حوش المدرسه

فضلت واقفة في مكاني وسط حوش المدرسة، والعيال بتجري حواليا وصوت كورة الباسكت وهي بتخبط في الأرض بيعمل صدى جوة دماغي. يوسف مشي وسابني، لف ضهره ورجع للملعب بكل ثقة، والأستك الأسود بتاعي لسه ملفوف حوالين معصمه كأنه كسبان غنيمة حربية. حاولت أتحرك، بس رجلي كانت كأنها لزقت في الإسفلت بتاع الحوش. وداني كانت بتصَّفر، وخدودي حاسة إنها بتطلع نار من كتر الكسوف. “يوم الجمعة؟ وماتش؟” بكلم نفسي وأنا ماشية بخطوات بطيئة ورايحة أقعد على الدكة اللي في السور، وسألت نفسي ألف سؤال: هو يوسف بجد خد باله إن الأستك بتاعي؟ ولا هو لقاه بالصدفة وعجبه؟ وطيب ريحته حلوة إزاي؟ افتكرت إني كنت رشة من البرفيوم الجديد اللي ماما جابتهولي قبل ما أنزل من البيت بيوم.. يا نهار أبيض، يعني هو عرف ريحتي!
الحصة خلصت، وطلعت الفصل وأنا مش مركزة في أي كلمة من اللي المدرسين بيقولوها. كنت بفتح الكشكول وبدل ما أكتب ورا المستر، لقيت نفسي برسم كور باسكت صغيرة في الهامش، وجنبها حرف الـ (ي). كل ما أفتكر نظرته وهو رافع حاجبه ومبتسم الابتسامة الخبيثة دي، قلبي يدق بطريقة غريبة، لدرجة إني كنت خايفة البنت اللي قاعدة جنبي في التختة تسمع دقات قلبي.
لما روحت البيت، دخلت أوضتي ورميت الشنطة على السرير، ووقفت قدام المراية. فكيت شعري وبصيت فيه.. مفرود ونازل على كتافي، بس حاسة إن في حاجة ناقصة. الأستك ده بالذات كان عزيز عليا، مش لأنه غالي، بس لأنه كان مريح ومبيقطعش شعري، ودلوقتي هو مع أكتر واد مشهور في المدرسة، والواد ده بالذات أنا معجبة بيه من أول السنة ومن بعيد لبعيد.
يوم الخميس عدا كأنه سنة. كنت قاعدة في البيت بذاكر، أو بحاول أقنع نفسي إني بذاكر. فتحت الموبايل ودخلت على جروب المدرسة على الفيس بوك، وفضلت أدور لحد ما لقيت بوست مكتوب فيه: “مباراة ربع النهائي لدوري المدارس، فريق مدرستنا ضد مدرسة التوفيقية، يوم الجمعة الساعة 5 مساءً في مركز شباب الجزيرة.” قلبي سقط في رجلي. مركز شباب الجزيرة؟ يعني الماتش برة المدرسة، وفي مكان عام، وده معناه إن الليلة كبيرة والجمهور هيبقى كتير.
نزلت المطبخ عشان أعمل نفسي بعمل حاجة وأهرب من التفكير، لقيت ماما واقفة بتعمل عشا. بصتلي وقالت: “مالك يا سما؟ وشك مقلوب بقالك يومين ومش على بعضك، في إيه في المدرسة؟”
اتوترت بسرعة وقلت: “ها؟ لا يا ماما مفيش حاجة، بس أصل.. أصل صحابي في المدرسة عازميني بكرة نروح نتفرج على ماتش باسكت مهم للمدرسة في مركز الشباب، وكنت عايزة أستأذنك أروح.”
ماما لفت وبصتلي بنظرة فاحصة من فوق لنظارتها وقالت: “باسكت؟ من إمتى وأنتِ ليكي في الكورة والرياضة يا سما؟ أنتِ آرك أخرك تقعدي تقري الروايات بتاعتك وتعيشي في الخيال.”
بلعت ريقي وقلت: “يا ماما عشان خاطري، كل البنات رايحين، ومش ينفع أبقى أنا الوحيدة اللي غايبة، شكلهم هيبقى وحش والمدرسة بتلعب ماتش كبير.”
ماما سكتت شوية وهي بتقلب الأكل، وبعدين قالت: “ماشي يا ستي، روحي اتفسحي مع صحابك وغيري جو، بس الساعة 8 بالثانية تكوني في البيت، ومفيش تأخير، مفهوم؟”
حسيت إني عايزة أتنطط من الفرحة، بوستها من خدها وجريت على أوضتي علطول.
يوم الجمعة العصر، وقفت قدام الدولاب وكنت محتارة حيرة عمري. ألبس إيه؟ مش عايزة أبان إني مهتمة أوي ورايحة فيستيفال، وفي نفس الوقت مش عايزة أروح مبهدلة. في الآخر استقريت على بنطلون جينز واسع وتيشيرت أبيض بسيط وسويت شيرت خفيف كحلي، ولميت شعري لورا، بس المرة دي بدبوس صغير عشان الأستك الأصلي محبوس عند “الحرامي”.
وصلت مركز الشباب الساعة 4 ونص. الجو كان حر شوية بس النسمة خفيفة، والمكان كان زحمة جداً. أولاد وبنات من مدرستنا ومدارس تانية، وأصوات الأغاني والتشجيع مالية المكان. دخلت الصالة المغطاة، وقعدت في المدرجات في مكان متوسط عشان أشوف الملعب كويس ومن غير ما أبان إني واقفة قاصدة أشوف حد معين.
وبعدين.. نزل الفريقين يسخنوا.
عيني لفت الملعب كله لغاية ما لقطته. يوسف كان نازل ولابس التيشيرت الأحمر بتاع المدرسة ورقم 10 على ضهره. كان شكله مختلف تماماً وهو في الملعب، بيمشي بثقة، الكورة في إيده كأنها حتة منه، وبيتكلم مع زمايله وبيضحك. وقبل ما يبدأ يسخن، لقيت إيده اليمين بترتفع عشان يمسح جبهته.. وبصيت بتركيز. الأستك الأسود كان لسه في معصمه! منحتش نفسي فرصة أفكر هو ليه لسه لابسه، بس الإحساس كان غريب.. الأستك بتاعي بيسخن مع فريق المدرسة!
وفجأة، وهو بيلف عشان ياخد كورة من زميله، عين يوسف طلعت على المدرجات. فضلت مثبتة عيني عليه، وهو قعد يبص في وجوه الناس كأنه بيدور على حد، ولما عينه جت عليا.. ثبتت. الابتسامة الخبيثة إياها اترسمت على وشه تاني، ورفع إيده اللي فيها الأستك وشاورلي بيها بسرعة من بعيد، كأنه بيقولي: “أنا شايفك.. ومنفذتي الوعد.” وشي بقا طماطم والناس اللي حولي بدأوا يبصوا، فرحت باصة في الأرض بسرعة وأنا بدعي إن محدش يكون خد باله.
الماتش بدأ، والأجواء بقت مشحونة جداً. الفريق التاني كان قوي ولايبتهم طوال وعراض، والماتش كان نقطة هنا ونقطة هناك. يوسف كان بيلعب بروح قتالية رهيبة، بيجري ويقطع الكورة ويمرر، وجاب أول ثلاث نقاط لمدرستنا والمدرجات كلها هزت الصالة من التشجيع. كنت بلاقي نفسي بقوم أقف وأصقف مع كل كورة بيجيبها، ومن كتر الحماس نسيت أصلاً الكسوف والتوتر.
في الشوط الثالث، النتيجة كانت قريبة جداً، ويوسف وهو بيجري عشان يلحق كورة مرتدة، واحد من الفريق المنافس خبط فيه جامد، يوسف وقع على الأرض وفضل ماسك ركبته وهو بيتألم. الصالة كلها سكتت، وأنا قلبي وقف تماماً. قمت وقفت على طراطيف صوابعي وأنا بضغط على إيدي بتوتر.. “يا رب استر، يا رب ميكونش جرى له حاجة.” المدرب ونزلوا بالطاقم الطبي، وقعدوا دقيقتين بيعالجوه، والحمد لله قام وقف على رجله وسط تصقيف حاد من المدرجات. قبل ما يرجع اللعب، بص ناحيتي تاني، ولقيته بيتنفس بصعوبة بس عملي حركة بصباعه الإبهام يعني “أنا تمام”، الحركة دي خلّت نفسي يرجعلي تاني.
الشوط الرابع والأخير كان ضرب نار. فاضل دقيقة واحدة على النهاية، والنتيجة تعادل 72 – 72. الكورة كانت مع فريقنا، ويوسف هو اللي مستلمها بيحاور بيها عند خط المنتصف. الوقت بيجري.. 40 ثانية.. 30 ثانية.. الدفاع بتاع الفريق التاني قفل عليه تماماً ومش مخلينه يتنفس. يوسف بص لـ لوحة الإعلانات والوقت، وفجأة، وبحركة سريعة ومفاجئة، نط في الهواء من مسافة بعيدة جداً عن السلة، مسافة “الثلاث نقاط”، ورمى الكورة بكل قوته في آخر ثانية مع صفارة نهاية الماتش.
الكورة طارت في الهواء كأنها بتتحرك بالتصوير البطيء.. الصالة كلها كتمت نفسها.. وفجأة.. “شحححح!” الكورة دخلت الشبكة نظيفة من غير ما تلمس الحلقة!
الصالة انفجرت! العيال نزلت الملعب، والتشجيع بقى يهد الحيطان، ويوسف صحابه شالوه على أكتافهم وهو بيضحك ومبسوط وبيرفع إيده لفوق علامة النصر. أنا كنت واقفة بصقف وبضحك من كل قلبي، وكنت حاسة بفخر غريب كأني أنا اللي جبت الجول ده.
بعد حوالي ثلث ساعة، زحمة المدرجات بدأت تخف، والناس بدأت تخرج. أنا نزلت بالراحة برة الصالة، ووقفت في الممر المفتوح اللي بيودي على الحدائق جوة مركز الشباب، والجو بدأ يليل والنور بتاع العواميد ينور. كنت ماشية وبقول في نفسي: “خلاص الماتش خلص وهو أكيد نسي، وأنا لازم أمشي عشان متأخرش على ماما.”
”يا كابتن! مش كنتِ مستنية الأستك بتاعك؟”
الصوت جه من ورايا. لفيت بسرعة، ولقيت يوسف واقف. كان غير التيشيرت بتاع الماتش ولابس تيشيرت أسود كاجوال، وشعره مبلول شوية كأنه لسه غاسل وشه ومغير، وواقف حاطط إيده في جيبه.. والإيد الثانية؟ الأستك لسه حوالين معصمه.
قلت وأنا بحاول أبقى رصينة وميبانش عليا إني كنت لسه بتنطط من الفرحة بسببه: “مبروك الماتش الأول.. لعبت حلو أوي الصراحة.”
قرب خطوتين وقال وهو بيبتسم ابتسامته الخفيفة: “الله يبارك فيكِ.. بس قوليلي، أنتِ جيتي عشان الماتش ولّا عشان الأستك؟”
وشي سخن تاني، وقلت: “عشان الأستك طبعاً! ده بتاعي وأنت واخدة بقالك يومين.”
يوسف ضحك بصوت واطي، وطلع إيده اليمين وفك الأستك من معصمه بالراحة، وفضل ماسكه في إيده وباصصلي وقال: “عارفة.. أنا لما لقيته واقع تحت التختة بتاعتك يوم الخميس، كنت ناوي أديهولك علطول. بس الصراحة لما شميت ريحته، ولما افتكرت شكلك وأنتِ نايمة وفي سابع نومة وتعبانة من كتر القراية.. قلت لازم ألاقي حجة عشان أكلمك بيها برة الفصل.”
الكلام نزل عليا كأنه مفاجأة، قلبي بدأ يدق بطريقة سريعة لدرجة إني حسيت إنه هيخرج من صدري. هو كان بيراقبني؟ وعارف إني كنت سهرانه بقرأ؟
قلت بصوت مرتعش شوية: “يعني أنت كنت عارف؟”
يوسف قرب خطوة كمان، ومد إيده بالأستك ليا، بس قبل ما ألمسه، قفله في إيده تاني وقال بنظرة كلها ذكاء وتحدي: “أنا هيديهولك أهو.. بس بشرط.”
بصيت لإيده وبعدين لعينه وقلت: “شرط إيه تاني؟ ما أنا جيت الماتش خلاص!”
يوسف ابتسم وقال: “المرة دي مش ماتش.. المرة دي، الرواية اللي سهرتك طول الليل دي، تفتحيها بكرة وتكتبيلي في أول صفحة رأيك فيها، وتجيبيهالي المدرسة يوم الأحد.. عشان أنا كمان بحب القراية، وعايز أعرف إيه اللي سهرك وخد عقلك مني للدرجة دي.”
مد إيده وفتح كفه، والأستك كان جواه. خدته منه بسرعة، وأطراف صوابعنا لمست بعض لثانية واحدة، حسيت فيها بكهربا مشيت في جسمي كله. حطيت الأستك في جيبي، وبصيتله وأنا مش قادرة أداري الابتسامة اللي اترسمت على وشي، ولفيت ومشيت بسرعة عشان ألحق أروح، وأنا دماغي بتلف.. والرواية اللي في البيت مابقتش مجرد قصة بقرأها، دي بقت بداية لقصة تانية خالص أنا البطلة فيها مع يوسف، ومش عارفة يوم الأحد هكتبله إيه في أول صفحة!يوم السبت عدا عليا وأنا قاعدة في أوضتي، الرواية قدامي على المكتب بقالها ساعات، والقلم في إيدي عمالة أهز فيه بتوتر. فتحت الصفحة الأولى البيضاء، وبقيت أبص لها وأنا حاسة إن الكلمات كلها هربت من دماغي. أكتبله إيه؟ أقوله إن الرواية دي كانت حلوة؟ ولا أكتب كلام يبين إني مهتمة؟ فضلت أشطب وأقطع ورق لغاية ما استقريت على جملة بسيطة بس طالعة من قلبي، كتبتها بخط صغير وهادي في نص الصفحة، وقفلت الرواية وأنا حاسة بضربات قلبي بتسابق الزمن عشان يوم الأحد ييجي بسرعة.
يوم الأحد الصبح، الجو كان مغيم شوية والنسمة باردة على غير العادة. دخلت من باب المدرسة وأنا شادة على الشنطة بإيدي الاثنين كأن جواه كنز خايفة يضيع. طلعت الفصل، وكنت كل شوية أبص على الباب مستنية يوسف يدخل. الحصة الأولى عدت، والتانية عدت، وهو مظهرش! قلبي بدأ يأكلني، وقلت لنفسي: “هو مظهرش ليه؟ يكون تعب من خبطة الماتش؟ ولا غير رأيه ومبقاش مهتم؟”
في الفسحة، مأستحملتش القعدة في الفصل، أخدت الرواية في إيدي ونزلت الحوش وأنا بتلفت حواليا وسط زحمة العيال، لغاية ما لمحت صاحبه الأنتيم “مروان” واقف بيتكلم مع شلة من سنة تانية. جمعت شجاعتي ورحت وقفت قريب منهم، ومروان أول ما شافني ابتسم وجالي علطول كأنه كان مستنيني.
قبل ما أنطق، مروان قال بصوت واطي: “لو بتدوري على يوسف، فهو مغابش ولا حاجة.. بس المدير استدعاه هو وكابتن الفريق فوق في المكتب عشان بيكرموهم على الماتش بتاع يوم الجمعة، وزمانه نازل حالا.”
نفسي ارتاح ووشي هدي، وقلتله: “شكراً يا مروان.”
لفيت ضهري وكنت لسه هتحرك ورايحة ناحية السور، لقيت صوت خطوات سريعة ورايا، وصوت يوسف وهو بينهج ونبرته الخبيثة المألوفة بتنادي: “يا كابتن! هتمشي برضه من غير ما تسلمي الأمانة؟”
لفيت بسرعة، كان واقف قدامي ولابس جاكيت المدرسة الأزرق، وعينيه بتلمع بضحكة حقيقية. مديت إيدي بالرواية من غير ما أتكلم كتير عشان أداري كسوفي. يوسف مد إيده وأخدها بالراحة، وبدل ما يحطها في الشنطة، فتح الصفحة الأولى علطول وعينيه بدأت تتحرك على الكلام اللي أنا كتبته.
أنا كنت واقفة ومثبتة عيني في الأرض، ضوافر إيدي بتغرز في كفي من كتر القلق وأنا مستنية رد فعله. الجملة اللي كنت كاتباها هي: “الرواية دي سهرتني لأنها كانت بتدور عن بطل بيحارب عشان يوصل لحلمه.. بس مكنتش أعرف إن الأبطال بيطلعوا برة الورق وبلبسوا تيشيرت رقم 10.”
يوسف سكت لثواني، الصمت بيننا كان غريب وسط دوشة الحوش وصوت العيال اللي بتلعب حوالينا. رفعت عيني بالراحة عشان أشوف تعبيرات وشه، لقيت الابتسامة الخبيثة اختفت تماماً، وحل مكانها نظرة دافية وصافية جداً، وشه مابقاش فيه التحدي بتاع كل مرة، بالعكس، كان باين عليه إنه اتفاجئ بجد ولمست قلبه.
قفل الرواية ببطء، وحطها تحت ذراعه، وقرب خطوة واحدة وبص في عيني مباشرة وقال بصوت هادي وواطي كأنه بيوشوشني: “أنا عمري ما هضيع الرواية دي يا سما.. والصفحة دي بالذات هتبقى أحلى حاجة قريتها في حياتي.”
وقبل ما أستوعب الكلام أو أرد، لقيت يوسف بيمد إيده في جيب الجاكيت، وطلع منه حاجة وحطها في كفي وقفل صوابعي عليها بالراحة. بصيت لإيدي وبفتحها.. لقيت أستك شعر جديد تماماً، لونه كحلي وعليه دلاية صغيرة على شكل كورة باسكت فضية بتلمع تحت الشمس.
بصيتله بدهشة، فابتسم وقال وهو بيلف عشان يرجع لأصحابه: “ده بدل الأسود اللي أنا أممته خلاص ومش هيرجع.. خليه معاكي، عشان كل ما تلمي شعرك، تفتكري إن ليكي ماتشات تانية كتير معايا لازم تحضريها.”
سابني ومشي وسط أصحابه اللي بدأوا يهزروا معاه، وأنا فضلت واقفة مكاني، باصة للأستك الجديد اللي في إيدي والابتسامة مش سايعاني، وحاسة إن الحكاية مخلصتش هنا.. دي يا دوب لسه بتبدأ، والملعب اللي جاي هيبقى كبير أوي!مرت الأيام والأسابيع، وجت امتحانات نهاية السنة اللي خلتنا ندفن نفسنا وسط الكتب. طول الفترة دي، كنت كل ما أقعد أذاكر وأحس بالزهق، أبص للأستك الكحلي اللي فيه كورة الباسكت الفضية الملفوف حوالين معصمي، فأبتسم وأرجع أفتح الكتاب وبحماس أكبر. يوسف مكنش مجرد إعجاب عابر، ده بقى الحافز اللي بيخليني عايزة أكون دايماً شاطرة وناجحة في كل حاجة. كنا بنتقابل في ممرات المدرسة، نتبادل نظرات سريعة من غير ما نتكلم وسط زحمة الدروس، بس النظرة الواحدة كانت كفيلة تلخص كلام كتير.
لغاية ما ظهرت النتيجة، والحمد لله نجحت وطلعت من الأوائل، ويوسف كمان عدا بتفوق وعدينا السنة الأولى من ثانوي بسلام. وفي أواخر شهر سبعة، جه الوقت اللي كنت مستنياه من أول السنة.. المصيف! سافرت أنا وماما وأخويا لقرية ساحلية عشان نقضي أسبوع على البحر ونفصل من ضغط السنة كلها.
في ثالث يوم لينا هناك، كنت قاعدة على الشط وقت الغروب، الشمس بتغطس في البحر والجو ساحر والنسمة عليلة. كنت لامة شعري بالأستك الكحلي بتاعي، وبقرأ رواية جديدة. وفجأة، حسيت بخيال حد واقف قدامي وبيحجب عني خيوط الشمس الأخيرة.
رفعت راسي بالراحة وأنا بتذمر، بس الصدمة خلتني أفتح بوقي ومبرقة عيني.. يوسف!
كان واقف قدامي شورت وتيشيرت صيفي، وشعره منكوش من هوا البحر، ومبتسم نفس الابتسامة اللي خطفت قلبي من أول يوم.
قلت بذهول ولجلجة: “يوسف؟! أنت.. أنت بتعمل إيه هنا؟”
قعد على الرملة جنبي وقال وهو بيضحك على منظري المتفاجئ: “أنا بصيف هنا مع أهلي برضه.. مروان صاحبنا قالي إنك مسافرة هنا، فقلت البحر واسع بس أكيد هقشطك في مكان ما.. واديني لقيتك.”
سكتنا شوية وأحنا بنبص للبحر وصوت الموج الهادي بيملى المكان. وفجأة، بص لمعصم إيدي ولقى الأستك بتاعي مش فيه، لأني كنت لامة بيه شعري كحكة فوق. يوسف رفع إيده اليمين.. وكنت هصرخ من المفاجأة! الأستك الأسود القديم بتاعي لسه ملفوف حوالين إيده مفرقهوش من يوم الحوش!
بصلي وعينيه بتلمع مع ضوء الغروب وقال بنبرة دافية وصادقة جداً: “عارفة يا سما.. الرواية اللي أنتِ اديتيهالي، قريتها كلمة كلمة، والصفحة الأولى اللي كتبتي فيها مبيعديش يوم من غير ما أقراها. أنتِ قولتِ إن الأبطال بيطلعوا برة الورق.. بس الحقيقة إن البطل مبيبقاش بطل بجد إلا لما يلاقي بطلة تخليه عايز يكسب كل الماتشات عشانها.”
قلبي دق دقة قوية لدرجة إني حسيت البحر كله بيتحرك مع دقاته. لفيت وشي ناحية البحر وأنا ببتسم بكسوف، وهو ضحك ضحكته الصافية اللي بحبها. تيقنت وقتها إن الأستك الصغير ده مكنش مجرد حاجة ضاعت في الفصل، ده كان الخيط اللي ربط حكايتنا ببعض، وحسيت من كل قلبي إن دي مش نهاية القصة.. دي البداية الحقيقية لأجمل رواية هعشها في حياتي مع يوسف، والبحر يشهد علينا.


