كان نفسه بس يلقم لقمة في هدوء.. لقمة واحدة وسط زحمة ودوشة محل الكشري، من غير ما حد يبص لدراعه الحديد اللي كلفه نص عمره في الخدمة. عم ياسين كان قاعد في ركن المحل، عينه في طبقه بيحاول يهرب من نظرات الناس الفضولية لدراعه الصناعي اللي بيلمع تحت الإضاءة الصفراء الباهتة، والكل كان بيتوشوش عليه، بس هو كان كل همه ياكل لقمته في سلام ويداري الوجع اللي جواه. فجأة، وبدون أي مقدمات، حس بلمسة دافية وصغيرة على برودة دراعه الحديد، لمسة طفل صوابعه دقيقة ومفيهاش أي خوف ولا تردد. لف راسه ببطء ولقى طفل صغير مش مكمل سبع سنين، واقف بيبص للحديد بعيون مليانة بريق غريب. في اللحظة دي، المحل كله صمت تمامًا، المعالق وقفت في الهوا، وصاحب المحل كتم نفسه وهو مستني رد فعل عم ياسين اللي الكل عارف عصبيته وقسوته من وقت ما رجع من الجبهة. الصغير ساجد مقلش ولا كلمة، وبمنتهى الهدوء طلع من جيبه منديل ورق متبهدل، وبدأ يمسح صوابع الحديد بحنية مفرطة وكأنه بينضف أغلى حاجة عنده في الدنيا. الحركة دي شلت حركة المحل كله، ومحدش أبدًا كان يتوقع رد فعل القائد الصارم ياسين اللي ملامحه اتهزت وضغط على سنانه وعيونه دمعت لأول مرة قدام الناس، بس الصدمة الحقيقية مكنتش في دموع القائد، الصدمة كانت في السر الرهيب اللي اتكشف بعد ثواني عن هوية الطفل ده والسبب الحقيقي اللي خلاه يدخل المحل ويوصل لعم ياسين بالذات في اللحظة دي.. سر خلى المحل كله يقف على رجله من الذهول لما الولد مال وهمس في ودن ياسين بكلمتين اتنين بس، خلوا دراعه الحديد يترعش ويقع من إيده المنديل وهو بيبص حواليه برعب كأنه بيدور على كابوس قديم رجع يعيشه تاني…ياسين حس إن الدم اتجمد في عروقه، والكلمتين نزلوا عليه زي الصاعقة: “حسن عايش!”.
​حسن.. زميل سلا..حه وأقرب الناس لقلبه، اللي ياسين عاش سنين بيموت بالبطيء من ذنب إنه سابه وراه وسط النار يوم الانفجار اللي طير دراعه. ياسين مسك كتاف الولد الصغير وبص في عيونه بلهفة مرعبة وصوت مخنوق بالدموع والتردد: “أنت بتقول إيه يا حبيبي؟ حسن مين؟ حسن مات من خمس سنين في العملية.. أنا شفته بعيني وهو بيقع!”، لكن ساجد متهزش، ومد إيده الصغيرة التانية وفتح كفه اللي كان مخبي فيه حاجة معدن مصدية.. دبلة عسكرية محفور عليها اسم ياسين وتاريخ المعركة الأخيرة.
​المحل كله كان مراقب المشهد في صمت قاتل، وصاحب المحل نزل كبشة الصلصة من إيده والزبائن واقفين على رجليهم بيحاولوا يستوعبوا الدراما اللي بتحصل قدامهم. ساجد شاور بصابعه الصغير على عربية سودا غامقة واقفة على أول الشارع، فاميتها كاحل ومبينش أي ملامح للي جواها، وقال بصوت بريء بس هز كيان القائد القديم: “هو مستنيك في العربية دي.. وبيقول لك الأمانة رجعت يا فندم، والوقت جه عشان نقفل الحساب القديم”.
​ياسين حس بركبه بتسيب، رجع خطوة لورا وخبط في الترابيزة وعينه بتروح وتيجي برعب بين الدبلة اللي في إيد الولد وبين العربية اللي فجأة كشافاتها ضربت في وش المحل كله، وبابها الوراني اتفتح ببطء وظهر منه ظل لشخص ماسك عكاز وبيدور بعينه على ياسين وسط الزحمة…ياسين حس بقلبه هيقف من مكانة، والظل اللي ماسك العكاز بدأ ينزل ببطء من العربية. المحل كله بقى في حالة ذهول كأنهم بيتفرجوا على مشهد في فيلم سينما، ومحدش قادر ينطق بحرف.
​ياسين خطى خطوة واسعة لبرة المحل، ودراعه الحديد بيترعش بعنف كأنه بيتحرك لوحده. مشي خطوتين تلاتة والشارع كله كأنه فضي ومبقاش فيه غيره هو والراجل اللي نازل من العربية. لما الضوء جه على وش الراجل، ياسين وقف في مكانه متثبت.. الملامح هي هي، بس الزمن والنار سابوا علاماتهم عليها. حسن كان واقف، ساند على عكازه، وعيونه مليانة دموع وعتاب ملوش آخر، بس فيها برضه نظرة حب حقيقي وصداقة السنين مجرتش عليها.
​حسن ابتسم بوجع وقال بصوت مبحوح بس واصل لياسين بوضوح: “اتأخرت عليك يا صاحبي؟ بس النصيب كان عايزنا نتقابل تاني برضه”.
​ياسين مقدرش يمسك نفسه، رمى كل حاجة ورا ظهره وجري عليه وحضنه حضن كأنه بيحاول يرجع بيه سنين الوجع والذنب اللي عاشها. المحل كله والناس في الشارع بدأوا يسقفوا بحرارة والدموع في عيونهم، متأثرين بلحظة رجوع الروح للجسد. حسن طبطب على دراع ياسين الحديد وهمس له: “أنا ممتش يا ياسين.. يومها هما لحقوني، بس كان لازم أختفي عشان أحميك وأحمي البلد من اللي كانوا بيدوروا ورا العملية دي.. ودلوقتي، اللعبة انتهت، والسر اللي عشانه عشنا في ضلمة خمس سنين.. جه الوقت إنه يتكشف للدنيا كلها”الكلمتين اللي همس بيهم الصغير ساجد في ودن عم ياسين كانوا: “بابا عايش!”
​الكلمتين نزلوا على راس عم ياسين زي الصاعقة. “بابا” ده مكنش أي حد، ده كان “أحمد”، الصديق الصدوق، ورفيق السلا..ح، والراجل اللي مات حرفيًا بين إيدين ياسين على الجبهة في نفس المعركة اللي ياسين خسر فيها دراعه. ياسين هو اللي شاله وهو بيلفظ أنفاسه الأخيرة، وهو اللي دفنه بإيده تحت تراب سينا وسط النيران، وهو برضه اللي رجع لأهله بمتعلقاته الشخصية وبلغهم بخبر استشهاده. فكيف للطفل ده، اللي ملامحه نسخة مصغرة من أحمد، إنه يقول الكلمة دي؟
​ياسين اتسمر في مكانه، الدم هرب من عروقه، ونظرته اتحولت من الصدمة للرعب وهو بيبص لعيون ساجد الواسعة. همس بصوت متحشرج ومبحوح من أثر المفاجأة:
​”أنت.. أنت بتقول ايه يا ابني؟ أحمد مات.. أنا دفنته بإيدي دي!”
​ساجد متكلمش، بس مد إيده الصغيرة المرتعشة جوه جيبه المقطع، وطلع ورقة مطبقة بعناية شديدة، متبهدلة من كتر القراية، وعليها بقع دم قديمة وجافة. ياسين خطف الورقة بـإيده السليمة وفتحها بسرعة وهو بيتنفس بصعوبة.
​كانت رسالة مكتوبة بخط إيد مبهدل وصعب القراية، بس ياسين يستحيل يغلط في الخط ده.. ده خط أحمد!
الرسالة كانت بتقول:
“ياسين يا صاحبي.. لو الورقة دي وصلتك مع ساجد ابني، يبجى أنا لسه عايش بس أسير في مكان ميعلمش بيه إلا ربنا. المجموعات اللي هجمت علينا مكانتش عايزة تموتنا بس، كانوا عايزين معلومات. أنا هربت ساجد مع بدوي من قرايبنا وزرعت في عقله إنه يدور عليك ويديك الورقة دي. ياسين.. متصدقش أي حد يقولك إني موت، دور عليا يا صاحبي.. أنا مستنيك.”
​ياسين حس إن المحل كله بيلف بيه. الذكريات هجمت عليه كأنها كابوس حي. المعركة، الانفجار، صراخ أحمد، واللحظة اللي افتكر فيها إنه مات. اتضح إن الجث..ة اللي ياسين شالها ودفنها في وسط الغبار والضلمة مكانتش جث..ة أحمد، بل كانت جث..ة عسكري تاني ملامحه كانت مشوهة تمامًا من الانفجار، وياسين من هول الصدمة والنزيف اللي كان في دراعه ميزش!
​المحل كله كان واقف على رجله، الزباين وصاحب المحل بيبصوا بذهول للقائد الصارم اللي وقع على ركبه قدام طفل صغير، وبدأ يبكي بنشيج مرير هز جدران المكان، وهو بيحضن ساجد بقوة ودراعه الحديدي بيطوق جسم الولد الصغير وكأنه بيحميه من الدنيا كلها.
​ياسين مسح دموعه بسرعة، ورجعت ملامح الحسم والصرامة لوشه. وقف على رجله، وبص للطفل وعيونه فيها لمعة غضب وتصميم مظهرتش من سنين. شال ساجد على كتفه اليمين، وبصوت جهوري سمع كل اللي في المحل قال:
​”حساب الكشري مدفوع يا جماعة.. والنهاردة، القائد ياسين راجع الجبهة تاني، بس المرة دي مش عشان يحارب.. المرة دي عشان يرجع روحه اللي سابها هناك.”
​خرج ياسين من المحل بخطوات ثابتة وسريعة، والناس بتوسع له بطريقها بذهول واحترام، وهو واخد عهد على نفسه إنه مش هيرتاح، ودراعه الحديد ده مش هيقف عن الحركة، إلا لما يرجع صاحبه وأخوه لحضن ابنه، وينهي الكابوس القديم اللي افتكر إنه انتهى من سنين..انفتح باب المحل على مصراعيه ولفحة هوا باردة دخلت مع الليل، كأنها بتفكر ياسين بنسمات سينا القاسية. ياسين مكنش سامع دوشة الشارع ولا كلاكسات العربيات؛ ودنه مكنش فيها غير صوت دقات قلبه اللي بقت تدق زي طبول الحرب، وصوت همس ساجد اللي لسه بيرن في عقله.
​نزل ياسين لمستوى ساجد، حط إيده السليمة على كتف الولد وبصله بعيون حادة ومرعوبة في نفس الوقت وسأله بصوت واطي ومتحشرج:
​”مين اللي قالك الكلمة دي يا ساجد؟ مين اللي بعتك ليا؟”
​ساجد متهزش، عينيه كانت ثابتة وفيها هدوء غريب مبيناسبش طفل في سنه، مد إيده الصغيرة جوه جيب الجاكيت المقطع بتاعه، وطلع حاجة مقفولة في كف إيده، وحطها ببطء في كف عم ياسين الحديدي اللي كان لسه بيترعش.
​ياسين بص لكفه.. الصدمة لجمت لسانه تمامًا.
اللي كان في إيده هو “الكلبش” أو “القلادة العسكرية” (Dog Tag) الخاصة بـ “أحمد”، رفيق سلا..حه اللي المفروض مات بين إيديه! بس الصدمة الحقيقية مكنتش في القلادة نفسها، الصدمة كانت في السلسلة بتاعتها.. السلسلة كانت مقطوعة بآلة حادة، ومحفور على ضهر قطعة المعدن من ورا تاريخ النهاردة.. “١٧ يوليو”، وجنب التاريخ كلمة واحدة مكتوبة بخط يد مهزوز بس معروف جداً لياسين: “مستنيك يا صاحبي”.
​ياسين حس إن الأرض بتميل بيه. الذكريات هجمت عليه كأنها شريط سينما شغال بالـعكس. افتكر ليلة الهجوم الأخير، الدخان اللي مالي المكان، صراخ الجنود، واللحظة اللي اتصاب فيها في دراعه وفقد الوعي. لما فاق في المستشفى الميداني، قالوا له إن أحمد استشهد وإنهم جابوا جثته ودُفن، وياسين عاش سنين بجلد ذات وبذنب إنه عاش وأحمد مات.
​لكن الحقيقة المرة بدأت تتضح؛ أحمد ممتش.. أحمد اتأسر في الليلة دي، والجهة اللي أسرته فضلت مخبياه طول السنين دي لسبب مجهول، والنهاردة وبطريقة ما، أحمد قدر يهرب الرسالة دي مع ابنه ساجد اللي مكنش لسه كمل سنتين لما أبوه اختفى.
​المحل كله كان ميت من السكوت، والكل مستني برعب رد فعل ياسين.
ياسين وقف على رجله بكبرياء القائد اللي مرعشتوش السنين، بص لساجد وابتسامة دافية غريبة ارتسمت على وشه لأول مرة من يوم ما رجع من الخدمة. شال ساجد بإيده الحديدية اللي فجأة مابقتش تترعش، وبقت كأنها درع حماية للولد.
​بص لصاحب المحل وقال بصوت قوي وصارم رجع فيه هيبة القائد:
​”الحساب كام يا أبو علي؟”
​أبو علي وصوته بيترعش:
​”حساب إيه يا سيادة القائد.. المحل وصاحبه تحت أمرك!”
​ياسين محركش راسه، ساب فلوس على الترابيزة، والتفت لساجد وقال له بهمس حاسم:
​”يلا يا بطل.. ورانا طريق طويل، وعقد قديم لازم يترد.”
​خرج ياسين من المحل وساجد على كتفه، والمرة دي مكنش بيهرب من نظرات الناس. كانت خطواته سريعة وقوية، ودراعه الحديدي بيلمع تحت نور قمر الليل، كأنه مابقاش رمز للعجز.. بل بقى السلا..ح اللي هيرجع بيه صاحبه من قلب الضلمة.بمجرد ما ابتعد ياسين وساجد عن زحمة الشارع وضوضاء المحلات، كأن الليل فرد سكونه وغموضه عليهم. ياسين كان ماشي بخطوات سريعة وواثقة، بس عقله كان شغال زي الآلة الحسبة؛ بيجمع الخيوط ويحلل الإشارات. هو قائد عسكري قديم، وعارف إن رجوع “أحمد” من الموت مش مجرد معجزة إنسانية، دي عملية معقدة وراها أسرار جهات تانية خالص.
​وصل ياسين لبيته القديم في أطراف القاهرة، شقة هادية بتفوح منها ريحة كتب قديمة وصور عسكرية معلقة على الحيطان. حط ساجد على الكنبة، والولد من كتر التعب والخوف اللي عاشهم الأيام اللي فاتت، عينه راحت في النوم بسرعة وهو لسه ماسك طرف جاكيت ياسين.
​قعد ياسين تحت إضاءة لمبة المكتب الخافتة، ومسك “الكلبش” (القلادة العسكرية) وبدأ يفحصه بدقة تحت عدسة مكبرة. عينيه مكانتش بتبص على الاسم، بل كانت بتدور على “التفاصيل الصغيرة” اللي اتعلم في المخابرات الحربية إنه يقراها.
​وفعلاً، شكه مكنش في غير محله!
تحت التاريخ المكتوب بخط اليد “١٧ يوليو”، كان فيه خدوش دقيقة جداً ومصفوفة بطريقة غريبة.. مكنتش خدوش عشوائية، دي كانت رموز مورس (Morse Code) محفورة بآلة حادة ودقة متناهية.
​ياسين جاب ورقة وقلم، وبدأ يترجم الرموز بتركيز شديد والدموع بتغلي في عينه:
​”الـقـطـاع ٤ – بـئـر الـغـمـوض – الـحـارس نـائـم”
​ياسين اتنفس بصوت مسموع وضرب بإيده السليمة على المكتب. “القطاع ٤” ده كان معسكر مهجور من أيام الحروب القديمة وسط جبال سينا الوعرة، منطقة بتسيطر عليها جماعات تهريب مسلحة وخارجة عن القانون. معنى الرسالة إن أحمد محبوس هناك، وتحديداً في منشأة تحت الأرض قريبة من بئر مياه قديم معروف لأهل المنطقة باسم “بئر الغموض”. وكلمة “الحارس نائم” تعني إن فيه ثغرة أمنية أو وقت محدد بيكون فيه الحرس مش في كامل تركيزهم.
​وفجأة.. وقبل ما ياسين يستوعب الخطة، سمع صوت حركة خفيفة بره باب الشقة.
​الحركة مكنتش لـ قطة أو جرسون، دي كانت خطوات منتظمة ومدروسة لـ حد محترف بيتحرك في الضلمة. ياسين سحب درج المكتب ببطء وطلع منه مسد..سه الخدمي القديم اللي محتفظ بيه، وعمر السلا..ح بصوت مكتوم.
​وقف ورا الباب، ونفسه هادي تماماً.. وفجأة، الباب اتخبط تلات خبطات سريعة، وبعدها خبطتين بطيئة.
دي مكنتش خبطة عشوائية.. دي كانت شفرة الأمان القديمة لكتيبتهم!
​ياسين فتح الباب بسرعة وهو رافع مسد..سه، ليلاقي قدامه راجل ملثم بلبس بدوي، وعينه بتلمع في الضلمة. الراجل نزل اللثام ببطء، وياسين برقت عينيه بذهول وصاح بصوت واطي:
​”سليمان؟! أنت عايش؟!”
​سليمان كان دليل الكتيبة البدوي اللي اختفى برضه في نفس المعركة، والكل افتكر إنه خانهم أو مات. سليمان بص لياسين بجدية وقال بنبرة سريعة وخايفة:
​”مفيش وقت للكلام يا قائد ياسين.. هما عرفوا إن الولد وصلك، ورجالة (الغراب) في طريقهم لهنا.. لازم نمشي حالاً، سينا بتناديك يا قائد، وأحمد ملوش غيرنا!”سليمان مكملش جملته إلا وصوت فرملة عربية قوية هز هدوء الشارع الضيق تحت البيت.
​ياسين بص من ورا طرف الستارة بحذر؛ عربية دفع رباعي سودة بزجاج فاميه وقفت، ونزل منها تلات رجالة ملامحهم حادة، حركتهم سريعة ومسلحين بمسد..سات كاتمة للصوت. كان واضح إنهم مش جايين يتفاوضوا، جايين يمحوا أي أثر للسر اللي ساجد شايله.
​”ياسين.. لازم نتحرك من السطوح، هما عارفين الشقة!” همس سليمان وهو بيبص لساجد النايم.
​ياسين محيرش نفسه بالتفكير. في ثواني، شال ساجد اللي لسه غرقان في نومه براحة وبحذر على كتفه اليمين المتأمن بدراعه الحديدي، وبإيده الشمال السليمة مسك مسد..سه. سليمان قاد الطريق بخفة وحذر لسلالم العمارة المؤدية للسطوح، وياسين وراه بخطوات عسكرية مدروسة بتكتم أي صوت.
​بمجرد ما رجليهم عتبت السطوح، سمعوا صوت كسر باب شقة ياسين في الدور اللي تحتهم.
​الهوا البارد بتاع الفجر ضرب وش ياسين، والمنظر من فوق السطوح كان كاشف لأسطح البيوت المجاورة الملزوقة في بعضها. سليمان شاور لياسين على نطّة واسعة بتفصل بين سطح بيتهم والبيت اللي جنبه:
​”من هنا يا قائد.. نط وراكبين طريق الجبل علطول، العربية مستنيانا في أول طريق السويس.”
​ياسين بص للمسافة.. المسافة مكنتش سهلة، خصوصاً وهو شايل طفل ودراعه تقيل، بس مكنش فيه بديل. سليمان نط الأول بخفة نمر جبلي، ولف يطمن على ياسين. ياسين خد نفس عميق، ضم ساجد لصدوره بدراعه الحديدي اللي قفل عليه كأنه قفص فولاذي، واخد خطوتين لورا ونط بكل قوته.
​هبط على السطح التاني بنجاح، بس الحديد عمل صوت رنة خفيفة على الأرضية الخرسانية. في نفس اللحظة، باب السطح اللي هربوا منه اتفتح بعنف، وظهر منه واحد من المسلحين وهو بيوجه سلا..حه عليهم.
​سليمان لمح الحركة وبسرعة البرق حدف سكين صغير كان مخبيه في جيبه طار في الهوا واستقر في كتف المسلح اللي صرخ ووقع سلا..حه من إيده.
​”جري.. بسرعة!” صرخ سليمان.
​نزلوا من سلم البيت التاني وخرجوا من ممر ضيق مأدي لشارع جانبي، وهناك كانت مستنياهم عربية نص نقل قديمة ومتربة، بتموه شكلها كأنها عربية نقل بضائع عادية. ركبوا بسرعة، وسليمان دور الموتور وطلع بأقصى سرعة والتراب وراهم بيقفل المشهد.
​بعد ساعة من السواقة الصامتة والسريعة، بدأت أضواء القاهرة تختفي، وبدأت سلاسل جبال سينا تظهر في الأفق مع خيوط الفجر الأولى اللي بتشق الضلمة.
​ساجد بدأ يقلق ويفتح عينيه ببطء، بص لياسين وقال بصوت ناعس وخايف:
​”عمو ياسين.. احنا رايحين لبابا؟”
​ياسين بص للولد، وحط إيده الحديدية الدافية من حرارة الجو على راسه، وبسمة هادية وواثقة ارتسمت على وشه لأول مرة من سنين:
​”آه يا بطل.. رايحين نجيب البطل الكبير وراجعين.”
​التفت ياسين لسليمان اللي كان باصص للطريق وعيونه مليانة قلق، وسأله بنبرة حاسمة:
​”سليمان.. مين اللي مشغل الرجالة دي؟ ومين اللي مصلحته ‘أحمد’ ميرجعش صاحي؟”
​سليمان اتنهد تنهيدة طويلة ومسك الدريكسيون بقوة وقال وصوته فيه نبرة خوف حقيقية:
​”الموضوع أكبر من مجرد أسر يا قائد.. أحمد معاه ‘مفتاح’ لملف شفرات قديم، لو الملف ده اتفتح، فيه رؤوس كبيرة هنا وفي جهات تانية هتقع.. الناس دي مش هتهدا إلا لما تدفن أحمد.. وتدفنا معاه.”كلمات سليمان نزلت في صالون العربية الضيق زي الشحنة الكهربية. ياسين ملمحوش أي تراجع؛ بالعكس، نبرة التحدي والصرامة زادت في عينيه. بص لدراعه الحديدي اللي كان بيعكس أشعة الشمس الذهبية اللي بدأت تطلع وتكشف جبال سينا الحمراء الواعرة، وقال بصوت هادي وقاتل:
​”الرؤوس الكبيرة دي هي اللي باعت أحمد في المقام الأول يا سليمان. أنا عشت سنين ميت بالذنب، والنهاردة بس عرفت إن ذنبي الحقيقي إني صدقت ورقتهم الرسمية ونعيهم ليه. لو كان التمن هو رقابنا.. فأحمد يستاهل نموت عشانه، بس مش قبل ما نرجعه للحياة.”
​سليمان ابتسم نص ابتسامة فيها احترام وخوف في نفس الوقت، وحود بالعربية فجأة في مدق جبلي وعر، بعيد تمامًا عن الطريق الإسفلتي الرئيسي عشان يتجنبوا الكماين ونقاط التفتيش. العربية كانت بتتهز بعنف فوق الحصى والصخور الكبيرة، وساجد كان ماسك في دراع ياسين الحديدي بقوة وهو بيبص من الشباك على الجبال الشاهقة بدهشة طفولية بريئة.
​”إحنا كدا داخلين منطقة نفوذ ‘الغراب'”، قال سليمان وهو بيمور العربية ويهدي السرعة عشان يقلل عفرة التراب. “الغراب ده مش اسم شخص، ده لقب قائد المليشيا اللي مسيطرة على القطاع ٤. الراجل ده مبيشتغلش لوحده، وراه شبكة بتشتري وتبيع في أسرار الحرب. بئر الغموض تحت حراسة مسلحة على مدار ٢٤ ساعة، ومستحيل ندخل من الباب الرئيسي.”
​ياسين فتح شنطة قديمة كانت مع سليمان في العربية، وطلع منها خريطة تكتيكية عسكرية قديمة لسينا. فردها على ركبته، وبدأ يدرس تضاريس المنطقة بتركيز شديد:
​”القطاع ٤ كان نقطة إمداد حصينة زمان. فيه نفق تهوية قديم وممر سري تحت الأرض بيوصل مباشرة لخزان المياه القريب من بئر الغموض. الممر ده كان بيستخدم للهروب الاضطراري، وأكيد المليشيا دي متعرفش عنه حاجة لأنه اتقفل جزئياً بعد الحرب.”
​سليمان بص لياسين ببريق أمل:
​”قصدك ندخلهم من تحت الأرض؟”
​”بالظبط”، رد ياسين وهو بيشاور بأصبعه على نقطة في الخريطة. “بس عشان نوصل لفتحة النفق، لازم نعدي من ‘ممر الموت’.. والممر ده مكشوف ومراقب بقناصة ثابتين على التباب.”
​فجأة، وقبل ما سليمان يرد، سمعوا صوت زنة منتظمة ومزعجة بتزيد قرباً وبتخترق هدوء الصحراء الموحش.
​ياسين برق عينيه وبص من الشباك للسما، ووشه اتخطف:
​”طائرة درون! (طائرة بدون طيار).. رصدونا يا سليمان! دوس بنزين، أقصى سرعة عندك!”
​سليمان كبس دواسة البنزين بكل قوته، وموتور العربية صرخ وهي بتندفع وسط الغبار والمنحنيات الخطيرة، والدرون بدأت تلاحقهم من فوق كأنها طير جارح مستعد للانقضاض، وفي لحظة.. انطلقت أول قذيفة صغيرة من الطيارة وانفجرت على بعد أمتار قليلة من العربية، لتطير شظايا الصخور وتخترق الزجاج الخلفي!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *