نور وسليم

الزجاج الفاميه اتقفل بالكامل، والموتور زأر وصوت الكاوتش صرخ على الأسفلت والعربية طارت وسط زحمة الكورنيش، وسابت وراها “نور” واقفة متثبتة في مكانها، الجرايد لسه في إيدها، وقلبها بيدق في صدرها زي طبول الحرب.
الكلمة كانت لسه بترن في ودنها “وهشتري صاحبتها معاهم”.. الكلمة مكنتش مجرد معاكسة عابرة من بتاعة أولاد الذوات، النبرة اللي قالها بيها كانت فيها أمر، فيها ملكية، وفيها ثقة تخوف. بصت حواليها لقت الناس ماشية عادي، مفيش حد حس بالزلزال اللي حصل جواها من ثواني. لمت شتات نفسها بالعافية، وعدلت شالها القطيفة القديم حوالين كتافها، وضمت الجرايد لصدرها كأنها بتحتمي فيها من الدنيا، ومشيت بخطوات سريعة وهي بتلتفت وراها كل شوية، حاسة إن عيون العربية السوداء لسه بتراقبها من وسط الضلمة.
وصلت الحارة بتاعتهم متأخر، الحارة اللي في غيط العنب، البيوت القديمة لزق في بعضها، وريحة الشاي بالنعناع طالعة من القهاوي الصغيرة، وصوت الضحك العالي والزهر بيلعب على الطاولات. دخلت بيتهم، شقة صغيرة في الدور الأرضي، أول ما فتحت الباب لقت أمها قاعدة على الكنبة بتهز رجلها وقلقانة، أول ما شافتها قامت وخدتها في حضنها:
كل ده تأخير يا نور؟ بالي انشغل عليكي يا بنتي، الجو برا ساقعة ومبقتش آمن ليكي اللف في الشوارع لحد نص الليل ده.
نور حاولت تبتسم وتخبي الرعشة اللي في إيدها، حطت الجرايد اللي متباعتش على الترابيزة الخشب وقالت بصوت هادي:
غصب عني يا أماه، السوق كان نايم النهاردة، والرجل كانت ثقيلة على الكورنيش. بس الحمد لله، أهو ربنا سترها وعدت.
أمها بصت في عينيها بحنان ومسحت على شعرها:
ربنا يحميكي ويوقفلك أولاد الحلال يا بنتي.. ادخلي غيري هدومك وكل لقمة دافية تسند طولك.
نور دخلت اوضتها الضيقة، قعدت على السرير وبصت من الشباك الصغير اللي بيطل على منور البيت. ملامح الراجل صاحب العربية مش عايزة تروح من بالها. عيونه الحادة اللي زي عيون الصقر، دقنه الخفيفة المترتبة بعناية، النفوذ والسيطرة اللي كانوا خارجين من كل تفصيلة فيه. سألت نفسها: “هو في ناس كده فعلاً؟ ناس بالهيبة دي كلها؟ وبيدوروا على إيه من واحدة غلبانة زيي؟” حطت راسها على المخدة وهي بتدعي ربنا إن الموضوع يكون مجرد موقف عابر والليل يمحيه.
لكن الدنيا مكنتش نايا لـ نور بالسلام ده.
في الناحية التانية من القاهرة، في مكتب فخم جداً في التجمع الخامس، الحوائط بتاعته متغطية بالخشب الأبنوس الأسود، والإضاءة خافتة ومريحة، كان سليم منصور قاعد ورا مكتبه العريض، رامي ظهره لورا وبيشرب سيجاره الكوبي ببطء، وعينيه باصة للسقف والدخان بيطلع بشكل منتظم.
الباب اتفتح ودخل “عزمي”، دراعه اليمين والراجل اللي بيخلص له كل الشغل القذر من سنين. عزمي وقف باحترام وقفل الباب وراه:
سليم بيه، كل الترتيبات لصفقة المينا الجديدة جاهزة، والورق كله محتاج إمضاء حضرتك عشان نبتدي نتحرك قبل ما حد من السوق يحس.
سليم من غير ما يبص له ومن غير ما ينزل رجله اللي حاططها فوق المكتب قال بنبرة هادية بس تقطع النفس:
الصفقة هتم يا عزمي.. بس مش ده اللي شاغلني دلوقتي.
عزمي استغرب، سليم منصور عمره ما في حاجة شغلته عن الشغل والفلوس والنفوذ:
تؤمر بإيه يا باشا؟ في حد ضايقك في الكورنيش النهاردة؟
سليم نزل رجله، وطفا السيجار في الطفاية الكريستال وبص لعزمي بنظرة خلت عزمي يبلع ريقه:
البنت اللي كانت بتبيع جرايد عند إشارة الكورنيش الساعة عشرة.. عايز أعرف عنها كل حاجة. ساكنة فين، أهلها مين، وبتنزل امتى وتطلع امتى. تفصيلة صغيرة مش عايزها تفوتك يا عزمي. معاك لحد بكرة العصر تكون كل حاجة عنها على مكتبي.
عزمي هز راسه بسرعة من غير ما يسأل ولا سؤال:
اعتبره حصل يا بيه، بكرة كل معلوماتها هتكون عندك.
خرج عزمي وسليم رجع لورا تاني، افتكر ابتسامتها البريئة اللي هزت جبل جواه متهزش من سنين. سليم منصور، الراجل اللي الحيتان في السوق بتخاف من اسمه، اللي صفقاته بتهز بورصة وعائلات كبار، لقى نفسه مشدود لضحكة بنت غلبانة بتبيع جرايد في الساقعة. مكنش حب، كان رغبة في الامتلاك، رغبة إن الطاقة الصافية دي تكون بتاعته هو وبس، يدخلها عالمه المظلم ويشوف هتعمل إيه.
تاني يوم، نور صحيت من النجمة، الجو كان مغيم وريحة المطر مآنسة الجو. صلت فرضها، ولمت الجرايد الجديدة ونزلت. كانت حاسة بإنقباض في قلبها، بس لقمة العيش مرة ومفيش وقت للخوف. مشيت في شوارع وسط البلد، بتنادي بصوتها الرقيق:
الأهرام.. الأخبار.. شوف حظك النهاردة يا بيه.. اقرأ الجرنان يا باشا.
النهار عدى ببطء، وعلى المغربية المطر بدأ ينزل خفيف، يبلل الأسفلت ويعكس نور العواميد. نور وقفت تحت تندة محل مقفول تحتمي من المطر، كانت بتفرك إيديها في بعض عشان تدفيهم. فجأة، لقت عربية سوداء ضخمة وقفت قدامها بالظبط. نفس العربية. ونفس الزجاج الفاميه اللي نزل ببطء.
سليم كان قاعد ورا، باصص لها وعينيه فيها نظرة انتصار كأنه كان عارف إنه هيلاقيها هنا بالظبط.
مش قولتلك هشتري الجرايد دي كلها؟ واقفة في المطر ليه وبتعندي نفسك؟
نور رجعت خطوة لورا، الخوف ظهر في عينيها بوضوح وقالت بصوت بترعش:
أنا مش بعند يا بيه.. أنا بشتغل. لو عايز تشتري الجرايد اتفضل، مش عايز سيبني في حالي الله يخليك.
سليم ضحك ضحكة رجولية واثقة، وفتح باب العربية ونزل. طوله الفارع وبالطو الجوخ الأسود اللي لابسه وساعته اللي بتلمع خلوا الناس اللي ماشية في الشارع تبص عليه بهيبة. قرب منها لحد ما بقاش في بينهم غير خطوة واحدة، ونور حست إنها قزمة قدامه.
سليم منصور مبيرجعش في كلمته يا قطة. أنا قولت هشتري الجرايد وهشتريكِ معاهم. وعزمي جابلي كل حاجة عنك.. نور، ساكنة في غيط العنب، وبتصرفي على أمك المريضة. تفتكري واحدة زيك المفروض تقف في المطر ده؟
نور صدمتها كانت فوق الوصف، جسمها كله سقع مش من المطر، من الرعب:
أنت مين؟ وعايز مني إيه؟ وإزاي تجرؤ تدور ورايا؟ أنا بنت ناس طيبين ومبنقبلش بحاجة حرام!
سليم قرب أكتر، وهمس بصوت منخفض بس قوي:
ومين جاب سيرة الحرام؟ أنا هاخدك من هنا، هعيشك في مكان عمرك ما حلمتي بيه، أمك هتاخد أحسن علاج، وأنتِ مش هتشوفي الشارع ده تاني إلا وأنتِ راكبة أحدث عربية. بس المقابل.. إنك تكوني بتاعتي، تحت أمري، وفي طوعي.
نور بصلته بعزة نفس وكرامة بنت البلد، ودموعها نزلت واختلطت بالمطر، رمت حزمة الجرايد في الأرض تحت رجليه وقالت بعصبية وصوت مخنوق:
كرامتي وجرايدي اللي في الأرض دول عندي بالدنيا كلها يا بيه! أنا متباعش بفلوسك ولا بنفوذك. ابعد عني وعن عيلتي احسنلك!
لفت ضهرها وجريت وسط المطر وهي بتعيط، وسليم فضل واقف في مكانه، باصص على الجرايد اللي المطر بدأ يدوب ورقها تحت رجليه. عزمي قرب منه بسرعة ومسك شمسية فوق راسه:
اؤمرني يا سليم بيه.. نجيبها بالذوق ولا بالطريقة التانية؟
سليم وطى، مسك جرنان مبلول من الأرض، وطبقه ببرود وهو بيبتسم ابتسامة مرعبة:
لا يا عزمي.. البنت دي عنيدة، والعناد مع سليم منصور متعة تانية خالص. سيبها تمشي دلوقتي.. بس جهزلي اللعبة الكبيرة، هتيجي لحد عندي وراكعة كمان، وهي اللي هتطلب الحماية.
مرت تلات أيام، ونور حابسة نفسها في البيت، مش قادرة تنزل الشارع من الخوف، وأمها عمالة تسألها عن السبب وهي بتقول إنها تعبانة ومش قادرة. لكن الكابوس بدأ يتحول لحقيقة لما الباب خبط بقوة في يوم من الأيام.
نور فتحت الباب ولقت جيرانهم واقفين ووشوشهم صفرا:
الحق يا نور.. أخوكي الصغير كريم.. اتمسك في القسم! بيقولوا كان شغال في دليفري ولقوا معاه ممنوعات في الموتوسيكل بتاعه!
الدنيا لفت بـ نور، أخوها كريم غلبان وفي ثانوية عامة وبيشتغل عشان يساعدهم، مستحيل يعمل كده! جريت على القسم وهي مش شايفة قدامها، وهناك لقت المأمور رافض تماماً يسمعها، والورق كله متقفل ضد أخوها، والقضية فيها ليلة كبيرة وسجن سنين. وهي قاعدة على الرصيف قدام القسم بتبكي بحرقة ومش عارفة تعمل إيه، لقت عربية مرسيدس سوداء بتهدي قدامها.
الباب الوراني اتفتح، وظهر سليم منصور، لابس نظارته الشمسية وبص لها ببرود:
قولتلك هتيجي بنفسك يا نور.. أخوكي ملوش ذنب، بس خروجه بكلمة واحدة مني، وسجنه المؤبد برضه بكلمة مني. هتركبي معايا ونقفل الاتفاق، ولا تسيبيه يضيع شبابه؟
نور بصت للعربية، وبصت لباب القسم، حست إن الحارة والفقر والدنيا كلها حاصروها في زاوية ملهاش منها مفر. دموعها جفت، وحست بنار بتتحرق جواها، مشيت بخطوات ميتة وركبت العربية جنب سليم. العربية اتحركت بسرعة، وسليم مد إيده ومسح دموعها بصباعه بكل حنية تخوف:
من النهاردة مفيش عياط.. من النهاردة أنتِ في حماية سليم منصور.. بس افتكري، الثمن غالي أوي يا نور.
العربية بدأت تبعد عن وسط البلد وتدخل في طريق صحراوي سريع وضلمة، ونور باصة من الشباك وهي حاسة إنها بتودع حياتها القديمة للابد، ومش عارفة إيه اللي مستنيها في القصر اللي العربية رايحة عليه، ولا إيه طبيعة الشغل أو السيطرة اللي سليم ناوي يفرضها عليها، والاتفاق ده هيوديها لحد فين!العربية كانت بتنهش طريق السويس الصحراوي ببرود، وصوت الكاوتش وهو بياكل الأسفلت كان هو الصوت الوحيد المسموع جوة الصالون الفخم اللي ريحته مخاليط من الجلد الطبيعي وعطر سليم النفاذ اللي يخنق من قوته. نور كانت سانة ضهرها على الباب، لامة رجليها لصدرها كأنها بتحاول تصغر في الحجم عشان متلمسش أي حاجة تخص الراجل ده. عينيها كانت متعلقة بالطريق برا، الضلمة الكاحلة اللي مبيكسرهاش غير كشافات العربية، وأعمدة الإنارة اللي بتعدي بسرعة زي الذكريات اللي بتتهرب منها.
سليم كان قاعد في الناحية التانية، رامي راسه لورا وعينيه مغمضة، بس صوابعه كانت بتمشي بانتظام على دراع الكرسي، دقات منتظمة ومستفزة. فجأة، ومن غير ما يفتح عينيه، قال بنبرة هادية بس واضحة:
”مبحبش الخوف يا نور.. الخوف بيخلي الواحد يغلط، وأنا مبردخشي للغلط.”
نور لفت وشها ليه، وبقوة بنت البلد اللي طالعة من وسط الغلب، ضغطت على سنانها وقالت:
”واللي زيي يعمل إيه غير إنه يخاف؟ أنت خدت أخويا رهينة، وبتساومني على حياته! عايزني أضحكلك يعني؟”
سليم فتح عينيه ببطء. النظرة كانت باردة كالموت، مفيش فيها أي تعاطف:
”أنا مساومتكيش.. أنا عرضت عليكي صفقة، وأنتِ وافقتي. كريم أخوكي دلوقتي زمانه خارج من باب القسم، ورقتي وصلت للمأمور قبل ما نتحرك بكيلومتر واحد. يعني المقابل وصلك مقدماً.. دلوقتي دورك تسددي اللي عليكي.”
نور بلعت ريقها المر، وحست بغصة في حلقها:
”واللي عليا ده إيه بالظبط؟ أنت قولتلي مش حرام.. بس كلامك وتصرفاتك كلها بتقول إنك هترمي بيا في النار.”
سليم ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها كمية ثقة تخلي اللي قدامه يحس بالصغر:
”النار دي بتاعتي أنا بس يا نور.. أنتِ هتكوني في الجنة اللي هخلقهالك. بس جنة بشروطي. من بكرة، مفيش حاجة اسمها غيط العنب، مفيش جرايد، مفيش فقر. فيه قصر، فيه لبس هانم، وفيه دراسة لو عايزة تكملي علامك.. بس قصاد ده، كلمتي هيمشي على رقبتك زي السيف. هتعيشي عشان تكوني الواجهة اللي بظهر بيها قدام المجتمع اللي بينتقد نفوذي، وبنفس الوقت.. هتكوني الأمانة اللي ممنوع حد يلمسها غيري.”
العربية هدت سرعتها فجأة، ودخلت من بوابة حديد ضخمة فتحت أوتوماتيكياً. القصر كان واقف في وسط جنينة واسعة زي المارد، إضاءته خافتة ومليانة غموض. أول ما العربية وقفت، عزمي فتح الباب من ناحية نور ونزل رسه باحترام:
”حمد الله على السلامة يا سليم بيه.. كله تمام، والست الوالدة بتاعت الآنسة جالها دكتور خصوصي للبيت ومطمنينها إن بنتها في شغل تبع شركة كبيرة برا القاهرة.”
نور نزلت، ورجليها كانت بتترعش وهي بتبص للقصر. سليم نزل وراها، وعدل بالطو الجوخ بتاعه، وبص لها وقال:
”ادخلي يا نور.. من هنا هتبدأ حياتك الجديدة.. أو بمعنى أصح، سجنك الاختياري.”
دخلت نور القصر، وكانت الممرات واسعة والحيطان مليانة لوحات زيتية لشخصيات قديمة وكأنها في متحف. طلعت معاها واحدة من الشغالات لحد أوضة واسعة جداً، فيها سرير ملكي ولبس كتير غالي محطوط على السرير. قفلت الباب على نفسها، ورمت جسمها على الأرض ورا الباب وانفجرت في عياط مكتوم. كانت حاسة إنها باعت نفسها عشان تنقذ عيلتها، بس في نفس الوقت، كان في سؤال بياكل عقلها: “ليه أنا بالذات؟ سليم منصور بكل فلوسه، ليه اختار بنت الجرايد عشان يعمل معاها كل ده؟”
مرت الأيام متشابهة في القصر، نور بقت عاملة زي العصفور المحبوس في قفص من دهب. سليم كان بيغيب بالأيام ويرجع في نص الليل، مبيتكلمش معاها كتير، بس نظراته كانت دايماً بتبص عليها كأنها قطعة ديكور ثمينة اشتراها وبيتأكد إنها لسه في مكانها. جاب لها مدرسين يعلموها إتيكيت، وطريقة كلام، ولبس، بس روحها كانت لسه هناك، في شوارع وسط البلد مع ريحة المطر والجرايد.
في ليلة من الليالي، الجو كان عاصف جداً وصوت الرعد بيهز شبابيك القصر. نور كانت قاعدة في الصالون الكبير بتقرأ كتاب، فجأة الباب الخارجي اتفتح ودخل سليم، بس المرة دي مكنش داخل بهيبته المعتادة. كان ساند على عزمي، وهدومه مليانة تراب وفي بقعة دم مغرقة قميصه الأبيض من ناحية كتفه.
نور قامت وقفت ومفتوحة عينيها من الصدمة، عزمي قال بصوت واطي ومخطوف:
”آنسة نور.. ارجوكِ ساعديني، الباشا انضرب عليه نار على الطريق، ومينفعش نروح مستشفى دلوقتي، الدنيا مقلوبة برا وفي عيون مراقبانا!”
سليم قعد على الكنبة بجهد كبير، ووشه كان شاحب وعرقان، بس عينيه لسه فيها نفس الجبروت. بص لنور وقال بصوت متحشرج:
”متقربيش يا نور.. مش عايزك تشوفي الوش ده مني.”
لكن نور، بجدعنة بنت البلد اللي م بتهربش وقت الشدة، نسيت كل الخوف والكره اللي جواها ليه. جريت على المطبخ جابت علبة الإسعافات الأولية ومية سخنة ورجعت بسرعة. قعدت على ركبها قدامه، وبدأت تقص قميصه بإيد بتترعش بس متماسكة.
سليم كان بيبص لها وهي بتنظف الجرح بمهارة وهدوء، مكنتش بتعيط ولا خايفة من الدم، كانت مركزة إنها تنقذ الراجل اللي دمر حياتها، بس في النهاية هو بني آدم بيموت قدامها. سليم مسك إيدها فجأة وهي بتحط الشاش، النظرة الباردة اختفت وحل مكانها نظرة ضعف لأول مرة:
”ليه بتساعديني يا نور؟ أنا اللي رميت أخوكي في السجن وجبتك هنا غصب عنك.”
نور بصت في عينيه مباشرة، وقالت بصوت قوي وثابت:
”عشان أنا بنت ناس طيبين يا سليم بيه.. ومتربيتش إني أشوف حد بيموت وأسيبه، حتى لو كان الحد ده هو اللي ظلمني. بس اوعى تفتكر إن ده معناه إني نسيت، أو إني بقيت بتاعتك.”
سليم ابتسم وسط ألمه، وغمض عينيه وهو بيقول بصوت واطي جداً كأنه هيموت:
”العناد ده.. هو اللي هيقضي عليا يا نور.”
سليم غاب عن الوعي، ونور فضلت سهرانه جنبه طول الليل بتغير له على الجرح وبتراقبه وهو بيئن من الوجع. في الليلة دي، حست إن الجبل اللي كان مخوفها، طلع في النهاية إنسان من لحم ودم، ضعيف وممكن يموت في ثانية.
تاني يوم الصبح، سليم بدأ يفوق، لقى نور نايمة وهي قاعدة على الكرسي اللي جنبه، وشعرها نازل على وشها بتلقائية. فضل باصص لها كتير من غير ما يتحرك، حاسس بإن البنت دي بتغير حاجة جواه، حاجة كان فاكر إنها ماتت من سنين وسط صفقات السلاح والنفوذ والدم.
بس الهدوء ده مكنش هيطول. فجأة، صوت ضرب نار عنيف بدأ يضرب برا القصر، وصوت صريخ الشغالين ملأ المكان. عزمي دخل الأوضة بيجري وهو ماسك سلاحه:
”سليم بيه! رجالة عائلة الهواري حاصروا القصر! عرفوا إنك مصاب وجايين يخلصوا القديم والجديد!”
سليم حاول يقوم وهو بيضغط على جرحه وبيتأوه، نور صحيت مخضوضة وبصت حواليها برعب. سليم بص لعزمي وقال بأمر حاسم:
”خد نور واطلع بيها من الممر السري اللي ورا المكتبة.. متخليش مخلوق يلمحها يا عزمي! لو جرى لها حاجة، رقبتك هتبقى الثمن!”
نور رفضت وتحركت ناحية سليم:
”مش هسيبك لوحدك وأنت تعبان كده! هيموتوك!”
سليم مسكها من كتافها وبص في عينيها بكل قوة وقربها منه:
”امشي يا نور! وجودك هنا هيشتتني.. أنا سليم منصور، ومفيش كلب من دول يقدر عليا وأنا صاحي. امشي عشان خاطري!”
كلمة “عشان خاطري” طلعت منه بنبرة غريبة، نبرة رجاء عمر ما حد سمعها منه قبل كده. عزمي شد نور بالعافية وهي بتبكي وتصرخ باسمه، ودخلوا ورا المكتبة في ممر ضلمة طويل، وصوت ضرب النار برا كان بيزيد وبيقرب من باب الأوضة.
خرجت نور مع عزمي من فتحة في آخر الجنينة، وكانت في عربية مستنياهم. ركبوا وطاروا في وسط الصحراء، ونور باصة وراها على القصر اللي بدأ الدخان يطلع منه، وحست بنغزة في قلبها مكنتش فاهماها. هل هي خايفة على سليم؟ الراجل اللي خطفها وحبسها؟ ولا الخوف من المجهول اللي مستنيها لو سليم مات والوحوش التانية بدأت تدور عليها؟
العربية فضلت ماشية لساعات لحد ما وصلت لمكان مهجور، بيت قديم في وسط المزارع. عزمي نزل ونزلها معاه وقال لها:
”هتقعدي هنا يا آنسة نور.. المكان ده محدش يعرفه غيري أنا والباشا. هقفل عليكي، ومعايا رجالة هيحرسوا المكان من بعيد.”
نور قعدت في البيت المهجور، الساعات كانت بتمر عليها زي السنين. مفيش أي أخبار، مفيش تليفونات، وصوت ضرب النار كان لسه بيرن في ودنها. فضل السؤال يتردد في عقلها: “لو سليم مات.. أنا هروح فين؟ وأخويا وأمي هيحصل لهم إيه؟” اكتشفت فجأة إن حياتها وحياة عيلتها بقت مربوطة بحياة الراجل ده، وبقت تدعي من كل قلبها إنه يعيش، مش حباً فيه، بس عشان هو الوحيد اللي واقف بينها وبين الهلاك.
بعد يومين كاملين من الانتظار القاتل، في نص الليل، سمعت صوت عربية بتقف برا البيت. نور قامت وقفت ورا الباب وقلبها هيقف من الخوف. الباب اتفتح ببطء، وظهر خيال راجل طويل..
كان سليم. بس مكنش لوحده، كان رابط دراعه بالشاش، وهدومه متبهدلة دم وتراب، وفي إيده مسدس بيقطر منه دم. بص لنور بنظرة غامضة، وقال بصوت حاد ومرعب:
”اللعبة كبرت يا نور.. والكلاب عرفوا طريقك. من النهاردة، مفيش حماية في القصر.. الحرب بدأت علني، وأنتِ بقيتي في قلب المعركة معايا وجنب سليم منصور خطوة بخطوة.. جاهزة تشوفي وش الشيطان الحقيقي؟”
نور بصت للدم اللي على إيده، وبصت لعينه اللي مفيش فيها أي رحمة، وحست إن الباب اللي اتقفل ورا سليم هو باب الجحيم اللي ملوش أي مخرج، وإن القصة لسه بتبدأ، والدم اللي سال مش هيكون الأخير.نور بلعت ريقها وبصت لعينه اللي مفيش فيها أي رحمة، بس المرة دي مهربتش بعينيها ولا رجعت خطوة لورا. الرعب اللي عاشته الأيام اللي فاتت جمد قلبها، وبنت غيط العنب اللي جواها صحت. عدلت وقفتها وقالت بنبرة حادة وصوت ثابت هز أركان الأوضة الضلمة:
”لو فاكر إن البنت الغلبانة اللي كانت بتبيع جرايد في الساقعة لسه موجودة تبقى غلطان يا سليم بيه. أنت اللي رميتني في وسط نارك، واستحملت عشان خاطر عيلتي. لو كانت نهايتي معاك في المعركة دي.. يبقى مش هقع لوحدي. وريني الشيطان اللي جواك أخره إيه، عشان أنا مابقاش عندي حاجة أخاف عليها!”
سليم نظرة عينه اتغيرت، ولمعة إعجاب مكنش قادر يخبيها ظهرت في وسط ملامحه القاسية. نزل المسدس اللي في إيده وحطه على الترابيزة وقرب منها، وبصوت واطي زي الفحيح قالها:
”كنت عارف إنك مش زي أي حد قابلته.. ودلوقتي جه الوقت اللي ننهي فيه اللعبة دي كلها.”
في نفس الليلة، سليم وعزمي ونور مقعدوش. سليم حط الخطة الأخيرة عشان يقطع راس الأفعى؛ عائلة الهواري اللي كانت عايزة تخلص منه وتاخد سوق السلاح والشركات لحسابها. نور مكنتش مجرد متفرجة، سليم شغلها معاه في المراقبة وتوصيل رسايل مشفرة لرجالة السوق عن طريق تليفونات مفيش حد يقدر يتتبعها، ذكاء نور وسرعة بديهتها خلوا خطة سليم تمشي زي الساعة من غير ما الهواري يحس بأي غدر.
الضربة الكبيرة كانت بعد ٢٤ ساعة بالظبط.. في مخزن قديم على أطراف الماكس في الإسكندرية، ريحة اليود بتاعة البحر مختلطة بريحة البارود. سليم جمع رجاله وحاصر “كبير الهوارية” في وكرهم، ودارت معركة شرسة وصوت الرصاص كان بيشق سكون الليل. نور كانت قاعدة في العربية البعيدة مع عزمي، ماسكة تليفون المراقبة بـ إيد بتترعش بس قلبها مبيتهزش، لحد ما جيه صوت سليم في اللاسلكي:
”كله انتهى يا عزمي.. السوق اتنظف، ومبقاش فيه حد يقدر يقف قصاد سليم منصور تاني.”
بعد الليلة دي، كل حاجة اتغيرت. كريم أخو نور رجع لبيته وراسه مرفوعة بعد ما القضية اتقفلت تماماً وكأنها لم تكن، وأمها اتنقلت لأكبر مستشفى في القاهرة وبدأت رحلة علاجها على نظافة.
في يوم صافي، ونور واقفة في بلكونة جناحها الفخم في القصر اللي رجع أحسن من الأول، وباصة على الجنينة الواسعة والشمس بتنور المكان، حست بـ إيد دافية بتتحط على كتفها. لفت لقت سليم واقف لابس قميص أسود مريح، ملامحه كانت هادية لأول مرة من يوم ما شافته.
سليم طلع من جيبه ورق وحطه في إيدها:
”ده ورق ملكية الشقة الجديدة لأمك وأخوكي في أرقى حتة في الإسكندرية، ومعاهم حساب في البنك يأمن لـ كريم دراسته ومستقبله بالكامل.. وده باسبور وتذكرة سفر لأي حتة في الدنيا لو عايزة تبعدي عني وعن عالمي وعن سجنك الاختياري يا نور. أنا سددت ديني، وحقك رجعلك، وأنتِ دلوقتي حرة.”
نور بصت للورق وبصت لعينه، وشافت فيهم سليم البني آدم، مش سليم منصور الحوت اللي الكل بيترعب منه. شافت الراجل اللي حماها وضحى بنفسه عشانها في وسط ضرب النار. سكتت لثواني، وابتسامتها الصافية بتاعة زمان رجعت نورت وشها تاني، بس المرة دي كانت ابتسامة قوة وعارفة طريقها كويس.
مسكت تذكرة السفر وباسبورها، وقامت مقطعاهم حتت صغيرة رمتهم من البلكونة للهوا، وبصتله بعزة نفس وقالت:
”أنا جيت هنا غصب عني يا سليم.. بس مش هخرج من هنا إلا بمزاجي. وعالمك المظلم ده.. محتاج لنور بنت البلد عشان تفضل منورة الحتة اللي جوة قلبك.”
سليم ابتسم ضحكة حقيقية طالعة من قلبه لأول مرة من سنين، وقرب منها ومسك إيدها وضغط عليها بحنان:
”والمعركة اللي جاية يا نور؟”
نور بصت لطريق الكورنيش من بعيد وقالت بثقة:
”إحنا اللي هنكتب شروطها من أول وجديد.”



