قناع الضعف

تحت ضوء النجف الكريستال اللي كان عاكس على بقعة عصير الرمان الحمرا فوق فستان شاهندا، الوقت كأنه وقف تماماً. شريف الألفي كان باصص لها بقرف، ومها أخته ساندة إيدها على وسطها وضحكتها الخبيثة مالية وشها، والناس اللي حواليهم بدأوا يوشوشوا بعض. عادل مراد، المستشار القانوني، كان واقف وراهم، ملامحه اتصلبت وعينيه بقت زي الجمر، كان مستني بس إشارة من شاهندا عشان يقلب الطاولة على الكل، لكن شاهندا رفعت إيدها حركة خفيفة، إشارة صامتة لعادل إنه يفضل في مكانه وميتدخلش.
شاهندا موطتش تجيب المناديل من الأرض. بصت لشريف نظرة طويلة، نظرة خالية من أي عتاب أو دموع، نظرة حد بياخد مقاس كفن اللي قدامه. شريف اتهز ثانية من برودها، بس غروره لحقه، فزعق بصوت واطي: “أنتِ لسه واقفة تتأملي؟ غوري بقولك اتصرفي في المصيبة دي، ولا أنتِ عاجباكي لمت الناس علينا؟”
شاهندا ماردتش بكلمة واحدة. دارت ظهرها بكل هدوء وثبات، ومشت وسط القاعة. خطواتها مكانتش خطوات واحدة مكسورة أو متهانة، كانت خطوات ملكة ماشية في ممر قصرها. العيون كلها كانت ملاحقاها، بس هي مكنتش شايفاهم. دخلت الحمام الكبير بتاع الأوتيل، قفلت الباب وراها، ووقفت قدام المراية.
بصت للبقعة الحمرا اللي مغرقة الفستان. افتكرت الحاجة فريدة النور، افتكرت لما كانت بتقول لها: “يا شاهندا، الدنيا دي يابنتي محتاجة الوش الخشب، اللي يفتكرك طيبة وقليلة الحيلة هيتغدى بيكِ قبل ما تتعشي بيه.” افتكرت تمن سنين من عمرها ضاعوا مع راجل ميسواش، راجل كانت بتدبّر له اللقمة، وتستحمل قلة أدبه وأنانية أهله، وتدعي له في سجداتها ربنا يفتحها عليه، وهو أول ما حس إنه بدأ يشم نفسه، أول حاجة فكر فيها إنه يدوس عليها عشان يبان كبير قدام ناس زيه.. صغار.
فتحت الحنفية، بلت طرف منديل، وبدأت تمسح البقعة ببرود رهيب. مفيش دمعة واحدة نزلت من عينها. الدموع دي ضعف، والشخص اللي قدامها م يستاهلش حتى ندمها. تلفونها رن في الشنطة الكلاتش الصغيرة. طلعت التلفون، كان رقم المستشار عادل مراد.
فتحت الخط، وجاءها صوته المخنوق من الغضب: “شاهندا هانم.. أنا آسف، أنا مكنتش أعرف إن السفالة هتوصل بيه للدرجة دي. أرجوكِ، قولي لي أعمل إيه؟ أنا ممكن دلوقتي حالا أخلّي أمن الأوتيل يرموه بره هو وأخته زي الكلاب الجربانة.”
شاهندا أخدت نفس طويل، وقالت بصوت هادي ورزين، صوت خالي من أي انفعال: “لأ يا عادل. الكلاب الجربانة مش بتترمى بره الحفلة، الكلاب الجربانة بتتحبس في القفص لحد ما تموت من الجوع. شريف لو اترمى بره دلوقتي، هيعمل نفسه ضحية وهيطلع يعمل شو. أنا عايزاه يقع من أعلى حتة وقف عليها. الحفلة مكملة؟”
عادل: “آه يا فندم، لسه رئيس مجلس الإدارة المؤقت والوزير وممثلي البنوك بيتحركوا عشان يدخلوا القاعة الرئيسية، والإعلان عن صفقة دمج الفروع الجديدة والمدير التنفيذي الجديد للشركة كمان نص ساعة.”
شاهندا ابتسمت ابتسامة خفيفة، بس كانت مرعبة: “حلو قوي. شريف عايش اللحظة ومفتكر نفسه هيبقى النجم الليلة دي مش كده؟”
عادل: “ده قالب الدنيا بره، وبيقول للمستثمرين الخليجيين إنه هو اللي مهندس الصفقة دي، وإن الإدارة الجديدة مش هتمشي خطوة من غيره.”
شاهندا: “سيبه يعيش الوهم يا عادل. اطلعي بره دلوقتي، وظبط كل الأوراق اللي اتفقنا عليها. المحاضر، وبلاغات الكسب غير المشروع، وقرارات سحب الصلاحيات. أنا هخرج من الحمام كمان خمس دقائق، مش هسيب الحفلة. بس الفستان ده مش هينفع.”
عادل: “أنا هتصرف فوراً يا فندم. مدير الأوتيل تحت أمرنا، وفي بوتيك عالمي في الدور الأرضي مقفول، هخليهم يفتحوه حالا وتختاري اللي يعجبك.”
شاهندا: “معاك عشر دقائق يا عادل. وعايزة شريف يفضل شايفني قدامه، خليه يفتكر إنه كسرني، عشان الصدمة لما تيجي.. تطير النن من عينيه.”
قفل عادل السكة، وشاهندا بصت لنفسها في المراية تاني. رميت المنديل في الباسكت، وعدلت شعرها الأسود الطويل ورفعته لفوق، وظهرت ملامح وشها الحادة والقوية. الليلة دي مش ليلة انتقام عادية، الليلة دي ليلة استرداد هيبة “المنصوري” و”النور”.
بره في القاعة، كان شريف الألفي واقف وسط دايرة من رجال الأعمال، وماسك كاس في إيده وبيضحك بملء فمه. مها أخته كانت واقفة جنبه، عمالة تتفشخر بفستانها وساعتها، وتبص للناس بتعالي وكأنها بقت من أصحاب الملايين.
واحد من المستثمرين، اسمه الحاج رأفت الصاوي، راجل عجوز ومجرب وذكي، بص لشريف وقال له بنبرة ذات معنى: “بس يا شريف يا ابني، الحركة اللي عملتها مع المدام جوه دي مكانتش أصول.. الناس برضه اتكلمت، والست شكلها بنت ناس ومتربية.”
شريف لوّح بإيده باستهتار وقال: “يا حاج رأفت، أنت طيب قوي. الستات دول لو عطيتهم وش يركبوا فوق دماغك. شاهندا دي طيبة وزي ما قلت لك، على نياتها خالص، ملهاش في جو المظاهر ده، وأنا جايبها معايا عشان تفك عن نفسها، بس هي اللي نكديّة وبتحب تعمل حكاية من مفيش. سيبك منها، خلينا في الشغل. زي ما قلت لك، العقد بتاع التوسعات الجديدة في العاصمة الإدارية أنا اللي مخلصه بكلمة مني، وأول ما الإدارة الجديدة تمسك الليلة، كل الأمور هتبقى في إيدي.”
مها أخته دخلت في الكلام وقالت بلؤم: “وبعدين يا حاج رأفت، أخويا شريف ده مقامه عالي قوي، ومستقبله في الشركة هنا ملوش حدود. يعني لازم اللي تكون جنبه واجهة، مش واحدة لبسها زي الشغالات وواقفة زي فازة الورد المكسورة.”
الحاج رأفت هز رأسه وسكت، مكنش مستريح لطريقة شريف ولا لغروره، بس في البيزنس، الفلوس والمصالح هي اللي بتتكلم.
وفجأة، القاعة كلها سكتت تاني.
المرة دي السكوت مكانش عشان فضيحة، السكوت كان صدمة وانبهار.
باب القاعة انفتح، ودخلت شاهندا.
مكانتش لابسة الفستان الأوف وايت المتبهدل. كانت لابسة فستان أسود سواريه مخملي، قمة في الأناقة والشياكة، متفصل عليها كأنه مرسوم. حاطة عقد ألماظ حر حوالين رقبتها، كان بيبرق تحت الإضاءة ويخطف العين. ملامحها مكانتش ملامح ست مكسورة أو معيطة، كانت ماشية وباصة قدامها بثقة تخلي أي حد يقف لها احترام.
شريف بقّه اتفتح من الصدمة. كاس العصير كان هيقع من إيده. بص لأخته وقال بذهول: “إيه ده؟ جابت الفستان ده منين؟ والعقد ده بتاع مين؟”
مها عنيها كانت هتطلع من مكانها والغل أكل قلبها: “دي.. دي شاهندا؟ مش ممكن! العقد ده ألماظ بجد يا شريف؟ دي تلاقيها شحاتاه ولا مأجراه من أي حته عشان تعمل لقطة وتغيظنا!”
شريف مشى بخطوات سريعة ووشه محقن بالدم وغضب، قرب منها وشدها من دراعها بعنف وقال بصوت مكتوم مسموع للناس القريبة: “أنتِ إيه اللي هببتيه ده؟ جلك منين الفستان ده؟ والعقد ده سرقاه من مين؟ أنتِ عايزة تفضحيني وتعملي فيها هانم غصب عن عينك؟”
شاهندا شالت إيده من على دراعها بكل برود وهدوء، وبصت في عينيه وقالت بصوت واطي واثق: “شيل إيدك يا شريف. إيدك دي متلمسنيش تاني.. عشان متتوسخش.”
شريف اتصدم من النبرة، عمرها ما كلمته كده، عمرها ما بصت له بالنظرة دي. قال لها بغضب: “أنتِ اتجننتي؟ بتكلميني أنا كده؟ أنا شريف الألفي اللي عملت لك قيمة وخليتك تعيشي في الزمالك! غوري من قدامي حالا واطلعي بره الحفلة دي بدل ما أقسم بالله أطلقك هنا قدام الناس كلها وأخليكي تسوي الهوا!”
شاهندا ضحكت ضحكة خفيفة، ضحكة رنت في ودنه وزلزلته: “تطلقني؟ يا ريت يا شريف، ياريت تملك الشجاعة دي وتعملها. بس وفر كلامك وتهديداتك دلوقتي، عشان في ضيوف مهمين واصلين، ومش حلوة في حقك تتهز قدامهم.”
في اللحظة دي، دخل أستاذ عادل مراد ومعاه أربعة من رجال الأمن بتوع الحفلة، ومعاهم رئيس مجلس الإدارة المؤقت للشركة، المهندس جلال السويدي، ووزير الإسكان الأسبق، وبعض من كبار رجال البنوك. شريف لما شافهم، ساب شاهندا فوراً وفرد طوله، ورسم الابتسامة المنافقة على وشه، وجرى عليهم عشان يسلم.
”أهلاً يا جلال بيه! منور يا فندم! سيادة الوزير، خطوة عزيزة جداً، الشركة كلها بتتشرف بحضرتك الليلة دي!” شريف كان بيتكلم ويمد إيده بحرارة.
لكن المهندس جلال السويدي ممدش إيده. بص لشريف بنظرة باردة جداً وعدى من جنبه وكأنه هوا. شريف إيده فضلت متعلقة في الهواء، ووشه بقى ألوان. الوزير كمان عدى ومشي ورا جلال بيه. شريف اتلفت وراهم بذهول، وشافهم رايحين مباشرة.. ناحية شاهندا!
المهندس جلال السويدي وقف قدام شاهندا، وانحنى برأسه بكل احترام وقال بصوت عالي سمعه نص القاعة: “مساء الخير يا شاهندا هانم. البقاء لله في وفاة الحاجة فريدة، إحنا كنا مستنيين اللحظة دي بفارغ الصبر عشان نستقبل صاحبة الحلال والمالك الرئيسي لمجموعة النور.”
الوزير مد إيده وسلم عليها بحرارة: “أهلاً يا فندم، سعيد جداً بلقائك. الحاجة فريدة الله يرحمها كانت بتثق فيكِ عمياء، والشركة دلوقتي في إيد أمينة.”
الصدمة في القاعة كانت زي الزلزال اللي ضرب المكان كله. السكوت رجع تاني، بس المرة دي سكوت رعب. الناس بدأت تبص لبعضها، والهمسات بقت زي خلية النحل: “شاهندا؟ شاهندا مراته هي صاحبة الشركة؟ هي وريثة فريدة النور؟”
شريف كان واقف في مكانه كأنه اتضرب بالرصاص. رجليه مكانتش شايلاه. عينيه كانت بتتحرك بين جلال السويدي، وبين الوزير، وبين شاهندا الواقفة بكل هيبة. أخته مها الكاس وقع من إيدها بجد المرة دي واتكسر على الأرض، ووشها بقى أبيض زي الأموات.
شريف قرب ببطء، خطواته كانت تقيلة وزي اللي بيصحي من كابوس، صوت طلع متقطع ومبحوح: “جلال بيه.. أنت.. أنت بتقول إيه؟ شاهندا مين اللي صاحبة الشركة؟ دي.. دي مراتي! دي شاهندا المنصوري!”
جلال السويدي التفت لشريف وبص له بقرف واشمئزاز وقال: “عارفين إنها مراتها يا شريف. وعارفين كمان أنت كنت بتعمل معاها إيه. شاهندا هانم هي الوريث الوحيد للحاجة فريدة النور، وصاحبة الـ 60% من أسهم المجموعة، يعني ببساطة كده يا شريف.. شاهندا هانم هي اللي مشغلاك، وهي اللي بتدفع لك مرتبك، وهي اللي تقدر بكلمة منها تخليك متسواش مليم في سوق المقاولات كله.”
شريف بص لشاهندا، عينه كانت مليانة رعب وتوسل مفاجئ: “شاهندا.. الكلام ده بجد؟ أنتِ.. أنتِ تخبي عليا حاجة زي دي؟ تسيبي جوزك وحبيبك شغال وتعبان وميعرفش؟”
شاهندا بصت له بكل برود وقالت: “جوزي وحبيبي؟ اللي من عشر دقائق بس كان بيقول للناس إني الشغالة والداية بتاعة البيت؟ اللي كان بيتهمني بالسرقة؟ اللي ساب أخته ترمي عليا العصير ويقلي غوري امسحي القرف؟”
شريف بدأ يعرق بغزارة، وبدأ يتلعثم: “شاهندا.. أنا.. أنا كنت بهزر! والله كنت بهزر وسط أصحابي، أنتِ عارفاني، بحب أعمل جو فكاهي.. مها أختي مكانتش تقصد، دي عيلة وغبية..”
مها لما سمعت شريف بيبيعها في ثانية، برقت عينيها وقالت برعب: “شريف! أنت اللي قلت لي..”
شريف زعق فيها بغضب وهستيريا: “اسكتي أنتِ خالص! أنتِ اللي خربتي بيتي!”
شاهندا رفعت إيدها عشان توقف المسرحية الرخيصة دي: “بس.. كفاية. أنا مكنتش ناوية أعمل الإعلان ده الليلة دي، كنت ناوية استنى لحد اجتماع مجلس الإدارة الأسبوع الجاي. بس أنت وشلتك رخصتوا بنفسكم قوي، ومكانش ينفع استنى.”
التفت شاهندا للمستشار عادل مراد وقالت: “أستاذ عادل، الميكروفون جاهز؟”
عادل بابتسامة نصر: “جاهز يا فندم، وكل حاجة مترتبة.”
مشت شاهندا في اتجاه المسرح الصغير اللي في صدر القاعة، والناس كلها وسعت لها الممر بكُل رعب واحترام. شريف كان ماشي وراها زي الضل المكسور، بيحاول يمسك في فستانها، بيحاول يستعطفها: “شاهندا، أرجوكِ بلاش فضايح، إحنا بينا عشرة تمن سنين، بلاش تهدي كل حاجة قدام الناس.. استري عليا ربنا يسترك!”
شاهندا مالتفتتش ليه. طلعت على المسرح، مسكت الميكروفون، وبصت للقاعة كلها. الصوت كان واصل لكل ركن.
”مساء الخير على حضراتكم جميعاً. منورين الحفلة السنوية لمجموعة النور للاستثمار العقاري. أنا شاهندا المنصوري، المالك الرئيسي ورئيس مجلس الإدارة الجديد للمجموعة بناءً على وصية المغفور لها الحاجة فريدة النور.”
القاعة كلها صقفت بحرارة، صفقوا خوفاً ونفاقاً وتقديراً للقوة الجديدة. شاهندا استنت لحد ما الصمت رجع تاني، وكملت كلامها وعينها منزلتش من على شريف اللي واقف تحت المسرح ميت في جلده.
”بصفتي رئيس مجلس الإدارة، وبناءً على التقارير والتحقيقات اللي قمت بيها بنفسي وعلى مدار ست شهور كاملين مع الشؤون القانونية والرقابة الداخلية في الشركة.. حابة أعلن عن أول قراراتي الليلة دي.”
شريف بلع ريقه، وحس إن حبل المشنقة بيلف حوالين رقبته.
شاهندا كملت بصوت جهوري وقوي: “القرار الأول: إقالة السيد شريف الألفي، مدير قطاع التوسعات، من منصبه فوراً، وفصله من الشركة فصلاً نهائياً وبدون أي مستحقات أو مكافآت نهاية خدمة.”
الناس كلها شهقت. شريف حس إن الأرض بتلف بيه.
شاهندا م وقفتش هنا: “القرار الثاني: تحويل السيد شريف الألفي للنيابة العامة بتهمة اختلاس أموال الشركة، وتزوير عقود، وتلقي رشاوي من مقاولين من الباطن، وتسهيل الاستيلاء على أراضي الدولة باسم الشركة بدون وجه حق.. والأوراق والمستندات كلها دلوقتي بقت في إيد مباحث الأموال العامة.”
شريف صرخ بأعلى صوته وبدون وعي: “لأ! لأ يا شاهندا! حرام عليكِ! هتدمريني؟ هتحبسيني يا شاهندا؟”
شاهندا بصت له من فوق المسرح ببرود قاتل وقالت في الميكروفون: “القرار الثالث والأخير: سحب الشقة اللي في الزمالك، لأنها مسجلة باسم الشركة، وسحب العربية الجيب اللي شريف بيه راكبها لأنها عهدة من الشركة.. وأمن الأوتيل هنا معاهم تعليمات يستلموا مفتاح العربية ومفتاح الشقة فوراً.”
في اللحظة دي، تقدم اتنين من رجال الأمن الأقوياء، وقفوا ورا شريف. واحد منهم مد إيده وقال بنبرة صارمة: “مفاتيح العربية والشقة يا شريف بيه.. بالذوق كده ومن غير شوشرة.”
شريف بص حواليه، كان بيدور على أي حد من رجال الأعمال اللي كان من خمس دقائق بيحضنهم ويضحك معاهم بصوت عالي. بص للحاج رأفت الصاوي، الحاج رأفت دار وشه الناحية التانية. بص لشركائه، كلهم بعدوا عنه وكأنه مصاب بالوباء. محدش عايز يتورط مع صاحبة المال الجديدة.
مها أخت شريف بدأت تعيط بهستيريا وتصرخ: “يا فندم.. يا شاهندا هانم! ماليش دعوة، هو اللي كان بيمشيني وهو اللي كان بيقول لي اعملي كذا.. أنا ماليش ذنب!” بس الأمن أخدها هي كمان وطلعوهم بره الدائرة.
شريف، وهو بيطلع المفاتيح من جيبه وإيده بترتعش، بص لشاهندا ودموعه نزلت لأول مرة، دموع ذل وقهر: “بعتيني يا شاهندا؟ بعد كل السنين دي بتبيعيني في ثانية وتفضحيني قدام مصر كلها؟”
شاهندا نزلت الميكروفون، ونزلت من على المسرح، وقفت قدامه للمرة الأخيرة، وقالت بصوت واطي ميسعمهوش غيره: “أنا مبعتكش يا شريف.. أنت اللي رخصت نفسك. تمن سنين وأنا مستحملة قرفك وكدبك وخيانتك، وقلت معلش جوزي وبصونه. لكن توصل بيك الدناءة إنك تهني في شرفي وكرامتي قدام الناس وتسميني الشغالة والداية عشان ترضي غرورك ونقصك؟ يبقى أنت اللي اخترت نهايتك بإيدك. المناديل اللي رميتها في وشي جوه.. خليها معاك، عشان هتحتاجها كتير قوي وأنت بتعيط في الحجز.”
شريف اتسحب بره القاعة من دراعه وسط نظرات التشفي والسخرية من كل الناس اللي كان بيتمنظر عليهم من شوية. طلع بره الأوتيل في الشارع، في عز البرد، ومعهوش حتى تمن تاكسي يروّحه، بعد ما الأمن أخد منه مفاتيح العربية والشقة، وكل الكروت الائتمانية اللي معاه اتوقفت بجرّة قلم.
جوه القاعة، الموسيقى رجعت تشتري تاني، ورجال الأعمال والستات الهوانم بدأوا يتلموا حوالين شاهندا، يهنّوها ويباركوا لها، ويحاولوا يتقربوا منها. شاهندا كانت واقفة، فستانها الأسود بيلمع، وابتسامتها الواثقة على وشها، بتشرب كاس عصير، وبتبص من شباك القاعة الكبير على أنوار النيل.. وهي عارفة إن دي مجرد البداية، وإن في رؤوس تانية كتير في الشركة دي حان وقت قطافها.
انتهى المشهد، بس الحكاية لسه بتبدأ، والكل بقا يسأل: شاهندا هتعمل إيه في حيتان السوق اللي مستنيين أول غلطة ليها؟ وشريف، هل هيستسلم ويروح السجن، ولا الغل هيمسيه ويعود بشكل أخطر؟همسات الإعجاب والنفاق كانت مالية القاعة، الكل عمال يتزاحم عشان ياخد لقطة أو يرمي كلمة لطيفة لـ “شاهندا هانم”. اللي كان من شوية بيبص لها بطرف عينه، دلوقتي بقى بينحني وهو بيسلم، بس شاهندا مكنتش سامعة كل الهيصة دي. كانت باصة لبعيد، للنيل الواسع اللي باين من ورا قزاز الأوتيل، وبتقول لنفسها إن دي يدوبك أول خطوة في تنظيف التركة اللي سابتها لها الحاجة فريدة.
قرب منها المستشار عادل مراد، وفي عينه نظرة فخر ممزوجة بالقلق، وطى عليها وقال بصوت واطي: “شاهندا هانم، شريف وأخته بره الأوتيل دلوقتي، الأمن قفل وراهم كل الأبواب. بس المحامين بتوع الشركة سهرانين الليلة، ومحاضر الأموال العامة جاهزة على التقديم الصبح الساعة تمنية.”
شاهندا لفت له، وبكل برود أخدت رشفة من عصيرها وقالت: “مش عايزة غلطة واحدة يا عادل. شريف زي الفار المحبوس، والمسعور لما بيتحبس ممكن يعض. الأوراق اللي معاك تثبت إنه مكنش شغال لوحده، شريف أصغر بكتير من إنه يسرق الملايين دي كلها لوحده من ورا مجلس الإدارة.”
عادل هز رأسه بقلق: “أنتِ قصدك على…”
شاهندا قطعت كلامه بعينها اللي برقت فجأة لما لمحت راجل ضخم، شعره شايب وواقف في أخر القاعة، ماسك سيجار وبيبص لها بنظرات زي الصقر. الراجل ده كان “منير بيه زهران”، الشريك التنفيذي اللي ماسك نص مشاريع المجموعة، والراجل اللي الحاجة فريدة الله يرحمها مكنتش بتطيق تسمع اسمه في أيامها الأخيرة.
منير بيه بدأ يتحرك بخطوات واثقة وبطيئة ناحية شاهندا. الناس اللي كانت واقفة حواليها وسعت له أول ما شافوه جاي. وقف قدامها، نفخ دخان سيجاره لفوق وقال بنبرة خشنة فيها تهديد مستتر: “مبروك يا شاهندا هانم.. ضربة معلم، ومسرحية هائلة. بس البيزنس الكبيرة مش زي دراما البيوت. شريف كان غلطة، وإحنا سكتنا لك الليلة عشان منظرة الشركة.. بس الكرسي اللي أنتِ ناوية تقعدي عليه ده، حمله تقيل قوي على كتافك.”
شاهندا منزلتش عينها من عينه، الابتسامة متمسحتش من على وشها، بل بالعكس، قربت منه خطوة وقالت بثبات هز القاعة كلها: “كتافي تشيل بلد يا منير بيه. والحاجة فريدة مكنتش بتسلم مالها لحد ضعيف. شريف كان يدوبك ‘المقشة’ اللي بدأت بيها تنظيف الصالة.. لسه الدور على الحيتان الكبيرة اللي مستخبية في المكاتب المكيفة.”
منير زهران ضحك ضحكة مكتومة، عينيه ضاقت بغضب وقال: “نشوف يا بنت المنصوري.. السوق ده ملوش أمان، والوقعة فيه بترطم.” ودار ظهره ومشى بره الحفلة كأنه بيعلن بداية الحرب الرسمية.
في نفس اللحظة دي، وعلى رصيف كورنيش النيل في جاردن سيتي..
الجو كان برد، والهوا بيطير شعر مها اللي كانت قاعدة على الرصيف بتعيط بهستيريا وفستانها الأحمر المبهج بقى شكله يقطع القلب ومتبهدل من تراب الشارع. شريف كان واقف ساند ظهره على عمود نور، عينيه حمرا زي الدم، ودماغه بتلف.
مها صرخت في وشه وهي بتمسح دموعها ببهدلة: “خربت بيتنا! ضيعتنا وضيعت نفسك عشان حتة حتة منظرة كدابة! الشقة راحت والعربية راحت.. هنروح فين دلوقتي؟ هتقول إيه لأمك؟”
شريف ماردش عليها. كان باصص لـ فندق السوفيتيل اللي وراه، للنور اللي طالع من القاعة الكبيرة. إيده اتمدت في جيبه، صوابعه لمست حاجة.. المنديل القماش اللي رماه في وش شاهندا، والظاهر إنه حطه في جيبه وهو مش دريان قبل ما الأمن يطردوه.
طلّع المنديل، بص له بغل رهيب، وافتكر جملتها الأخيرة: “هتحتاجه كتير وأنت بتعيط في الحجز”.
شريف جز على سنانه لحد ما بقّه نزف دم، وعينه اتحولت لكتلة شر مفيهاش أي ندم، وقال بصوت فحيح زي الأفاعي: “والله ما هسيبك يا شاهندا.. وحياة الذل اللي أنا فيه ده، لأخليكي تبكي بدل الدموع دم. أنتِ فاكرة إنك كسبتي؟ دي لسه البداية.. ومنير زهران مش هيسيبك، وأنا معايا الأوراق اللي تخرب بيت الشركة كلها!”
وفجأة.. وقفت عربية سودا كحلي، فامييه بالكامل، قدام شريف ومها على الرصيف. الازاز الوراني نزل ببطء، وظهر وش السواق وهو بيقول: “شريف بيه؟ منير بيه زهران مستنيك في المكتب بتاعه حالا.. اركب.”
شريف بص للعربية، وابتسامة خبيثة بدأت تترسم على وشه المكسور. بص لمها وقال لها: “قومي.. الحكاية لسه منتهتش، وشاهندا فاكرة نفسها ملكت الدنيا، بس متعرّفش إن اللعب مع الحيتان.. بيغرّق!”
هل شريف هيبيع أسرار شاهندا الباقية لمنير زهران ويدمروا الشركة؟ وشاهندا هتعمل إيه لما تكتشف إن أول ضربة هتلتقاها الصبح مش هتيجي من برا.. دي هتيجي من جوة مجلس الإدارة نفسه؟شريف ركب العربية السودا الكحلي وجنبه مها اللي كانت بتترعش من الخوف والغل، العربية اتطوّحت وسط شوارع القاهرة الساكتة لحد ما وصلت لبرج ضخم في منطقة الدقي، حيث مكتب منير زهران.
في الدور الأربعين، كان منير بيه قاعد ورا مكتبه الفخم، السيجار مش بيتقطع من بقه، وأمامه كاس مياه متلج. شريف دخل ووشه باهت، مكسور بس عينيه فيها نظرة انتقام تخوف.
منير زهران سحب نفس طويل ونفخ الدخان في وش شريف وقال بنبرة باردة: “القعة كانت جامدة يا شريف.. شاهندا فاجأتنا كلنا، وطلعت بتلعب من ورا ظهرنا بقالها ست شهور.”
شريف قرب من المكتب وسند بإيديه الاتنين وقال بصوت حاد ومبحوح: “شاهندا فاكرة إنها كسبت يا منير بيه، بس هي متعرّفش إن كل العقود والتحويلات اللي هي ماسكاها عليا، إمضاء حضرتك برضه موجود فيها بشكل غير مباشر.. أنا لو وقعت، هاخد الكل معايا، وأنت أولهم!”
منير زهران عينه ضاقت، والجو في المكتب بقى مكهرب، بس ضحك ضحكة مكتومة وقال: “أنت بتهددني يا شريف؟ أنت نسيت نفسك ولا إيه؟ أنت يدوبك موظف عندي.”
شريف طلع فلاشة سودة صغيرة من جيب جاكيتته الداخلي وحطها على المكتب بكل قوة: “دي عليها النسخ الأصلية من حسابات بره (Offshore) اللي كنا بنحول عليها الأرباح، وعليها تسريبات لمشروع ‘نجم الكورنيش’ الجديد اللي شاهندا لسه معلنة عنه.. الفلاشة دي لو راحت للمنافسين، أو لو شاهندا شافت اللي عليها، شركتك اللي بره هتقفل، وشاهندا هتنتهي قبل ما تبدأ.”
منير بص للفلاشة، وعينه لمعت بشر: “عايز إيه يا شريف؟”
شريف جز على سنانه: “عايز شاهندا مكسورة.. تحت رجلي. وعايز حقي في الشركة يرجع تمن أضعاف.”
منير زهران مسك الفلاشة، وبص لشريف بابتسامة خبيثة: “اتفقنا.. الصبح الساعة تمنية، شاهندا هتروح مكتبها في الشركة عشان تمضي قرارات فصلك وتحويلك للنيابة.. بس مفيش حد من النيابة هيوصل، لأن في مفاجأة تانية خالص مستنياها على مكتبها هتقلب الطاولة فوق دماغها ودماغ عادل مراد.”
في نفس الوقت، الساعة كانت دخلت على تلاتة الفجر.
شاهندا كانت واقفة في بلكونة شقتها الجديدة في جاردن سيتي، الشقة اللي كانت بتاعة الحاجة فريدة الله يرحمها. كانت قالعة الفستان الأسود ولابسة روب ستان كحلي، وماسكة في إيدها مج قهوة دافي بتشرب منه وهي تبص لشوارع القاهرة الهادية.
تلفونها رن برنة خاصة ومكتومة.
بصت في الشاشة، كان رقم دولي غريب مش متسجل.
شاهندا فتحت الخط وحطت التلفون على ودنها من غير ما تتكلم.
جاءها صوت راجل، نبرته عميقة ورزينة، وفيها بحّة غريبة، الصوت ده مكنتش تسمعه من سنين.. صوت خلاها تتسمر في مكانها ومج القهوة يترعش في إيدها.
الصوت قال: “عاش من شافك يا بنت المنصوري.. ضربة قوية الليلة في الحفلة، شريف كان يدوبك عيل وغلط. بس اللعب الحقيقي هيبدأ الصبح.. ومستني أشوف هتعملي إيه لما تعرفي إن الحاجة فريدة مامتتش موتة طبيعية.. وإن السر كله في الخزنة القديمة اللي في مكتبها.”
الخط قطع فجأة.
شاهندا أنفاسها تسارعت، وقلبها بدأ يدق بعنف لدرجة حست إنه هيقف. بصت للتلفون بذهول ورعب لأول مرة في حياتها.. الشخص ده ميت بقاله خمس سنين! إزاي بيكلمها دلوقتي؟ وإيه علاقة موت الحاجة فريدة باللي بيحصل؟
الصبح قرب يلوّح في الأفق، والشمس بدأت تطلع فوق نيل القاهرة.. شاهندا واقفة ومبقتش عارفة: هل هي اللي بتدير اللعبة؟ ولا في حد أكبر بكتير ميرحموش.. هو اللي بيحركها هي وشريف ومنير زهران زي قطع الشطرنج، ومستنيها الصبح في الشركة عشان ينهي اللعبة كلها؟


