اب ليوم واحد

أول ما رجل مريم خطت جوة القاعة وهي متبتة في دراع الراجل الغريب، الدنيا اتقلبت كأن قنبلة صامتة انفجرت في المكان.
​الراجل مكنش مجرد راجل غني لابس بدلة شيك وخلاص، ده كان المهندس “إسماعيل المنشاوي”، أكبر رجل أعمال في مجال المقاولات والإنشاءات في مصر، والراجل اللي نص مستشفيات ومدارس البلد بتتبني بتمويل من مؤسسته الخيرية. القاعة اللي كان فيها الحفل أصلاً، كانت في جامعة خاصة كبيرة هو رئيس مجلس أمنائها وأكبر متبرع ليها.
​الدكاترة والعميد اللي كانوا قاعدين في الصفوف الأولى والمنصة، أول ما شافوه داخل، وقفوا كلهم انتباه كأنهم في جيش. الهمس بدأ يتنقل بين الكراسي زي النار في الهشيم. الأهالي سابوا ولادهم وبقوا يبصوا لبعض ويسألوا: “مش ده إسماعيل المنشاوي؟ هو بيعمل إيه هنا؟ ومين البنت اللي ماسكة في دراعه دي؟ دي مريم اليتيمة اللي مكنش حد بيسمع ليها صوت!”.
​مريم كانت ماشية ورجليها مش شايلاها، باصة في الأرض من كتر التوتر، بس حاسة بدفء غريب في دراع الراجل ده، حست لأول مرة في حياتها إنها مش هوا، إن في ضهر حاميها من عيون الناس اللي كانت بتبص لها بشفقة من شوية.
​المهندس إسماعيل مشي بكل هيبة، وموجهش كلامه لأي دكتور من اللي جريوا عليه يسلموا، لفت نظره بس نظرات الدهشة والصدمة اللي مالية الوشوش. وطى على مريم وقالها بصوت واطي ومطمئن: “ارفعي راسك يا مريم. أنتي النهاردة بنتي، وبنت إسماعيل المنشاوي متبصش في الأرض أبدًا”.
​مريم رفعت راسها ببطء، وفي اللحظة دي عينيها جت على الدكتور “حاتم”، عميد الكلية، اللي كان واقف ورا زجاج المكتب الجانبي المطل على الممر الخارجي، وكان هو الشخص اللي شاف المشهد من أوله! دكتور حاتم كان عارف قصة مريم كويس، وعارف إنها من الأوائل ومن أكتر الطالبات مكافحة، وكان دايماً بيحاول يساعدها من بعيد لبعيد، بس لما شافها برة وهي بتترجى راجل غريب يمثل إنه أبوها، قلبه اتعصر، ولما لقى الراجل ده هو المهندس إسماعيل بنفسه، الصدمة لجمت لسانه.
​إسماعيل المنشاوي أخد مريم وطلع بيها لحد الصف الأول، مكان كبار الزوار والوزراء، وقعدها جنبه وسط ذهول الكل. قعد يبتسم لها ويعدل لها الكاب بتاع التخرج كأنه أب حقيقي بيستعد لأجمل يوم في حياته.
​بدأت Ceremony التخرج، والمذيع بدأ ينادي على الأسامي. كل طالب كان بيطلع، أهله بيقوموا يصرخوا ويزغردوا ويصوروا. مريم قلبها بدأ يدق بسرعة، الخوف رجع يسحبها تاني.. “ياترى لما اسمي يتقال، الراجل ده هيعمل إيه؟ هل هيكتفي بالقعاد؟”.
​وجت اللحظة الحاسمة.. المذيع قال بصوت جهوري: “والآن مع الأولى على الدفعة، الطالبة المثالية.. مريم أحمد!”
​قبل ما مريم تقوم من على كرسيها، القاعة كلها اتفاجأت بالمهندس إسماعيل المنشاوي بيقوم يقف على حيله، ومش بس كده، ده طلع موبايله وبدأ يصورها وهو بيسقف بحرارة شديدة، وصرخ بصوت عالي سمعه كل اللي في القاعة: “مبروك يا مريم! مبروك يا بنتي يا رافعة راسي!”.
​الصوت ده عمل هزة في المكان. الزمايل اللي كانوا بيتريقوا عليها في السر ويقولوا “البنت الملجأ”، بقوا يفركوا في إيديهم من الكسوف والندم. الدكاترة كلهم وقفوا وسقفوا بحرارة ترحيباً بإسماعيل المنشاوي وبالمتفوقة مريم. مريم طلعت على المنصة وهي بتعيط، بس المرة دي دموع فرحة، دموع انتصار على كل ليلة سرد فظيعة عاشتها لوحدها تحت اللحاف البارد في دار الأيتام.
​وهي بتستلم شهادتها، دكتور حاتم مسك المايك وقال: “النهاردة إحنا مش بس بنكرم الأولى على الدفعة، إحنا بنكرم رمز الكفاح والنقاء. والمهندس إسماعيل المنشاوي حابب يلقي كلمة بمناسبة تفوق بنته”.
​إسماعيل طلع على المنصة، مسك المايك، وبص لمريم وبص للجمهور، ونبرة صوته اتغيرت وبقت مليانة شجن وشجن عميق قوي، وقال: “من شوية، البنت الجميلة دي وقفتني برة، وطلبت مني طلب هز كياني.. طلبت مني أكون أبوها ليوم واحد بس عشان متظهرش لوحدها في الصور وعشان تداري كسرتها. مريم مكنتش تعرف إن ربنا سبحانه وتعالى بعتها ليا في نفس اليوم السنوي لوفاة بنتي الوحيدة “ليلى”، اللي ماتت في حادثة من كام سنة، والورد الأبيض ده كان رايح لقبرها. أنا مكنتش بتمثل يا مريم.. أنا حسيت إن بنتي رجعتلي، ومن اللحظة دي، وبقدام الكل، أنا بعلن تبني مريم رسمياً كبنتي الشرعية، وهتكون المسؤولة الأولى عن مؤسستي الخيرية، ودموعها دي مش هتنزل تاني طول ما فيا نفس”.
​القاعة كلها انفجرت بالبكاء والتصفيق، الزغاريط ملأت المكان من أمهات الطلاب اللي اتأثروا بالمشهد الإنساني الرهيب ده. مريم رمت نفسها في حضنه وهي مش مصدقة إن ربنا عوضها بالصبر ده كله، عوضها بأب حقيقي، بضهر وسند يغير مجرى حياتها من دار الأيتام لأكبر عائلات مصر.
​ولكن.. وسط الفرحة دي والدموع والتهاني، كان في شخص قاعد في آخر القاعة، لابس نظارة سودا ومخبي وشه، ملامحه كانت مليانة غل وصدمة وخوف. الشخص ده كان “مدحت”، ابن عم المهندس إسماعيل، واللي كان مستني إسماعيل يموت عشان يورث كل ثروته ومؤسساته لأنه مكنش ليه وريث بعد وفاة بنته ليلى.
​مدحت بص لمريم بنظرة كلها شر، وطلع موبايله واتصل برقم مجهول، وقال بصوت واطي وفحيح أفعى: “الخطة اتبهدلت.. الراجل لقى لنفسه وريث جديد، وبنت من الشارع هتاخد كل حاجة.. جهزوا الملعوب الجديد، البنت دي لازم تختفي قبل ما الورق الرسمي يتم، والمرة دي مش هرحم حدمدحت قفل الموبايل وإيديه كانت بترتعش من الغل، وعينيه منزلتش من على مريم وهي نازلة من على المنصة متبتة في إيد إسماعيل المنشاوي كأنها لقت طوق النجاة. في نفس اللحظة، القاعة كانت لسه مقلوبة، ناس بتعيط، وأمهات بتزغرد، والدكاترة بيتسابقوا عشان يتصوروا مع إسماعيل وبنته الجديدة.
​إسماعيل وطى على مريم وقالها بحنان جارف: “يلا بينا يا بنتي، اليوم ده يومك، وإحنا لازم نحتفل بالنجاح ده في بيتك الجديد.”
​مريم مشيت معاه وهي حاسة إنها في حلم، ركبت معاه عربية مرسيدس سودا فخمة كانت مستنياهم قدام باب القاعة، وطول الطريق مكانتش مصدقة عينيها وهي باصة من الشباك على الشوارع اللي ياما مشيت فيها وهي شايلة هم بكرة، والنهاردة راجعاها وهي بنت واحد من أكبر رجال أعمال مصر.
​وصلوا قصر المنشاوي في التجمع الخامس، مكان يخد الصيد من كتر جماله وفخامته. أول ما دخلوا، الشغالة الكبيرة في القصر، “أم السعد”، استقبلتهم بالدموع والزغاريط؛ لأن إسماعيل كان مكلمها في السكة وحكالها كل حاجة. أم السعد كانت قريبة جداً من “ليلى” الله يرحمها، ولما شافت مريم، حست إن الروح ردت في البيت المهجور ده من سنين.
​إسماعيل قعد مع مريم في الصالون الكبير، وبدأ يتكلم معاها عن دراستها وطموحها، وعن الإجراءات القانونية اللي هيبدأ فيها من بكرة الصبح عشان ينقل ليها وصايته وتكتب اسمها رسمياً كبنت ليه. مريم كانت بتتكلم بأدب وثقة بهرت إسماعيل، وحس فعلاً إن ربنا مبعتهاش ليه من فراغ.
​لكن في نفس الوقت، في مكان تاني مش بعيد.. كان مدحت قاعد في مكتبه مع اتنين من رجالته، والشر باين في عينيه.
“يعني إيه يا باشا؟” سأله واحد من رجالته بوجل.
مدحت خبط على المكتب بغل: “يعني البنت دي لو ورقها خلص، أنا مش هطول مليم واحد من ورث إسماعيل! البيت ده، والمستشفيات، والشركات، كله كان هيجي تحت إيدي. البنت دي لازم ترجع مكان ما جت.. أو تروح في حتة محدش يعرف طريقها.”
​الراجل التاني قال بخبث: “طب ما إحنا ممكن نلعب على نقطة ماضيها يا مدحت بيه.. دار الأيتام، الملفات القديمة، أو حتى نعملها فخ يخلي إسماعيل بيه يطردها بنفسه من غير ما نوسخ إيدينا بدم.”
مدحت سكت شوية، وابتسامة شريرة بدأت تترسم على وشه: “نورث؟ دماغه عالية قوي.. مريم دي كانت عايشة في ملجأ، وأكيد ليها ملف هناك، وأكيد في ثغرة نقدر نستخدمها عشان نقلب إسماعيل عليها ونخليه يشوفها نصابة وطمعانة في فلوسه!”
​تاني يوم الصبح، مريم صحيت على صوت العصافير في جنينة القصر، حست لأول مرة بالأمان اللي حرمت منه طول عمرها. نزلت تفتح باب الأوضة، لقت إسماعيل مستنيها على ترابيزة الفطار الكبيرة وهو بيقرأ الجرنان ويشرب قهوته.
“صباح الخير يا قلب أبوكي، نمتي كويس؟” قالها إسماعيل بابتسامة صافية.
مريم ردت بخجل وفرحة: “صباح النور يا بابا.. أنا عمري ما نمت بالعمق ده قبل كده.”
​قبل ما يكملوا كلامهم، جرس الباب رن، ودخلت الشغالة ومعاها ظرف مقفول مكتوب عليه “إلى المهندس إسماعيل المنشاوي.. سري للغاية”.
إسماعيل استغرب، فتح الظرف وبدأ يقرأ.. وفجأة، ملامح وشه اتغيرت تماماً، عينيه اتسعت من الصدمة، والجرنان وقع من إيده على الأرض.
​مريم شافت المنظر وقلبها وقع في رجليها، سألته بخوف: “في إيه يا بابا؟ مالك؟”
إسماعيل بص لها بنظرة غامضة، نظرة خلت مريم تحس إن الحلم الجميل بدأ يتهد فوق دماغها قبل ما يبدأ.. والرسالة كان مكتوب فيها كلام لو طلع صح، مريم مش بس هتطرد من القصر، دي ممكن تدخل السجن!
​ياترى إيه اللي مكتوب في الظرف؟ ومدحت ناوي على إيه؟إسماعيل وقف على حيله، والورقة في إيده بتهتز، وعينيه كانت بتتحرك بين السطور وبين مريم اللي كانت واقفة مرعوبة ومش فاهمة حاجة. الورقة مكنتش مجرد كلام، دي كانت مستندات رسمية عليها ختم دار الأيتام اللي مريم كبرت فيه، ومعاها تقرير طبي قديم وصور ليها وهي أصغر في السن مع شخص مجهول، ومكتوب تحتها: “البنت اللي دخلتها بيتك مش ضحية، دي نصابة ومزروعة من سنين عشان تتدخل حياتك لما تخلص جامعتها وتستولى على ثروتك.. إسماعيل بيه، مريم تبقى بنت الراجل اللي تسبب في الحادثة اللي ماتت فيها بنتك ليلى!”
​مريم شافت ملامح إسماعيل وهي بتحول من الحنان للجمود التام، حست إن النفس هرب منها وقالت بصوت مكسور: “في إيه يا بابا؟ بالله عليك قولي في إيه؟”
إسماعيل حدف الورق والمستندات على الترابيزة قدامها وقال بنبرة صوت قاسية ومجروحة عمري ما سمعتها منه: “اقري.. اقري وشوفي أنا كنت مغفل لحد فين!”
​مريم مسكت الورق بإيدين بترتعش، وبدأت تقرأ.. عينيها اتسعت من الصدمة، الدموع نزلت زي الشلالات على وشها، وبقت تهز راسها بنفي وهي مش قادرة تنطق: “كذب.. والله العظيم كذب! أنا معرفش مين الراجل ده، وأنا عمري ما شفت أبويا ولا أمي، والملجأ كله عارف إني جيت وأنا حتة لحمة حمراء من الشارع! يا بابا صدقني، ده فخ!”
​في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخل مدحت وهو راسم على وشه علامات الأسف والطبخ المحبوك، وقال: “أنا أسف يا إسماعيل إني جيت من غير ميعاد، بس لما جالي التقرير ده من رجالتنا في السوق، مكنش ينفع أسكت.. البنت دي وأبوها هما السبب في حرق قلبك على ليلى، وجاية النهاردة تكمل على الباقي من ثروتك!”
​مريم بصت لمدحت وعرفت علطول إنه هو الشيطان اللي ورا اللعبة دي، صرخت فيه: “أنت بتعمل فيا كده ليه؟ أنا عمري ما أذيتك!”.. بس إسماعيل، وتحت تأثير صدمة جرحه القديم في بنته ليلى، مكنش قادر يفكر بعقله، الوجع عماه. بص لمريم وقالها بقلب مكسور: “اخرجي برة بيتي يا مريم.. برة!”
​مريم لمت حاجتها البسيطة وخرجت من القصر وهي بتعيط بحرقة، الدنيا اسودت في عينيها، ورجعت تاني للشارع.. بس المرة دي الكسرة كانت أكبر بمليون مرة، لأنها داقت طعم الدفء والأبوة واتحرمت منهم في أقل من 24 ساعة.
​لكن مدحت مكنش يعرف إن دكتور حاتم، عميد الكلية، مكنش مجرد ضيف في حفل التخرج، ده كان صديق عمر إسماعيل المنشاوي من أيام الدراسة، وكان مراقب الوضع من بعيد. حاتم اتصل بإسماعيل بعد ما عرف باللي حصل، وقاله بلهجة حاسمة: “إسماعيل، أنت طول عمرك عاقل، إزاي تقع في فخ رخيص زي ده؟ مريم أنا اللي مشرف على ملفها في الجامعة وفي الملجأ من 4 سنين، البنت دي نقية، ومدحت ابن عمك هو اللي زير الورق ده عشان يخلص منها وياخد مكانها في الميراث.. اسمع مني، الست مدير دار الأيتام القديمة لسه عايشة، وأنا جبتها ومعايا الملف الأصلي وجايين لك القصر حالا!”
​بعد ساعة واحدة، كان دكتور حاتم ومديرة الدار قاعدين قدام إسماعيل، والمديرة أكدت بالوثائق الحقيقية والشهود إن مريم ملهاش أي علاقة بالراجل اللي في الصور، وإن الورق اللي مع مدحت مزور بالكامل ومطبوع في مطبعة تحت السلم. إسماعيل حس الأرض بتلف بيه، وعرف إنه ظلم البنت اللي ربنا بعتها ليه تعوضه. في نفس اللحظة، دخل مدحت القصر وهو فاكر إن الجو فضي ليه، بس اتفاجأ بـإسماعيل واقف قدامه زي الأسد الجريح، ومعاه رجال الشرطة اللي دكتور حاتم طلبهم بعد إثبات التزوير والبلاغ الكاذب.
​مدحت اتمسك وهو بيصرخ ويهدد، وإسماعيل بص له باحتقار وقال: “أنت خسرت كل حاجة يا مدحت.. والفلوس اللي كنت عينك عليها، مريم هتقسمها على الغلابة واليتامى بروح ليلى”.
​إسماعيل مضعش ثانية، أخد عربيته ونزل الشارع يدور على مريم في كل حتة، لحد ما لقاها قاعدة على الرصيف جنب دار الأيتام القديمة، حاطة راسها بين رجليها وبتعيط بقلة حيلة.
​العربية وقفت، وإسماعيل نزل منها وبسرعة أخدها في حضنه وهو بيعيط وبيقول: “سامحيني يا بنتي.. سامحي أبوكي، الشيطان كان عايز يحرمني منك، بس ربنا كشفه.. أنتي بنتي وهتفضلي بنتي لأخر يوم في عمري”.
​مريم رفعت عينيها المليانة دموع وبصت له، ولأول مرة حست إن الخوف مشي ومات بلا رجعة. رجعوا القصر سوا، والمرة دي الأوراق الرسمية اتوقعت، ومريم أحمد بقت رسمياً “مريم إسماعيل المنشاوي”، البنت اللي بدأت يوم تخرجها وهي يتيمة مكسورة، وبفضل نيتها الصافية وكفاحها، ربنا عوضها بأب خلاها ملكة على عرش قلبه وثروته، وانتهت كوابيس الماضي لتبدأ حياة جديدة مليانة بحب حقيقي وسند مبيملش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *