سر العيله1

مكن تسمحيلي أحضنك؟
فوطة التنضيف وقعت من إيد مريم.
وقعت جنب الجردل البلاستيك بصوت خفيف ومبلول، صوت عادي جدًا في أوضة المفروض إن راجل بيموت فيها.
لثواني، محدش فيهم اتحرك.
المطر كان بيخبط على الشبابيك المقفولة في الفيلا، والزجاج بقى أسود من شدة الليل. وبرّه، الدنيا كلها كانت غرقانة في برد ومطر شهر نوفمبر.
جوه، كل حاجة في البيت كانت ساكتة بشكل يخوف…
النيش الخشب الغالي، والمدفأة الحجر، والساعة القديمة اللي محدش كان بيسمح لها تدق من يوم ما آسر الجبالي مرض.
مريم عدّلت وقفتها ببطء.
آسر كان قاعد مسنود على تلات مخدات، وتحت رجليه بطانية صوف رمادي.
عنده ستة وتلاتين سنة، لكن المرض هدّ جسمه لدرجة إن الراجل اللي كانت الناس بتخاف من اسمه بقى مجرد ظل لنفسه.
من ست شهور بس، كانت صورته ماليّة مجلات البيزنس.
آسر الجبالي، رجل الأعمال اللي كان بينزل من عربيات سودا فارهة، لابس بدل غالية، ووشه مابيضحكش، وورا ضهره رجالة أكبر منه بسنين.
كان مالك مخازن وشركات نقل ومطاعم وشركات مقاولات، وعنده علاقات كتير في القاهرة والإسكندرية والصعيد.
قدام الناس كانوا بيسموه رجل أعمال.
لكن جوه المناطق الشعبية، الناس كانت بتقول عليه كلام تاني.
وكان اسمه لوحده كفاية يخلي ناس كتير تسكت.
مريم كانت بتشتغل في بيته بقالها سنة ونص.
طول الفترة دي، عمره ما لمسها.
ولحد من تلات أسابيع، كان بالكاد بيتكلم معاها.
لكن دلوقتي، نفسه بقى ضعيف لدرجة إنها كانت سامعة الوقفة الصغيرة بين كل نفس والتاني.
يا فندم؟
مرة واحدة.
قالها بصوت مبحوح فقد كل قوته القديمة.
مرة واحدة بس.
مريم بصت ناحية الباب.
كان مفتوح سنة صغيرة، زي ما الدكتور طلب كل مرة حد من الخدم يدخل أوضته.
برا، كانت مديرة البيت، الست عواطف، واقفة بدفترها في إيدها، وبتراقب كل حاجة بعينيها اللي مبتفوتش تفصيلة.
مريم رجعت بصت لآسر.
إنت كبّيت الشاي على الأرض.
عينيه ضاقت.
إيه؟
مفيش بقعة جنب الكوباية. الكوباية اتحدفت بعيد. أشارت للبقعة اللي جنب الكنبة. إنت رميتها هناك علشان الست عواطف تبعت حد ينضف.
ظهر للحظة الراجل القديم على وش آسر.
أنا طلبتها تيجي.
كانت هتسألك ليه.
فديتلها سبب.
وده مش أحسن يعني.
فضل باصص لها.
معظم الناس عمرهم ما كانوا بيتكلموا مع آسر الجبالي بالطريقة دي.
مريم كانت عارفة.
والبيت كله كان عارف.
اسمه كان كفاية يخلّي شراكة تنتهي، أو فلوس تختفي، أو حد يخسر شغله.
وكانت فيه حكايات كتير بتتقال عنه في السر، لكن مريم عمرها ما صدقت أي واحدة منها.
الموت، أو الإحساس إن الموت قريب، كان بيغيّر الواحد.
والمرض كمان.
مريم انحنت، خدت الفوطة، وعصرتها فوق الجردل.
لازم أخلص شغلي.
مريم.
وقفت.
دي كانت أول مرة ينطق اسمها الليلة دي.
آسر مد إيده وفتح درج الكومودينو اللي جنبه.
مريم توقعت يطلع الدوا.
لكنه طلع كيس صغير من القماش.
معدتها اتقبضت.
الكيس كان قد كف إيدها تقريبًا، ومخيط بخيط أزرق.
إيدها راحت من غير ما تحس لجوه كمّ هدومها.
إنتِ وقع منك ده من أربع أسابيع.
مريم بصت له.
إنت فتشت حاجتي؟
بعتّه يتفحص.
عينيها وسعت.
إيه؟
بعتّه معمل.
لثواني افتكرت إنها مش سامعة صح.
لكن آسر كمل
قشر برتقال ناشف، خشب أرز، لافندر… مفيش أي مادة تانية.
الأوضة كلها كأنها لفت بيها.
إنت بعت الكيس بتاعي لمعمل؟
دفعت لهم علشان يعرفوا كل حاجة فيه.
كان ممكن تسألني.
كنت عايز أعرف هو إيه.
وده اسمه إنك تسأل.
شد فكه.
واضح إنه مش متعود يبرر تصرفاته لحد.
عملت سبعة وتلاتين تحليل دم.
سكت لحظة.
وأربع أشعات. وكشوفات قلب مرتين. وفحوصات أعصاب ورئة. عندي أجهزة تحت في البيت تمنها أكتر من بيوت ناس كتير، وبرضه محدش عارف ليه حالتي بتسوء.
مريم سكتت.
في تمن أسابيع، نمت ليلة كاملة تسع مرات.
رفع عينه لها.
التسع مرات دول كلهم كنتِ شغالة في الدور ده.
طبعًا كان راجع مواعيدها.
مريم بصت للكيس اللي في إيده.
وعشان بتنام وأنا هنا، قررت إن السبب حاجة أنا بحملها؟
لو كنتِ مكاني، كنتِ هتفكري في إيه؟
كنت هبدأ بسؤال.
عن إيه؟
إذا كنت فتحت شباك. أو حرّكت كرسي. أو طفيت حاجة. أو غيرت طريقة التنضيف.
عينيه اتحركت بعيد عنها.
ناحية المدفأة.
مريم بصت لنفس الاتجاه.
فوق المدفأة كان فيه جهاز أبيض صغير لتعطير الجو، حجمه قد فنجان القهوة، وبيطلع بخار خفيف في الأوضة.
مريم راحت ناحيته وضغطت الزر.
النور الأزرق اختفى.
والبخار وقف.
آسر بص لها.
إنتِ دايمًا بتعملي كده.
أيوه.
ليه؟
الريحة بتجيبلي صداع.
الدكتور قال إنها بتخلي الأوضة معقمة.
مريم بصت له باستغراب.
بالفانيليا؟
مركب أرز.
ريحته زي محل عطور فاتح جنب مخزن زبالة.
طرف شفايف آسر اتحرك، كأنه كان هيضحك.
لكن فجأة نفسه اتقطع.
مريم اتوترت.
آسر قفل عينيه، وحط إيده على صدره لحد ما النوبة عدّت.
لما فتح عينيه تاني، الراجل اللي كل الناس بتخاف منه بان أصغر من سنه بكتير.
خليكي.
قالها بصوت واطي.
مريم حسّت بحاجة بتشد قلبها.
وكرهت الإحساس ده.
مش شفقة.
الشفقة كانت سهلة.
دي كانت حاجة تانية.
كانت فاهمة الإحساس.
أبوها كان بيتنفس بنفس الطريقة قبل ما يموت.
مش في آخر يوم.
قبلها بوقت.
وقت ما كل الناس كانوا لسه بيقولوا إن التعب هيعدي.
مريم رجعت خطوة.
لأ.
آسر رمش.
يمكن كانت أول مرة حد يرفضه في وشه بالشكل ده.
أدفع لكِ.
وشها اتغير.
كده الموضوع بقى أسوأ.
أنا ماقصدتش
لأ، قصدت.
حطت الفوطة على طرف الجردل.
إنت راقبت مواعيد شغلي. وأخدت حاجة من هدومي وبعتها تتفحص من غير ما تستأذن. ودلوقتي بتعرض عليا فلوس علشان عايز جسمي يبقى قريب منك.
وش آسر جمد.
لما بتقوليها كده…
أقولها إزاي؟
سكت.
وبعدين قال
أنا بموت.
الكلمتين خرجوا منه بصعوبة.
مريم شافته.
ولأول مرة من ساعة ما اشتغلت في البيت، آسر الجبالي بان عليه الندم.
مش إحراج.
ندم حقيقي.
نزل عينه للكيس القماش اللي في إيده.
وبعد لحظة قال
طب قوليلي… أسأل إزاي؟
إيد مريم ارتخت حوالين مقبض الجردل.
هو استنى.
المرة دي استنى فعلًا.
مريم راحت ناحية الشباك الطويل اللي جنب السرير.
كان الشباك مقفول بالدهان.
الدهان الأبيض حوالين الجزء السفلي كان منفوش، وفيه فقاعة طرية بحجم كف إيدها.
ضغطت عليها.
الخشب اتحرك تحت صوابعها.
آسر تابعها بعينيه.
إيه ده؟
معرفش.
حركت إيدها ناحية الحيطة اللي ورا السرير.
ورق الحيطة الرمادي الغالي كان مرفوع شوية عند طرف معين.
كانت لاحظت ده من شهرين.
بس محدش غيرها خد باله.
حطت صوابعها عليه.
المحارة كانت ساقعة.
ساقعة بشكل غريب.
مين اللي صلّح التسريب؟
آسر عقد حواجبه.
تسريب إيه؟
مريم بصت له.
وبعدين قربت أكتر من الحيطة.
هنا.
حطت إيدها على المكان.
الحيطة دي فيها مية.
آسر حاول يقوم من مكانه، لكن جسمه خانَه، ورجع وقع على المخدة.
مريم…
استنى.
بدأت تتحسس الحيطة بإيدها.
مكان بارد.
ومكان تاني دافي.
ومكان تالت فيه رطوبة.
وبعدين سمعت صوت خفيف جدًا.
تك…
تك…
تك…
وقفت.
بصت لآسر.
سمعت؟
سمعت إيه؟
قربت ودانها من الحيطة.
الصوت رجع.
تك…
تك…
تك…
مريم رجعت خطوة.
في حاجة ورا الحيطة.
آسر بص لها بعدم تصديق.
مستحيل.
أنا سامعة.
الحيطة دي اتبنت من سنين.
يبقى اللي وراها موجود من سنين.
في اللحظة دي، الباب اتفتح أكتر.
الست عواطف ظهرت.
يا مريم، خلصتي ولا لسه؟
مريم ما ردتش.
كانت لسه باصة للحيطة.
عواطف قربت خطوتين.
في إيه؟
مريم بصت لها.
مين اللي صلّح التسريب هنا؟
وش الست عواطف اتغير.
تغير بسيط جدًا.
لكن مريم لاحظته.
تسريب؟
أيوه.
مفيش تسريب.
أنا حاسة بالمية في الحيطة.
عواطف قربت بسرعة وحطت إيدها على المكان.
وبمجرد ما لمسته…
سحبت إيدها.
آسر لاحظ.
إيدك اتلسعت؟
لأ.
يبقى ليه سحبتيها؟
عواطف بلعت ريقها.
عادي يا فندم.
مريم بصت لها.
إنتِ عارفة حاجة.
أنا؟ لأ طبعًا.
آسر رفع عينه لها.
نظرة واحدة منه كانت كفاية تخلي عواطف تتوتر.
مين لمس الحيطة دي؟
معرفش.
عواطف.
صوته كان ضعيف.
لكن رجع فيه شيء من آسر القديم.
آخر مرة هسأل.
عواطف سكتت.
وبعدين قالت بصوت واطي
السباك.
إمتى؟
من شهرين.
مريم بصت لآسر.
آسر بص لها.
وأنا كنت تعبان وقتها.
عواطف هزت راسها.
الدكتور قال إن الأوضة لازم تفضل مقفولة، فاضطرينا نصلحها من غير ما نفتح حاجة قدام حضرتك.
مريم قربت من الحيطة.
إنتوا فتحتوا إيه؟
عواطف ما ردتش.
وفجأة…
الصوت رجع.
تك…
تك…
وبعده صوت احتكاك خفيف.
كأن حد…
بيخبط من الناحية التانية.
مريم تجمدت.
آسر بص للحيطة.
مريم… ابعدي.
ليه؟
ابعدي دلوقتي.
لكن قبل ما تتحرك…
جاءت خَبطة واحدة قوية من جوه الحيطة.
دُم!
وانطفى نور الأوضة كله.
آسر مد إيده في الضلمة.
مريم! متتحركيش!
لكن مريم كانت سمعت حاجة تانية.
صوت نفس.
مش صوت آسر.
صوت نفس حد…
واقف ورا الحيطة.
حكايات_شروق_خالد
ممكن تسمحيلي أحضنك؟
فوطة التنضيف وقعت من إيد مريم.
وقعت جنب الجردل البلاستيك بصوت خفيف ومبلول، صوت عادي جدًا في أوضة المفروض إن راجل بيموت فيها.
لثواني، محدش فيهم اتحرك.
المطر كان بيخبط على الشبابيك المقفولة في الفيلا، والزجاج بقى أسود من شدة الليل. وبرّه، الدنيا كلها كانت غرقانة في برد ومطر شهر نوفمبر.
جوه، كل حاجة في البيت كانت ساكتة بشكل يخوف…
النيش الخشب الغالي، والمدفأة الحجر، والساعة




