غريب في حوش المدرسه

كانت الجملة اللي رميها ياسين زي حجر تقيل اترمى في بحيرة ساكنة بقالها سبع سنين. الهواء حواليها حست إنه اتسحب فجأة، ورجليها مكنتش شايلاها على الأرض. البوابة الكبيرة بتاعة المدرسة كانت زحمة، أمهات بياخدوا ولادهم، وأطفال بيجروا ويتنططوا، وأصوات زمامير العربيات في الشارع الخارجي، بس هي مكنتش سامعة أي حاجة من كل ده. الصوت الوحيد اللي كان يرن في ودنها هو صوته هو، والنظرة اللي في عينيه، والكلمة اللي قالها عن “الدبلة”.
”دبلة؟” الكلمة طلعت من بين شفايفها بالعافية، بتمتمة مش مسموعة تقريباً.
ياسين ابتسم ابتسامة صغيرة، خفيفة بس فيها وجع قديم، وبص للبنت الصغيرة اللي كانت ماسكة في إيده: “فريدة، روحي هاتي شنطة التمارين من العمو بتاع الأمن هناك عقبال ما أكلم الأبلة دقيقة.”
البنت هزت رأسها بالبراءة الشديدة اللي فيها، وجريت بضحكة صافية نحو أوفيس المدرسة. في اللحظة دي، الفراغ بين ياسين وبينها بقى مرعب. خطوات بسيطة قربها منها، ورائحة برفانه القديمة—نفس الرائحة اللي كانت بتشمها وهي واقفة في حوش المدرسة الثانوية بتراقبه وهو بيلعب كورة—ملت المكان.
”أنا عارف إنك مصدومة،” ياسين بدأ يتكلم، وصوته كان أهدى مما تتخيل، بس فيه نبرة ثابتة تحسسها إنه متوقع اللحظة دي من زمان. “وعارف إن الأسئلة في دماغك ملهاش أول من آخر. فريدة مش بنتي… فريدة بنت اختي الله يرحمها، بس هي بتقولي بابا من يوم ما فتحت عينيها على الدنيا ملقتش غيري.”
قلبها دق دقة عنيفة جداً، زي ما يكون كان حبس أنفاسه ورجع يتنفس تاني. الشك اللي كان هيموتها في ثواني، والتصور إنه اتجوز وعاش حياته وعمل عيلة وخلف البنت دي، كل ده انهار في لحظة. بس العقدة التانية مكنتش اتفكت.
”والدبلة؟” سألته، المرة دي بصوت أوضح، والدموع معلقة في طرف عينها رافضة تنزل.
ياسين بص للدبلة الذهب الصغيرة اللي بين صوابعه، وابتسم بكسرة: “يوم تخرج الثانوي… اليوم اللي إنتي جيتي فيه ووقفتي قدامي، وكنتي بتترعشي، وقلتيلي بس ‘مبروك يا ياسين’ ومشيتي. فاكرة؟ يومها أنا كنت جايب الدبلة دي في جيبي. كنت عامل حسابي إن أول ما أستلم الشهادة، هطلعها وأقولك إني بحبك من أول يوم شفتك فيه في الحوش بتجري عشان تلحقي طابور الصباح.”
سكت ياسين، وعينيه جت في عينيها مباشرة. كانت عيونه لمعتها زي ما هي، فيها عمق يدوّخ.
”كنت خايف أترفض،” ياسين كمل، “وكنت فاكر إني لو اتكلمت هعطلك عن دراستك. بس لما قلتيلي مبروك ومشيتي بالسرعة دي، حسيت إنك بتنهي الموضوع قبل ما يبدأ. وبعدها السنين أخدتنا، ومشاغل الدنيا، وحادثة أختي وزوجها اللي سابولي فريدة وأنا لسه ببدأ حياتي… بس الدبلة دي فضلت في جابي، أو في درج مكتبي، تفكرني إن فيه كلمة مقلتهاش، وإن فيه حلم سبته في وسط السكة.”
هي كانت واقفة مش قادرة تصدق. سبع سنين كانت فاكرة إنها هي الضحية، إن هي اللي كانت بتحب من طرف واحد، إن هي اللي جبنت وما اتكلمتش. طلعت الحقيقة إن الاتنين كانوا وافقين على نفس الشاطئ، وكل واحد خايف ينزل المية لغرق!
”إنت… إنت بتتكلم جد يا ياسين؟” صوتها خرج مخنوق بالدموع. “أنا قضيت السنين دي كلها بحاول أنساك. كنت فاكرة إني بالنسبة لك مجرد بنت معدية في الممر، مجرد حد بيقولك مبروك ومشي!”
”أنا مانسيتكيش ولا يوم،” ياسين رد بسرعة، وخطى خطوة كمان نحوها، “لما عرفت إن فريدة اتنقلت المدرسة دي، وقريت اسمك في جدول المدرسين بتاع الفصل، قلبي دق بنفس الطريقة اللي كان بيدق بيها زمان. مكنتش مصدق إن ربنا بيدي فرصة تانية.”
فريدة جيت تجري وفي إيدها الشنطة الصغيرة: “بابا! عمو الأمن أدهاني ورسم لي قطة على إيدي!”
ياسين بص للبنت وابتسم، وبعدين بص لها تاني وقال بالنبرة الدافية إياها: “إيه رأيك يا أبلة… لو عزمتك على كوباية شاي في القهوة اللي قصاد المدرسة؟ نشرب الشاي، ونحكي السبع سنين دول عدوا إزاي… ونشوف الدبلة دي هتفضل في جيبي، ولا أخيرًا تلافي صباعها اللي اتخلقت علشانه؟”
وقفت هي، ولأول مرة من سبع سنين، حست إن الجرح القديم اتقفل، وإن كل الوجع كان مجرد تمهيد للحظة دي. ابتسمت بين دموعها، وهزت رأسها بالموافقة، وهي عارفة إن الحكاية اللي افتكرتها انتهت من زمان… يادوبك لسه بتبدأ.خرجوا هما التلاتة من باب المدرسة، الشمس كانت بدأت تكسر وحدتها وتهدى، ونسيم آخر النهار اللطيف بيعدي بين الشوارع. القهوة اللي قصاد المدرسة كانت قهوة بلدي رايقة، الكراسي الخشب رصّها الصبي على الرصيف تحت شجرة لبخ كبيرة.
قعدوا هما التلاتة؛ فريدة قعدت تلون في كراسة الرسم اللي طلعتها من شنطتها بكل حماس ومندمجة في عالمها، وهما الاتنين قعدوا قصاد بعض.
”اتنين شاي بمغلي يا معلم،” ياسين طلب للراجل، وبعدين بص لها وابتسم: “لسه بتشربيه خفيف وبسكر زيادة ولا غيرتي عاداتك في السبع سنين دول؟”
ابتسمت بكسوف ورجعت خصلة من شعرها ورا أذنها: “لا… لسه زي ما أنا، مفيش حاجة فيا اتغيرت أصلًا.”
”بالعکس،” ياسين قالها بصوت هادي وهو بيميل على الترابيزة شويه: “كبرتي وبقيتي أجمل، وبقى في عينيكي هيبة المدرسين… بس لسه فيهم نفس اللمعة اللي كانت بتخليني أسرح وأنا واقف في حوش المدرسة.”
الكلمات كانت بتنزل على قلبها زي المطرة بعد جفاف سنين. السبع سنين اللي فاتوا بحالهم، بكل ليلة سهرتها بتفكر فيه، وكل مرة كانت بتعدي من قدام مدرستهم القديمة وتتنهد، كل ده كان بيتدوب في لحظة.
”أنا كنت فاكرة إنك نسيتني خالص يا ياسين،” بدأت تتكلم، والصوت بدأ يثبت ويبقى أجرأ: “اليوم اللي اتخرجت فيه، أنا فضلت أسبوع كامل في بيتنا مبكلش ولا بتكلم، حاسة إن روحي اتسحبت مني. كل ما أفتكر إنك مش هتبقى موجود في المدرسة السنة اللي بعديها، كان قلبي بيتكسر.”
ياسين مسك كوباية الشاي السخنة بين إيديه، ونظرته راحت لبعيد وهو بيفتكر: “وأنا اليوم ده لما جيت البيت، قفلت على نفسي الأوضة. الدبلة دي كنت شاريها بمصروفي اللي حوشته شهور، كنت متخيل سيناريو كامل… أناديكي على جنب، وأقولك إننا هنستنى لما تخلصي ثانوي وأطلبك رسمي. بس خوف الشباب، وترددي إنك تصديني أو تقوليلها لحد وتعملي مشكلة… هو اللي كتفني.”
سكت شوية وبص لفريدة اللي كانت مشغولة بتلون قطة بلون أزرق، وتنهد تنهيدة طالع فيها كل التعب اللي شافه: “وبعدها بأسبوعين بس… الدنيا اتقلبت. أختي وزوجها عملوا حادثة على طريق الساحل. في ثانية، لقيت نفسي مسؤول عن طفلة عندها سنة، وعن بيت، ومصاريف، ومستقبل لازم أبنيه من الصفر. دخلت كلية هندسة وبقيت بشتغل الصبح وبالليل عشان أقدر أصرف على فريدة وأوفر لها عيشة كريمة. الوقت سرقني، والشعر الأبيض بدأ يظهر في جنابي، بس الدبلة دي… كانت الحبل الوحيد اللي رابطني ببراءتي وبأجمل أيام حياتي.”
هي كانت بتسمعه وكل كلمة بتنزل منها دمعة هادية على خدها. مكنتش زعلانة منه، بالعكس، كانت حاسة بفخر غير طبيعي بالراجل اللي واقف قدامها. الشاب اللي كانت بتحبه زمان عشان ابتسامته وشكله، دلوقتي بقت بتحترمه وبتعشقه عشان رجولته وشيلته للمسؤولية.
مدت إيدها بالراحة على الترابيزة، ولمست طرف إيده: “إنت راجل عظيم يا ياسين… وفريدة محظوظة بيك.”
ياسين بص لإيدها، وبعدين بص في عينيها بنظرة مليانة أمل: “وفريدة محتاجة أم… وأنا محتاج البنت اللي سرقت قلبي من سبع سنين ترجعهولي تاني.”
طلع الدبلة الذهب الصافية من جيبه، وحطها في نص الترابيزة بين كوبايتين الشاي. الدبلة كانت بتلمع تحت شعاع الشمس الدافئ.
”السؤال دلوقتي يا أبلة…” ياسين قالها بابتسامة ساحرة، “هل تقبلي تبدأي معايا الحكاية من المكان اللي وقفنا فيه، ولا السبع سنين دول خلو المقاس يتغير؟”
ضحكت بصوت واطي وهي بتمسح دموعها، ومدت صباعها للدبلة، وبصت له بعيون مليانة حب وقالت له باللهجة المصرية الصافية اللي طالعة من جواه قلبها:
”المقاس مظبوط بالملي يا ياسين… أصل القلب لما بيحب حد، ما بيكبرش عليه أبدًا.”
وفي اللحظة دي، فريدة رفعت رأسها من الكراسة وزقحت بفرشاتها وهي بتقول: “بابا! شوف رسمت القطة شبه الأبلة إزاي!”… فضحكوا هما الاتنين، والتقت الإيدين بعد طول انتظار، لتعلن بداية الفصل الأول من حكاية مكنتش ناقصة غير إنها تتقال.مرت الأيام والأسابيع بعد اليوم ده وكأنها حلم جميل بس هالمرة حقيقة وملموسة. ياسين ما أضيعش وقت، وفي خلال شهر واحد كان داخل بيت أهلها بفريدة في إيده وبوكيه ورد كبير، وجايب معاه نفس الدبلة اللي عاشت سبع سنين في جيبه مستنية لحظتها.
الموافقة كانت سريعة والفرحة ملت البيت، لأن أهلها كانوا عارفين قد إيه هي عاشت السنين اللي فاتت قافلة قلبها على سر ما حدش يعرفه، ولما شافوا ياسين ورجولته وطريقته مع البنت الصغيرة، دخل قلوبهم من أول ثانية.
وبعد أشهر قليلة من التحضيرات والدوشة الجملية، جه يوم الفرح…
القاعة كانت دافية وبسيطة، وسط الأهل والأصحاب اللي كانوا فرحانين بجد. هي كانت واقفة بالفستان الأبيض زي الملكات، وياسين واقف قصادها ببدلته الأنيقة، عينيه بتلمع بنفس الحب اللي بدأ من حوش المدرسة الثانوية بس المرة دي معاه أمان واستقرار السنين.
وفريدة الصغيرة كانت طايرة من الفرحة بفستانها الأبيض الصغير، بتجري حواليهم وبتناديها من قلبها: “بابا… ماما!”… الكلمة خرجت من البنت بأسلوب تلقائي خلّى كل اللي واقفين يدمعوا من التأثر.
مسك ياسين إيدها، وفي لحظة تبادل الدبل، لبسها الدبلة الذهب القديمة اللي أخيراً وجدت مكانها الصح في صباعها، وقرب منها ووشوشها بصوت دافي:
“عرفتي بقى إن كل حاجة بتيجي في وقتها الصح؟ السبع سنين دول ما كانوش ضياع… دول كانوا مجرد انتظار عشان اللحظة دي تبقى أحلى.”
ابتسمت له بدموع الفرحة، ولأول مرة من سبع سنين حست إن قلبها استريح تماماً، وإن كل الوجع والندم القديم اتردم عليه بأجمل بداية لحياة جديدة تجمعهم هما التلاتة تحت سقف واحد.





