابني عنده ست سنين! ابني مبيعرفش ينطق كلمتين على بعض! أسرار إيه اللي هيقولها؟ قسماً بالله لو ما نطقتوا بالحق لأكون شربا من دمكم النهاردة!”
​النقيب أحمد خبط على المكتب بقوة، الصوت هز الأوضة: “بس! اقعدي يا مدام ليلى، وحساب الخيانة ده هناخده بالقانون. اتفضلي يا ست مروة.. اتكلمي من طقطق لسلامو عليكم، وإلا وحياة جلال الله هتروحوا في حتة مش هتشوفوا فيها الشمس تاني.”
​مروة بلعت ريقها بصعوبة، وبدأت تتكلم وصوتها بيرتعش: “محمود.. محمود مكنش في الصحرا يا ليلى. محمود في مصر هنا بقاله أسبوعين. هو مأجر شقة في فيصل، ومتجوز عليكي بقاله سنة!”
الكلمة دي وقعت عليا بسخرية غريبة. متجوز؟ محمود؟
كملت مروة وهي بتبص في الأرض: “هو اتجوز واحدة تانية، والست دي مش عايزة عيال، ومحمود مكنش عايز يدفع نفقة ولا مصاريف جلسات التخاطب تاني. كان عايز يخلص من مصاريف الواد بأي طريقة. لما عرف إنك مسافرة الإسكندرية تبع الشغل، كلم أمي وقالها إنه هيجيب سيف يقعد معاها، بس الحقيقة إنه جابه عشان يخفيه!”
​”يخفيه يعني إيه؟ يقتله؟” سألت والنبرة طلعت من صدري ميتة، مفيهاش أي روح.
​أمي توحيدة تدخلت بسرعة وصوتها طالع مخنوق: “لا يا بنتي.. محمود قالنا إن الواد ده تعب وخسارة فيه القرش، وقال إنه هيسفره برة مصر مع ناس معرفة، هياخدوه يعيشوا بيه في بلد عربية، وهيقولك إنه تاه في الزحمة في السيدة زينب عشان تفقدي الأمل وماتدوريش عليه! وقالنا لينا حلاوة خمسين ألف جنيه لو سكتنا وسبناه يربط الواد في العشة لحد ما ميعاد السفر ييجي!”
​”تربطوه في العشة؟” أنا حسيت إن ضغطي نزل للزيرو، وصدري ضاق لدرجة إني مكنتش قادرة أتنفس. “ربطتوا طفل ست سنين في العشة الضلمة اللي كلها فيران وتراب؟ وكسرتوا إيده وضلوعه عشان خمسين ألف جنيه؟ أنتوا مش بني آدمين.. أنتوا كلاب!”
​مروة بدأت تصرخ وتدافع عن نفسها: “هو اللي ضربه يا ليلى! سيف لما شاف أبوه بيربطه بالجنزير في السرير القديم اللي جوة العشة، قعد يصرخ ويقول ‘عايز ماما.. هقول لماما’، محمود اتجنن، وخاف الجيران تسمع، قعد يضرب فيه بالبونية في بطنه وفي صدره لحد ما الواد سكت خالص ومبقاش ينطق! ولما لقيناه قطع النفس، محمود خاف وقال أنا ماشي هربان على السويس، وساب الواد مرمي ورا العشة وقالنا اتصرفوا انتوا وقولوا إنه وقع من فوق السطح!”
​النقيب أحمد كان بيسمع الكلام ووشه بيتحول لكتلة غضب. بص لأمين الشرطة وقال بحدة: “أطلع فوراً بفرقة على الشقة اللي في فيصل، واعمل تتبع لتليفون المدعو محمود الشرقاوي، وجيبوه من تحت الأرض. والاتنين دول يترحلوا على الحجز فوراً بتهمة التستر والشروع في القتل والمشاركة في جناية خطف وتعذيب طفل.”
​أمي قعدت تصرخ: “يا بيه أنا ست عيانة! يا بيه بنتي ليلى مش هتعمل فيا كده، دي ضنايا!”
بصيت لأمي، الست اللي ولدتني، الست اللي المفروض كانت تكون حضني الدافي لما الدنيا تضيق بيا. وبصيت لأختي اللي كل ذنب سيف معاها إنه كان طفل غلبان مبيعرفش يدافع عن نفسه. قولت لها بكل برود وبصوت حاد زي الموس: “أنا معنديش أم، ومعنديش أخت. انتوا الاتنين هتموتوا في السجن، وأنا اللي هقفل عليكم الباب بإيدي.”
​خرجت من المكتب وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا. رجعت تاني للدور بتاع الرعاية المركزة. الممر كان هادي، وصوت خطواتي كان عالي ويخوف. قعدت على الكرسي البلاستيك قدام باب الرعاية، وحطيت راسي بين إيديا. تليفوني رن في جيب الجاكيت.. بصيت على الشاشة، كان المدير بتاعي في الإسكندرية، بيطلبني عشان العرض بتاع المشروع اللي هيحدد الترقية.
بصيت للتليفون وضحكت.. ضحكت بهستيريا وبدموع. ترقية؟ مشروع؟ شركة عقارات؟ كل ده ملوش أي لزمة.. كل طموحاتي وأحلامي اللي كنت بموت نفسي عشانها اتهدت تحت رجلين الخيانة والنذالة. قفلت التليفون خالص ورميته في الشنطة.
​مرت الساعات كأنها سنين. الظهر أذن، وبعده العصر، وأنا واقفة في مكاني، باصة لسيف من ورا الإزاز. الدكتور خرج بعد فترة، ملامحه كانت تعبانة بس نبرته كانت أهدى شوية. قرب مني وقال: “مدام ليلى.. الحمد لله، قدرنا نسيطر على النزيف الداخلي، والنبض بدأ يستقر. هو حالياً تحت تأثير بنج قوي ومسكنات عشان الألم، بس نقدر نقول إن المرحلة الحرجة الصعبة عدت.. سيف بطل، وجسمه بيقاوم.”
​نزلتي الكلمة دي زي المية الساقعة على قلب كان بيتحرق. “يعني هيعيش يا دكتور؟ ابني هيرجعلي؟”
الدكتور ابتسم وقال: “هيرجعلك وهيبقى زي الفل، بس محتاج رعاية نفسية وجلسات علاج طبيعي طويلة عشان الكسر والإصابات اللي في جسمه، والأهم من ده كله.. يحس بالأمان.”
​”الأمان عندي أنا وبس يا دكتور، مفيش مخلوق هيقرب منه تاني” قولت الكلمة دي وأنا بمسح دموعي وعيني بتلمع بقوة مكنتش أعرف إنها عندي.
​دخلت لسيف الأوضة بعد ما الدكتور سمحلي بخمس دقائق بس. قعدت على الكرسي جنب السرير، مسكت إيده الصغيرة السليمة اللي مفيهاش جبس ولا خراطيم. كانت دافية.. دافية زي ما هي دايماً. لثمّت إيده وبستها ونزلت دموعي عليها. “سامحني يا سيف.. ماما سابتك للذئاب، بس وحياة دموعك دي، ووحياة كل وجع حسيته في العشة الضلمة دي، لأجيبلك حقك وتنام وأنت مرتاح.”
​وفجأة، الباب اتفتح ودخل النقيب أحمد. ملامحه كانت متغيرة وفيه نبرة قلق في عينه. شاورلي أطلع برة الأوضة عشان نتكلم.
طلعت معاه والممر كان فاضي. بصلي وقال بصوت واطي: “مدام ليلى.. احنا قبضنا على محمود.”
​نفسي هدي شوية وقولت: “الحمد لله.. زمانه في الحجز مع الكلاب التانيين.”
النقيب أحمد سكت ثواني، وبعدين قال: “الموضوع أكبر من كده بكتير.. محمود مكنش بيهرب للسويس ولا حاجة. قوة المباحث لما راحت شقة فيصل، لقوا الشقة مقلوبة رأساً على عقب، وفيها آثار دم.. بس الدم مش بتاع سيف.”
​جسمي اتشنج تاني وسألته: “دم مين؟”
النقيب أحمد كمل وعينه في عيني: “الدم بتاع مراته التانية.. لقيناها مقتولة جوة الأوضة، ومحمود اتمسك وهو بيحاول يهرب بشنطة هدوم وفيها تذاكر سفر لبرة البلد باسمه وباسم طفل تاني خالص ملوش علاقة بسيف!”
​وقفت مذهولة، مش قادرة أستوعب كمية القذارة والجرائم اللي بتتكشف ورا بعضها. طفل تاني؟ ومراته مقتولة؟
​النقيب أحمد قال: “محمود اعترف بكل حاجة تحت الضغط. هو قتل مراته التانية بعد ما اكتشفت إنه كان بيخطط يسرق فلوسها ويهرب، والطفل اللي كان معاه في التذاكر ده ابنها هي من جوزها الأولاني.. محمود كان ناوي يهرب بالطفل التاني ده عشان يساوم بيه عيلتها على فدية كبيرة برة مصر، وسيف ابنك مكنش مجرد عبء مادي.. سيف كان الشاهد الوحيد اللي شافه وهو بيخطط لعملية القتل والخطف دي في بيتك القديم قبل ما تسافري!”
​حسيت إن راسي هتنفجر من كتر المفاجآت. يعني محمود جاب سيف عند أمي مش عشان يخلص من مصاريفه بس.. ده جابه وحبسه في العشة عشان سيف شاف أبوه وهو بيجهز للجري..مة، ولما سيف حاول يتكلم، محمود بغبائه وقسوته افتكر إن الواد هيفضحه، فقرر يموته بالبطء جوة العشة بمساعدة أمي وأختي اللي عمى عينيهم القرش!
​النقيب أحمد حط إيده في جيبه وطلع ظرف صغير مقفول، وقالي: “واحنا بنفتش محمود في قسم الشرطة، لقينا معاه تليفون تاني سري، وكان جاي عليه رسالة قبل ما يتقفل بنص ساعة.. الرسالة دي مبعوتة من نمرة مجهولة، ومكتوب فيها نصاً: ‘الواد لسه عايش في المستشفى، والبوليس في السيدة زينب.. اخلص واهرب حالا عشان ليلى عرفت كل حاجة’.”
​بصيت للرسالة والنمرة.. النمرة مكنتش بتاعة أمي، ولا بتاعة مروة أختي، لأن تليفوناتهم كانت محروزة مع الشرطة من بدري!
جسمي كله اترعش وبصيت للنقيب أحمد وقولتله بصوت طالع بالعافية: “الرسالة دي مبعوتة من مين؟ مين اللي كان بيراقبني في المستشفى وبيبلغ محمود بكل خطوة؟”
​النقيب أحمد بصلي بنظرة غامضة مليانة ترقب، وقال: “ده اللي بنحاول نعرفه يا مدام ليلى.. الرسالة دي اتبعتت من برج تغطية شبكة موجود في نفس الشارع اللي فيه المستشفى هنا.. يعني فيه حد واقف معانا هنا، في المكان ده، وشايفنا دلوقتي، وهو الطرف الرابع في اللعبة دي كلها!”
​في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات سريعة جاية من آخر الممر. تليفوني اللي جوة الشنطة المقفول رن فجأة.. رن رغم إني كنت متأكدة إني قفلاه تماماً! فتحت الشنطة بإيد بتترعش وطلعت التليفون، الشاشة كانت منورة بنمرة مجهولة، وتحتها رسالة مكتوبة بخط صغير: “بصي وراكي يا ليلى.. الدور عليكي.”
​لفيت راسي برعب وأنا ببص على الممر الفاضي، بس شفت خيال حد بيستخبى ورا باب السلم بالدور الأخير.. الخيال ده كان لابس نفس الجاكيت اللي أنا عارفاها كويس.. جاكيت نيّرة، صاحبتي الروح بالروح، اللي كانت عارفة بكل تفاصيل سفري للإسكندرية، واللي هي اللي اقترحت عليا من الأول أسيب سيف عند أمي!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *