قاضيه

لابس بدلة سوداء.
وفي إيده الملف الأزرق.
لكن المفاجأة إنه ما كانش توماس ريد.
كان رئيس المحكمة نفسه.
بص لي وقال
كنت مستنيكي ترجعي هنا من ست سنين.
الهواء في المكتب اتجمد.
الرجل الفيدرالي مد إيده ناحية ملابسه.
لكن رئيس المحكمة رفع يده.
محدش يتحرك.
بصيت له مباشرة.
إنت اللي بعت البلاغات؟
قال
لأ.
إنت اللي كنت بتراقبني؟
لأ.
إنت اللي أخفيت الملف؟
سكت.
وبعدين قال
أنا أخفيته علشان أحميكي.
ضحكت بسخرية.
تحميني من مين؟
فتح الملف الأزرق.
وكان أول ورقة فيه تحمل توقيعي أنا.
لكن التاريخ كان من ست سنين.
وتحت توقيعي
كان فيه اسم شخص لم أذكر أنني قابلته في حياتي.
قلت
مين الشخص ده؟
رئيس المحكمة بص لي طويلًا.
ثم قال
الشخص ده هو اللي بدأ كل حاجة.
قلب الصفحة.
وهو السبب الحقيقي اللي خلاكي تختاري تبقي قاضية.
اتجمدت.
لأن الكلام ده كان مستحيل.
أنا اخترت القضاء لأسباب شخصية وعائلية، وعمري ما حكيت تفاصيلها لحد.
سألته
إنت عرفت الكلام ده منين؟
قال
لأنه كان موجود يوم تعيينك.
ثم مد لي صورة قديمة.
أخذتها.
نظرت إليها
وفجأة، حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
لأن الشخص اللي واقف في خلفية الصورة
كان نفس الشخص اللي شوفته بيراقبني خارج المطعم.
لكن الأغرب
إنه كان واقف بجانب والدي.
ووالدي وقتها كان المفروض يكون في مكان تاني تمامًا.
رفعت عيني ببطء.
إيه علاقة والدي بالموضوع؟
رئيس المحكمة ما جاوبش.
بس قال جملة واحدة
اسألي والدك بنفسك.
وبعدين حط الملف الأزرق قدامي.
لو لسه تقدري توصلي له.
فتحت الملف بسرعة.
وكانت أول ورقة فيه عبارة عن تقرير قديم.
وتحتها ختم أحمر.
سري.
وفي أسفل الصفحة جملة واحدة
تم إغلاق القضية بعد اختفاء الشاهد الرئيسي.
وتحت الجملة
كان اسم الشاهد
أمارة ويتلوك. فضلت باصة للاسم المكتوب في أسفل التقرير.
الشاهد الرئيسي أمارة ويتلوك.
إيدي بدأت ترتعش لأول مرة.
ده مستحيل.
رئيس المحكمة ما ردش.
قلبت الورقة بسرعة.
كان فيه تاريخ.
من
سبع سنين.
وقتها أنا ما كنتش قاضية.
كنت محامية شابة ولسه ببدأ حياتي المهنية.
قلت
أنا عمري ما كنت شاهدة في قضية زي دي.
رئيس المحكمة قال
لأنك ما كنتيش فاكرة.
بصيت له بحدة.
فاكرة إيه؟
حط قدامي صورة صغيرة.
كانت ليا.
لكن ملامحي في الصورة كانت مختلفة.
كنت واقفة قدام مبنى قديم، وجنبي رجل كبير في السن.
الرجل الفيدرالي قرب من الصورة.
مين الراجل ده؟
قلت
مش عارفة.
رئيس المحكمة قال
والدك.
اتجمدت.
لأ.
أمارة
والدي ما كانش موجود في الولاية دي وقتها.
ده اللي اتقال لك.
سكت.
الكلمة الأخيرة دخلت جوايا.
ده اللي اتقال لك.
قلبت باقي الأوراق بسرعة.
بلاغ.
تسجيل.
تقرير طبي.
وشهادة مكتوبة بخط إيدي.
لكن أكتر حاجة خوفتني كانت صفحة في آخر الملف.
كان مكتوب عليها
الشاهدة وافقت على عدم تذكر التفاصيل حفاظًا على سلامتها.
بصيت لرئيس المحكمة.
مين كتب ده؟
قال
إنتِ.
أنا؟
أيوه.
وأنا ليه أكتب حاجة زي دي؟
قال
لأنك كنتِ بتحاولي تنقذي حد.
سألته
مين؟
قبل ما يرد
الباب اتفتح فجأة.
دخل حارس المحكمة وهو بيقول
حضرة القاضية، عندنا مشكلة.
بصيت له.
إيه؟
فيه شخص حاول يدخل المبنى من الباب الخلفي.
الرجل الفيدرالي سأله
مين؟
الحارس طلع صورة من جهازه.
ناولني إياها.
أول ما شفت الصورة
عرفته.
توماس ريد.
قلت
هو هنا.
رئيس المحكمة اتغيرت ملامحه.
مستحيل.
ليه؟
لأنه اختفى من المحكمة من سنين.
سكتنا كلنا.
الرجل الفيدرالي قال
طيب هو ظهر دلوقتي.
فجأة، سمعنا صوت خطوات في الممر.
الحارس رفع جهازه.
هو دخل.
الخطوات قربت.
واحد
اتنين
تلاتة
وبعدين وقف الصوت قدام باب مكتبي.
المقبض اتحرك.
الرجل الفيدرالي وقف قدامي.
الباب اتفتح ببطء.
ظهر توماس ريد.
كان هادي جدًا.
بص لي مباشرة.
وقال
أخيرًا افتكرتي.
قلت
افتكرت إيه؟
ابتسم.
اللي حصل لوالدك.
رئيس المحكمة صرخ
توماس، اطلع بره!
توماس ما بصش له حتى.
فضل باصص لي.
والدك ما اختفاش بسبب قضية فساد.
قلبي اتقبض.
أمال بسبب إيه؟
قال
لأنه اكتشف مين كان بيحرك كل حاجة من البداية.
مين؟
توماس قرب خطوة.
لكن الرجل الفيدرالي وقف في طريقه.
توماس رفع إيده وقال
أنا مش جاي أؤذيها.
وبعدين بص لي وقال
أنا جاي أديها آخر دليل.
طلع فلاشة صغيرة من جيبه.
الدليل اللي يخليكي تعرفي ليه اتقبض عليكي النهارده.
أخذتها منه.
سألته
وإيه اللي عليها؟
قال
تسجيل من الليلة اللي اختفى فيها والدك.
سكت لحظة.
ثم قال
وفي التسجيل
بص لرئيس المحكمة.
هتسمعي صوت شخص ما توقعتِيش أبدًا إنه كان موجود.
بصيت لرئيس المحكمة.
وشه كان شاحبًا.
قلت
مين؟
توماس رد
الشخص اللي كان آخر واحد شاف والدك قبل اختفائه.
ثم
بص لي مباشرة.
إنتِ. فضلت باصة لتوماس كأني مش فاهمة كلامه.
أنا؟
هز راسه.
أيوه إنتِ آخر واحدة شافت والدك.
ضحكت من شدة الصدمة.
أنا كنت في بيتنا الليلة دي!
توماس قال
دي الذكرى اللي اتزرعت في دماغك.
رئيس المحكمة اتدخل بسرعة
كفاية يا توماس.
لفيت له.
لأ.
سكت.
المرة دي هيتكلم.
بصيت لتوماس.
شغّل التسجيل.
الرجل الفيدرالي أخد الفلاشة منه وحطها في جهاز المحكمة.
ظهر
ملف واحد.
2347 RECORDING.
ضغطنا تشغيل.
في البداية كان فيه تشويش.
وبعدين ظهر صوت باب بيتفتح.
صوت رجل
أمارة، لازم تمشي دلوقتي.
صوتي أنا
بس بابا، إنت رايح فين؟
سكت.
أنا قربت من الشاشة.
ده صوتي فعلًا.
لكن المشكلة
إني مش فاكرة الحوار ده.
والدي قال في التسجيل
مهما حصل، ما تثقيش في أي حد يقولك إن اللي حصل الليلة دي حادث.
صوتي
إنت خوفتني.
والدي
الخوف هيخليكي تفتكري.
وبعدين صوت خطوات.
صوتي
مين اللي بره؟
والدي بصوت منخفض
ادخلي الأوضة.
صوت الباب اتقفل.
ثم
طرق على الباب.
ثلاث طرق.
دق دق دق.
والدي قال
هو وصل.
الصوت اتشوش فجأة.
ثم سمعنا صوتي وأنا بصرخ
بابا!
التسجيل انتهى.
فضلت ساكتة.
الرجل الفيدرالي سأل
إنتِ فاكرة أي حاجة من اللي سمعناه؟
هزيت راسي.
لأ.
توماس قال
لأن بعد الليلة دي، والدك اختفى.
بصيت لرئيس المحكمة.
وإنت كنت عارف؟
ما ردش.
من سنين وإنت عارف إن والدي ما اختفاش؟
قال
كنت بحاول أحميكي.
قلت
كل واحد بيقول إنه بيحميني!
سكت الجميع.
قلت
لكن محدش بيقولي الحقيقة!
رئيس المحكمة قرب مني.
الحقيقة أكبر مما تتخيلين.
قلت
وأنا قاضية فيدرالية.
وعشان كده بالذات.
فجأة، جهاز الكمبيوتر أصدر تنبيه.
ظهرت رسالة جديدة على الشاشة
تم الوصول إلى الملف السري من جهاز خارجي.
الرجل الفيدرالي قال
حد بيحاول يدخل على الأرشيف دلوقتي.
توماس بص للشاشة.
وشه اتغير.
لأ
سألته
إيه؟
قال
مش بيحاول يدخل.
أمال؟
هو بالفعل دخل.
ظهرت قائمة ملفات.
كلها بتتمسح.
واحد ورا التاني.
الرجل الفيدرالي بدأ يوقف الاتصال.
لكن توماس قال
فات الأوان.
بصيت له.
مين بيعمل كده؟
توماس سكت.
ثم قال
الشخص اللي والدك كان بيحاول يفضحه.
قلت
اسمه؟
توماس قرب مني.
لو قلت لك اسمه هنا، ممكن ما نخرجش من المبنى.
وفجأة
سمعنا صوت إنذار في المحكمة.
الحراس جريوا في الممرات.
الأبواب بدأت تتقفل تلقائيًا.
ورئيس المحكمة قال
كل الناس تفضل في مكاتبها!
لكن بعد ثواني
وصل صوت من السماعات الداخلية.
صوت رجل مجهول
أمارة ويتلوك
الكل سكت.
الصوت كمل
لو عايزة تعرفي الحقيقة عن والدك، تعالي للدور السفلي.
توماس بص لي.
الرجل الفيدرالي قال
ده فخ.
لكن الصوت كمل
وتعالي لوحدك.
ثم أضاف جملة
والدك لسه عايش.
وانقطع الصوت.
بصيت لتوماس.
هل ده ممكن يكون صحيح؟
توماس ما جاوبش.
لكن رئيس المحكمة
بدأ يبكي.
ولأول مرة فهمت إن الموضوع ما كانش مجرد فساد.
كان فيه سر مدفون من سنين.
وسر أكبر
كان لسه مستخبي تحت مبنى المحكمة. فضلت باصة لرئيس المحكمة.
دموعه
كانت نازلة من غير ما يحاول يخبيها.
قلت
إنت كنت عارف إنه عايش؟
هز راسه ببطء.
ما كنتش متأكد.
يعني إيه؟
آخر مرة شفته فيها كانت من سنين.
فين؟
سكت.
جاوبني!
قال بصوت مكسور
هنا.
بصيت للأرض.
في المحكمة؟
أيوه.
الرجل الفيدرالي قال
لازم نخرج من المبنى فورًا.
لكنني رفضت.
لأ.
حضرتك، ده ممكن يكون فخ.
قلت
لو والدي عايش فعلًا، مش هسيبه تاني.
توماس قال
أنا هنزل معاكي.
بصيت له.
إنت مش هتنزل.
ليه؟
لأن الشخص اللي بعت الرسالة عايزني لوحدي.
الرجل الفيدرالي اعترض
وده سبب كافي إننا ما نسيبكيش لوحدك.
قلت
مش هكون لوحدي.
وأشرت إلى كاميرات المحكمة.
كل خطوة هعملها هتكون متسجلة.
جهزنا خطة بسيطة.
أنا أنزل.
الفريق يراقب من بعيد.
وأول ما يحصل أي خط، يدخلوا.
نزلت السلم.
كل درجة كانت بتصدر صدى طويل.
الدور السفلي كان مهجور.
وصلت لباب حديد.
كان مفتوح.
دخلت.
الغرفة كانت مظلمة.
قلت
أنا جيت.
مفيش رد.
مشيت خطوتين.
سمعت صوت رجل
أمارة؟
اتجمدت.
الصوت
كنت أعرفه.
رغم السنين.
رغم كل حاجة.
قلت بصوت مرتعش
بابا؟
ظهر رجل من الظلام.
كان كبير في السن.
شعره أبيض.
ووشه متغير.
لكن عينيه
كانوا نفس العينين.
والدي.
ما قدرتش أتحرك.
هو قرب مني.
كبرتي.
دموعي نزلت.
إنت عايش؟
هز راسه.
أيوه.
ليه اختفيت؟
سكت.
ليه سبتني كل السنين دي؟
قال
لأن لو كنت ظهرت، كانوا هيأذوكِ.
مين؟
بص ناحية الباب.
الناس اللي كنتِ بتدوري عليهم.
قلت
شريف؟
مش شريف.
توماس؟
لأ.
رئيس المحكمة؟
هز راسه.
لأ.
قلت
أمال مين؟
اقترب مني.
الشخص اللي كان فوق القانون لمدة سنين.
قلت
مين؟
قال
الشخص اللي خلاكي تبقي قاضية من الأساس.
اتجمدت.
إيه؟
والدي قال
إنتِ فاكرة إن تعيينك كان مجرد صدفة؟
ما قدرتش أرد.
قال
هو اللي دفع الناس علشان يحطوك في المكان ده.
ليه؟
والدي مد إيده وطلع صورة قديمة.
فيها أنا وأنا صغيرة.
وجنبي رجل ما عرفتهوش.
قال
علشان تبقي قريبة منه.
بصيت للصورة.
مين ده؟
والدي قال
الراجل اللي كنتِ فاكرة إنه غائب من سنين.
وفجأة
سمعت صوت باب الغرفة بيتقفل.
والدي بص ورايا.
وشه اتغير.
أمارة
قلت
إيه؟
قال
إحنا مش لوحدنا.
ومن خلف الباب جاء صوت هادي جدًا
لأ مش لوحدكم.
ثم ظهر ظل رجل تحت الباب.
والدي همس
اهربي.
لكن قبل ما أتحرك
اشتغل نور الغرفة.
والرجل دخل.
أول ما شفته
عرفته.
لأنني شفته في صورة قديمة جدًا.
الصورة اللي كانت في ملف تعييني.
والصدمة الأكبر
إنه كان المفروض يكون غائب من سنين. فضلت واقفة مكاني.
الرجل دخل الغرفة بهدوء، وكأنه داخل مكتبه العادي.
والدي وقف قدامي.
متقربش منها.
الرجل
ابتسم.
بعد كل السنين دي ولسه بتحاول تحميها؟
بصيت له.
إنت مين؟
ابتسامته اختفت.
إنتِ عارفة أنا مين.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *