فرحه البيت

الدربكة زادت برة في الصالة، وصوت الزغاريط بدأ يعلى ويهز الحيطان. مصطفى واقف في ركن الأوضة زي الصنم، إيديه اللي كانت لسة لمسة ستان الفستان بترتعش في جيبه، وعينيه مثبتة على الأرض مش قادر يرفعها في عينين دينا. الكلمة طلعت منه بالعافية، “ألف مبروك يا ست دينا”، بس طلعت مع قطعة من روحه. دينا بصلتله في المراية، ابتسامتها اللي كانت منورة وشها دبلت شوية، وكأنها حست بالشرخ اللي في صوته. كانت عارفة مصطفى كويس، عارفاه من صغرهم لما كانوا بيجروا ورا بعض في جنينة السرايا القديمة قبل ما الأيام تلف والوقت يغير كل حاجة. هي بقت العروسة اللي الكل بيحسدها، وهو بقى الشاب اللي واقف يخدم في فرحها.
​صوت خبط عالي على الباب قطع السكوت اللي اتخلق بينهم. دخلت أمينة، الشغالة الكبيرة اللي مبربية دينا، وهي بتنهج والضحكة واصلة لودانها: “يا ست دينا، يا ست الهوانم كلهم! العريس وصل تحت، والحاج محمود بيناديكي، المأذون جهز الدفاتر والكل مستني طلتك!”. دينا لفت ببطء، الفستان الأبيض المنفوش كان بيمسح الأرض وراه بصوت هادي، وبصلت لأمينة وهزت راسها من غير ما تنطق. أمينة مخدتش بالها من نظرة دينا التايهة، ولفت لمصطفى: “جرى إيه يا مصطفى؟ واقف مكانك ليه كدة زي ضيف الشرف؟ انزل قوام ساعد الرجالة في نقل الشربات ورص الكراسي في الجنينة، الليلة ليلة العمر ومش عايزين تقصير!”.
​مصطفى اتنفس بصعوبة، وهز راسه وهو بيتحرك ناحية الباب: “حاضر يا خالة أمينة، نازل حالاً”. قبل ما يخرج من عتبة الأوضة، حس بنظرة دينا متعلقة في ضهره. كان نفسه يلتفت، كان نفسه يقولها متمشيش، بس خطوته كانت أسرع، خرج وقفل الباب وراه، وساب حتة من قلبه جوة الأوضة دي.
​السلالم الرخام بتاعة البيت الكبير كانت زحمة، ناس طالعة وناس نازلة، وريحة البخور مغرقة المكان. مصطفى نزل وسط الهيصة دي وهو حاسس إنه في عالم تاني، عالم ملوش فيه صوت ولا ملامح. الجنينة تحت كانت متزينة باللمبات الملونة اللي مدية إضاءة دافية، والكراسي الخشب مصفوفة بدقة، والناس لابسة أشيك ما عندها. في النص، كان واقف العريس، شريف، ابن راجل أعمال كبير في البلد، لابس بدلة سودا سمارت، وساعته بتلمع تحت الضوء، وحواليه أصحابه بيهزروا ويضحكوا. شريف كان بيمثل كل حاجة مصطفى مش هيقدر يكونها في يوم من الأيام: الفلوس، السلطة، والمستقبل اللي متأمن.
​”شد حيلك معايا يا مصطفى!”، صوت عم محمد، أبو مصطفى، جابه من أفكاره. عم محمد كان راجل طيب، شعره كله شاب من الشقا في الجنينة دي، وكان شايل صينية عليها كاسات الشربات الورد باللون الأحمر القاني. مصطفى قرب منه بسرعة وأخد الصينية من إيده: “هات عنك يا أبويا، ارتاح أنت شوية”. عم محمد بص لابنه بنظرة فيها فخر بس مسكوبة بحزن مكتوم، هو كمان كان حاسس بابنه، الأب دايماً بيقرا خطوط قلب عياله. عم محمد طبطب على كتف مصطفى وقال بصوت واطي وسط الدوشة: “ربنا يسعدها يا ابني، هي بنت أصول وتستاهل كل خير، وعقبالك لما أفرح بيك وأشوفك عريس قمر في بيتك”. مصطفى ابتسم ابتسامة باهتة: “يارب يا أبويا، يارب”.
​بدأ الحضور يلتفتوا ناحية السلم الداخلي للجنينة. المزيكا اتغيرت، واشتغلت دقة الدفوف والزفة الإسكندراني اللي بتخطف القلوب. دينا ظهرت فوق، إيدها في إيد أبوها، الحاج محمود، اللي كان ماشي ودموعه في عينيه، فخور ببنت عمره وفي نفس الوقت مش هان عليه تفارق بيته. دينا كانت نازلة وزي ما يكون الملاك نزل الأرض، الطرحة الطويلة مغطية وشها جزئياً، بس ملامحها كانت باينة زي البدر. مصطفى وقف ورا شجرة الياسمين الكبيرة اللي في طرف الجنينة، المكان المفضّل اللي كان بيستخبى فيه وهو صغير. كان بيبص عليها وهي بتقرب من شريف، وشريف بيبتسم وبيمد إيده عشان يستلمها من أبوها.
​الحاج محمود باس راس دينا وسلم إيدها لشريف وقال بصوت مؤثر سمعه القريبين: “أنا بسلمك حتة من قلبي يا شريف، حافظ عليها دي الغالية”. شريف رد بثقة: “في عينيا يا حاج، دينا في أمان صون الهوانم”. الكل صقف، والزغاريط رجعت تشق السما من تاني. مصطفى حس ببرودة غريبة بتسري في جسمه رغم الجو الصيفي الصافي. شافهم وهم بيقعدوا على الكوشة المتزينة بالورد الأبيض الطبيعي، والمأذون بدأ يفتح الدفتر الكبير، ويطلب بطاقة العريس وبطاقة وكيلا العروسة.
​”أين وكيل العروس؟”، المأذون سأل بصوته الجهوري. الحاج محمود قعد جنبه، وبدأت طقوس كتب الكتاب. كل كلمة كان المأذون بيقولها، كانت بتنزل على قلب مصطفى زي المطرقة. “زوجتك موكلتي…”، الكلمات دي كانت بتعلن نهاية أي أمل سري كان مصطفى مخبيه في أعمق نقطة في روحه. في اللحظة دي، مصطفى ملقاش نفسه قادر يقف يتفرج أكتر من كدة. ساب صينية الشربات على تربيزة قريبة، واتسحب براحة من وسط الزحمة، وخرج من الباب الجانبي للجنينة اللي بيؤدي للشارع الوراني الهادي.
​الشارع كان ضلمة بالمقارنة بهيصة الفرح، والنسمة الباردة لفت وش مصطفى وكأنها بتطبطب عليه. مشي وعينيه مليانة دموع مكنش عايز حد يشوفها. قعد على رصيف قديم تحت عمود نور مطفي، وحط راسه بين إيديه. افتكر لما كانوا أطفال، لما دينا سرقت حتة بسبوسة من المطبخ وجريت ورا الشجر عشان تقسمها معاه بالنص، وافتكر لما قالتله وهي عندها عشر سنين: “أنا لما أكبر هخلي بابا يبنيلك بيت كبير جوة الجنينة عشان نفضل نلعب سوا دايماً”. الطفولة راحت، والوعود البريئة تبخرت قدام الواقع الصعب اللي بيقسم الناس لطبقات ومقامات.
​بينما هو قاعد في همومه، سمع صوت خطوات سريعة بتقرب منه، وصوت نفس عالي. رفع راسه واتفاجئ.. كانت خديجة، الأخت الأصغر لدينا. خديجة عندها تمنتاشر سنة، وكانت دايماً بتلاحظ نظرات مصطفى، ودايماً كانت قريبة منه وبتفهمه من غير ما يتكلم. خديجة كانت لابس فستان سهرة بسيط، ووشها باين عليه القلق.
​وقفت قدامه وهي بتنهج: “كنت عارفة إني هلاقيك هنا يا مصطفى”. مصطفى مسح وش بـإيديه بسرعة وقام وقف: “الآنسة خديجة؟ إيه اللي جابك هنا؟ الفرح جوة وممكن حد يلاحظ غيابك!”. خديجة بصتله بعيون مليانة عطف وقالت: “محدش واخد باله من حد جوة، كله مشغول بالرقص والأكل والباركا.. بس أنا أخدت بالي إنك اختفيت. مصطفى.. أنت كويس؟”. مصطفى دارى وشه: “الحمد لله يا فندم، تعب الشغل بس، واقف على رجلي من الصبح بجهز”. خديجة قربت خطوة وقالت بصوت هادي: “ماتخبيش عليا يا مصطفى، أنا شفتك وأنت بتربط لها الفستان، وشفت عينيك وهي نازلة من الأوضة. الحب مش عيب، بس العيب إنك تعذب نفسك على حاجة مش مكتوبالك من الأول”.
​كلمات خديجة نزلت عليه زي الصدمة، مكنش فاكر إن سر قلبه مكشوف بالشكل ده. بص لها ولسانه عجز عن النطق، مكنش عارف يدافع عن نفسه ولا يعترف. خديجة كملت: “دينا بتحبك يا مصطفى.. بس كأخ، كصديق طفولة، كجزء من ذكرياتها الحلوة. هي مش شايفة الوجع اللي في عينيك لأنها عايشة في عالمها الخاص، عالم البنت اللي بتتجوز الراجل اللي اختارهولها المجتمع والظروف. متضيعش عمرك واقف ورا شجرة الياسمين بتتفرج على حياة غيرك وهي بتتبني”.
​مصطفى أخد نفس طويل، وحس إن جبل كان على صدره وانزاح شوية لما لقي حد يتكلم معاه: “أنا عارف يا آنسة خديجة، عارف ومستسلم والله. أنا عمري ما طمعت في حاجة مش بتاعتي، بس القلب ملوش سلطان. أنا شفتها بتكبر قدام عينيا حتة حتة، وصعب عليا أشوفها بتبعد كدة مرة واحدة ومبقاش ليا حق حتى أطمن عليها”. خديجة ابتسمت بطيبة: “الأيام بتداوي يا مصطفى، واليوم اللي هتشوف فيه البنت اللي هتملا قلبك بجد هييجي، بس لازم تقفل الباب ده الأول عشان تعرف تفتح باب جديد”.
​في اللحظة دي، انطلق صوت ضرب نار في الهوا من ناحية الفرح، علامة على إن المأذون خلص، وإن دينا وشريف بقوا رسماً زوج وزوجة. الصوت خلّى مصطفى وخديجة يتلفتوا ناحية البيت. خديجة مدت إيدها وحطت كفها الصغير على كتف مصطفى: “يلا ندخل، عشان خاطري، خليك قوي لغاية ما الليلة دي تعدي على خير”. مصطفى هز راسه، وحس بامتنان كبير للبنت دي اللي سابت فرح أختها عشان تطمن عليه.
​رجعوا سوا، ودخل مصطفى الجنينة تاني، بس المرة دي كان حاير، جواه هدوء غريب زي هدوء ما بعد العاصفة. الفرح استمر لساعات، رقص وأغاني ومباركات، ومصطفى فضل شايل الصواني وبيخدم الناس بابتسامة مرسومة بدقة على وشه، مكنش عايز أبوها ولا أبوه يلاحظوا أي حاجة. دينا كانت بتضحك وبترقص مع شريف، وشكلها كان سعيد فعلاً، وده كان كافي لمصطفى إنه يحس بنوع من الرضا الممزوج بالمرارة.. أهم حاجة إنها مبسوطة.
​على الساعة واحدة بعد نص الليل، بدأ الفرح ينفض. العربيات بدأت تتحرك، والناس بتودع بعضها. عربية شريف، المرسيدس السودا المتزينة بالورد الأبيض، وقفت قدام باب السرايا الكبير. شريف مسك إيد دينا وبيساعدها تركب الكرسي اللي قدام والفستان مضايقها شوية. الحاج محمود كان واقف بيبكي والكل بيطبطب عليه.
​قبل ما دينا تدخل العربية، لفت وشها فجأة، وكأنها بتدور على حد بعينه وسط الزحمة الباقية. عينيها جت في عينين مصطفى اللي كان واقف بعيد تحت عمود النور. الوقت زي ما يكون وقف بينهم للحظة. دينا شاورتله بإيدها اللي فيها خاتم الجواز، وابتسمت ابتسامة رقيقة وداعية. مصطفى رفع إيده وبادلها الإشارة، وهز راسه وكأنه بيقولها “مع السلامة يا حب عمري”. ركبت العربية، وقفل شريف الباب، وتحركت العربية ببطء وهي بتضرب كلاكسات الفرح، لغاية ما اختفت في ضلمة الشارع الطويل.
​الجنينة بقت فاضية، والأنوار الملونة بدأت تتطفي واحد ورا التاني. الكراسي المقلوبة، وبقايا الكاسات المكسورة، وورق الزينة المتناثر على الأرض.. كل حاجة كانت بتدل على إن كان هنا حفلة كبيرة وخلصت. عم محمد قعد على كرسي وهو تعبان: “الحمد لله يا ابني، الليلة عدت على خير والناس خرجت متبسطة”. مصطفى قرب منه وساعده يقوم: “يلا يا أبويا عشان ترتاح، سيب الباقي للعمال الصبح”.
​طلع مصطفى لأوضته الصغيرة اللي فوق السطوح بتاع ملحق السرايا. الأوضة كانت بسيطة، سرير حديد ودولاب خشب صغير وتربيزة عليها كام كتاب. قعد على السرير وبص من الشباك اللي كاشف الجنينة كلها. السكون اللي برة كان بيعكس السكون اللي جواه. فتح درج التربيزة وطلع علبة صفيح قديمة، كان مخبي فيها شريطة ستان حمرا، دينا كانت رميتها وهي صغيرة بعد ما فكت ضفيرتها، وهو شالها واحتفظ بيها سنين كأنها كنز.
​بص للشريطة الطويلة في إيده، وافتكر كلام خديجة: “لازم تقفل الباب ده الأول عشان تعرف تفتح باب جديد”. أخد نفس عميق، وولع عود كبريت، وقرب النار من طرف الشريطة الستان. النار بدأت تأكل الستان الأحمر ببطء، والدخان الصغير طلع لفوق واختفى في الهوا. مع كل حتة بتتحرق من الشريطة، كان مصطفى بيحس إن حتة من وجعه بتتحول لرماد. رمى البقايا في المنفضة وبص للسما: “يارب، اكتبلها السعادة، واكتبلي النسيان”.
​مرت الأسابيع والشهور، والحياة في السرايا رجعت لهدوءها الرتيب. الحاج محمود بقى بيقعد في الجنينة لوحده كتير، يشرب الشاي ويقرأ الجرنان، ومصطفى كان هو اللي بيجيبله الشاي ويقعد يتكلم معاه ويهون عليه وحدته بعد ما دينا اتجوزت وسافرت مع جوزها القاهرة عشان شغله. خديجة كانت بتنزل الجنينة برضه، تذاكر لدروسها في كلية التجارة، ودايماً كانت تلمح مصطفى وهو شغال، وتبتسم له ابتسامة تشجيع. العلاقة بين مصطفى وخديجة بدأت تاخد شكل تاني، شكل من الدعم الصامت والفهم المتبادل. مصطفى بدأ يرجع لنفسه، يضحك بجد، ويهتم بدراسته المفتوحة اللي كان مأجلها بسبب إحباطه.
​وفي يوم من الأيام، في أواخر الخريف، الجو كان مغيم والرياح بتهز شجر الياسمين. مصطفى كان بيلم الورق الناشف من الأرض، لما سمع صوت عربية نص نقل وقفت قدام الباب الكبير، وصوت حركة مش طبيعية. جري على برة يشوف في إيه، لقى الحاج محمود واقف ووشه أصفر زي الليمونة، وماسك تليفونه وإيده بـترتعش، وخديجة نازلة تجري على السلالم وبتعيط بصوت عالي.
​مصطفى قلب شحط، وقرب بسرعة: “في إيه يا حاج محمود؟ خير؟!”. الحاج محمود بص لمصطفى ودموعه نزلت على لحيته البيضا، وقال بصوت متقطع: “دينا يا مصطفى.. دينا عملت حادثة كبيرة وهي راجعة من السفر.. وجوزها شريف.. شريف مات!”. الصدمة وقعت على مصطفى ك الصاعقة، الدنيا لفت بيه، وكل النسيان اللي بناه في شهور اتهد في ثانية واحدة. بص لخديجة اللي رمت نفسها في حضن أبوها وهي بتصرخ، وبص لطريق الشارع الطويل اللي مشيت فيه دينا من شهور وهي عروسة، واليوم راجعة منه وهي مصابة وفاقدة جوزها. وفي وسط الدوشة دي والصريخ، مصطفى حس بإن القدر بيلعب معاه لعبة جديدة، لعبة مكنش عامل حسابها أبداً، وإن الباب اللي افتكر إنه قفله للأبد بالنا.. اتفتح تاني على مصراعيه، بس المرة دي بطريقة مرعبة ومجهولة لسة مش عارف هتاخده لفين.الحاج محمود وقع على الكرسي الخشب وهو مش قادر يشيل طوله، وخديجة لسة ماسكة فيه وبتشهق من الصدمة. مصطفى ملقاش نفسه غير وهو بيتحرك تلقائي، قرب من الحاج محمود ونزل على ركبه قدامه، مسك إيده اللي كانت بتترعش جامد وقال بصوت قاسي بس مليان ثبات: “وحد الله يا حاج، وحد الله.. الست دينا فين حالاً؟ مستشفى إيه؟”.
​الحاج محمود بلع ريقه بالعافية ونطق والدموع مغرقة وشه: “مستشفى قصر العيني الفرنساوي يا مصطفى.. قالوا لي إنها في الرعاية المركزية، وشريف.. شريف خلاص، راح للي خلقه في مكان الحادثة على طريق مصر الإسكندرية الصحراوي”.
​مصطفى قام وقف في ثانية، وبص لخديجة اللي كانت بتترعش: “آنسة خديجة، ادخلي هاتي عباية للحاج وطرحتك، وادخلي هاتي فلوس وبطاقاتكم وقوام.. مش وقت عياط دلوقتي، الست دينا ملهاش بعد ربنا غيرنا هناك”. خديجة هزت راسها ومسحت دموعها بسرعة وجريت على جوة البيت.
​في أقل من عشر دقائق، كان مصطفى سايق عربية الحاج محمود القديمة، وبأقصى سرعة في شوارع القاهرة وزحمته اللي مابتخلصش، وعينه على الطريق وعقله في حتة تانية خالص. كان بيفكر في دينا، البنت اللي شافها من كام شهر بس بالفستان الأبيض وهي بتضحك والدنيا مش سايعاها، يا ترى عاملة إيه دلوقتي؟ ويا ترى القدر مخبي لها إيه تاني؟
​لما وصلوا المستشفى، الأجواء كانت تقبض القلب؛ ريحة المعقمات، صوت الأجهزة، وحركة الممرضات السريعة. الحاج محمود كان بيمشي ببطء ومصطفى ساند دراعه، وخديجة ماشية وراهم ودموعها مبتقفش. سألوا في الاستقبال وعرفوا إن دينا خرجت من العمليات ودخلت الرعاية بكسور في الحوض والكتف، وارتجاج بسيط في المخ، بس حالتها بدأت تستقر.
​الدكتور خرج من الغرفة وبص للحاج محمود: “حضرتك والد المريضة دينا محمود؟”.
الحاج محمود قرب بلهفة: “آه يا دكتور، طمني يبني، بنتي جرا لها إيه؟”.
الدكتور اتنهد وقال: “الحمد لله، عدت مرحلة الخطر، الكسر اللي في الحوض محتاج راحة تامة وعلاج طبيعي لفترة، والارتجاج بدأ يفوق منه. هي لسة تحت تأثير البنج الكامل، بس الصدمة الحقيقية لما تفوق وتعرف اللي حصل لجوزها.. لازم تخلوا بالكم من نفسيتها جداً”.
​الحاج محمود قعد على أقرب كراسي الانتظار وحمد ربنا وهو بيبكي، ومصطفى وقف بعيد شوية، ساند ضهره على الحيطة وعينيه مثبتة على باب الرعاية المركزية. حس بحركة جنبه، لقى خديجة واقفة وبتشاور له يخرجوا برة الممر شوية.
​خرجوا في البلكونة الكبيرة بتاعة المستشفى، الجو برة كان ضلمة وهوا القاهرة بارد. خديجة بصت لمصطفى وقالت بصوت واطي: “مصطفى.. أنا خايفة. خايفة على دينا لما تفوق وتعرف إن شريف مات. هي كانت بتحبه.. شريف مكنش مجرد جوزها، ده كان الأمان اللي اختارته”.
مصطفى بص للبيوت والشوارع المنورة من بعيد وقال بهدوء: “الست دينا قوية يا آنسة خديجة، وطول ما أنتوا حواليها هتعدي. الموت علينا حق، والكسرة دي ربنا اللي هيداويها”.
خديجة بصت في عينيه وقالت بنبرة فيها شك وخوف: “أنت لسة بتحبها يا مصطفى؟ خايفة تكون الحادثة دي رجعت فتحت في قلبك أمل.. أمل ممكن يتعبه ويتعبها”.
​مصطفى اتنفس ببطء، وابتسم ابتسامة خفيفة فيها رضا: “أنا حرقت الشريطة الستان يا خديجة، فاكرة؟ الحب اللي جوايا لدينا دلوقتي هو حب أخ خايف على أخته اللي بتموت، حب ابن الأصول اللي ميسيبش ناس لحمه في وقت الشدة. دينا هترجع بيتها مكسورة، ومكاني هيكون في الجنينة زي ما هو، بحمي ضهركم وبس”.
​خديجة ارتاحت لكلامه، وهزت راسها وطمنته بنظرة دافية. بعد يومين، دينا بدأت تفوق بالكامل، وعرفوها الخبر. الانهيار كان صعب، العياط والصريخ والدموع اللي مكنتش بتنشف، ومصطفى مكنش بيدخل أوضتها خالص؛ كان دايماً واقف برة، يجيب العلاج، يخلص أوراق المستشفى، ويقف مع الحاج محمود يسنده في جنازة شريف اللي تمت في وسط حزن كبير من العائلتين.
​بعد أسبوعين، دينا رجعت السرايا القديمة.. بس المرة دي مش على رجليها، رجعت على كرسي متحرك، بملامح دبلانة، وعيون انطفى منها النور تماماً، ولابسة أسود في أسود.
​البيت رجع فيه سكون مريب، دينا كانت بتقضي يومها كله في أوضتها اللي فوق، رافضة تتكلم مع حد أو تاكل. وفي يوم من الأيام، الحاج محمود طلب من مصطفى إنه يشيل دينا بالكرسي ينزلها الجنينة تشم هوا، لأن الدكتور قال إن حبسها في الأوضة هيزود اكتئابها.
​مصطفى طلع مع خديجة الأوضة، وقف قدام الباب وخبط. دينا كانت قاعدة وبصة للشباك. خديجة قربت منها: “دينا.. مصطفى هنا عشان ينزلك الجنينة شوية، الجو تحت يرد الروح وياسمينتك منورة”.
دينا ملتفتتش، بس هزت راسها بالموافقة من غير ولا كلمة.
​مصطفى قرب ببطء، ومسك حواف الكرسي وبدأ يحركه. وهو نازل بيها في الاسانسير الداخلي اللي ركبوه مخصوص عشانها، دينا بصلت في المراية، عينها جت في عينه لأول مرة من يوم الفرح. ملامحها كانت متغيرة، مفيش دلال ولا ضحك، بس كان فيه انكسار يوجع القلب.
​نزلوا الجنينة، ومصطفى مشي بالكرسي بالراحة لغاية ما وصل تحت شجرة الياسمين الكبيرة، المكان القديم بتاعهم. خديجة سابتهم لدقائق عشان تجيب عصير من جوة.
​دينا بصت للشجرة، وبعدين بصت لمصطفى اللي كان واقف ورا الكرسي وساند إيديه عليه. وقالت بصوت مبحوح وضعيف جداً: “الدنيا دارت بينا أوي يا مصطفى.. صح؟”.
مصطفى نزل لمستواها ووقف جنب الكرسي: “الحمد لله على كل حال يا ست دينا، المهم إنك وسطنا وبخير، وكل حاجة هترجع أحسن من الأول بالوقت”.
دينا دمعة نزلت من عينها: “مفيش حاجة هترجع يا مصطفى.. أنا خسرت كل حاجة في ثانية، خسرت شريف، وخسرت صحتي، وحاسة إني بقيت حمل على بابا وعلى خديجة وعليك”.
​مصطفى رد بسرعة وحزم: “عمرك ما كنتي ولا هتكوني حمل! أنتي الغالية بنت الغالي، والسرايا دي من غيرك مكنش ليها حس. اشد حيلك أنتي بس واعملي جلسات العلاج الطبيعي، وإحنا كلنا حواليكي وسندك”.
دينا بصتله بنظرة طويلة، نظرة كانت مليانة ندم وعتاب للزمن، وكأنها لسة بتكتشف معدن مصطفى الحقيقي اللي ساب كل حاجة ووقف جنبها في محنتها من غير ما يطلب أي حاجة في المقابل.
​مرت الشهور، ودينا بدأت تتحسن تدريجياً بفضل العلاج الطبيعي ودعم عائلتها، وبدأت تقف على رجليها وتمشي خطوة بخطوة بمساعدة عكاز بسيط. خديجة كانت دايماً معاها، ومصطفى فضل هو الحارس الصامت، بيتابع من بعيد لبعيد، ويطمن على البيت كله.
​وفي ليلة من ليالي الشتاء الباردة، والكل متجمع في الصالة الكبيرة حوالين الدفاية، الحاج محمود بص لمصطفى اللي كان بيظبط خشب الدفاية وقال بصوت دافي: “تعال اقعد معانا يا مصطفى يا ابني، أنت مبقتش مجرد ابن محمد الجنيني، أنت بقيت ابن البيت ده بجد، ومقامتك عندنا فوق الرأس”.
مصطفى ابتسم وقعد على كرسي قريب، وبدأ الكل يتكلم ويضحك في أجواء دافية رجعت للبيت بعد غياب طويل. دينا كانت قاعدة بتبتسم، وخديجة كانت بتبص لمصطفى بنظرات إعجاب وفخر واضحة جداً، نظرات مكنتش مجرد امتنان، دي كانت مشاعر حقيقية بدأت تكبر في قلب خديجة لمصطفى الشهم الجدع.
​دينا لاحظت النظرات دي بين أختها ومصطفى، وحست براحة غريبة في قلبها؛ حست إن مصطفى يستاهل يتحب بجد، وخديجة هي البنت اللي تقدر تسعده وتنسيه وجع الماضي.
​لكن السكون ده مكنش مكتوب له يستمر كتير..
​فجأة، صوت فرملة عربية قوية برة السرايا قطع هدوء الليل، وبعدها خبط عنيف وبطريقة هيستيرية على الباب الكبير. مصطفى قام بسرعة، والحاج محمود اتخض.
فتح مصطفى الباب، لقى راجل غريب، لابس بدلة فخمة بس مبهدلة، ووشه مليان غضب وشر، ووراه اتنين رجالة ضخام شكلهم يقلق.
​الراجل الغريب زق مصطفى ودخل الصالة وعينه على دينا، وقال بصوت جهوري وهجومي: “أنتي بقى دينا؟ أنتي اللي بسبك ابني شريف مات وفلوسه وشغله كله ضاع؟ أنا سكت شهور لغاية ما تفوقي، بس لحد هنا وخلصت.. أنا جاي آخد حقي وحق ابني، والورق اللي معاكي ده كله هيتمضي النهاردة، وإلا السرايا دي باللي فيها مش هتشوف النور تاني!”.
​دينا وقفت مرعوبة وماسكة في عكازها، وخديجة استخبت ورا أبوها، ومصطفى وقف في النص بين الراجل وبين عيلة الحاج محمود، وعينيه بقت تطلع شرار، وحس إن المعركة الحقيقية لسة هتبدأ حالا، وإن الماضي مسبهمش في حالهم، وجاي يهد كل اللي بنوه من تاني.مصطفى وقف زي السد المنيع في نص الصالة، عينيه مثبتة على الراجل الغريب اللي زق الباب. ملامح مصطفى الهادية اتقلبت لغضب مكتوم، وصوته طلع خشن ويهز المكان: “الزم حدودك يا فندم! أنت داخل بيت محترم، والستات اللي بتزعق قدامهم دول خط أحمر. مين أنت أصلاً وعايز إيه؟”.
​الراجل الغريب ضحك بسخرية وبص لمصطفى من فوق لتحت: “أنا عاصم بيه المنياوي، أبو شريف الله يرحمه. وأنت مين أنت يا شاطر عشان تقف في وشي؟ خدام هنا؟ ابعد من سكتي وبلاش تداخل في اللي مالكش فيه”.
​الحاج محمود قام وقف على رجليه، ورغم تعبه وصدمته، حاول يحافظ على هيبته: “عاصم بيه؟ أهلاً بحضرتك.. الموت له جلالة، والوجع واحد، إحنا خسرنا شريف زي ما أنت خسرته، وبنتي كانت هتموت معاه في نفس العربية. إيه الطريقة والأسلوب ده؟ وإيه الكلام اللي بتقوله عن فلوس وورق؟”.
​عاصم قرب خطوة، والرجالة اللي معاه وقفوا على أهبة الاستعداد ورا ضهره: “الوجع بتاعكم ده ما يخصنيش يا حاج محمود. ابني شريف قبل ما يموت بأسبوع، كان واخد توكيل عام من شركتي، وممضي دينا على عقود شراكة وتنازل عن أراضي ومحلات تخص شغلنا، كل ده عشان يرضيها ويثبت لها إنه شاريها. بعد ما مات، الورق ده اختفى، وعرفت إن دينا مخبياه هنا عشان تاخد ورث مش من حقها! الشغل برة بيقع، والشراكة بتبوظ، وأنا مش هسيب شقى عمري يضيع بسبب دلع بنات. الورق ده يتمضي عليه بالتنازل حالا، وإلا هقلب لكم السرايا دي جحيم، وعندي مية طريقة وطريقة قانونية وغير قانونية آخد بيها حقي!”.
​دينا دموعها نزلت وهي ساندة على عكازها، وقالت بصوت مرتعش: “والله العظيم ما أعرف حاجة عن الورق ده يا عاصم بيه! شريف عمره ما مضاني على حاجة تخص الشغل، ولا شفت معاه ورق قبل الحادثة.. أنت بتظلمني!”.
​”كدابة!”، عاصم زعق بكل صوته وشاور بإيده لرجاله: “فتشوا البيت حتة حتة، واقلبوا الأوض اللي فوق، والورق ده يخرج من تحت الأرض!”.
​الراجلين الضخام بدأوا يتحركوا يمين وشمال، بس مصطفى مسمحلهمش ياخدوا خطوة تانية. في ثانية واحدة، كان مصطفى قاطع طريق أول راجل، وبسرعة وحرفية شديدة ضربه بكتفه وقعه على التربيزة الخشب اللي في الصالة، واتلفت للتاني ومسكه من قميصه وزقه بكل قوته ناحية الباب: “قلت لكم البيت ده فيه حريم! اللي هيمد إيده أو هيتحرك خطوة تانية، مش هيخرج من السرايا دي على رجليه!”.
​عاصم المنياوي رجع لورا خطوة وهو مذهول من شجاعة وقوة الشاب اللي واقف قدامه: “أنت بتمد إيدك على رجالي؟ أنت مش عارف أنا مين وممكن أعمل فيك إيه؟”.
​مصطفى وقف بثبات، وصدره بيعلو ويهبط من العصبية: “عارف إنك راجل ظالم وجاي تفتري على ناس مكسورين في وقت عزاهم. لو عندك حق وقانون، روح المحكمة، إنما شغل البلطجة ده تنساه تماماً طول ما أنا في البيت ده. ودلوقتي.. اتفضل برة من غير مطرود، قبل ما أطلب لك الشرطة وأعمل لك قضية تهجم وبلاغ رسمي باللي حصل”.
​خديجة في اللحظة دي كانت واقفة ورا أبوها، وعينيها مش مفرقة مصطفى. كانت شايفة فيه البطل الحقيقي، الراجل اللي بيحميهم بروحه وبيموت في سبيل أمانهم من غير ما يخاف من نفوذ أو فلوس.
​عاصم بيه بص لمصطفى بعينين مليانة غل، وبص للحاج محمود ودينا وقال بنبرة تهديد أخيرة: “ماشي.. أنا هخسر الجولة دي عشان مش هقف أوسخ إيدي مع خدامين. بس افتكروا كويس.. المحاكم بينا، والورق ده لو مظهرش، أنا هخرب بيتكم بالقانون، ومش هسيب فيكم طوبة فوق طوبة”.
​لف عاصم وخرج، والرجالة بتوعه سحبوا نفسهم وراه وهم بيبصوا لمصطفى بخوف. مصطفى قفل الباب الكبير وراهم بالترباس، وسند ضهره عليه وهو بياخد نفسه بصعوبة. الصالة كلها كانت في حالة سكوت تام، لغاية ما الحاج محمود قرب من مصطفى وطبطب على كافه: “تسلم إيدك يا ابني.. تسلم يا مصطفى، لولاك مكنتش هعرف أقف في وشهم، طمن قلبي الله يطمنك”.
​دينا قعدت على أقرب كرسي وهي بتبكي وبتترعش: “بابا.. أنا خايفة، شريف فعلاً كان معاه شنطة ورق في العربية يوم الحادثة، بس أنا ملمستهاش، والشرطة سلمتنا الحاجات الشخصية بس. لو عاصم بيه عمل قضايا، أنا ممكن اروح فيها”.
​مصطفى قرب منها بهدوء، والشرار اللي كان في عينه اختفى وبقى مليان حنان وأمان: “ماتخافيش يا ست دينا، طول ما الحق معاكي محدش يقدر يمس شعرة منك. الصبح أنا هروح لمركز الشرطة اللي عمل محضر الحادثة، وهسأل على الأمانات والشنط اللي كانت في العربية، وهنشوف الورق ده فين بالظبط ونمشي قانوني”.
​خديجة قربت من مصطفى وقالت بصوت كله ثقة: “أنا هاجي معاك يا مصطفى، مش هسيبك لوحدك في المشوار ده”. مصطفى بصلها وابتسم ابتسامة دافية وهز راسه: “تنوري يا آنسة خديجة”.
​تاني يوم الصبح، مصطفى وخديجة راحوا مشوار طويل لغاية المركز الصحراوي اللي حصلت عنده الحادثة. وبعد مجهود وأسئلة وبحث في دفاتر الأمانات، وبم مساعدة من ضابط ابن حلال، قدروا يوصلوا لشنطة شريف الجلد اللي كانت في العربية. الشنطة كانت متوسخة ومتبهدلة من أثر الحادثة.
​قعدوا في عربية الحاج محمود، ومصطفى فتح الشنطة قدام خديجة. بدأوا يفتشوا في الورق، وكانت المفاجأة الكبيرة.. شريف مكنش ممضي دينا على ورق عشان يسرق أبوه، بالعكس! شريف كان كاتب كل ثروته، ونصيبه في شركات المنياوي، والأراضي باسم دينا “بيع وشراء قطعي” كـ تأمين لمستقبلها، والورق كله كان سليم وممضي وموثق بشهود، ومكنش فيه أي تزوير أو تنازل من دينا لعاصم. عاصم المنياوي كان عارف بالورق ده، وكان جاي يرهب دينا عشان تمضي على تنازل وتديله الثروة دي كلها قبل ما تكتشف الحقيقة!
​خديجة شهقت وهي بتقرأ العقود: “يا نهار أبيض! يعني دينا مش مديونة، دينا بقت صاحبة حق ونصيب كبير في كل شركات المنياوي! شريف كان بيحبها بجد وكان مأمن حياتها”.
​مصطفى بص للورق وحس برغبة عارمة في العدالة: “عاصم بيه كان فاكرنا ناس غلابة وهيضحك علينا بالصوت العالي.. الورق ده هيروح لأكبر محامي في مصر، وحق الست دينا هيرجع لها تالت ومتلت، والراجل ده مش هيشوف وشكم تاني”.
​خديجة بصت لمصطفى، والدموع لمعت في عينيها من كتر الفرحة والامتنان: “أنت إيه يا مصطفى؟ بجد أنت إيه؟ أي حد تاني في مكانك، وكان بيحب دينا في يوم من الأيام وشافها راحت لغيره، يمكن كان شمت أو بعد وسابها في محنتها.. أنت واقف تحارب عشان يرجع لها ورث جوزها اللي مات!”.
​مصطفى دور وشه وبص للطريق وقال بنبرة صادقة طالعة من أعماق قلبه: “أنا عمري ما حبيت دينا عشان أملكها يا خديجة. أنا كنت بحبها زي النجمة اللي في السما، بفرح لما تنور، وبزعل لما تطفي. ودلوقتي، دينا أختي الكبيرة، وحقها هو حقي. وبعدين.. أنا خلاص، مبقتش بـبص للسما عشان أشوف النجمة الكبيرة”. لف وشه وبص لخديجة مباشرة في عينيها وكمل بصوت دافي: “أنا بقيت شايف النجمة بتاعتي واضحة وقريبة مني جداً، وهنا في نفس العربية”.
​خديجة وشها احمر وخفضت عينيها بخجل، بس ابتسامتها كانت منورة وشها كله، وحست إن قلبها طار من الفرحة. عرفت إن مصطفى بدأ يحبها بجد، وإن الماضي اتقفل تماماً وبدأ صفحة جديدة معاها هي.
​وبالفعل، بمساعدة المحامي الكبير، وبوقفة مصطفى الجدعة اللي مكنش بـينام الليل، القضية اتقلبت تماماً. عاصم المنياوي لما عرف إن العقود الأصلية ظهرت وبقت في إيد النيابة، تراجع تماماً واختفى، وعرف إن اللعب مع عيلة الحاج محمود ومصطفى خسران. تم تسوية كل الأمور القانونية، ودينا أخدت حقها بالكامل، وبقت سيدة أعمال وصاحبة نصيب كبير يؤمن حياتها وحياة عيلتها للعمر كله.
​بعد سنة كاملة من الحادثة والمحاكم.. السرايا القديمة رجعت تتزين من تاني بالأنوار واللمبات الملونة، وصوت الضحك والدربكة ملأ المكان. بس المرة دي، الفرح مكنش لدينا.. الفرح كان لمصطفى وخديجة.
​الجنينة كانت كاملة العدد، وكل أهل المنطقة جايين يباركوا لمصطفى، ابن الأصول الشهم اللي الكل بيشهد بأمانته ورجولته. مصطفى كان واقف لابس بدلة سودا شيك جداً، للياقة بدنية ووش منور بالفرحة الحقيقية.
​دينا كانت واقفة على رجليها من غير عكاز بعد ما خفت تماماً، لابس فستان سهرة رقيق ومبتسمة من قلبها. قربت من مصطفى وبصتله بعيون مليانة دموع الفرحة، وحطت إيدها على كتفه: “مبروك يا عريس.. مبروك يا أغلى أخ في الدنيا. خديجة مش بس أختي، خديجة أخدت أجدع راجل في مصر، وربنا عالم أنا فرحانة لكم قد إيه”.
مصطفى ابتسم وقال لها: “الله يبارك فيكي يا ست دينا، عقبال ما نشوفك دايماً في أحسن حال وسعيدة”.
​المزيكا اشتغلت، وخديجة ظهرت فستانها الأبيض الطرحة الطويلة الناعمة، نازلة من على السلم وإيدها في إيد أبوها الحاج محمود اللي كان بيبكي من الفرحة وهو بيسلمها لمصطفى. مصطفى استلم إيد خديجة وباس راسها، وهمس في ودنها: “أخيراً بقيتي مراتي يا نجمتي”. خديجة بصتله بحب وقالت: “أنت الأمان بتاعي يا مصطفى، والحمد لله إن القدر جابني ليك”.
​اشتغلت الزغاريط وهزت حيطان السرايا، والكل بدأ يرقص ويفرح. ومصطفى وهو ماسك إيد خديجة وبيرقص معاها وسط الجنينة وتحت شجرة الياسمين، بص للسما وافتكر الشريطة الستان اللي حرقها من زمان، وحس إن الرماد ده هو اللي طلع منه الورد الأبيض اللي منور حياته النهاردة. النهاية مكنتش حزينة، النهاية كانت مجرد بداية لأجمل قصة حب عاشها ابن الجنيني اللي بقى سيد البيت بقلبه وأصلو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *