الاسابيع القادمه

أبويا وأمي كانوا واقفين متبسمين، الفرحة مش سايعاهم، وميعرفوش إن الصالون اللي هما واقفين فيه ده اتقلب في ثانية لساحة حرب باردة، الأكسجين فيها اتمسح تماماً. نظرات شريف كانت عامة زي الكشافات، مذهول، مش قادر يربط بين البنت اللي كان بيمرمط بكرامتها الأرض في سيبويه وسعد زغلول، وبين الست اللي واقفة قدامه بريحتها الماركة، وشعرها السايح على كتافها، وجودتها اللي توقف المراكب السايرة.
أنا بقى؟ الصدمة أخدت مني ثانيتين بالظبط، وبعدها الوش الخشب والغرور اللي اتعلمتهم في سوق الذهب والشركات طلعوا لبرة. ربعت إيدي وبصيتله من فوق لتحت بنظرة استحقار، النظرة اللي كنت بدرب نفسي عليها قدام المراية زمان لما كنت برجع بيتنا عيط من عمايله.
أبويا، الله يكرمه، مكنش فاهم حاجة. قرب عليا وأخدني من إيدي وهو بيقول لشريف وأبوه اللي كان قاعد على الكرسي الفوتيه وبيشرب قهوته: “أقدم لك يا شريف بيه، بنتي وحبيبة قلبي.. المهندسة سما. هي اللي ماسكة حسابات المجموعة كلها دلوقتي، يعني نقدر نقول هي اليد اليمين ليا في السوق.”
شريف بلع ريقه بالعافية، وحسيت بآدميته بتهتز وهو بيحاول يرجع هيبته كرجل أعمال تقيل. عدل جاكت بدلته وبص لأبوه، وبعدين رجع بصلي، وابتسامة صفة خبيثة بدأت تترسم على وشه، الابتسامة اللي كنت بشوفها زمان لما يقرر يخبي شنطتي فوق السطوح. قال بصوت رجولي رخيم، بس فيه نبرة غل أنا عارفاها كويس: “أه طبعاً.. البشمهندسة سما. عاش مين شافك يا بشمهندسة. الدينا صغيرة فعلاً.”
أمي دخلت في الكلام وهي بتضحك: ” إيه ده؟ هو انتوا تعرفوا بعض من قبل كده ولا إيه يا شريف يا ابني؟”
شريف وهو عينيه منزلتش من عليا، رد بنبرة تقطر سم: “معرفة قديمة قوي يا طنط.. كنا زمايل في المدرسة الثانوي. بس نقدر نقول إن البشمهندسة اتغيرت.. مية وتمانين درجة. لولا الاسم، مكنتش هعرفها خالص.”
كلمة “اتغيرت” طالعة من بقه وكأنه بيقولي “كنتي معفنة ونظفتي”. دمي غلي في عروقي، بس اتمالكت نفسي. مش سما البدري اللي تتهز قدام عيل زي ده، حتى لو لابس بدلة بآلاف الجنيهات. ضحكت ضحكة رقيقة ومن برا برا، مليانة ثقة وتناكة، وقلت: “فعلاً يا شريف.. أصل البني آدم لما بيكبر، ذوقه وعقله بيكبروا معاه. مبيبقاش عيل تافه بيجري ورا قفشات صبيانية عشان يداري النقص اللي عنده. السنين بتنظف العقول.. والنفوس كمان.”
أبوه، الحاج عاصم البدري، ضحك بصوت عالي وافتكرها مداعبة: “الله! ده انتوا واخدين على بعض بقى من زمان! ده كدة الموضوع جاي في مصلحتنا قوي يا حاج إسماعيل!”
أبويا هز رأسه بفرحة: “يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم! ده أنا كنت شايل هم إنهم ميتفاهموش، طلعوا دافنينه سوا!”
”دافنينه سوا؟ ده إحنا دافنين بعض صاحيين يا بابا،” قلتها جوة بالي وأنا ببتسم لأبويا ابتسامة صفرا. شريف قعد على الكرسي المقابل ليا، وحط رجل على رجل بكل ثقة، وعينيه لسه بتتحرك بتحدي. قعدت أنا كمان، وفردت ضهري، وبدأ الكلام الجد بين الكبار يدور عن الشراكة، والأسهم، والأراضي اللي في التجمع، والفلوس اللي هتتضخ في السوق بناءً على الجوازة دي.
طول القاعدة، شريف مكنش بيبطل يرمي كلام ميتفهمش غير بيني وبينه. لما الكبار اتكلموا عن إدارة الفندق الجديد، قال: “أنا بحب النظام قوي يا عمي إسماعيل، ومبحبش حد يتعدى حدوده معايا، من صغري وأنا كلمتي هي اللي بتمشي، واللي بيقاوح معايا بيتعب.”
رديت عليه وأنا برشف من فنجان القهوة بتاعي بكل برود: “والله يا شريف بيه، النظام حلو مفيش كلام. بس برضه السوق علمنا إن اللي بيمشي بدراعه بس من غير عقل بيلبس في الحيط. والناس اللي كانت بتفكر ببلطجة زمان، دلوقتي بنشغلهم عندنا أفراد أمن.”
الشرار كان بيتطاير من عينينا. أبويا وأبو شريف قاموا يدخلوا المكتب عشان يراجعوا بنود العقد الكبير، وأمي قامت تجيب عصير من المطبخ، وسبونا لوحدنا في الصالون. في ثانية، الهدوء المزيف اختفى.
شريف مال بجسمه لقدام، وسند كوعه على ركبته، وبصلي بابتسامة مستفزة وقال: “نظفتي يا سما.. لا للامانة، نظفتي وبقيتي فرس يملى العين. فين نضارة كعب الكوباية اللي كنت بوقعها منك في الطرقة؟ وفين الطرحة الكستور اللي كنتي بتلفيها زي الستات الكبار؟”
جزيت على سناني وقربت منه أنا كمان عشان صوتي ميعلاش: “النضارة دي هي اللي خلتني أشوف حقيقتك المقرفة من زمان يا شريف. والهدوم اللي مكنتش عاجباك، هي اللي خلتني أركز في مذاكرتي لحد ما بقيت شريكة أبويا في الشركات اللي أبوك جاي يتمسح فيها عشان ينقذ أسهمه في البورصة. متعيش الدور عليا، أنا عارفاك حتة عيل صايع مكنش بيفلح غير في الكدب والمنظرة.”
شريف وشه اتقلب، وعروق رقبته ظهرت: “أنا بتمسح فيكم؟ لولا اسم عيلتي، مكنش أبوكي لقى حد يشيل معاه قروض البنوك! وبعدين متنسيش نفسك.. أنتِ لسه في نظري البنت الرغاية اللي كانت بتقعد تعيط ورا المعمل لما كنت بأخد منها سندوتشاتها.”
وقفت وبصيتله من فوق: “كنت بعيط عشان كنت بقرف منك ومن أسلوبك البيئة. لكن دلوقتي؟ أنت متقدرش تهز شعرة مني. والجوازة دي لو تمت، هتبقى جنازتك يا شريف. أنا هوافق عليها بس عشان أكسر مناخيرك دي اللي رافعها في السما على مفيش.”
شريف وقف هو كمان، وبقى طوله الفارع مغطي عليا، بس متهزتش. قرب خطوة وقال وشه قريب من وشي: “تكسري مناخير مين يا شاطرة؟ ده أنا شريف البدري. يعني الجوازة دي لو حصلت، هخليكي ترجعي تلبسي النضارة وتعيطي تاني، بس المرة دي في بيتي وتحت طوعي.”
”أعلى ما في خيلك اركبه،” قلتها ببرود قاسي وأنا بلف ضهري ليه وبمشي خطوتين. في اللحظة دي، الكبار رجعوا من المكتب، وأبويا قال بفرحة: “على بركة الله، قرينا الفاتحة وحددنا الخطوبة الأسبوع الجاي، والكتب والكتاب والفرح بعد شهرين!”
شريف بصلي بابتسامة نصر خبيثة وقال: “مبروك علينا يا بشمهندسة.. يا رب أكون عند حسن ظنك.”
دخلت أوضتي ورزعت الباب ورايا، دمي كان بيغلي لدرجة إني كنت عايزة أكسر كل حاجة حواليا. الجوازة دي مش مجرد جواز صالونات، دي بقت مسألة كرامة وتار بايت من أيام المراهقة. شريف فاكر إنه لسه يقدر يكسرني، وأنا هثبتله إن البنت الضعيفة ماتت، واللي واقفة قدامه دي هي اللي هتخليه يندم على كل يوم فكر فيه يضايقني.
مر الأسبوع زي الإعصار. كنت بنزل الشركة كل يوم، بشتغل بعنف، وبحضر للخطوبة وكأني بحضر لمعركة حربية. اخترت فستان أسود سواريه سمبل ومجسم، شيك جداً ويدل على القوة والغموض، مكنش فيه أي حاجة تدل على العروسة التقليدية الفرحانة. اخترت ميك أب حاد يبرز عيوني وثقتي في نفسي. كنت عايزة لما يشوفني، يفهم إنه مش داخل على عروسة، داخل على ند لند.
يوم الحفلة في الفندق الكبير، المعازيم كلهم من رجال الأعمال وأصحاب الشركات. كنت واقفة مع أمي برحب بالناس، ولما لمحت شريف داخل من باب القاعة، قلبي دق دقة غريبة، مش خوف، ولا حب طبعاً، كانت دقة الترقب. كان لابس بدلة توكسيدو سودا، شعره متسرح بعناية، دقنه المتحددة بدقة مدياله هيبة تخطف الأنظار. البنات في القاعة كلهم كانوا بيبصوا عليه، وهو كان ماشي بيمشي بخطوات واثقة، وعينيه بتدور في المكان لحد ما اتلاقت بعيني.
نظراته اتغيرت أول ما شافني بالفستان الأسود. الابتسامة الخفيفة اللي على وشه اختفت، وحسيت بصدمة جديدة بتضرب عينه. قرب مني، وباس إيد أمي بكل أدب، وبعدين التفت ليا. مد إيده وقال بصوت واطي وهو بيبص في عيني مباشرة: “شياكة مش غريبة عليكي.. بس الأسود يليق بكِ فعلاً، كأنك رايحة عزا مش خطوبتك.”
ابتسمت بثقة وحطيت إيدي في إيده: “أهو عزا طفولتك ومراهقتك اللي كنت فاكر إنك فيها بطل. من النهاردة يا شريف، اللعب هيبقى على ميت غمر، ومفيش جو المدارس ده.”
شريف ضغط على إيدي خفيف وهو بيشدني عشان نتحرك لركوب الكوشة، وقال في ودني: “الفستان الأسود لايق على قلبك يا سما. بس افتكري.. الحرب دي أنتِ اللي بدأتيها لما قررتي تتحديني في الصالون.. وأنا مابخسرش.”
قعدنا في الكوشة، والناس بتبارك، والمصورين بيلقطوا صور، وإحنا مابين كل صورة وصورة بنبتسم ابتسامات مزيفة للكاميرا، ومن تحت الضرس بنرمي لبعض كلام يوجع.
“اضحكي كويس عشان الصور تطلع حلوة في الجرايد،” قالها شريف وهو باصص للكاميرا.
رديت وأنا بوزع ابتسامات على المعازيم: “أنا بضحك عشان شمتانة فيك من دلوقتي. خطتك إيه بقى يا بطل بعد الجواز؟ فاكر إنك هتقفل عليا بيت وتخليني أطبخ؟ أنا هبقى معاك في الشركة خطوة بخطوة، وصفقة الفندق الجديد اللي أنت عاين عينك عليها، أنا اللي هقودها.”
شريف ضحك بصوت رجولي مسموع عشان الناس تفتكرنا بنهزر، وقال: “صفقة الفندق؟ دي بتاعتي من قبل ما اسمك يتكتب في العقد يا سما. لو فكرتي تدخلي معايا في مناقصة، هخسرك كل مليم حيلتك.”
”نشوف،” قلتها ببرود وثقة عمياء.
بعد الحفلة بأيام، بدأت المعركة الفعلية في السوق. شركة أبويا وشركة أبو شريف اندمجوا رسمياً تحت اسم “مجموعة البدري وإسماعيل للاستثمار”. وبقينا أنا وهو بنقعد في مكتب واحد كبير في مقر الشركة الرئيسي بالتجمع الخامس. مكتبين قصاد بعض، مفيش بينهم غير طرقة صغيرة وزجاج شفاف.
كل يوم الصبح، كان بيبقى عرض أزياء وعرض قوة. هو يدخل ببدله الكلاسيك وبرفانه اللي بيقلب الممر، وأنا أدخل بالبدل النسائية الرسمية والشيك جداً، وخطوات كعبي العالي بتعمل رنة في المكان تعلن عن وصولي.
في يوم، سكرتيرة شريف دخلت عندي المكتب وهي متوترة: “يا بشمهندسة سما.. شريف بيه أخد ملفات مناقصة الساحل الشمالي، وقالي إن الشغل ده بتاعه هو بس، وإنك متدخليش فيه.”
قمت من على ممتبي بكل هدوء، وعدلت الجاكيت بتاعي، ومشيت بخطوات ثابتة لحد ما فتحت باب مكتبه بدون استئذان. كان قاعد بيراجع الأوراق، رفع عينه وبصلي ببرود: “مش علموكِ في المدارس الإنترناشيونال إننا بنخبط على الباب قبل ما ندخل؟”
حطيت إيدي على مكتبه ودمت لقدام: “وعلموني كمان في السوق إن اللي يمد إيده على حاجة مش بتاعته، تتقطع. ملف مناقصة الساحل ده أنا اللي شغالة عليه بقالي شهر يا شريف. بأي حق تسحبه وتلغي اسمي من المشروع؟”
شريف ساب القلم وسند ضهره لورا: “بحق إني المدير التنفيذي للمجموعة دلوقتي، وبحق إن المشروع ده محتاج علاقات وتقاطعات مع أجانب، وأنتِ أخرك حسابات وأرقام في الدفاتر. مش عايز ريسين للمركب عشان متغرقش، والمشروع ده باسمي.”
ابتسمت بسخرية: “علاقات؟ وأجانب؟ أنت فاكرني لسه البنت اللي مكنتش بتعرف تتكلم كلمتين على بعض؟ الملف ده هيرجع مكتبي في خلال خمس دقائق، وإلا هتشوف الوش التاني اللي عمرك ما تحب تشوفه يا ابن البدري.”
شريف وقف وقرب مني لحد ما مكنش يفصلنا غير ترابيزة المكتب: “وريني وريني الوش التاني يا سما.. أنا مستني أشوف هتعملي إيه. هتصوتي؟ هتشتكيني لحج إسماعيل؟”
”لأ.. الكبار مبيشتكوش، الكبار بيعلموا على العيال،” قلتها بنبرة واطية ومرعبة، ولفيت وخرجت من المكتب.
في نفس اليوم بالليل، كان في اجتماع مجلس إدارة طارئ لمناقشة العروض المقدمة للمناقصة. شريف وقف بكل ثقة وبدأ يعرض مشروعه والديزاين بتاعه قدام أعضاء مجلس الإدارة وأبويا وأبوه. كان بيتكلم بلباقة وثقة، والكل كان بيهز رأسه بإعجاب.
لما خلص، بصلي بنظرة انتصار وكأنه بيقولي “شربتي المقلب”. أبويا قال: “شغل ممتاز يا شريف يا ابني، تسلم إيدك. مفيش أي تعليق من حد؟”
وقفت وفتحت اللاب توب بتاعي، وربطته بالشاشة الكبيرة في غرفة الاجتماعات: “طبعاً في تعليق يا بابا. العرض اللي شريف بيه قدمه ممتاز.. على الورق بس. لكن لو دخلنا في التفاصيل الجدوى الاقتصادية، هنلاقي إن حسابات التكلفة اللي هو حاططها للمواد الخام قديمة، ومبنية على أسعار السنة اللي فاتت قبل تعويم الجنيه الأخير وتغير أسعار الحديد والأسمنت. وده معناه إننا لو دخلنا بالمشروع ده، المجموعة هتخسر حوالي 40% من قيمة رأس المال في أول ست شهور بسبب فروق الأسعار.”
القاعة كلها سكتت. شريف وشه جاب ألوان، وبص للأرقام المعروضة على الشاشة وصدمته كانت واضحة. كملت بكل برود: “عشان كدة، أنا عدلت المشروع، وعملت دراسة جدوى جديدة تماماً، ووفرت بدائل محلي بنفس الجودة، وده هيضمن لنا مكسب 25% زيادة عن المتوقع، وقدمت الملف ده باسمي وباسم المجموعة للوزارة من ساعتين.. والملف اتقبل مبدئياً.”
أبو شريف وقف وصقف: “الله أكبر عليكِ يا بنتي! برافو.. برافو يا سما. أنتِ وفرتي علينا كارثة!”
أبويا كان وشه منور بالفخر. أما شريف؟ فكان باصصلي ونظراته عيارها تقيل، عينيه كانت بتطلع شرار، وحسيت إنه لو طول يقوم يرقبني مش هيتردد ثانية.
بعد ما الاجتماع خلص والكل مشي، فضلت قاعدة بلم حاجتي في الشنطة. شريف قفل باب القاعة وفضل واقف ورايا. مالتفتش ليه وكملت اللي بعمله.
”حركة صايعة.. مكنتش فاكر إنك بالخبث ده،” قالها بصوت مخنوق من الغيظ.
التفت وبصيتله وأنا بلبس شنطتي: “دي مش خباثة يا شريف، ده اسمه شغل. زمان كنت بتستقوى عليا عشان كنت عيل متنمر ومفيش حد بيحاسبك، لكن دلوقتي إحنا في ملعب حقيقي، والذكاء هو اللي بيكسب. أنت خسرت الجولة دي، فاحسن لك تتقبل الخسارة بروح رياضية.”
قرب مني بخطوات سريعة، لحد ما حاصرني بينه وبين ترابيزة الاجتماعات. حسيت بأنفاسه السخنة ونظراته اللي اتغيرت من الغل لحاجة تانية مش قادرة أفسرها، حاجة تشبه الإعجاب الممزوج بالتحدي.
”أنتِ فاكرة إنك كسبتي؟” قالها وهو بيوشوش: “أنتِ بس حركتي الوحش اللي جوايا يا سما. الجواز كمان شهر، والبيت اللي هنعيش فيه هيبقى ملكي أنا.. وهناك مفيش مجلس إدارة يدافع عنك، ومفيش بابا إسماعيل. هناك هبقى أنا وأنتِ وبس، وهنشوف مين اللي هيعلم على التاني.”
مخوفتش، رفعت راسي وعيني جت في عينه بكل قوة: “وأنا مستنية اليوم ده يا شريف. عشان أوريك إن البنت اللي كنت بتخبي كتبها، تقدر تهد مملكتك كلها بكلمة واحدة.”
ضحك ضحكة واطية، ومشي صباعه على طرف كتفي ونزل لحد إيدي، الحركة دي خلت جسمي كله يقشعر، بس مظهرتش أي حاجة. قال بصوت كله ثقة: “هنشوف يا عروستي.. هنشوف.”
مرت الأيام وجيه يوم الفرح. كان فرح أسطوري في أكبر فنادق القاهرة. كل مصر كانت بتتكلم عن جوازة “سما وإسماعيل وشريف البدري”. كنت لابسة فستان أبيض ملكي، مطرز بالماس، وطرحة طويلة سحباها ورايا لأمتار. كنت شبه الأميرات، والكل كان مبهور بجمالي وثقتي.
شريف كان واقف مستنيني في أول الممر وهو لابس بدلة الفرح البيضاء في سوداء، ملامحه كانت جامدة بس أول ما قربت منه، عينه لمعت ببريق غريب. مسك إيدي وباسها قدام الناس، وهمس في ودني: “المرة دي بجد.. بقيتي ملكي يا سما.. رسمياً.”
رديت عليه بابتسامة ساحرة للكاميرات: “ملك نفسي بس يا شريف.. أنت مجرد ضيف ثقيل في حياتي لحد ما الحرب دي تخلص.”
الفرح عدا وكأنه حلم سريع، ولقينا نفسنا في عربية الفرح في طريقنا للفيلّا الكبيرة اللي شريف صمم يشتريها في منطقة هادية في أكتوبر عشان تكون بيتنا. طول الطريق مكنش حد فينا بيتكلم. الصمت كان تقيل، ومليان بتوتر يكفي لبلد بحالها.
وصلنا الفيلّا، ودخلنا. المكان كان هادي جداً، والخدم كانوا مشيوا بناءً على طلب شريف. دخلت الصالون وأنا جرجرة فستاني التقيل، وقعدت على الكنبة بتعب. شريف قلع جاكت البدلة ورماه على الكرسي، وفك رابطة العنق وهو بيبصلي بنظرات غامضة.
”نورتي بيتك يا مدام شريف البدري،” قالها وهو بيقعد على الكرسي اللي قصادي.
وقفت وفكيت الطرحة ورميتها على الكنبة: “الاسم ده مؤقت يا شريف.. لحد ما الشراكة تنجح وكل واحد يروح لحاله. متعيشش الوهم.”
شريف قام وقرب مني، وفضل يبص لوشي بتمعن، كأنه بيحاول يقرا اللي جوة دماغي. مد إيده ولمس خصلة من شعري برقة غريبة عمري ما شوفتها منه قبل كده، وقال بنبرة صوت هادية ودافية صدمتني: “تفتكري أنا بجد بكرهك يا سما؟”
السؤال نزل عليا زي الصاعقة. بصيتله بذهول: “أنت بتسأل؟ أنت كنت بتسود عيشتي في المدرسة! كنت بتخليني أرجع البيت عيط كل يوم! دمرت طفولتي ومراهقتي!”
شريف نزل إيده واتنهد تنهيدة طويلة، وظهرت في عينيه لمحة حزن غريبة لأول مرة أشوفها: “عشان كنت حمار.. عيل تافه مش فاهم مشاعره. كنت بشوف كل الناس بتبصلي وبتخاف مني، إلا أنتِ. كنتِ الوحيدة اللي بتبصيلي بتحدي، والوحيدة اللي مكنتش بتتهز قدامي. كنت بعمل كل ده عشان ألفت انتباهك، عشان أخليكي تبصيلي حتى لو بكره. ولما كبرنا، ولقيتك بقيتي الست القوية دي، عرفت إنك البنت الوحيدة اللي تنفع تكون شريكة حياتي.. وتملى عيني.”
أنا كنت واقفة، مش قادرة أتحرك ولا أنطق. الكلام كان صدمة أكبر من صدمة وجوده في بيتنا. شريف البدري، المتنمر القاسي، بيقول الكلام ده؟
قرب خطوة كمان، وبقت المسافة بيننا معدومة، وبص في عيني بنظرة مليانة شغف وتحدي في نفس الوقت: “أنا وافقت على الجوازة دي مش عشان الشغل يا سما.. أنا وافقت عشانك أنتِ. وعارف إنك بتكرهيني، وعارف إن في بيننا حرب.. بس أنا مستعد أحاربك العمر كله، لحد ما أخلي الكره ده يتحول لحاجة ثانية خالص.. هتحبيني يا سما، زي ما أنا كنت دايماً مشدود ليكي.”
قلبي بدأ يدق بسرعة رهيبة، وحسيت إن الأرض بتلف بيا. النظرة اللي في عينه مكنتش نظرة شريف بتاع زمان، دي كانت نظرة راجل بيتحدى القدر عشان يوصل لقلب الست اللي قدامه.
تراجعت خطوة لورا، وأنا بحاول أجمع شتات نفسي وأحافظ على قناعي القوي، وقلت بصوت بيترعش خفيف: “أنت بتحلم يا شريف.. ده مش هيحصل أبدًا.”
شريف ابتسم ابتسامة واثقة، الابتسامة اللي بتهزني من جوة، وقرب وشاور على قلبي وقال بصوت كله تحدي: “الأيام بينا يا بشمهندسة.. والملعب اهو مفتوح، والبيت ده هيشهد على أخر معركة بيننا.. يا ترى مين اللي هيركع للتاني في الآخر؟”
وقفت مكاني وأنا حاسة إن حياتي القديمة انتهت تماماً، وإن اللي جاي مش مجرد حرب تكسير عظام في الشغل، دي حرب من نوع تاني خالص، حرب على قلبي أنا.. ومش عارفة إذا كنت هقدر أكسبها، ولا هكون أنا أول الخاسرين في معركة شريف البدري.شريف ساب الكلمة دي معلقة في الجو، ولف بكل برود ودخل أوضة اللبس عشان يغير هدومه، وسابني واقفة في وسط الصالون وفستان الفرح التقيل كاتم على نفسي. قلبي كان بيدق زي طبول الحرب، مش من الخوف، لأ.. من الغيظ والإثارة. الواد ده بيلعب معايا جيم كبير، وفاكر إنه بكام كلمة حنينة على نظرة ثقة هيخليني أنسى سنين المرمطة.
نزلت كعب الفرح من رجلي، ومسكت الفستان بإيدي وطلعت على الأوضة التانية اللي اخترت من البداية إنها تكون أوضتي. قفلت الباب بالمفتاح، وقلعت الفستان الأبيض ورميته على السرير كأني برمي حمل تقيل من على كتافي. دخلت أخدت دش دافي يفك تشنج جسمي، ووقفت قدام المراية وأنا بلبس بيجامة ستان سودا مريحة. بصيت لوشي اللي ممسوح منه الميك أب.. دي أنا، سما، مفيش ماسكات دلوقتي.
“مش سما البدري اللي تقع في الفخ ده يا شريف،” وشوشت نفسي في المراية وأنا برفع شعري كحكة مبهدلة، شبه تسريحة زمان، بس المرة دي مفيش نضارة مخبية التحدي اللي في عيني.
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت خبط هادي على الباب. فتحت، لقيت شريف واقف لابس بنطلون جينز وتيشرت كاجوال، شكله كان أصغر من سنين الأعمال والشركات، وشايل في إيده صينية عليها فطار.. قهوة تركي مظبوطة، كرواسون، وأطباق صغيرة شكلها يفتح النفس.
بصلي من فوق لتحت، وعينه لمعت لما شاف شعري المبهدل، وقال بابتسامة خافية: “صباح الخير يا مدام.. عملت الفطار بإيدي، قولت أكيد البشمهندسة مابتفطرش غير قهوة سادة عشان تحافظ على الوش الخشب من أول اليوم.”
وسعتله الطريق ببرود ودخل حط الصينية على الترابيزة. قعدت على الكرسي وحطيت رجل على رجل، وأخدت فنجان القهوة: “شكراً يا شريف.. بس متعودش نفسك على دور الزوج المتعاون، الشغل هيبدأ من النهاردة، ومناقصة قطاع السياحة الجديد في البحر الأحمر هتتفتح الأسبوع الجاي، وأنا مش هسيبك تاخدها.”
شريف قعد على السرير وقرب بجسمه، ساند إيده على ركبته: “أنتِ مابتفصليش؟ إحنا لسه في شهر العسل يا بنتي! الناس بتقول صباح الخير، حمد الله على السلامة.. مش مناقصة وملايين!”
”شهر العسل ده للناس الطبيعيين، مش للي داخلين حرب،” قلتها وأنا باخد رشفة من القهوة.
شريف ضحك بصوت عالي، الضحكة دي اللي بتخليني أعوز أضربه: “تمام يا سما.. تحبي اللعب على المكشوف؟ ملف البحر الأحمر في مكتبي في الشركة، واللي هيقنع المستثمر الإماراتي بكرة في العشا العمل هو اللي هيشيل الليلة. هتيجي معايا العشا ده ولا هتتحججي إنك عروسة؟”
وقفت وابتسمت بتحدي: “هكون أول واحدة هناك يا شريف بيه. وريني بقى هتعمل إيه.”
يوم العشا في المطعم الفخم المطل على النيل، الأجواء كانت هادية والمستثمر الإماراتي، الشيخ منصور، كان راجل ذكي جداً ومبيقتنعش بالاسم بس، بيقتنع بالأرقام والرؤية. شريف كان لابس بدلة كحلي تدوّخ، وكان بيتكلم بذكاء ولباقة عن قوة المجموعة.
لما جه وقت مناقشة النسبة القانونية والمخاطر، شريف بدأ يعرض وجهة نظره الكلاسيكية. هنا بقى جه دوري. دخلت في الكلام بكل هدوء وثقة، وطلعت الآيباد بتاعي، وعرضت على الشيخ منصور خطة بديلة للتحوط من التضخم، وضمان تدفقات نقدية بالدولار من خلال عقود مسبقة مع شركات سياحة أوروبية.
الشيخ منصور وشه نور وبصلي بإعجاب شديد: “ما شاء الله يا بشمهندسة سما! رؤية ثاقبة وتحليل مالي ممتاز. شريف بيه، أنت محظوظ.. شريكتك في العمل وفي الحياة عقلها يوزن بلد.”
شريف بصلي، وحسيت بنظرة غريبة في عينه.. مكنتش نظرة غيظ المرة دي، كانت نظرة فخر حقيقية، وكأنه مبسوط إن الناس شايفة ذكائي. ابتسم للشيخ منصور وقال: “سما هي العقل المدبر للمجموعة يا شيخ منصور، وأنا من غيرها كنت هكون مجرد بلدوزر بيمشي في السوق من غير فرامل.”
الكلمة دي هزتني. شريف بيمدحني قدام أكبر مستثمر؟ مش المفروض إنه عايز يكسرني؟
بعد ما العشا خلص واتفقنا على توقيع العقود الأسبوع الجاي باسمي أنا وشريف مناصفة، ركبنا العربية عشان نرجع الفيلّا. الجو جوة العربية كان هادي، وصوت الموسيقى الكلاسيك شغال في الخلفية.
”ليه قلت كدة قدام الشيخ منصور؟” سألته وأنا باصة للطريق من الشباك: “مش كنت عايز تثبت إنك الأقوى؟”
شريف هدى السرعة وبصلي ثانية قبل ما يرجع عينه للطريق: “أنا قوي يا سما، بس مبنكرش قوة اللي قدامي. وذكائك النهاردة أنقذ الصفقة وخلاها تكبر. أنا بكره الفشل، وبحب النجاح.. وبحب أكتر إن مراتي تكون هي سبب النجاح ده.”
كلمة “مراتي” طلعت من بقه دافية ومربكة. سكت ومردتش، بس من جوايا، حسيت إن الحصون اللي بنيتها حوالين قلبي لسنين بدأت تتشقق.
وصلنا الفيلّا، والدنيا كانت ليل وضلمة. دخلنا الصالون، وفجأة النور قطع. الفيلّا كلها بقت كحل.
”شريف؟” ندهت بصوت واطي، والحوف القديم من الضلمة صحي جوايا في ثانية. زمان في المدرسة، شريف حبسني في معمل الأحياء والكهربا مقطوعة، وكنت بموت من الرعب.
”أنا هنا يا سما.. متخافيش،” صوت شريف جه من ورايا علطول. حسيت بإيده الكبيرة والدافية بتمسك إيدي المحسوسة بالبرودة. شدني عليه بالراحة وسط الضلمة.
”سيب إيدي يا شريف.. أنت عملت كدة زمان، حبستني في المعمل، فاكر؟” قلتها وصوتي بيترعش من الذكرى ومن قربه.
شريف ضغط على إيدي بحنان، وحسيت بأنفاسه قريبة جداً من وشي: “عارف.. وعارف إني كنت غبي. مش هسيبك تضيعي في الضلمة تاني يا سما. أنا هنا عشان أحميكي.. حتى من نفسي.”
في اللحظة دي، شريف طلع ولاعة صغيرة، والنور الضعيف بتاعها نور وشه. ملامحه كانت قريبة، وعينيه كانت باصة لعيني بنظرة صدق عمري ما شوفتها في حياتي. قرب أكتر، وبقت المسافة بيننا أنفاس معدودة. قلبي كان بيدق لدرجة إني كنت خايفة يسمعه. شريف ملمسنيش بعنف، بالعكس، رفع إيده التانية ولمس خدي برقة، ومسح دموعة صغيرة كانت نزلت من عيني من غير ما أحس بسبب الخوف والتوتر.
وفجأة.. النور جه.
الصالون كله نور، وإحنا واقفين قريبين من بعض جداً، إيدي في إيده، وعينيه لسه معلقة في عيني. تراجعت خطوة بسرعة وأنا بنهج، وهو ساب إيدي بالراحة وابتسم ابتسامته الساحرة، بس المرة دي مكنش فيها أي خبث.
”تصبحي على خير يا بشمهندسة،” قالها بنبرة صوت واطية، ولف وطلع على أوضته.
وقفت في وسط الصالون، حاطة إيدي على قلبي اللي مش راضي يهدى. الحرب اللي دخلتها عشان أكسره، بقيت حاسة إن أنا اللي بتهد فيها حتة حتة. شريف مش بيحاربني بالفلوس ولا بالصفقات.. شريف بيحاربني بحبه، وده الس*لاح الوحيد اللي مكنتش عاملة حسابه، واللي ممكن يخليني أرفع الراية البيضاء وأنا كسبانة.. أو خسرانة، مش مهم، المهم إن اللعبة بدأت تاخد مسار تاني خالص ملوش رجوع.مرت الأسابيع ورا الأسابيع، والشغل بيننا بقى عامل زي رقصة تانجو حامية؛ خطوة منه وخطوة مني، ذكاء قصاد ذكاء، بس النبرة اللي بيننا بدأت تتغير من غير ما نحس. مابقاش الغل هو المحرك، بقى في نوع من الاحترام المتبادل، والشرار اللي بيطلع من عينينا مبقاش شرار خناق، بقى شرار حاجة تانية خالص كنت بهرب من تسميتها.
لحد ما جيه اليوم اللي قلب الترابيزة كلها.
كنت قاعدة في مكتبي بالشركة براجع أوراق مشروع التطوير العقاري الجديد في العاصمة الإدارية، وفجأة الباب اتفتح بعنف. دخل شريف ووشه كان قالب ألوان، ملامحه مشدودة وعروق جبهته بارزة بشكل يخوف. رمى الجاكت بتاعه على الكنبة وقرب من مكتبي وسند بإيديه الاتنين عليه، وهو بيبصلي بنظرة مليانة عتاب وكسرة عمري ما شوفتها في عينه.
”ليه يا سما؟” قالها بصوت مبحوح ومكتوم، كأنه طالع من وسط نار.
قمت من على الكرسي مستغربة: “في إيه يا شريف؟ إيه اللي حصل؟ وليه داخل عليا كدة؟”
شريف طلع من جيبه ملف وحطه على المكتب بغل: “ده ملف مناقصة العاصمة.. العرض المالي بتاع شركتنا اتسرب لشركة ‘الراوي’ المنافسة لينا، وهما قدموا عرض أقل مننا بمليون جنيه بس وأخدوا المشروع. والملف ده مكنش مع حد غيري.. وغيرك أنتِ. أنتِ سربتي الشغل ليهم عشان تكسريني في السوق؟ لدرجة دي كرهك ليا عمى عينيكي؟”
الكلام نزل عليا زي الصاعقة. حسيت بدماغ بتلف. أنا؟ أنا أسرب شغل شركتنا وشركة أبويا عشان أضايقه؟
قربت منه وعيني في عينه: “أنت اتجننت يا شريف؟ أنت بتتهمني بالخيانة؟ أنا سما البدري اللي تبيع شرفها وشغلها عشان خناقة قديمة؟ أنا لو عايزة أكسرك، بكسرك بدماغي وبشغلي في النور، مش بحركات صبيانية من تحت الترابيزة!”
”امال مين اللي شاف الملف؟” زعق بصوت هز جدران المكتب: “السكرتيرة بتاعتك قالت إنك أخدتي النسخة الأصلية وفضل معاكي طول الويك إيند! سما.. أنا بدأت أصدق إنك لسه عايشة في مراهقتك وبتنتقمي مني!”
دموعي نزلت من الغيظ، ومسحتها بسرعة وأنا بجز على سناني: “ورحمة أبويا يا شريف لو ما سكتش وخرجت من هنا، لكون لغية الشراكة دي خالص. أنا مابخونش. والملف ده اتسرق، ومش أنا اللي سرقته. بدل ما تتهمني، روح دور على الحرامي الحقيقي اللي في شركتك!”
شريف بص في عيني ثواني طويلة، كان بيحاول يقرا الصدق فيهم، وبعدين لف وضهره ليا وسكت تماماً. الأوضة بقت كحل من التوتر. سابني وخرج ورزع الباب وراه.
قعدت على الكرسي وأنا جسمي كله بيترعش. مكنتش زعلانة على الصفقة، كنت زعلانة إنه صدق عني كدة. حسيت بوجع في قلبي مكنتش فاهمة سببه.. هو أنا بقيت بهتم برأيه فيا للدرجة دي؟
مستسلمتش. فتحت اللاب توب وبدأت أتحرك زي القطة. كلمت رئيس قسم تكنولوجيا المعلومات في الشركة، وطلبت منه يراجع كاميرات المراقبة بتاعة الدور بتاعي وبتاع شريف في الويك إيند اللي فات من غير ما حد يعرف. وفضلت قاعدة في مكتبي لحد الساعة ما بقت 11 بالليل والشركة فضيت تماماً.
وفجأة، جالي إيميل من مهندس الـ IT بفيديو. فتحته، ولقيت المفاجأة؛ سكرتيرة شريف، البنت اللي كانت دايماً بتبصلي بضيق، دخلت مكتبي المفتاح الماستر يوم السبت بالليل، وصورت أوراق الملف بالموبايل وخرجت.
أخدت الفلاشة اللي عليها الفيديو، ولميت حاجتي ونزلت. ركبت عربيتي وطيرت على الفيلّا. وصلت، فتحت الباب ودخلت الصالون، لقيت شريف قاعد في الضلمة، لابس هدومه ومنزل راسه بين إيديه، وسيجارته بتولع في الضلمة.
فتحت النور فجأة. رفع رأسه وبصلي بتعب.
مشيت لحد عنده ورميت الفلاشة على الترابيزة اللي قدامه: “اتفضل يا شريف بيه. ده الحرامي اللي سرب الملف. السكرتيرة بتاعتك، مدفوع لها من شركة الراوي عشان تضرب الشراكة اللي بيننا، وعشان تخليني أبان خاينة في عينك.. وأنت زي الحمار صدقت علطول.”
شريف مسك الفلاشة وبصلي بذهول، وبعدين قام وقف وقرب مني: “سما.. أنا..”
”أنت إيه؟” قاطعته بصوت مليان وجع: “أنت لسه شايفني البنت الغلبانة بتاعة زمان اللي ينفع تتبلى عليها؟ أنت عمرك ما هتنظف من جواك يا شريف، وعمرك ما هتشوفني غير بنظرة الشك دي.”
لفيت ضهري عشان أمشي وأطلع أوضتي، بس فجأة، لقيت إيد شريف القوية بتمسكني من وسطي وبتلفني ليه. المرة دي مكنش فيه أي برود؛ شدني عليه جامد لدرجة إن راسي خبطت في صدره العريض. بصيتله بغضب وعايزة أبعد، بس هو ثبتني بإيديه الاتنين وهو بيبص في عيني بنظرة ندم حقيقية ودموع بتلمع في عينيه لأول مرة.
”أنا أسف يا سما،” قالها بصوت بيترعش من جوة قلبه: “أنا كنت أعمى.. الغيرة عمتني. لما شوفت الصفقة راحت، افتكرت إنك لسه بتكرهيني وعايزة تبعدي عني باي طريقة. أنا مكنتش خايف على الفلوس، أنا كنت خايف أكون خسرتك وخسرت الثقة اللي بنيناها. أنا بحبك يا سما.. بحبك من زمان قوي ومبقتش قادر أداري أكتر من كدة.”
الكلمة نزلت عليا زي الشلال الدافئ اللي غسل كل الوجع والغل اللي شيلته لسنين. بصيت في عينه، وشوفت الواد التافه بتاع زمان وهو بيبكي عشان يطلب السماح، وشوفت الراجل القوي اللي مستعد يرمي كبريائه تحت رجلي عشان مأخسرهاش.
الحصون كلها اتهدت في ثانية. مابقاش في نضارة كعب كوباية، ومابقاش في بدل ماركات، بقى في بس “سما وشريف”، اتنين عاشوا يحاربوا بعض عشان يداروا مشاعر أكبر منهم.
نزلت إيديه بالراحة من على وسطي، وحطيت كفوفي الصغيرة على وشه، وبصيتله بابتسامة صافية لأول مرة من سنين؛ ابتسامة طالعة من قلب بيسلم س*لاحه: “وأنا مبقتش بكرهك يا شريف.. الحرب خلصت خلاص.”
شريف وشه نور بابتسامة هزت كيانه كله، وشالني من فرحته ولف بيا في وسط الصالون، وإحنا بنضحك زي العيال الصغيرة اللي هربوا من طابور الصباح.
النسخة القديمة مننا ماتت واندفنت، وبدأنا من اللحظة دي صفحة جديدة، صفحة مفيهاش مقالب ولا تنمر ولا حرب صفقات.. صفحة فيها اتنين بدأوا أعداء، وانتهوا وهما أقوى حبايب في الدنيا، والكل في السوق بقى يعمل ألف حساب لـ “مجموعة البدري” اللي مفيش قوة تقدر تكسرها.. لأن أساسها مبني على نار الحرب اللي اتقلبت لأقوى قصة حب.


