ملكه علي عرش الحب

شريف وقف مكانه مبرق، وشه أحمر زي الدم وعروق رقبته بارزة لدرجة خفت تنفجر. بص للشنط والكراتين المرصوصة جنب الحيطة، وبص لأمه وأخته اللي كانوا واقفين فاتحين بوقهم من الصدمة ومش فاهمين حاجة. للحظات، الصمت كان سيد الموقف، مفيش غير صوت الأنفاس العالية وصوت مروحة الأسانسير وهي بتهدى.
الحاجة صفية قطعت الصمت ده بصوتها المبحوح وهي بتلطم على صدرها: “يا مصيبتي! يا خراب بيتك يا شريف! البت طردتنا في الشارع يا واد؟ هي دي الهانم المديرة اللي كنت بتقول عليها هتشيلنا في عينيها؟”
شيماء أخته، اللي لسه جاية بشنط هدومها بعد ما اطلقت، بدأت تصرخ وتسقف بإيديها وهي بتكلم أخوها بنبرة كلها غل: “شايف يا شريف؟ شايف آخرة دلعك ليها؟ بقا حتة الست دي تبهدلنا كده على السلم؟ دي شقة أخويا، وإحنا هندخل ورجلينا فوق رقبتها!” وحاولت تزقني وتدخل من باب الشقة، بس أنا كنت واقفة وسادة الباب بكل برود وجسمي كله ثابت، وبصيتلها من فوق لتحت وقولت بنبرة هادية بس ترعش: “خطوة واحدة تانية جوة الشقة دي، وهتلاقوا نفسكم في القسم بتهمة التهجم على سكن خاص.. وشوفي بقى يا شيماء، انتي لسه طالعة من قض..ية طلاق ومش ناقصة فضايح في المحاكم.”
شريف هنا حس إن كرامته اتهانت قدام أمه وأخته، والرجولة المزيفة اللي كان بيعيشها عليا طول السنين اللي فاتت اتهزت في ثواني. قرب مني وعينيه بتطلع شرار، ورفع صباعه في وشي وهددني بصوت هز العمارة: “أميرة! انتي اتجننتي؟ انتي فاكرة نفسك مين؟ الشقة دي بيتي، وحاجتي اللي انتي رامياها برة دي أنا اللي دافع تمنها! افتحي الباب ده فوراً بدل ما أكسره على دماغك ودماغ اللي جابوكِ!”
أنا ما اتهزتش شعرة واحدة. شوفت في عينيه الخوف والكسرة المتدارية ورا الغضب ده كله. مديت إيدي وطلعت الموبايل بتاعي، وفتحت الكاميرا وسجلت وشه وهو بيزعق ويتهجم، وقولت بكل برود: “وريني كده هتكسره إزاي يا شريف عشان الفيديو ده يروح فوراً للنجدة ويبقى قض..ية تبديد وتهديد بالقتل بالمرة. وبعدين، شقة مين اللي بيتك؟”
شورت بإيدي على الدوسيه الأزرق اللي كنت معلقاه على الباب وقولتله: “اقرأ الورق اللي في الدوسيه ده كويس يا شريف بيه. عقد الإيجار باسمي أنا لوحدي بقاله سنتين. إيصالات الإيجار الشهري بتطلع من حسابي البنكي باسمي أنا. حتى العفش اللي جوه، فواتيره كلها باسمي ومن فلوس مكافآتي وشغلي اللي كنت بتقول عليه ملوش لازمة وتتبل شرباته وتتشرب ميتها. حاجتك انت الشخصية.. هدومك، جزمك، لاب توبك، وحتى شهادات تقديرك الفاضية، كلها متغلفة برة أهي بكل أدب واحترام عشان ما تقولش إني سرقتك. من الآخر كده.. مالكش هنا ولا قشة.”
شريف سحب الدوسيه بسرعة وبدأ يقلب في الورق ب صوابع بتترعش. كان بيقرأ السطور وعينيه بتتحرك بسرعة والذهول بيزيد على وشه. بص لعقد الإيجار وبص للتاريخ، واكتشف إن العقد الجديد اللي اتجدد من سنة، أنا كتبته باسمي لوحدي ووافقت مع صاحب الشقة على كده، لإن شريف ببساطة ما كانش بيدفع جنيه واحد في السكن، وكان فلوسه كلها رايحة على سهراته وعلى أهله وخروجاته، وسايبني أنا أشيل الليلة كاملة بحجة “انتي بتشتغلي وبتكسبي أكتر مني، ساعدي في البيت بقى”.
الحاجة صفية بدأت تعيط وتولول بصوت عالي حرك الجيران: “يا فضيحتنا وسط الناس! يا ناس يا شراميط تعالوا شوفوا الستات بتعمل إيه في رجالتها! يا شريف، هترمي أمك وأختك في الشارع ليلية زي دي؟ نروح فين بشنطنا دي؟”
الناس في العمارة بدأت تفتح الأبواب وتتفرج. جارتنا أم محمد فتحت باب شقتها وبصت بلوعة، وبواب العمارة عم عبده طلع يجري يشوف في إيه. شريف لما لقى العمارة كلها بتتفرج عليه وهو واقف برة شقته وحاجته متغلفة في كراتين، حس بنقص فظيع. بصلي بنظرة رجاء مخلومة بغل وقالي بصوت واطي عشان الجيران ما تسمعش: “أميرة.. بلاش فضايح قدام الناس. ندخل جوة ونتكلم، ونحل الموضوع ده ودي. عيب اللي بتعمليه ده، أنا جوزك برضه وليه احترامي.”
ضحكت ضحكة خفيفة سمعتها أخته وأمه وقولتله: “جوزي؟ واحترامك؟ انت نسيت كلامك ليا امبارح يا شريف؟ نسيت لما قولتلي شغلك ملوش لازمة وتعب 12 سنة تبليه وتشربيه؟ نسيت لما قررت تجيب أهلك يعيشوا معايا غصب عني وتخليني خادمة ليهم وتلغي سفرياتي ومستقبلي من غير ما حتى تاخد رأي الكلب؟ انت اللي نسيت الاحترام والأصول من زمان.. وأنا النهاردة بس بفكرك بيهم.”
شيماء صرخت فيه: “بتترجاها يا شريف؟ بتترجى دي؟ طلقها يا شريف! طلقها ورميها في الشارع وخليها توريك هتعمل إيه من غيرك!”
بصيت لشيماء وقولت لها بابتسامة نصر: “يطلقني؟ يا حبيبتي هو يقدر؟ شريف لو طلقني النهاردة هيطلع من المولد بلا حمص. شريف مديون ليا بـ 150 ألف جنيه كنت مدياهم له عشان يفك زنقته ويشتري بيهم ربع العربية اللي راكبها دي، والوصولات معايا وممضي عليها وموجودة مع المحامية بتاعتي نهى اللي زمانها بتقدم بكرة الصبح إنذار بالدفع. ولو طلقني، الشقة دي بتاعتي، وهو اللي هيبات في الشارع بكراتينه دي.”
شريف وشه جاب ألوان الطيف كلها. بص لأخته بغضب وقالها: “اسكتي انتي خالص يا شيماء! خربتي بيتك وجايه تخربي بيتي أنا كمان!” وبعدين بصلي وقالي ونبرة التهديد رجعت تاني بس بضعف: “ماشي يا أميرة.. انتي فاكرة إنك كسبتي؟ أنا هعرف إزاي آخد حقي منك بالقانون. المحاكم بينا، وهوريكي إزاي تمدي إيدك على حاجتي وتطرديني من البيت.”
قولتله بكل هدوء: “المحاكم مفتوحة يا شريف، والمحامية بتاعتي مستنياك بشوق. بس قبل ما تمشي.. خد كرتونة هدومك دي عشان تلحق تلاقي مكان تنام فيه مع الحاجة وأختك الليلة دي، لإن الشقة دي خلاص، اتمسحت من قايمة حياتك.”
وقفلت الباب في وشه بكل قوة. سمعت صوت الباب وهو بيترزع وصداه مالي السلم. ومن ورا الباب، سمعت صوته وهو بيخبط خبطتين خفاف وكأنه بيترجى روحه ترجعله، وبعدها سمعت صوت شيماء وهي بتزعق وتشتم، وصوت الحاجة صفية وهي بتدعي عليا بخراب المستعجل. فضلت واقفة ورا الباب للحظات، مغمضة عيني، وبسحب نفس طويل وعميق.. لأول مرة من سنين أحس إن صدري خفيف، وإن الهوا اللي بيدخل الرئة نقي ومش ملوث بضغط وإهانة وتقليل من شأني.
دخلت الشقة.. كانت هادية بشكل غريب. الشقة اللي كانت دايماً مليانة دوشة وخناق وتأنيب ضمير ليا على أي نجاح بحققه، بقت فاضية وواسعة ونضيفة. مشيت في الصالون، وبصيت على المكان اللي كان شريف بيقعد فيه ويسخر من تعبي. قعدت على الكنبة، وفتحت الموبايل وبصيت على رسالة الترقية تاني.. “أميرة Miller.. مديرة العمليات الإقليمية”. ابتسمت من كل قلبي ودمعة فرحة نزلت من عيني. أنا تعبت، وشقيت، واستحملت كتير عشان اللحظة دي، وما كانش ينفع أبداً أسيب حد يطفي الفرحة دي أو يسرق مني نجاحي.
تاني يوم الصبح، صحيت بدري جداً. لبست أشيك طقم عندي، وحطيت ميك اب خفيف، وكنت حاسة بطاقة فظيعة وجديدة عليا. رحت الشركة، وكل زمايلي في القسم كانوا واقفين بيسقفوا ويهنوني بالمنصب الجديد. المكتب بتاعي الجديد كان واسع وفيه شباك كبير بيبص على النيل والمدينة كلها من فوق. قعدت على كرسي المكتب وحسيت بالامان الحقيقي.. الأمان اللي بيصنعه الشغل والفلوس والمجهود الشخصي، مش الأمان المزيف اللي بيوعد بيه راجل شايفك مجرد خادمة لأهله.
حوالي الساعة واحدة الظهر، تليفوني رن. كانت نهى المحامية.
“أيوة يا أميرة.. صباح النصر يا جميلة.”
“صباح الفل يا نهى.. قوليلي، إيه الأخبار؟”
نهى ضحكت وقالت: “شريف كلمني الصبح.. صوته كان زي الفرخة المبلولة. بيحاول يفهم إيه الإجراءات اللي هنعملها وبيقول إن فيه سوء تفاهم وعايز يقعد معاكي يحل الموضوع ودي بعيد عن المحاكم والقضايا. باين عليه خايف من الـ 150 ألف جنيه والوصلات اللي معايا.”
قولتلها بنبرة حاسمة: “مفيش حل ودي يا نهى. أنا مش هرجع للشخص ده تاني أبداً. السنتين اللي فاتوا علموني إن شريف ملوش أمان، وإن سكوته على نجاحي كان مجرد وقت لحد ما يلاقي فرصة يكسرني بيها. ارفعي قضايا الطلاق والتبديد، وطالبي بالفلوس كلها كاملة مكملة. أنا مش هسيبله ولا مليم من شقايا.”
“تمام يا أميرة، هبدأ الإجراءات فوراً. بس خلي بالك.. شريف مش هيسكت بسهولة، وممكن يحاول يضغط عليكي بأهله أو بأي طريقة تانية عشان يرجعك أو يخليكي تتنازلي.”
“خليه يجرب يا نهى.. أنا جاهزة ليه ولكل ألاعيبه.”
وفعلاً، كلام نهى كان صح. بعد يومين اتنين بس، بدأت الرسايل تنهال عليا من أرقام غريبة. شريف كان بيبعت رسايل اعتذار وندم، وبيقسم إنه ما كانش يقصد وإنه كان مضغوط بسبب مشاكل أمه وأخته والطلاق بتاع شيماء، وإنه بيحبني وما يقدرش يعيش من غيري.
وبعدها برسايل تانية يرجع يهدد ويقول إنه هيفضحني في الشركة وهيقول لمديري إني طردته في الشارع وشوهت سمعته وسط جيرانه.
أنا كنت باخد “سكرين شوت” من كل رسالة بيبعتها وأبعتها لنهى عشان تضاف لملف القض..ية كدليل على التهديد والابتزاز.
وفي يوم جمعة، وأنا قاعدة في الشقة بقرأ كتاب وبشرب قهوة، سمعت خبط على الباب. قلبي انقبض للحظة، بس تماسكت ورحت وبصيت من العين السحرية. لقيت شريف واقف لوحده. وشه كان شاحب، ودقنه طويلة ومش حليق، ولابس قميص مكرمش وكأنه ما نامش بقاله أيام.
فتحت الباب بس سبت السلسلة الحديدية مقفولة عشان ما يقدرش يدخل.
“عايز إيه يا شريف؟” قولتله ببرود ونظرة خالية من أي مشاعر.
بصلي بلهفة وعينيه مدمعة: “أميرة.. أرجوكي افتحي الباب. أنا تعبان ومتبهدل. بقالي تلات أيام نايم في شقة قديمة ومكركبة مع أمي وأختي.. العيشة هناك جحيم، وشيماء طول النهار خناق ومشاكل مع أمي، وأنا مش عارف أركز في شغلي ولا عارف أعيش. أرجوكي سامحيني، أنا غلطت في حقك.. غلطت لما قولتلك الكلام ده.”
بصيتله وسألته: “كنت تعبان ومتبهدل؟ طب وأنا؟ السنين اللي فاتت وأنا شايلة مصاريف البيت لوحدي وبشتغل ليل نهار عشان تدخر فلوسك لأهلك، ولما نجحت وترقيت جيت تكسر فرحتي وتقولي تعبك ملوش لازمة.. ده ما كانش بهدلة ليا؟”
“كنت غبي يا أميرة.. كنت أعمى ومش مقدر قيمتك. والله العظيم ما هكررها تاني. مش هجيب سيرتهم في البيت خالص، وأمي وأختي هشوفلهم مكان تاني يعيشوا فيه.. بس ارجعيلي وافتحي صفحة جديدة.”
كنت هرد عليه وأقوله إن الصفحة دي اتقطعت واترمت في الزبالة، بس فجأة سمعت صوت رجلين سريعة طالعة على السلم.. وصوت زعيق مألوف جداً ليا.
شيماء وأمها كانوا طالعين ورا شريف ومتبعينه!
شيماء أول ما شافتني من ورا الباب صرخت: “أهو! قولتلك يا أمي هتلاقيه جاي يترجاها ويتمسح في جزمها عشان الفلوس والشقة! سيبك منه يا شريف، دي واحدة ما بتمرش فيها العيش والملح ومفترية!”
والحاجة صفية بصتلي بغل وقالت: “بقى بتذلي ابني عشان قرشين وشقة تمليك؟ بكره ربنا يفقرك وياخد منك كل اللي حيلتك يا قوية يا مفترية!”
شريف بص وراه لقى أمه وأخته، وشه اسود من الكسوف وبدأ يزعق فيهم: “انتو إيه اللي جابكم ورايا؟ انتو دايماً خاربيين بيتي كده؟ سيبوني في حالي بقى!”
وبدأت خناقة شوارع تالتة قدام باب شقتي بين شريف وأمه وأخته.. خناقة كشفتلي قد إيه البيئة دي كانت مسمومة، وقد إيه أنا نجيت بنفسي وبمستقبلي في الوقت المناسب.
بصيت عليهم وهم بيقطعوا في بعض وصوتهم مالي العمارة، وابتسمت ابتسامة هادية وقولتلهم بصوت مسموع: “خناقاتكم دي صفوها برة العمارة المحترمة دي.. الباب اتقفل خلاص، ومفيش رجوع.” وقبل ما أقفل الباب، شريف بصلي بنظرة أخيرة.. نظرة واحد أدرك إنه خسر كل حاجة في لحظة غباء وتكبر، وإنه طمع في الست اللي شالته فخسرها وخسر الشقة وخسر كرامته قدام أهله والجيران.
قفلت الباب، ودخلت جوة الشقة، وفتحت اللاب توب بتاعي عشان أحضر نفسي لأول سفرية عمل ليا الأسبوع الجاي لفرع الشركة الجديد في دبي.. سفرية كنت هتنازل عنها وألغيها عشان أخدم ناس ما يستاهلوش.
تفتكروا شريف وأهله هيسيبوني أسافر وأعيش حياتي في هدوء؟ ولا المحكمة والمفاجآت اللي مجهزاهالي شيماء في الكومنتات الجاية هتشقلب حياتي تاني؟ 👇👇👇شيماء ما سكتتش، وغلها منها عمى عينيها وبقت بتفكر ليل نهار إزاي تحرق قلبي وتخليني أدفع تمن الكسرة اللي كسرتهالهم على السلم قدام الجيران.
يوم الأحد الصبح، وأنا بجهز شنطتي ومرتبة ورقي ومتحمسة جداً لسفريتي لدبي بعد يومين، لقيت تليفوني بيرن برقم غريب. رديت، ولقيت صوت راجل غليظ بيتكلم بنبرة كلها تهديد:
“أستاذة أميرة؟ أنا المحامي بتاع الأستاذ شريف عبد الرحمن. أحب أبلغك إننا رفعنا قض..ية ‘طاعة وبطلان عقد إيجار الشقة’.. ومش بس كده، فيه بلاغ رسمي اتقدم ضدك في القسم بتهمة سرقة مصوغات ذهبية ومبلغ مالي خاصين بوالدة الأستاذ شريف كانوا موجودين في الشقة لما انتي طردتيهم.”
الدم هرب من عروقي للحظة، وحسيت بنغزة في قلبي. سرقة؟ ده هما شنطهم وهدومهم حتى الكراتين أنا اللي مغلفاها بإيدي ومصوراها فيديو والكل شاهد! كلمت نهى المحامية وأنا برتعش وحكيتلها على المكالمة.
نهى ضحكت بصوت عالي وقالتلي: “يا بنتي اهدئي، دي ألاعيب قديمة ومهروسة عشان يضغطوا عليكي تتنازلي عن وصلات الأمانة وقضي..ة الطلاق. هما فاكرين إنك لما تسمعي سيرة القسم والشرطة هتخافي وتجري تبوسي إيديهم. هاتيلي بس رقم المحامي ده، وأنا هعرف أرد عليه بالقانون والواقع.”
تاني يوم، وتحديداً قبل سفري بـ 24 ساعة، كنت في الشركة بخلص تصفية الشغل عشان أسلم المهام لزميلي في فترة غيابي. فجأة، السكرتيرة دخلت ومكتبها باين عليه التوتر وقالتلي: “يا فندم.. فيه واحدة برة اسمها شيماء ومعاها ست تانية كبيرة، وعاملين دوشة في الاستقبال ومصرين يقابلوا المدير العام أو يقابلوكِ، وبتقول كلام غريب عن إنك سارقة فلوسهم وطاردة جوزك!”
حسيت إن الأرض بتلف بيا. شيماء والحاجة صفية واصلين لغاية مقر شركتي وفي وسط زمايلي ومديري عشان يشوهوا سمعتي! خرجت فوراً للاستقبال قبل ما الموضوع يكبر، ولقيت شيماء واقفة بتزعق وتصرخ في موظفين الأمن: “سيبونا ندخل للمدير! الست اللي انتو مرقينها ومشغلينها مديرة دي حرامية وطاردة جوزها وأهله في الشارع وسارقة دهب أمي! دي ما تستحقش المنصب ده!”
الكل كان واقف بيتفرج بذهول، وزمايلي في المكتب بيبصوا عليا بنظرات فيها مية سؤال وسؤال. في اللحظة دي، كنت قدام خيارين: يا إما أنهار وأعيط وأبان ضعيفة، يا إما أواجههم بنفس القوة والثبات اللي مشيت بيهم حياتي الفترة اللي فاتت.
قربت منهم بكل هدوء وثقة، ووقفت قدام شيماء وقولتلها بصوت مسموع ومسيطر: “صوتك ما يعلاش هنا يا شيماء.. إحنا في شركة محترمة مش في حارة. وانتي يا حاجة صفية، الدهب اللي بتقولي إني سرقته، مش ده الدهب اللي انتي بيعتيه من سنتين عشان تسددي ديون ابنك شريف لما كان هيتسجن بسبب شيكات من غير رصيد؟ والوصولات اللي بتثبت إني أنا اللي فكيت كربه لسه معايا وممضي عليها من ابنك!”
شيماء وشها اتمط وقالت بلجلجة: “كدابة! انتي كدابة وبتاكلوا حقنا!”
طلعت موبايلي وطلبت الأمن الداخلي للشركة وقولت للمسؤول: “يا فندم، اطلبولي شرطة النجدة فوراً.. فيه بلاغ تهجم وتشهير وتعدي على موظف أثناء تأدية عمله جوة مقر الشركة، وعندي تسجيل كاميرات المراقبة بالصوت والصورة للواقعة كاملة.”
أول ما سمعوا سيرة النجدة وكاميرات المراقبة، الحاجة صفية ركبها سابت وسحبت شيماء من إيدها وقالتلها بخوف: “يالا بينا يا شيماء.. البت دي قلبها ميت ومش هيهمها حد، يالا بينا قبل ما نتبهدل في الأقسام.” وجريوا على برة والناس كلها بتتفرج عليهم وهم بيجروا أذيال الخيبة وراهم.
مديري العام، اللي كان واقف متابع الموقف من بعيد، قرب مني وبصلي بتقدير وقالي: “أميرة.. أنا فخور جداً بـ ثباتك الانفعالي وطريقتك في إدارة الأزمة دي. ده يأكدلي إننا اخترنا الشخص الصح للمنصب الإقليمي. جهزي نفسك للسفر بكرة، ودبي مستنياكي.”
سافرت دبي، وهناك قضيت أسبوعين من أنجح أسابيع حياتي المهنية. حققت صفقات ونجاحات كانت بمثابة رد قاسي ومخرس لكل حد حاول يقلل مني أو يطفي فرحتي.
وأنا هناك، نهى كلمتني وقالتلي إن المحكمة رفضت دعوى الطاعة اللي رفعها شريف لإن الشقة بالإيجار وباسمي والتمكين لصالحي أنا بس، وإن النيابة حفظت بلاغ السرقة الكاذب بعد ما قدمنا أدلة بالصور والفيديو للحظة نقل حاجتهم كاملة وبحضور البواب والجيران. ومش بس كده.. شريف عشان يهرب من حبس وصلات الأمانة بـ 150 ألف جنيه، اضطر يبيع ربع العربية اللي حيلته ويستلف من طوب الأرض عشان يدفعلي الفلوس كاملة مقابل إني أتنازل عن الق..ضية.
رجعت من دبي وأنا كسبانة كل المعارك.. كسبت نفسي، كسبت مستقبلي، ورجعت حقي تالت ومتلت من اللي افتكر إن طيابة قلبي وسكوتي طول السنين دي ضعف. شريف النهاردة عايش مكسور العين في شقة قديمة مأجرها مع أمه وأخته اللي مبطلوش خناق ومشاكل معاه، وبقى يدوب بيكفي مصاريفه بالعافية بعد ما خسر الست اللي كانت شايلاه وشايله بيته ومستحمله قرفه.
بصيت من شباك مكتبي الجديد على النيل، وافتكرت ليلتها لما قولتله “الباب يفوت جمل”.. وضحكت من كل قلبي، لإن الجمل فات، وأنا طرت في السما!شيماء وشريف ما كانوش يعرفوا إن الهدوء اللي أنا فيه ده هو الهدوء الذي يسبق العاصفة، وإن كل قلم أخدته منهم زمان، هيرد لهم النهاردة بس بالقانون وبمنتهى الشياكة.
بعد ما رجعت من دبي بـأسبوع، كلمتني نهى المحامية وقالتلي بضحكة كلها نصر:
“أميرة، شريف وقع في الفخ بالكامل. قض..ية الطلاق للضرر اتقبلت بعد ما قدمنا للـمحكمة رسايل التهديد الصريحة بتاعته، وتسجيلات الكاميرات لتهجم أخته وأمه عليكي في الشركة. القاضي حكم بطلاقك طلقة بائنة للضرر، وبكده شريف بقى رسمياً ‘جوزك السابق’، والصفحة دي اتقفلت للأبد.”
أما بخصوص الـ 150 ألف جنيه، شريف لما لقى نفسه على شفا حفرة من السجن، وبقى مهدد بضياع مستقبله المهني بالكامل لو اتسجن في قض..ية وصل أمانة، اضطر يبيع حتة الأرض الصغيرة اللي ورثها عن والده في البلد بنص تمنها عشان يلم القرشين ويرجعهم ورجله فوق رقبته.
يوم تنفيذ الطلاق واستلام الفلوس في مكتب نهى، شريف جه وهو باصص في الأرض، وشه مطفي، وعينيه خالية من أي بريق للكبرياء اللي كان بيعيش بيه عليا. بصلي بندم حقيقي وقالي بصوت مرعش:
“سامحيني يا أميرة.. أنا خسرت كل حاجة.. خسرت الشقة، وخسرت فلوسي، والأهم إني خسرت الست الوحيدة اللي كانت شيلاني بجد.”
بصيتله وأنا بوقع على ورق التنازل عن القضايا بعد ما استلمت شيك الفلوس المقبول الدفع، وقولتله بابتسامة هادية وصافية تماماً:
“أنا مسمحاك يا شريف.. مسمحاك لأن غلطتك معايا هي اللي صحتك وفهمتني قيمتي الحقيقية، وخلتني أعرف إن مكاني فوق في السما، مش تحت رجليكم.”
لميت ورقي، وشنطتي الشيك، وخرجت من المكتب وأنا حاسة بوزن جبل كامل بيتشال من فوق كتافي.
النهاردة، بعد ما مرت سنة كاملة على الليلة ديك.. أنا قاعدة في شقتي الجديدة اللي اشتريتها تمليك من مالي وحر تسيحي في منطقة راقية بالتجمع، وبشرب قهوتي الصبح وأنا ببص على الجنينة الواسعة. شريف عايش في شقة إيجار قانون جديد ضيقة مع أمه وأخته اللي مبطلوش خناق وتطفيش في بعض، وصحته تدهورت من كتر التفكير والديون اللي لسه بيسدد فيها لجمارك طوب الأرض.
أنا مشيت في طريقي، وتعب 12 سنة شقى جنيت تمنه فخر ونجاح وحرية.. أما هما، فسابوا الأصول ونسيوا إن الست المحترمة لما بتفيض بيها الدنيا، بتقفل الباب وراها ومابتلتفتش.. وأنا قفلت الباب، وبنيت وراه حياة مفيهاش مكان غير لـ “أميرة المديرة” وبس!


