الضحيه شاهنده

النور بدأ يرجع لعينيها تدريجي، بس الرؤية كانت مشوشة، ريحة البنج والمطهرات كانت مخلياها مش قادرة تتنفس. شاهندة فتحت عينيها براحة وهي بتسمع صوت صفير منتظم وجنبها أجهزة كتيرة. أول حاجة عملتها إيدها راحت لبطنها بتلقائية.. بطنها كانت فاضية ومشدودة برباط ضاغط كبير. لفت رقبتها بوجع ودموعها نزلت وهي شايفة حازم قاعد على الكرسي اللي جنب السرير، راسه بين إيديه، وهدومه مبهدلة، والهم ساكن ملامحه.
​”حازم..” الصوت طلع من حنجرتها مبحوح وضعيف زي الهمس.
حازم رفع راسه بسرعة، وعينيه الحمرا المليانة دموع لمعت أول ما شافها فتحت عينيها. قام وقف وخد إيدها باسها بلهفة: “شاهندة! حمد الله على سلامتك يا حبيبتي.. ألف حمد الله على سلامتك. أنا مش مصدق إنك فقتي.”
شاهندة ضغطت على إيده بضعف وسألته والدموع مغرقة وشها: “العيال يا حازم.. يوسف وفريدة فين؟ حصلهم ايه؟”
حازم حاول يبتسم عشان يطمنها ومسح على شعرها: “العيال بخير يا حبيبتي، اتولدوا بدري ودلوقتي في الحضّانة.. الدكتور طمني عليهم، حالتهم مستقرة بس محتاجين وقت عشان الوزن ورقتهم تكتمل. المهم إنتِ.. إنتِ عديتي بمرحلة صعبة أوي، جالك نزيف حاد والرحم كان في خطر، بس ربنا ستر.”
​شاهندة غمضت عينيها ودموعها نازلة على مخدرتها، وافتكرت كل حاجة.. افتكرت نيرمين والحاجة فادية، الوجع، الضربة، الترباس المعشوق، والكلمة الأخيرة: “مسحتي اللي سجلته الكاميرا دي ولا لسه؟”
فتحت عينيها فجأة وبصت لحازم بعيون مليانة رعب وغضب: “هما فين يا حازم؟ أختك وأمك فين؟”
ملامح حازم اتغيرت، والوجع ظهر على وشه، قعد تاني على الكرسي وتنهد تنهيدة طالعة من حشا جوفه: “أمي ونيرمين هما اللي جابوكي المستشفى يا شاهندة.. نيرمين كانت بتبكي وانهارت، وقالت إنك اتزحلقتي في المطبخ والمية نزلت، وهما اتخضوا وجابوكي هنا جري. نيرمين مسبتنيش لحظة على التليفون وأنا في دبي لحد ما قطعت التذكر ورجعت فوراً.”
​شاهندة سحبت إيدها من إيده بعنف، وبصتله بنظرة صدمة: “اتزحلقت؟ نيرمين قالتلك إني اتزحلقت؟”
حازم استغرب رد فعلها: “في ايه يا شاهندة؟ هما قالوا كده.. والورق بتاع الشغل اللي كان معايا في الشقة نيرمين قالتي إنها لقت الدوسيه واقع جنبك وغرقان مية فخدته معاها عشان ميبوظش. أنا مش فاهم حاجة، مالك بتتكلمي عنهم كدة ليه؟”
​شاهندة ضحكت ضحكة مكتومة مليانة وجع وكسرة، ضحكة خلت جرح القيصرية يسمّع في ضهرها. بصت لسقف الأوضة وقالت بنبرة حاسمة زي الموس: “اسمعني يا حازم.. أختك وأمك مجوش يزوروني، أختك وأمك دخلوا بيتي بـمفتاح سارقينه أو عاملينه نسخة. أختك رمت في وشي دوسيه تزوير عشان تسرق الـ 5 مليون جنيه بتوع ولادك، ولما رفضت وأبلكيشن البنك قفل، أختك ضربتني بكوعها في بطني عشان تاخد بصمتي بالعافية.. هما اللي سقطوني، وهما اللي كانوا عايزين يسرقوا عيالك ويموتوني!”
​حازم وقف مصدوم، خطوتين لورا، وشه بقا أبيض زي الورقة: “إنتِ بتقولي ايه يا شاهندة؟ إنتِ أكيد بتهلوسي من البنج! أمي ونيرمين يعملوا كدة؟ يسرقوني ويهدوا بيتي؟ لأ طبعاً، نيرمين طايشة أه وبتحب الفلوس، بس متوصلش للإجرام والق*تل!”
شاهندة رفعت صباعها في وشه بقوة مكنتش تعرف إنها عندها: “أنا مراجعة حسابات قانونية يا حازم، أنا عقلي يوزن بلد ومبيغيبش. نيرمين زورت إمضاءك، ونيرمين ضربتني، وأمك قفلت باب المطبخ بالترباس عشان ميعلاش صوتي والناس تتلم! ولما وقعت بين الحيا والموت، أمك سألتها: مسحتي اللي سجلته الكاميرا ولا لسه؟”
​حازم بدأ يتنفس بسرعة، عقله مش قادر يستوعب إن أمه وأخته هما السبب في إن ولاده يترموا في الحضانات ومراته تموت.. قال بصوت مرتعش: “كاميرا ايه؟ الشقة مفيهاش كاميرات يا شاهندة!”
شاهندة ابتسمت بانتصار: “قبل ما تسافر بأسبوع، أنا حسيت إن الشغالة اللي كانت بتيجي بتمد إيدها على الحاجه، فجبت كاميرا صغيرة جداً لاسلكية بتشتغل بالواي فاي وبتسجل على كارت ميموري وعلى سيرفر في الأبلكيشن عندي على الموبايل، وحطيتها فوق تقفيلة الخزين ومحدش يعرف عنها حاجة.. هما شافوها بالصدفة وأنا بقع، وافتكروا إنهم لو بوظوا الكاميرا أو شالوا الكارت هيهربوا.. بس متعرفش إن الكاميرا دي بتبعت النسخة فوراً على إيميل مخفي أنا عاملاه ومسجلاه!”
​حازم حط إيده على قلبه، الصدمة كانت أكبر من تحمله.. تليفونه رن في جيبه، بص في الشاشة لقاها نيرمين.
شاهندة بصت للتليفون وقالت بصوت واطي ومرعب: “رد عليها.. وافتح الاسبيكر.”
​حازم رد وإيده بترتعش: “أيوة يا نيرمين.”
صوت نيرمين جه من الناحية التانية، مليان تمثيل وعياط مصطنع: “إيه يا حازم يا حبيبي؟ شاهندة صحت؟ طمني عليها بالله عليك، أنا وأمي مبنامش من امبارح وبندعيلها، والبيت عندنا مقلوب من الخضة.”
حازم بص لشاهندة اللي كانت بتبص له بنظرات حادة زي السكاكين، بلع ريقه وقال بصوت متحشرج: “لسه يا نيرمين.. الدكتور بيقول البنج تقيل وممكن تقعد كام ساعة كمان، وأنا قاعد جنبها مستني.”
نيرمين بنبرة فيها لهفة مستخبية: “طب يا حبيبي.. متقلقش كله هيبقى تمام. بقولك صحيح، الدوسيه بتاع الشغل اللي أنا شيلته من المطبخ عشان ميبوظش، أنا سيبته عندي في شقتي، متقلقش عليه خالص، لما شاهندة تقوم بالسلامة هبقى أجيبه لك.”
حازم حس إن خنجر دخل في ضهره.. أخته بتأكد كلام شاهندة من غير ما تقصد، الدوسيه فعلاً معاها. قال لها: “ماشي يا نيرمين، هقفل دلوقتي عشان الدكتور داخل.”
​قفل الخط، وبص لشاهندة.. الدموع نزلت من عينيه بغزارة، قعد على ركبه جنب السرير ومسك راسه: “ليه؟ ليه يعملوا فيا كدة؟ أنا قصرت معاهم في ايه؟ دي أختي اللي ربيتها ودي أمي اللي شيلتها فوق راسي!”
شاهندة طبطبت على راسه بمرارة: “الطمع يعمي القلوب يا حازم. نيرمين شايفة إنك بقيت فوق وهي لسه تحت، وأمك دايماً بتدلعها وتيجي عليها عشانها. بس المرة دي اللعب كان في الأرواح.. ولادك كانوا هيموتوا. أنا مش هسيب حقي، وموبايلي اللي نيرمين رمت تحت المطبخ، لازم تجيبه.. لأن الأبلكيشن عليه، والإيميل عليه، وهو الدليل اللي هيوديهم ورا الشمس.”
​حازم رفع راسه، عينيه كان فيها تحول غريب، الحزن اختفى وحل محله غضب أعمى وكسرة راجل اتغدر بيه من أقرب الناس ليه. وقف وطول طوله وقال: “أنا هروح الشقة دلوقتي.. هجيب الموبايل، وهشوف الفيديو بنفسي. لو كلامك صح يا شاهندة.. أنا اللي هسلمهم للمشرحة قبل السجن.”
​ساعتين وتلفون حازم رن على رقم شاهندة اللي كانت الممرضة حطاه جنبها. شاهندة ردت بسرعة: “أيوة يا حازم.. لقت الموبايل؟”
صوت حازم كان طالع وكأنه جاي من القبر، صوت ناشف ومفهوش أي روح: “لقيته يا شاهندة.. تحت تقفيلة المطبخ زي ما قولتي. وشوفت الفيديو.”
شاهندة سكتت ثواني، وسألته: “وشوفت ايه؟”
حازم اتنهد تنهيدة هزت سماعات التليفون: “شوفت نيرمين وهي بتضربك.. وشوفت أمي وهي بتقفل الباب.. وشوفتهم وهما بيسيبوكي سايحة في دمك وبيفتشوا في المطبخ عشان يداروا الكاميرا. أنا شوفت شياطين مش أهلي.”
شاهندة قالت بقسوة: “هتعمل ايه يا حازم؟ دول أمك وأختك.”
حازم رد بنبرة حاسمة ومفيهاش تراجع: “أمي وأختي ماتوا بالنسبة لي من الساعتي اللي شوفت فيها الفيديو ده.. أنا كلمت المحامي بتاعي، وجبت تفريغ الفيديو بالكامل على فلاشة، ودلوقتي أنا واقف قدام باب شقة نيرمين.. ومعايا قوة من المباحث.”
​شاهندة قلبت دق يدق بسرعة: “حازم.. فكر كويس، الحاجة فادية ست كبيرة..”
حازم قاطعها بصوت حاد: “الست الكبيرة دي قفلت الباب وسابت ولادي يموتوا عشان الفلوس.. اللي يبيع ولادي ومراتي ملوش مكان في حياتي.”
​في نفس اللحظة، حازم كان واقف قدام باب شقة نيرمين في عمارة في مصر الجديدة. معاه المقدم مصطفى من قسم الشرطة واثنين أمناء شرطة. حازم خبط على الباب بقوة.
فتحت نيرمين وهي لابسة ترينج بيت، وأول ما شافت حازم ابتسمت: “حازم! ايه يا حبيبي، جاي في الوقت ده ليه؟ شاهندة صحت؟”
بس أول ما عينيها جت على الضابط والكلبشات اللي في إيد أمين الشرطة، وشها اتقلب وبقا أصفر كأنه ليمونة: “في ايه.. مين دول؟”
​حازم دخل الشقة من غير ما يستأذن، وراه القوة. الحاجة فادية كانت قاعدة في الصالة بتشرب شاي، وقفت مخضوضة: “في ايه يا حازم؟ جايب الشرطة في بيت أختك ليه يا ابني؟”
حازم بص لأمه بنظرة خلت الست الكبيرة تترعش، وقال للمقدم مصطفى: “هي دي نيرمين الشناوي يا فندم.. ودي الحاجة فادية عبد الرحمن.. هما دول اللي حاولوا يق*تلوا مراتي ويسرقوا فلوسي.”
​نيرمين صرخت بصوت عالي: “إنت اتجننت يا حازم؟ تقت*ل مين وتسرق مين؟ إحنا اللي أنقذنا مراتك لما وقعت في المطبخ وغرقانة في دمها! دا جزاتنا؟”
حازم طلع موبايل شاهندة من جيبه وولع الشاشة وشغل الفيديو قدام وشها: “طب والضربة دي؟ والترباس ده؟ وكلام أمك عن الكاميرا ده ايه؟ مخرجين سينما إحنا وبنمثل؟”
​نيرمين أول ما شافت لقطات الفيديو، لسانها اتمسح، ورجليها مكنتش قادرة تشيلها فقعت على الكنبة وهي بتنهج برعب. الحاجة فادية سابت كباية الشاي تقع من إيدها تتكسر مية حتة على الأرض، وبدأت تعيط وتصوت: “يا لهوي يا حازم.. هتحبس أمك وأختك عشان خاطر واحدة غريبة؟ دي شاهندة اللي وقعت بينكم! نيرمين كانت بتهزر معاها والورق دا كان فكرة طايشة!”
​حازم زعق بصوت هز جدران الشقة كلها، والدموع مالية عينيه: “واحدة غريبة؟ دي مراتي! ودول ولادي اللي في الحضانة بين الحيا والموت! إنتِ مش أمي.. الأم متقفلش الباب على مرات ابنها وهي بتموت، الأم متساعدش في السرقة والتزوير! يا فندم، اتفضل اقمض عليهم، الدوسيه المزور جوة في أوضة نيرمين، والفيديو معاك والبلاغ رسمي بمحاولة الق*تل العمد والتزوير في أوراق بنكية.”
​المقدم مصطفى شاور للأمناء، وفي ثانية كانت الكلبشات حديد في إيد نيرمين اللي بدأت تصرخ وتلطم وتترجى حازم: “بوس إيدك يا حازم متعملش فيا كده! مستقبلي هيضيع! أنا أختك الصغيرة!”
وحازم كان واقف زي الصنم، مبيتحركش، وعينيه مثبتة في الأرض وهو بيسمع صراخ أخته وتوسلات أمه اللي كانت بتقول: “غضبانة عليك ليوم الدين يا حازم لو حبست أختك!”
بس كلماتها دي مكنش ليها أي أثر، لأن قلبه كان خلاص اتقفل واتحجر من قسوة الصدمة.
​بعد مرور شهر كامل..
شاهندة كانت قاعدة في بيتها، بدأت صحتها تتحسن وتقف على رجليها. البيت كان هادي، بس الهداوة دي كان وراها جرح مبيلمش. حازم كان قاعد جنبها، وشكله كبر عشر سنين، دقنه طولت وشعره الأبيض زاد، بس كان ماسك في إيدها كأنه خايف تضيع منه.
في الصالة، كان فيه سريرين صغيرين بتوع أطفال، وجواهم كان نايم يوسف وفريدة.. بعد شهر كامل في الحضّانة، ربنا كتب لهم عمر جديد وخرجوا بالسلامة عشان يملوا البيت بحركتهم ونفسهم.
​شاهندة بصت لحازم وقالت بصوت هادي: “الق*ضية وصلت لفين يا حازم؟”
حازم اتنهد وبص للأرض: “التقرير الفني للمحكمة أثبت إن الورق مزور بالكامل، وبصمات نيرمين على الدوسيه وعلى تليفونك، والفيديو كان الدليل القاطع اللي مكنش فيه مفر.. المحكمة حكمت على نيرمين بـ 7 سنين سجن مشدد بتهمة التزوير والجناية بـالإكراه ومحاولة الق*تل.”
شاهندة سألت بوجع: “وطنط فادية؟”
حازم غمض عينيه وقال: “أمي خدت سنتين مع إيقاف التنفيذ نظراً لسنها وصحتها.. بس هي سابت الشقة وقفلتها وراحت تقعد عند قرايبنا في البلد، ومبتردش على تليفوناتي، وبعتتلي رسالة بتقوللي إنها مش عايزة تشوف وشي تاني لا في الدنيا ولا في الآخرة.”
​شاهندة حطت إيدها على كتفه: “إنت ندمان يا حازم؟”
حازم بص لعيال يوسف وفريدة وهما نايمين في سلام، ونظر لشاهندة وقال بنبرة مكسورة بس قوية: “لو رجع بيا الزمن هعمل نفس الشيء يا شاهندة.. أنا خسرت أمي وأختي بأفعالهم هما، مش بأفعالي أنا. هما اللي اختاروا الفلوس والطمع وسفك الدم.. وأنا اخترت بيتي وعيالي ومراتي اللي صانتني وشالت اسمي.”
​شاهندة حضنته وبكت، وحازم شدد على حضنها.. الشقة كانت أمان، والفلوس في الحساب زي ما هي، والعيال كبروا وبقوا في حضنهم.. بس الحقيقة المرة فِضلت محفورة في قلوبهم: إن ساعات العقارب مش بتيجي من برة، دي بتعيش معاك في نفس البيت، وبتاكل معاك من نفس الطبق، وبتستنى اللحظة اللي تدير فيها ضهرك عشان تلدغك اللدغة القاضية.
​حازم قام وقف وبص من الشباك على شوارع مصر الجديدة والناس اللي رايحة وجاية، وحس إن الدنيا دي غريبة أوي، وإن أغلى درس اتعلمه في حياته كان بتمن غالي جداً.. تمنه إنه يعيش من غير عيلة، بس معاه “بيت” حقيقي بناه بالدموع والوجع.شاهندة قامت براحة من مكانها، وسندت إيدها على كتفه وهي واقفة جنبه قدام الشباك. بصت لملامحه التعبانة وقالت بصوت كله حنية: “حازم.. إحنا مش لوحدنا. إنت خسرت ناس اختاروا يخسروك، بس كسبت عيلة بجد.. كسبت يوسف وفريدة، وكسبتني أنا. إحنا هنبدأ من جديد، والبيت ده مش هيدخله غير الحب وبس.”
​حازم لف ليها وابتسم ابتسامة باهتة بس طالعة من قلبه، وأخدها في حضنه وهو بيبص لسرير التوأم.
​الشهور مرت، وحياة حازم وشاهندة بدأت تاخد شكل جديد تماماً. حازم قفل صفحته القديمة وقرر يركز في شركته وفي تكبير شغله، وبقى كل وقته بعد الشغل لبيته وعياله. يوسف وفريدة بدأوا يكبروا، ويملوا الشقة بضحكهم ولعبهم، والشقة اللي كانت في يوم من الأيام مسرح لج*ريمة بشعة، اتحولت لمكان مليان دفا وأمان.
​وفي يوم، وحازم راجع من الشغل، لقى شاهندة قاعدة في الصالة وماسكة جواب في إيدها ووشها متغير.
​حازم قلق وقرب منها بسرعة: “في ايه يا شاهندة؟ الجواب ده منين؟”
شاهندة رفعت عينيها ليه وقالت بنبرة هادية: “ده جواب من محامي مامتك يا حازم.. الحاجة فادية تعبانة جداً في البلد، وقرايبكم هناك بيقولوا إنها في أيامها الأخيرة.. وطالبة تشوفك.”
​حازم حس إن الأرض بتلف بيه تاني. الذكريات كلها هجمت عليه في ثانية؛ صراخها، دعاها عليه، وقفتها وهي بتقفل الباب.. وفي نفس الوقت، افتكرها وهي بتربيه وهو صغير، وافتكر طعم لمتهم زمان قبل ما الطمع يدخل قلوبهم ويفركش العيلة.
​بص لشاهندة وهو محتار، وعينيه مليانة أسئلة وخوف من المواجهة.
شاهندة مسكت إيده وضغطت عليها وقالتله بنبل حقيقي: “سافر يا حازم.. سافر وشوف أصلك. مهما كان دي أمك، وإحنا مش عايزين نشيل ذنبها، ولا عايزينك تعيش بقية عمرك بـتأنيب ضمير. روح وسامح.. عشان خاطر نفسك وعشان خاطر ولادنا.”
​حازم سافر البلد في نفس الليلة. دخل البيت القديم اللي اتربى فيه، ولقى أمه نايمة على سرير خشب بسيط، ملامحها كشت، والمرض الهدّاد أخد كل صحتها وقوتها. أول ما شافته، دموعها نزلت وبدأت شفايفها تترعش.
​قرب منها وقعد على ركبه جنب السرير، مسك إيدها اللي كانت باردة وناشفة.
الحاجة فادية قالت بصوت متقطع وضعيف: “سامحني يا حازم يا ابني.. الطمع عماني، وكنت عايزة أرضي أختك على حسابك وحساب لحمك. ربنا عاقبني وأنا في الدنيا قبل الآخرة.. ونيرمين في سجنها بتدفع التمن. سامحني يا حازم عشان أموت مرتاحة.”
​حازم بكى بحرقة، بكى على العيلة اللي ضاعت، وعلى أمه اللي وصلت للحال ده بسبب الجشع. باس رأسها وإيدها وقالها: “مسامحك يا أمي.. ربنا يغفر لك ويسامحك.”
​بعدها بيومين، الحاجة فادية توفت، وحازم دفنها ورجع مصر الجديدة وهو حاسس إن حمل تقيل انشال من على كتافه، وإن الدايرة اتقفلت بالرحمة، مش بالانتقام.
​لما رجع الشقة، دخل لقى شاهندة مستنياه، ويوسف وفريدة بيحبو على الأرض ويحاولوا يقفوا على رجليهم الصغيره. حازم قعد على الأرض وسطهم، وضمهم كلهم لحضنه.
​عش الدبابير اللي اتهد ساب وراه أرض فاضية، بس الأرض دي طلع منها زرع جديد ونضيف، زرع ارتوى بالصبر والأصل الإنساني الحقيقي. حازم وشاهندة عرفوا إن الحماية مش بالفلوس ولا بالحيطان، الحماية بـإنك تختار صح مين اللي تفتحله باب بيتك وتأمنه على سرك.مرت خمس سنين على اليوم ده. خمس سنين كاملين والحياة بتجري زي السهم، بس المرة دي كانت بتجري وهي بتسيب وراها فرحة ونجاح مش وجع وكسرة.
​يوسف وفريدة كبروا وبقى عندهم خمس سنين، الشقة اتملت بـصلصال وألوان وكتب تلوين، وصوت ضحكهم وهو بيرن في الصالة كان بالنسبة لحازم وشاهندة هو أحلى مزيكا في الدنيا. حازم ربنا كرمه وشغله كبر وبقى صاحب واحدة من أكبر شركات المقاولات، وشاهندة رجعت لشغلها بس المرة دي فتحت مكتب استشارات حسابية خاص بيها، وبقت شريكة نجاحه في كل خطوة.
​وفي يوم جمعة، والشمس دافية ومالية البلكونة الكبيرة اللي في مصر الجديدة، كانت شاهندة واقفة بتسقي ورد الجهنمية اللي كبر وبقى مغطي السور كله. حازم جه من وراها وحط إيده على كتفها وهو ماسك كبايتين الشاي بالنعناع بتوع كل أسبوع.
​”سرحانة في ايه يا شوشو؟” سألها حازم وهو بيبتسم.
​شاهندة لفت وبصتله، وخدت منه كباية الشاي: “بصيت للورد وللعيال وهما بيلعبوا جوة، واشتبه عليا الأمر.. افتكرت زمان، وافتكرت إحنا كنا فين وبقينا فين. سبحان مغير الأحوال يا حازم.”
​حازم بصلها بحب وضغط على إيدها: “الحمد لله.. دفعنا تمن غالي أوي يا شاهندة عشان نوصل لبر الأمان ده، بس المهم إننا وصلنا.”
​في اللحظة دي، تليفون حازم رن برقم غريب. حازم استغرب واستأذن من شاهندة ورد: “ألو.. مين معايا؟”
​الصوت اللي جه من الناحية التانية كان مبحوح، مكسور، وفي نبرة غريبة حازم معرفهاش في الأول: “حازم.. أنا نيرمين.”
​حازم جسمه اتشنج، والابتسامة اختفت من على وشه فوراً. شاهندة لاحظت التغيير وبصتله بقلق.
​نيرمين كملت وعياطها مسموع: “أنا خرجت يا حازم.. خرجت بنصف المدة لحسن السير والسلوك. أنا واقفة في الشارع بالشنطة بتاعتي، ومليش أي حتة أروحها. قرايبنا في البلد طردوني ومحدش راضي يستقبلني، وشقة أمي متباعة.. أنا ضيعت نفسي وضيعتكم، بس ماليش غيرك يا حازم.. إنت أخويا الكبير.”
​حازم سكت.. السكوت كان تقيل، والذكريات كلها مرت قدام عينيه في ثانية: الضربة، النزيف، الكاميرا المستخبية، وصوت أمه وهي بتقفل الباب. بس افتكر كمان وصية أمه وهي بتموت، وافتكر إنه خلاص م بقاش جواه أي مكان للغل.
​بص لشاهندة، ولقاها بتبص له بنظرة ذكية، نظرة فهمت فيها كل حاجة من غير ما يتكلم. شاهندة هزت راسها براحة، وكأنها بتقوله: “القرار قرارك، وأنا معاك.”
​حازم أخد نفس طويل، وقال بصوت هادي وحاسم: “حمد الله على سلامتك يا نيرمين. أنا هبعتلك عنوان شقة صغيرة إيجار أنا دافع تمنها، هتروحي تقعدي فيها، ومصاريفك وشربك وأكلك هيوصلوا ليكي كل أول شهر لحد ما تقفي على رجليكي وتشتغلي.. بس بيتي وعيالي ومراتي خط أحمر يا نيرمين. تقدري تشوفي عيالي لما يكبروا ويفهموا، بس في مكان برة بيتي. أنا سامحتك لوجه الله ولروح أمي.. بس اللي اتكسر بيننا عمره ما هيتصلح.”
​نيرمين بكت وقالت بصوت خافت: “مواقفة يا حازم.. كتر خيرك، وجزمتك فوق راسي.”
​قفل حازم الخط، وحس إن آخر صفحة سودا في كتاب الماضي اتقفلت واتقيدت بالخير. التفت لشاهندة وحضنها من ضهرها وهو بيبص ليوسف وفريدة اللي خرجوا يجيروا ورا بعض في البلكونة وهما بيضحكوا.
​شاهندة مالت براسها على كتفه وقالت بابتسامة: “كده نقدر نقول إننا قفلنا الحساب القديم.. وفتحنا حساب جديد كله خير.”
​حازم اتنهد وبص للسما الصافية وهو عارف إن الدنيا دي بتلف، والظلم دايماً لية نهاية، والأصل الطيب هو الوحيد اللي بيعيش ويكمل ويثمر في الآخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *