جواز بقرار اداري

ضربات قلبك كانت بتدب في صدرك زي الطبول، وصوت الموظفين اللي بره بدأ يظهر ويدخل في ودنك تدريجيًا وأنتِ لسه متعلقة على كتفه زي الشوال. للحظة، عقلك وقف عن التفكير.. “هو بجد واخدني وخارج بيا قدام الشركة كلها؟ البرستيج! هيبتي وسط البنات في مكتب العلاقات العامة راحت في داهية!”
​حاولتِ ترفعي راسك شوية عشان تبصي على الممر، وفعلاً، بمجرد ما عاصم خطى أول خطوة بره باب مكتبه الكبير، الممر كله اتقلب لتمثال شمع. السكرتيرة رانيا، اللي كانت واقفة ماسكة مج النسكافيه وبتتكلم مع زميلتها، المج وقف على بوقها وعينيها اتسعت لآخرهم وكأنها شافت كائن فضائي نزل في ريبسشن الشركة. الموظفين اللي كانوا بيتحركوا بين المكاتب اتسمروا في مكانهم، والهمسات بدأت تطلع زي فحيح الثعابين.
​”يا عاصم! نزلني يهديك يرضيك! الفضيحة بقت بجلاجل!” همستِ بصوت واطي ومكتوم وأنتِ بتخبطي ببطء على ضهره، خايفة تضربي جامد فيتحول من حالة “التسلية” لحالة “المدير العصبي” اللي الكل بيترعب منه.
​عاصم مكنش هنا خالص. كان ماشي بخطوات واسعة، واثقة، وجزمتة الإيطالي بتعمل صوت “تك.. تك.. تك” منتظم على أرضية البورسلين اللامعة، وصوت جرس الأسانسير رن في نهاية الممر وكأنه بيعلن عن اقتراب لحظة الحسم.
​سكت ثانية، وبعدين مال براسه سنة صغيرة ناحيتك وهو لسه ماشي، وبنبرة صوت هادية ومستفزة سمعتيه بيقول: “فضيحة؟ تؤ.. دي تسمى إعادة هيبة يا حرمنا المصون. وبعدين مش أنتِ اللي شايفة إن تامر بتاع الحسابات أحن مني؟ تفتكري تامر لو مكانك كان هيقدر يشيلك الشيلة دي كلها ويمشي بيكي وسط الناس؟ أشك بصراحة.. الواد رفيع وميتحملش.”
​”عاصم! بلاش غتاتة بقى، الموظفين بيبصوا علينا! رانيا سكرتيرتك شكلها هيغمى عليها من الصدمة، بكره الصبح الخبر هيبقى على جروب الـ WhatsApp بتاع الشركة كلها!” قلتيها وأنتِ بتحاولي تداري وشك بكفوف إيدك، حاسة إن وشك سخن لدرجة إنه ممكن يولع من كتر الكسوف.
​”خليهم يبصوا.. خليهم يعرفوا إن اللي بتقرب من مكتب المدير، أو بتفكر مجرد تفكير تتنازل عن خدماته، بيبقى ده مصيرها.” قالها وهو بيضغط بصباعه على زرار الأسانسير الخاص بالمديرين. الباب اتفتح بسرعة وكأن القدر بيساعده في خطته. دخل بيكي وقفل الباب، وأول ما الباب المقفول عزلكم عن عيون الفضوليين، الهوا رجع لصديرك تاني، بس لسه الهبوط الأرضي مأثر عليكي بسبب الوضع المقلوب.
​”نزلني بقى! راسي صدعت والدم كله هرب لفوووق!” صرختِ بقلة حيلة.
​عاصم ضحك ضحكته الرجولية الدافية اللي بتدوب الجليد، وبحركة واحدة سريعة ومفاجئة، نزلك من على كتفه وسندك على جدار الأسانسير المراية. حط إيديه الاتنين على الجدار حوالين كتافك، وحاصرك بالكامل. ريحة البرفان بتاعه المميزة والقايمة مالت المكان، وعينيه العسلي الغامقة كانت بتلمع ببريق غريب.. مزيج من الرغبة في إنه يضايقك، والعاطفة اللي دايمًا بيخبيها ورا قناع الجدية.
​بصيتِ له وأنتِ بتاخدي نفسك بصعوبة، وشعرك كان متبهدل ونازل على وشك. رفعتِ إيدك ورجعتِ خصلات شعرك ورا ودنك وأنتِ بتحاولي تباني قوية وواقفة على أرض صلبة: “أنت فاكر نفسك بتخوفني؟ على فكرة بقى، الحركة دي مفيهاش أي رومانسيّة! دي بلطجة رسمية!”
​عاصم قرب وشه منك أكتر، لدرجة إنك حسيتِ بأنفاسه السخنة على خدك. “بلطجة؟ ماشي يا سما.. هعديها بمزاجي. بس قوليلي.. تامر بتاع الحسابات بقى بيعمل إيه عشان يبقى رومانسي؟ بيجيبلك ورد بلدي بعشرة جنيه وهو جاي الصبح؟ ولا بيبعتلك قلوب على الإيميل الداخلي للشركة؟”
​بلعتِ ريقك وحسيتِ إنك اتدبستِ دسة غبية. “أنا.. أنا كنت بهزر! كنت بفضفض مع نفسي عشان زهقت من الانتظار. أنت اتأخرت عليا والوقت كان بيجري والمناقصة كانت هتضيع!”
​”أنا متأخرتش.. أنا جيت في وقتي بالظبط عشان أسمع أحلى كلام.” عاصم رجع خطوة لورا وحط إيديه في جيوب بنطلونه، وعينيه لسه مركبة عليكي زي الرادار. “عمومًا، عقابك مش هيبقى هنا. عقابك هيبدأ من أول ما نركب العربية. المناقصة والورق هراجعهم في البيت.. معاكي أنتِ.”
​جرس الأسانسير رن تانى، والباب اتفتح على الجراج الخاص بالشركة تحت الأرض. عاصم أشارلك بإيده تخرجي قدامه: “اتفضلي يا مدام.. قدامي على العربية.”
​خرجتِ وأنتِ بتجرجري رجليكِ، حاسة إن الليلة دي مش هتعدي على خير أبدًا. ركبتِ الكرسي اللي جنب السواق، وعاصم ركب ورا المقود بنفسه، بعد ما أشار للسواق بتاعه إنه يروح ويركب عربية تانية. الصمت اللي ساد جوه العربية وهو بيشغل الموتور كان صمت يخوف.. صمت بيسبق العاصفة.
​العربية كانت بتجري في شوارع القاهرة السريعة، الإضاءة بتاعة أعمدة النور في شوارع المعادي كانت بتنعكس على الإزاز، وتعمل خطوط ضوء سريعة على وش عاصم اللي كان مركز في الطريق وبيدندن بصوت واطي جداً مع أغنية قديمة لأم كلثوم شغالة في الكاسيت.
​حاولتِ تفتحي كلام عشان تكسري حدة التوتر: “عاصم.. بجد، أنت مش زعلان صح؟ أنت عارف إني بحبك ومقدرش أبص لحد غيرك.. موضوع تامر ده كان مجرد نكتة سخنة لأن الواد فعلاً رغاي وبيقف يقول صباح الخير لكل الناس.”
​عاصم باص ليكي بطرف عينه ورجع بص للطريق تاني: “مش زعلان يا سما.. أنا مباستخسرش في نفسي الزعل. أنا بس بفكر.. تفتكري لو نقلت تامر فرع أسوان بكره الصبح، هيكون لسه دمه خفيف وبيوزع ابتسامات هناك في الشمس؟”
​”أسوان؟!” شهقتِ وحطيتِ إيدك على بوقك. “حرام عليك يا عاصم! الواد ملوش ذنب! أنا اللي لسانى طويل وكنت بهلفط بأي كلام! متقطعش عيشه بسببي!”
​”أهو ده اللي بيخليني أغير رأيي.. بتدافعي عنه أهو.” قالها بنبرة صوت باردة بس كان باين في عينيه إنه بيستمتع بتعذيبك النفسي. “عموماً، مصير تامر في إيدك أنتِ. على حسب شطارتك النهاردة في البيت، وعلى حسب إزاي هتقدري تصالحيني وتثبتيلي إن جوزك ‘البارد وغير الرومانسي’ هو الوحيد اللي يستاهل يملى عينك.”
​العربية دخلت في شارع هادي وضلمة شوية، ووقفت قدام باب الفيلا بتاعتكم في التجمع. البوابة الحديد الكبيرة اتفتحت بالريموت، وعاصم دخل العربية وركنها. وقبل ما تلحقي تفتحي الباب عشان تنزلي، لقيتيه قفل الأبواب بالسنتر لوك.
​”عاصم؟” بصيتِ له بقلق.
​لف بجسمه كله ناحيتك، وفك أول زرارين من قميصه، وبص ليكي بنظرة كلها تملك: “من اللحظة دي.. مفيش مدير وموظفة. مفيش شركة ومناقصة. في عاصم وسما وبس. تفتكري هنبدأ المصالحة منين؟”
​وقفتِ لثواني مش عارفة تقولي إيه، دقات قلبك كانت سريعة جداً لدرجة إنك خفتِ يكون سامعها. “أنا.. أنا ممكن أعملك العشا اللي بتحبه! مكرونة بالبشاميل.. سخنة ومحمرة ومن إيدي!”
​عاصم رفع حاجبه بابتسامة غامضة: “مكرونة بالبشاميل؟ ممم.. عرض مغري. بس تفتكري صينية مكرونة هتكفي قصاد إنك كنتِ عايزة تستبدليني بـ ‘تامر’؟”
​”خلاص بقى يا عاصم متقولش الاسم ده تاني!” قلتيها بدلع وأنتِ بتقربي منه وتمسكي ياقة قميصه برقة. “أنا أسفة.. أنت سيد الرجالة كلهم، ومفيش حد في الدنيا يملى عيني غيرك. ده أنت عاصم الشرقاوي.. اللي البنات في الشركة بيموتوا بس عشان يبصلهم.”
​كلامك ريح غروره الرجولي شوية، وابتسامته بقت أوسع وأحن. مد إيده ولمس خدك بظهر صوابعه بحنان مفاجئ، الحركة دي خلت جسمك كله يقشعر. “طيب.. هفتحلك الباب ونطلع فوق. بس حسابنا لسه مخلصش يا مدام.”
​فتح السنتر لوك، ونزلتِ بسرعة وجريتِ على باب الفيلا وهو ماشي وراكي بخطوات هادية ومستمتع بالمنظر. دخلتوا الفيلا، والهدوء كان مغطي المكان. الأنوار الهادية كانت منورة الصالة الكبيرة.
​رميتِ شنطتك على الكنبة الكبيرة وقلتِ بنبرة متحمسة عشان تهربي من المواجهة: “أنا هيدخل المطبخ فوراً أجهز الأكل! وأنت اطلع غير هدومك الميري دي والبس حاجة مريحة.”
​”ماشي يا سما.. هسيبك تهربي للمطبخ شوية. بس متتأخريش، عشان الجوع عندي واصل لآخره.. ومش جوع أكل بس.” قالها بنبرة ذات مغزى وهو بيغمزلك وبيتجه للسلم الخشبي اللي بيطلع للدور الثاني.
​في المطبخ، كنتِ بتتحركي بسرعة زي النحلة. طلعتِ اللحمة المفرومة، والمكرونة، وبدأتِ تعملي البشاميل اللي عاصم بيموت في طعمه من إيدك. الحقيقة إنك رغم لسانك الطويل وشقاوتك، إلا إنك كنتِ بتحبيه جداً. الجواز اللي بدأ كأمر واقع وترتيب عائلات، تحول مع الوقت لقصة عشق حقيقية، بس كبرياء عاصم وطبعه العملي الصارم كان دايماً بيخليكِ تحسي إنه محتاج “هزة” عشان يطلع مشاعره، والظاهر إن هزة النهاردة كانت قوية بزيادة!
​وأنتِ بتقلبي البشاميل، حسيتِ بحركته وراكي. مكنش ليه صوت وهو ماشي حافي على الأرض الباركيه. فجأة، لقيتِ إيدين دافية لفت حوالين وسطك من ضهرك، ودقنه اتسندت على كتفك. عاصم كان غير هدومه ولبس تيشيرت أسود خفيف وبنطلون قطن مريح، ريحة الشاور بتاعه كانت مغرقة المكان.
​”البشاميل ريحته تجنن.. بس صاحبة البشاميل ريحتها أحلى.” همس في ودنك وهو بيبوس كتفك المكشوف برقة.
​حاولتِ تركزي في الحلة قدامك وقلتِ بصوت مرعش شوية: “عاصم.. بلاش شقاوة عشان البشاميل ميكلكعش. سيبني أخلص.”
​”يكلكع.. مش مهم.” لف جسمك ليه بالراحة لغاية ما بقيتي مواجهة ليه، وضهرك ساند على رخامة المطبخ. عينيه كانت ناعمة جداً دلوقتي، مفيهاش أي أثر للغضب أو التهديد اللي كان بره. مسك إيدك اللي فيها المعلقة وحطها على الرخامة، وقرب منك لغاية ما مكنش فيه أي مسافة بينكم.
​”سما.. أنتِ بجد شايفة إني مش رومانسي؟” سألك بصوت واطي ومليان حنان حقيقي.
​بصيتِ في عينيه وحسيتِ بصدقه، فقررتِ تكوني صريحة: “عاصم.. أنت دايماً مشغول. دايماً في الشغل رسمي وجاد، وحتى في البيت بتفضل تفكر في الصفقات والمناقصات. أنا ساعات بحس إني متجوزة ‘المدير التنفيذي’ مش عاصم حبيبي وجوزي. أنا بنت.. وبحب أسمع كلام حلو، بحب أحس إنك مهتم بيا كأننا لسه بنحب بعض في السر.”
​عاصم سكت لثواني، وظهرت على وشه علامات الندم البسيط. مشى صوابعه في شعرك وطبطب على راسك: “أنا أسف يا سما.. يمكن الشغل وضغطه بياكلوني شوية، بس ده كله عشان أأمن لينا حياة مفيهاش أي نقص. بس ده مش مبرر.. عندك حق. أنا فعلاً مقصر.”
​فجأة، ملامحه اتغيرت لابتسامة شقية تاني وقال: “بس موضوع تامر ده.. تفتكري عقابه إيه؟”
​”يوووه بقى! رجعنا لتامر تاني!” ضحكتِ وضربتيه في صدره بخفة. “قولتلك بهزر!”
​”بهزر دي تقوليها لما نكون بنلعب طاولة.. إنما في حرم عاصم الشرقاوي، الكلمة بحساب.” شالك فجأة تاني وحطك فوق الرخامة بتاعة المطبخ عشان تكوني في مستوى طوله بالظبط. “دلوقتي.. وأنتِ قدامي كده.. عايز أسمع اعتراف كامل. مين الرومانسي؟ ومين اللي مالي قلبك وعقلك؟”
​بصيتِ في عينيه وقلتِ بدلع ودلال مصري أصيل: “أنت طبعاً يا عاصم.. مفيش غيرك يا سيد الرجالة كلهم. أنت حبيبي وأخويا وجوزي ومديري اللي بيطلع عيني في الشغل بس بموت فيه في البيت.”
​عاصم ابتسم ابتسامة وسيمة جداً وقرب وباس جبينك برقة، وبعدين همس قدام شفايفك: “أيوا كده.. دي سما اللي أنا عارفها وبحبها.”
​وقبل ما اللحظة الرومانسية تكمل، ريحة غريبة بدأت تطلع من البوتاجاز.
​”عاصم! البشاميل شاط!” صرختِ وأنتِ بتحاولي تزقيه وتنزلي من على الرخامة.
​عاصم ضحك بصوت عالي جداً وهو بيشيلك ينزلك الأرض: “مش قولتلك.. البشاميل يكلكع، يشيط.. مش مهم. المهم إننا نصالح بعض الأول.”
​قفلتي البوتاجاز بسرعة وأنتِ بتندبي حظك: “أهو البشاميل باظ! هنعمل إيه دلوقتي في العشا؟”
​عاصم مسك إيدك وغمزلك: “جهزي نفسك.. هنخرج نتعشى بره. في مكان رومانسي جداً.. ومفيش فيه أي حد اسمه تامر.”
​ضحكتِ من قلبك وحضنتيه جامد: “ماشي يا سيدي.. هروح أغير هدومي وألبس الفستان الأسود اللي بتحبه.”
​”وأنا مستنيكي.. بس متتأخريش، عشان أنا صبري قليل النهاردة.” قالها وهو بيبص ليكي بنظرة خلتك تجري على السلم بسرعة وأنتِ حاسة بسعادة ملوش حدود.
​بعد نص ساعة، كنتِ واقفة قدام المراية بتظبطي الفستان الأسود الشيفون الطويل اللي كان مجسم عليكي ومبين رشاقتك، وحطيتِ روج أحمر هادي ولمسات ميكب خفيفة برزت جمال عيونك. وأنتِ بتحطي السلسلة الفضة اللي هو جابهالك في عيد ميلادك، شفتِ انعكاس صوته في المراية وهو واقف عند الباب لابس قميص أبيض كلاسيك وبنطلون أسود، وكان شكله وسيم لدرجة تخطف العين.
​”ما شاء الله.. تبارك الخلاق فيما خلق.” قالها بصوت دافي وهو بيقرب ويقف وراكي. أخد السلسلة من إيدك المقفولة وقفلها هو بنفسه حول رقبتك، وباس كتفك برقة. “أنتِ بجد بتاكلي عقلي يا سما.”
​”أنت اللي شكلك يجنن النهاردة.. كأننا رايحين فرحنا من أول وجديد.” قلتيها وأنتِ بتلفي وتبصي له بحب.
​”هو فعلاً فرحنا من أول وجديد.. وكل يوم معاكي هو فرحة جديدة.” مسك إيدك وباسها برقة، وخرجتوا من الأوضة ونزلتوا السلم مع بعض.
​ركبتوا العربية تاني، بس المرة دي الجو كان مختلف تماماً. مكنش فيه أي شد أو توتر، المزيكا كانت هادية وعاصم كان ماسك إيدك طول الطريق وبيمسح عليها بصابعه برقة، كأنه بيأكد ليكي و لنفسه إنك ملكه وبس.
​العربية وقفت قدام مركب صغير وراقي جداً على النيل في الزمالك. المكان كان محجوز بالكامل ليكم، الأنوار الخافتة والشموع كانت منورة الترابيزة اللي في النص بالظبط على النيل، وصوت المية الهادي مع نسمة الهوا الطرية بتاعة بليل كانت عاملة جو خيالي.
​”عاصم.. أنت حجزت المكان ده كله لينا؟” سألتيه بذهول وأنتِ بتبصي حواليكي.
​”قولتلك.. مفيش حد بيشاركني فيكي، ولا حتى بالنظر. الليلة دي ليلتنا لوحدنا.” سحب ليكي الكرسي وقعدتِ، وهو قعد قدامك وعينيه مش بتفارق وشك.
​العشا نزل، وكان عبارة عن أكلات بحرية فاخرة وجميلة. طول القاعدة عاصم كان بيتكلم معاكي بحنان ويضحك معاكي من قلبه، مكنش فيه أي أثر للمدير الصارم بتاع الصبح. حسيتِ فعلاً إن الكاميرا اللي في المكتب كانت بركة، لأنها طلعت كل المشاعر اللي كانت مستخبية جواه.
​”سما..” عاصم قالها فجأة وهو بيمسك كاس العصير بتاعه وبيبص ليكي بجدية.
​”نعم يا حبيبي؟”
​”أنا بوعدك.. من النهاردة، الشغل هيفضل في الشركة. أول ما أدخل من باب البيت، هبقى عاصم بتاعك وبس. مش هسيبك تحسي ثانية واحدة بالملل أو الإهمال تاني. بس بشرط..”
​”شرط إيه؟” سألتيه بابتسامة شقية.
​”تامر بتاع الحسابات يتنقل فرع الإسكندرية.. مش أسوان. عشان أكون حنين برضه ومقطعتش عيشه.” قالها وضحك ضحكة قوية خلتك تضحكي معاه من قلبك.
​”ماشي يا سيدي.. موافقة! الإسكندرية حلوة برضه وفيه بحر وهوا.”
​السهرة خلصت ورجعتوا البيت والضحكة مش مفارقة وشوشكم. وأنتِ داخلة من باب الفيلا، عاصم قفل الباب وراكم وشالك فجأة تاني بين إيديه بحنان وأنتِ بتضحكي بصوت عالي: “عاصم! تاني؟”
​”تاني وتالت وعاشر.. لحد ما تحفظي مكانك بالظبط فين.” طلع بيكي السلم ودخلتوا الأوضة، وحطك على السرير برقة وقرب منك وهمس في ودنك بصوت كفيل يدوب الحجر: “الليلة.. هثبتلك فعلاً مين فينا الرومانسي.. ومين اللي هيفضل لسانها عاجز عن الكلام من كتر الحب.”
​وبين همسات الحب ونسمات الليل الدافية، تلاشت كل المخاوف والزعل، وبقت دقات قلوبكم هي الصوت الوحيد اللي بيعبر عن العشق اللي بينكم، عشق مكنش محتاج وعود.. كان محتاج بس لحظة صدق حقيقية.
​صحيتِ الصبح على ريحة قهوة تجنن وصوت فيروز البسيط اللي مالي الأوضة. فتحتِ عينك ببطء ولقيتِ الشمس دافية وداخلة من الشباك، وجنبك على السرير كان فيه صينية صغيرة عليها فنجان قهوة تركي مظبوطة وقطعة كرواسون، ومعاها وردة حمراء بلدي شكلها يجنن وريحتها مالية المكان.
​مسكتِ الوردة بابتسامة ولقيتِ تحتها ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط عاصم القوي والمنظم:
“صباح الخير يا حرم عاصم الشرقاوي.. القهوة دي من إيد ‘المدير غير الرومانسي’. مستنيكي في الجنينة عشان نفطر سوا قبل ما نروح الشركة.. والنهاردة المناقصة هتتمضي يعني هتتمضي، بس بمزاجنا.”
​ضحكتِ من قلبك وحسيتِ إن الدنيا كلها مش سيعاكي من الفرحة. قمتِ بسرعة، غسلتِ وشك ولبستِ فستان صيفي خفيف وأنيق، ونزلتِ الجنينة جري.
​لقيتِ عاصم قاعد على التربيزة الخشب تحت الشجرة الكبيرة، لابس نظارة شمس وساند ضهره لورا وبيشرب قهوته وهو بيقرا الجرنال. أول ما شافك، قلع النظارة وابتسم الابتسامة اللي بتخطف قلبك: “صباح الورد والياسمين على أحلى وأشقى زوجة في الدنيا.”
​جريتِ عليه وحضنتيه من ضهره وبستِ خده: “صباح النور يا روحي.. بجد مفاجأة تجنن، القهوة والوردة يجننوا!”
​”ده أقل حاجة عندي.. لسه اللي جاي أحسن.” قعدك على الكرسي اللي جنبه وبدأ يأكلك بإيده بحنان.
​بعد ما خلصتوا الفطور، عاصم بص في ساعته وقال بجدية ممزوجة بشقاوة: “يلا بينا يا مدام.. الشغل بينادي، والنهاردة عندنا يوم طويل في الشركة.”
​”يلا بينا!”
​ركبتوا العربية ووصلتوا الشركة. وبمجرد ما دخلتوا من الباب الكبير، عاصم رجع لتقمصه لشخصية “المدير الصارم”. مشى بخطوات سريعة وواثقة وهو بيبص للموظفين ببرود، وأنتِ ماشية وراه بخطوة ونص وكاتمة ضحكتك بالعافية وأنتِ شفتِ السكرتيرة رانيا بتبص ليكي بنظرات كلها تساؤل وفضول هيموتها، والكل كان بيموت ويعرف إيه اللي حصل بليل وإزاي المدير شالك ومشي بيكي كده.
​دخلتوا المكتب، وعاصم قفل الباب وراه. وبمجرد ما الباب اتقفل، ملامحه الجادة اختفت تماماً ولفت ليكي بابتسامة خبيثة: “جاهزة للمناقصة يا بشمهندسة سما؟”
​”جاهزة يا فندم!” قلتيها وأنتِ بتأدي التحية العسكرية بضحك.
​قعدتوا على المكتب وبدأ يدقق في الملفات وأنتِ بتشرحي له النقط الفنية بكل احترافية. عاصم كان بيبص ليكي بفخر شديد وهو شايفك شاطرة وذكية في شغلك، ومكنش بيقدر يخبي نظرات الإعجاب اللي في عينيه.
​وفجأة.. الباب خبط.
​عاصم رجع لملامحه الجادة بسرعة وقال بصوت قوي: “ادخل!”
​الباب اتفتح.. ودخل تامر بتاع الحسابات!
​تامر كان واقف ووشه أصفر ومتبهدل، وماسك في إيده ملف حسابات وهو بيبلع ريقه برعب: “صباح الخير يا فندم.. ده.. ده تقرير المصاريف اللي حضرتك طلبته.”
​عاصم باص لتامر بنظرة باردة جداً ومرعبة، ورفع حاجب واحد وهو بيبص للملف وبعدين بص لتامر: “أه.. تامر. أهلاً بك.”
​تامر حس بركبه بتخبط في بعضها وبص ليكي بنظرة رجاء كأنه بيستنجد بيكي، وأنتِ كنتِ هتموتي وتضحكي وحاطة إيدك على بوقك عشان تداري الضحكة.
​عاصم قام وقف ووقف قدام مكتبه وسند عليه وهو بيبص لتامر ببرود: “سامع إنك نشيط جداً يا تامر.. وبتحب توزع ابتسامات وصباح الخير على الموظفين من الصبح بدري.”
​تامر بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مرعش: “أنا.. أنا يا فندم؟ ده.. ده واجب الزمالة بس والله.. مفيش أي حاجة تانية!”
​عاصم قرب منه خطوة، وتامر رجع خطوة لورا تلقائياً. عاصم طبطب على كتف تامر بقوة خلت تامر يتخض: “عشان كده.. أنا قررت أكافئ نشاطك ده. فرع الإسكندرية محتاج ناس نشيطة ومبتسمة زيك كده بالظبط عشان يفتحوا نفس العملاء هناك في الرطوبة. قرار نقلك هيصدر بكره الصبح.. مع ترقية بسيطة طبعاً عشان متقولش إننا بنظلم حد.”
​تامر وشه جاب ألوان الطيف كلها، وبص لعاصم وبعدين بص ليكي وهو مش فاهم حاجة: “الإسكندرية يا فندم؟ بس.. بس أنا حياتي كلها هنا في القاهرة!”
​عاصم ابتسم ابتسامة باردة جداً وقال بنبرة مفيهاش نقاش: “الإسكندرية هواها جميل وبحرها هيريح أعصابك يا تامر. اتفضل على مكتبك جهز ورقك.. والقرار هيوصلك بكره.”
​تامر خرج من المكتب وهو شبه مغمى عليه ومش فاهم هو عمل إيه في دنيته عشان يتنفي للإسكندرية فجأة كده. وبمجرد ما الباب اتقفل وراه، المكتب انفجر بصوت ضحكك العالي لدرجة إنك ساندتِ على المكتب وأنتِ بتدمعي من كتر الضحك.
​”حرام عليك يا عاصم! الواد كان هيموت من الرعب! شكله بقاله ليلتين منامش من كتر الخوف!”
​عاصم ضحك هو كمان وقعد على كرسيه بانتصار: “أهو كده عشان يتعلم يبص قدامه وهو ماشي، وميوزعش ابتسامات على ممتلكات غيره.” قرب منك ومسك إيدك وشدك عليه لغاية ما قعدتِ على رجله: “دلوقتي بقى.. خلصنا من تامر.. تفتكري هنعمل إيه في الويك إند اللي جاي؟”
​بصيتِ له بحب وشغف وقلتِ: “أي حاجة معاك هتبقى جميلة يا عاصم.. طالما إحنا سوا.”
​عاصم باس كف إيدك بحنان وقال بصوت مليان وعد صادق: “أوعدك يا سما.. كل يوم جاي هيبقى أحلى من اللي قبله.. والمدير غير الرومانسي ده هيموت وهيطلع مكانه عاصم اللي بيموت فيكي وبس.”
​ومع الضحكة والوعد ده، حسيتِ إن حياتك بجد اتغيرت، وإن الحب اللي بدأ في السر والخفاء، بقى هو النور اللي بينور طريقكم سوا.. طريق مفيش فيه مكان لأي حد غيركم انتوا الاتنين وبس.الضحكة مكنتش لسه فارقت وشك وأنتِ قاعدة على رجله وسط مكتبه الفخم، والجو بينكم كان كله هدوء وأمان، لحد ما فجأة وبدون أي مقدمات، الباب خبط خبطة قوية وسريعة خلتكم أنتوا الاتنين تتنفضوا من مكانكم.
​في ثانية واحدة، كنتِ قايمة واقفة وبتعدلي فستانك بسرعة والدم كله هرب من وشك، وعاصم في لمح البصر رجع لورا على كرسيه، وملامحه الدافية والشقية اتمسحت واتحولت لوش الخشب الصارم اللي الشركة كلها بتترعب منه. أخد نفس عميق، وعدل ياقة قميصه الأبيض، وقال بصوت جهوري يزلزل الأوضة: “ادخل!”
​الباب اتفتح ودخلت رانيا السكرتيرة، ووشها كان جايب ألوان، ماسكة تابلت في إيدها وبتقول بصوت بيترعش: “عاصم بيه.. أنا آسفة جداً إني قطعت حضرتك، بس الحاج إسماعيل الشرقاوي، والد حضرتك.. تحت في الريسبشن الكبير ومعاه عم حضرتك البشمهندس توفيق، وطالعين حالا على مكتبك!”
​أول ما سمعتِ اسم “الحاج إسماعيل”، ركبك سابت وبصيتِ لعاصم بصدمة. الحاج إسماعيل هو أساس العيلة وكبيرها، وهو صاحب فكرة الجوازة دي والراجل اللي كلمته متمشيش الأرض أبدًا. عاصم نفسه قام وقف من على كرسيه، وملامحه الجادة زادت حدة بس ظهر فيها احترام وهيبة كبيرة للراجل اللي داخل.
​”هما وصلوا المبنى؟” عاصم سألها وهو بيقفل جاكيت بدلته الكحلي.
رانيا ردت وهي بتبص في التابلت: “أيوة يا فندم، الأسانسير الخاص فتح بيهم حالا في الدور بتاعنا.”
​عاصم بص ليكي بسرعة وقال بنبرة واضحة ومفهاش نقاش: “سما.. اطلعي من الباب الجانبي بتاع غرفة الاجتماعات فوراً، وروحي على مكتبك. مش عايز جدي أو عمي يشوفوكي هنا في مكتبي لوحدنا والباب مقفول، أنتوا عارفين جدي ودماغه الصعيدية القديمة، لو شم خبر إننا بنهزر في وقت الشغل أو إن الجوازة قلبت حب من وراهم، هيعملنا موال مش هيخلص، وممكن يقرر ينقل برضه حد فينا!”
​”حاضر حاضر.. أنا جارية!” قلتيها وأنتِ بتلمي ورق المناقصة بسرعة البرق، وجريتِ على الباب الخارجي المستخبي ورا الستارة، وقبل ما تفتحي الباب، عاصم غمزلك غمرة سريعة خلت قلبك يدق، وقال بصوت واطي: “نتقابل في البيت يا مدام.. حسابنا لسه مخلصش.”
​خرجتِ من الباب الجانبي ودخلتِ الممر الطويل، وفضلتي ماشية بسرعة لحد ما وصلتي لمكتبك الصغير في قسم التصميم والهندسة. قعدتِ على الكرسي وأنتِ بتاخدي نفسك بصعوبة وحاطة إيدك على صدرك، وبدأتي تبصي للشاشة وتعملي نفسك مركزة في اللوحات والمشاريع، بس عقلك ومخك كله كان هناك.. في المكتب الكبير.
​مرت حوالي ساعتين وأنتِ على نار، مش عارفة إيه اللي بيحصل فوق، لحد ما لقيتي تليفون مكتبك الداخلي بيرن. رفعتِ السماعة بسرعة وقلتِ: “ألو؟”
جالك صوت عاصم، بس المرة دي مكنش صوت حبيبتك.. كان صوت “المدير العام”: “البشمهندسة سما؟ هاتي معاكي لوحات مشروع ‘أبراج النيل’ وتعالي فوراً على قاعة الاجتماعات الكبرى. الحاج إسماعيل والبشمهندس توفيق عايزين يراجعوا التصاميم الفنية بنفسهم قبل ما نمضي العقود بليل.”
​”حاضر يا فندم.. خمس دقائق وأكون عند حضرتك.” قفلتي الخط والتوتر رجعلك تاني. لميتي اللوحات الهندسية الكبيرة ودخلتي قاعة الاجتماعات.
​أول ما دخلتِ، لقيتِ قاعة الاجتماعات هس هس.. صمت تام. على رأس الترابيزة الكبيرة كان قاعد الحاج إسماعيل؛ راجل عجوز بس هيبته تملى المكان، لابس بدلة كلاسيك فخمة وشه مليان وقار وصارمة، وجنبه البشمهندس توفيق عم عاصم، وعاصم قاعد الناحية التانية والملفات قدامه.
​”صباح الخير يا فندم.” قلتيها بصوت مهذب وأنتِ بتبصي في الأرض احتراما للحاج إسماعيل.
الحاج إسماعيل بصلك بنظرة فاحصة وهز راسه: “أهلاً يا بنتي.. اتفضلي يا بشمهندسة سما. عاصم قال لي إنك أنتِ اللي مسؤولة عن التصميم الفني للمشروع ده، وريني بقى شغل عيلة الشرقاوي اللي هيشرفنا في السوق.”
​بدأتِ تشرحي اللوحات والتفاصيل بثقة، وأنتِ بتتكلمي بأسلوب علمي وهندسي محترف. في البداية كنتِ خايفة، بس أول ما بدأتي تدخل في تفاصيل الشغل، نسيتِ كل حاجة وبان شطارتك. الحاج إسماعيل كان بيبص ليكي بإعجاب شديد، والبشمهندس توفيق بيوزع نظرات رضا. أما عاصم.. فكان قاعد ورا قناعه الجاد، بس عينيه كانت بتلمع بفخر ملوش حدود وهو شايف مراته وحبيبته بتبهر كبار العيلة بشغلها.
​بعد ما خلصتِ، الحاج إسماعيل خبط بـ إيده على الترابيزة خبطة خفيفة وقال: “عفارم عليكي يا سما.. برافو يا بنتي. اختيارنا ليكي مكنش من فراغ. أنتِ مش بس رفعتِ راسي كـ مهندسة في الشركة، أنتِ كمان شرف لعيلتنا.” وبص لعاصم وقال له: “البت دي جوهرة يا عاصم.. حافظ عليها في الشغل وفي البيت، الجوازات اللي بتتبني على الأصول والترتيب الصح هي اللي بتعيش.”
​عاصم بص لجدّه وبصلك بطرف عينه بابتسامة خفيفة جداً تكاد لا تُرعى، وقال: “متقلقش يا جدي.. سما في الحفظ والصون، وأنا عارف قيمتها كويس أوي.. وبحاسبها على كل صغيرة وكبيرة بنفسي.” الكلمة الأخيرة دي قالها وهو بيبص ليكي بنظرة شقاوة فهمتيها أنتِ وبس، وحسيتِ إن وشك هيموت من الكسوف قدام أهله.
​الحاج إسماعيل قام وقف وقال: “طيب يا بني.. إحنا كده اطمنا على الشغل. هنمشي إحنا ونشوفكم بليل في الحفلة الكبيرة بتاعة توقيع المناقصة. وعايزك يا سما تيجي مع عاصم الحفلة.. بصفتك المهندسة المسؤولة، وبصفتك مدام عاصم الشرقاوي.. لازم السوق كله يعرف مين هي حرم المدير العام.”
​الصدمة نزلت عليكي زي المية الساقعة! الحفلة؟ والموظفين؟ والشركة كلها هتعرف؟
بصيتِ لعاصم بسرعة، ولقيتِ ملامحه هو كمان اتفاجأت، بس مكنش يقدر يعترض على كلام جده الكبير.
“حاضر يا جدي.. اللي تشوفه.” عاصم قالها وهو بيودع جده وعمه لحد الباب.
​أول ما الباب اتقفل والكل مشي، وقاعة الاجتماعات فضيت تماماً، عاصم لف ليكي بسرعة وقفل الباب بالمفتاح. قرب منك وهو بيضحك وعينيه بتلمع: “أهو.. جدي بنفسه اللي أصدر القرار! الليلة.. السر اللي بقالنا شهور مخبينه عن الشركة كلها هيتفركش، وكل الناس هتعرف إنك مدام عاصم الشرقاوي.”
​”يا مصيبتي يا عاصم!” قلتيها وأنتِ بتخبطي على خدك بخفة. “الموظفين بكره هياكلوا وشي! رانيا وتامر وبقية البنات.. هيقولوا إني كنت بضحك عليهم وبمثل! وبعدين.. فستان الحفلة؟ أنا معنديش حاجة تناسب حفلة بالحجم ده!”
​عاصم قرب منك وحضنك من وسطك ورفعك عن الأرض شوية وهو بيهمس بحنان: “متقلقيش من أي حاجة.. كلام الناس تحت جزمتي، والموظفين كلهم هيعملولك ألف حساب من بكره. أما الفستان.. فـ أنا عامل حسابي من بدري. اطلعي حالا بره الشركة وروحي البيت، هتلاقي بوكس كبير واصل من أكبر أتيليه في مصر، فيه فستان أنا اللي منقيهولك بنفسي بالملي.. عايزك الليلة تكوني ملكة.. ملكة على عرش قلب عاصم الشرقاوي.”
​كلامه ونظراته نسيتك كل الخوف والتوتر. بستِ خده بسرعة وقلتِ: “بحبك يا أحن مدير في الدنيا.”
“وأنا بموت فيكي يا شقية.. يلا على البيت بسرعة عشان تلحقي تجهزي، والسواق مستنيكي تحت.”
​الساعة دقت تمانية بليل..
قاعة الاحتفالات الكبرى في الفندق الفخم كانت منورة بأحدث أجهزة الإضاءة، والنجف الكريستال كان بيعكس النور على الأرضية الرخام. رجال الأعمال، المستثمرين، والموظفين بتوع شركة الشرقاوي للمقاولات كلهم كانوا واقفين ومجمعين، تامر بتاع الحسابات كان واقف في زاوية ولابس بدلة ومكتئب بسبب قرار نقله للإسكندرية، ورانيا السكرتيرة واقفة بتشرب عصير وبتبص في الساعة مستنية وصول المدير العام.
​فجأة، الأبواب الكبيرة بتاعة القاعة اتفتحت، والمذيع الداخلي أعلن بصوت قوي: “ورحبوا معنا بالمهندس عاصم الشرقاوي، المدير التنفيذي لمجموعة الشرقاوي، ومعاه حرمه المصون المدام سما الشرقاوي!”
​كل العيون لفت ناحية الباب في صدمة وذهول ملوش مثيل.
عاصم دخل بكامل أناقته.. بدلة سموكنج سودا، قميص أبيض بياقة كلاسيك، وبيبيون أسود، وشكله كان هيبة ورجولة تخطف الأنفاس. وفي إيده.. كانت إيدك أنتِ.
​كنتِ خطافة للأنظار بمعنى الكلمة؛ الفستان اللي عاصم اختاره كان فستان قطيفة طويل بلون الكحلي الغامق (الرويال بلو)، مطرز برقة من عند الصدر ومجسم على جسمك ورشاقتك بطريقة خيالية، شعرك كان مرفوع لفوق بتسريحة شيك جداً ونازل منه خصلات بسيطة على وشك، والروج السحري والنظرة الثابتة في عينك خلتك تباني زي أميرات السينما.
​الممر كله سكت، ومفيش غير صوت فلاشات الكاميرات وصدمة الموظفين اللي كانت واضحة على وشوشهم، بالذات رانيا اللي بقها اتفتح لآخر شبر، وتامر اللي كان هيموت من الصدمة لما عرف إن البنت اللي كان بيهزر معاها الصبح هي زوجة الراجل اللي نقله الإسكندرية بـ جرة قلم!
​عاصم كان ماشي بيكي ورافع راسه لفوق، وكل ما يحس إنك بتترعشي، كان بيضغط على إيدك بحنان ويهمسلك من تحت ضحكته: “جمدي قلبك يا ملكتي.. أنتِ الليلة في حمايتي، والكل لازم ينحني ليكي.”
​وصلتوا للترابيزة الرئيسية اللي قاعد عليها الحاج إسماعيل وبقية كبار المستثمرين. الحاج إسماعيل وقف ورحب بيكي بنفسه وباس جبينك قدام الكل، الحركة دي كانت بمثابة إعلان رسمي لسيادتك ومكانتك في العيلة وفي السوق كله.
​المناقصة اتوقعت وسط تصفيق حار من كل الموجودين، والموسيقى الهادية بدأت تملى المكان. عاصم ساب القلم من إيده بعد الإمضاء، ولف ليكي وقدم إيده برقة وانحناء كلاسيكي: “تسمحيلي بالرقصة دي يا مدام الشرقاوي؟”
​ابتسمتِ بدلال وحطيتِ إيدك في إيده: “أكيد يا سيادة المدير.”
​طلعتوا على ساحة الرقص في النص، وعاصم لف دراعه حوالين وسطك وقربك منه لدرجة إنك حسيتِ بدقات قلبه السريعة الواثقة، وأنتِ حطيتِ إيديكِ على كتافه. بدأتم تيجوا وتروحوا مع نغمات الموسيقى الهادية، والكل كان بيبص عليكم بإعجاب وحسد على الثنائي الرائع ده.
​بصيتِ في عينيه العسلي وقلتِ بصوت دافي: “عاصم.. أنا حاسة إني في حلم. مش مصدقة إن كل الناس عرفت، ومش مصدقة إنك عملت كل ده عشاني.”
​عاصم قرب من ودنك وهمس بصوت دافي مليان مشاعر حقيقية: “ده مش حلم يا سما.. دي الحقيقة اللي كان لازم تظهر من زمان. أنا أسف إني خبيتك عن الدنيا دي كلها، بس من النهاردة.. أنتِ النور اللي بيمشي بيه في وسط الناس، وأنتِ الحاجة الوحيدة اللي بفتخر بيها أكتر من صفقاتي وملاييني.”
​الرقصة خلصت وسط تصفيق الحاضرين، وعاصم أخدك من إيدك واتجهتوا للباب الخارجي للفندق عشان تروحوا، بعد ما جده صرح ليكم بالاستئذان. ركبتوا العربية السوبر سبورت بتاعته، وعاصم كان سايق بسرعة هادية والنسمة الساقعة بتاعة نص الليل بتدخل من الشباك.
​طول السكة، مكنتيش بتتكلمي، كنتِ بس بتبصي له وابتسامتك مالية وشك.
عاصم باص ليكي وقال: “ساكتة ليه يا سما؟ لسه خايفة من الموظفين بكره؟”
​”لأ خالص.. الموظفين مش في دماغي.” قلتيها وأنتِ بتميلي براسك وتتسندي على كتفه. “أنا بس بفكر في حاجة تانية.”
​”حاجة إيه؟” سألك بفضول وهو بيلف الدريكسيون ويدخل في الشارع بتاع الفيلا.
​”بفكر.. إن المدير بتاعي طلع رومانسي أوي.. وأنا اللي كنت ظالماه.” قلتيها بدلع.
​عاصم وقف العربية فجأة قدام باب الفيلا، وقفل الموتور. لف بجسمه كله ليكي، وعينيه كانت بتلمع بنظرة شقاوة وتحدي غامض خلت دقات قلبك تقف من تاني. قرب وشه منك أوي ولعب في خصلة من شعرك وقال بصوت واطي ومبحوح: “أنا لسه مبدأتش الرومانسية يا سما.. دي كانت مجرد المقبلات قدام الناس وعشان أرضي جدي.”
​فتح الباب ونزل، وفتح ليكي الباب وشالك برقة بين إيديه ودخل بيكي الفيلا وقفل الباب برجليه وراه. طلع بيكي السلم الخشبي وهو بيبص في عينك بنظرة كلها عشق وتملك، ودخل الأوضة وحطك على السرير القطيفة الدافي بالراحة وهو لسه محاصرك بجسمه.
​فك ساعة إيده الفضة وحطها على الكومودينو، وبدأ يفك زراير قميصه ببطء وهو بيبتسم ابتسامة خبيثة ومثيرة جداً: “دلوقتي بقى.. في بيتنا.. ومفيش كاميرات مراقبة، ومفيش موظفين، ومفيش جدي.. تفتكري لسانك الطويل ده هيقدر يكمل التحدي؟ ولا هشوف مدام عاصم الشرقاوي وهي بتستسلم تماماً لـ رومانسيّتي؟”
​وقبل ما تلحقي تردي أو تقولي أي كلمة، قرب منك و…
​وهنا سكتت كل الكلمات، وبدأت قصة تانية خالص بين عاصم وسما، قصة عشق اتولدت من قلب الجدية والصارمة، وعاشت في حضن الدفا والأمان. وأنتِ نايمة في حضنه بعد ليلة مليانة مشاعر حقيقية ووعود أبدية، بصيتي لوشه وهو نايم زي الملاك، وبستِ جبينه وهمستِ: “ربنا يخليك ليا يا سي عاصم.. ويا رب تامر يتبسط في الإسكندرية!”
​ولفتِ ونمتِ وأنتِ عارفة إن بكره الصبح في الشركة.. هيكون بداية لأيام تانية خالص، أيام كلها تملك، وعشق، وشقاوة مش هتخلص أبدًا بين المديرة وحرم المدير العام.. تفتكري إيه اللي هيحصل بكره الصبح في أول مواجهة مع الموظفين؟ القصة لسه ليها خبايا كتير…المنبه رن الصبح بصوت مزعج، بس المرة دي مكنش منبه موبايلك، ده كان صوت عاصم وهو بيهمس في ودنك وبيشد الغطا من عليكي بخفة ودلال: “صحصح يا بطل.. ورانا معركة تاريخية في الشركة النهاردة.” فتحتِ عينك بنص إغماضة وبصيتِ له؛ كان لابس قميصه الكحلي الأنيق وبيظبط أساور كمامه وثقته في نفسه في السما. قعدتِ على السرير وشعرك منكوش وقولتِ بكسل مصري أصيل: “عاصم، يهديك يرضيك، مش ممكن ناخد إجازة عارضة النهاردة؟ أنا بجد ركبي بتخبط في بعضها من فكرة مواجهة رانيا والشرطة النسائية اللي في المكاتب بره!”
​ضحك عاصم بصوته الرجولي الدافئ وقرب منك، مسك إيدك وشدك عشان تقفي وهو بيبتسم: “إجازة إيه يا مدام؟ ده أنا مستني اللحظة دي بفارغ الصبر. يلا البسي فستانك الأنيق ده، والنهاردة هندخل من الباب الكبير سوا، وإيدنا في إيد بعض.”
​بعد ساعة، العربية السودا الفخمة وقفت قدام بوابة شركة الشرقاوي للمقاولات. نزلتِ وأنتِ حاسة إن رجليكي مش شايلاكي من التوتر، بس أول ما عاصم مسك إيدك وضم صوابعه بين صوابعك، حسيتِ بأمان غريب جرى في عروقك ودفى قلبك. مشيتوا بخطوات ثابتة ودخلتوا الصالة الرئيسية للشركة.
​السكوت اللي ساد الصالة فجأة كان رهيب! الموظفين كلهم كانوا واقفين في ممراتهم كأنهم بيستقبلوا وفد رسمي. السكرتيرة رانيا كانت واقفة على جنب، وشها أحمر من الكسوف والندم، وأول ما قربتوا منها، جريت عليكي وقالت بصوت واطي ومحرج جداً: “يا فندم.. قصدي يا بشمهندسة سما.. أنا بجد آسفة جداً لو كنت هجصت معاكي في الكلام أو قولت حاجة تضايقك قبل كده، والله مكنتش أعرف إنك صاحبة البيت!”
​ابتسمتِ لها برقة وطبطبتِ على كتفها بلطف: “متقوليش كده يا رانيا، إحنا أخوات وعشرة عمر، ومفيش أي حاجة زعلتني منك خالص.”
​عاصم بص لرانيا وبص للموظفين اللي واقفين يراقبوا في صمت، وقال بنبرة قوية وصارمة مسمعة في الصالة كلها بس فيها التماع من الشقاوة: “الشركة دي نجاحها بيكمل بيكم وبشغلكم، والنهاردة أنا حابب أعلن رسمياً إن البشمهندسة سما مش بس مهندسة شاطرة في عيلتنا، دي شريكة حياتي وحرمنا المصون. وأي حد فيكم هيفكر يضايقها أو يتعامل معاها بغير الاحترام اللي تستحقه، قرار نقله لأسوان جاهز على مكتبي.. والمرة دي مفيش تراجع!”
​كل الموظفين سقفوا وهتفوا بضحك وارتياح، وتوتر الأيام اللي فاتت كله داب في ثواني بفضل طريقة عاصم الذكية في إدارة الموقف. أخدك من إيدك ودخلتوا مكتبه الكبير وقفل الباب وراكم.
​بصيتِ له بامتنان حقيقي ودموع الفرحة بتلمع في عينك: “أنت بجد فاجأتني يا عاصم.. مكنتش متخيلة إنك هتقف قدامهم كلهم وتعلنها بالقوة دي.”
​قرب منك ولف دراعه حوالين وسطك، وبص في عينك بنظرة دافية وصادقة جداً خلت قلبك يدق بقوة: “أنا مستعد أهد الدنيا دي كلها وأبنيها من جديد بس عشان أشوف الضحكة دي على وشك يا سما. أنتِ مش مجرد جوازة عائلات فرضتها الأيام والمجاملات.. أنتِ الاختيار الوحيد اللي قلبي وعقلي اتفقوا عليه بكل رضا.”
​سندتِ راسك على صدره الواسع وأنتِ سامعة دقات قلبه المنتظمة والسريعة اللي بتأكد كل كلمة بيقولها، وقولتِ بنبرة شقية: “يعني خلاص.. مفيش مدير بارد بعد النهاردة؟”
​ضحك عاصم وهو بيبوس راسك بحنان وعشق ملوش آخر: “في البيت.. أنا عاصم حبيبك وبس. وفي الشغل.. أنا برضه عاصم حبيبك اللي هيغير عليكي من الهوا الطاير ويفضل عينه عليكي طول الوقت. يلا بينا بقى نمضي عقود المناقصة ونبدأ رحلتنا سوا.. والمرة دي من غير أي أسرار مخبية.”
​النور كان مغرق المكتب، والضحكة والامان مالوا المكان بالكامل، والنهاية مكنتش مجرد توقيع ورق أو كشف سر قديم.. دي كانت بداية حقيقية لقصة حب مصرية أصيلة، قصة بدأت بعناد ومكابرة وانتهت بعشق أبدي ملوش حدود. وقفتوا سوا قدام الشباك الزجاجي الكبير اللي بيبص على النيل، وإيديكم متشبكة بقوة، كأنكم بتعلنوا للدنيا كلها إن الحب لما بيمتلك القلوب بيحول الصخر لأرق مشاعر في الكون، وإن عاصم وسما هيفضلوا سوا، في الشغل والبيت، روح واحدة مفيش قوة تقدر تفرقهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *