البيوت والفلوس

الفلوس والجاه ممكن يخلوا أي باب مقفول يتفتح بلمسة صباع، بس مبيقدروش يغيروا المكتوب ولا يمنعوا دقة القلب لما تيجي في وقتها الصح. زياد رجع البيت مع فريدة، والجو في عربيتهم كان أشبه بقطعة تلج مابتسيحش. فريدة كانت عمالة تشتكي وتتأفف من “الناس اللي في الشارع” ومن “البلد اللي مبقتش تطاق”، وزياد باصص لطريق المحور وعينيه مثبتة على خطوط الأسفلت، بس عقله كان في مكان تاني خالص. كان بيفكر في البنت اللي خبطت فيها من شوية؛ ملامحها الهادية، اعتذارها اللي كله ذوق وأصول، وعينيها اللي كان فيها عزة نفس غريبة ملمحهاش في أي حد من الوسط بتاعه قبل كده. أول ما وصلوا فيلتهم في التجمع الخامس، سابها تطلع تغير هدومها ودخل هو مكتبه، قعد ورا مكتبه الأبنوس الفخم، وفك أول زرارين من قميصه وهو مستني مكالمة واحدة.
المكالمة مأخرتش. تليفونه رن برقم “سيد”، رئيس حرسه الخاص والرجل الإيد اليمين لزياد في كل الحاجات اللي بتحتاج حسم وسرعة. زياد رد ببرود بس بنبرة مهتمة: “سامعك يا سيد، قولي وصلت لإيه؟”. سيد اتنحنح وبدأ يتكلم بعملية شديدة: “تمام يا باشا، البنت اسمها (هنا)، شغالة مدرسة لغة عربية في سنتر مشهور بوسط البلد، وعندها ٢٤ سنة، خريجة دار علوم بتقدير امتياز. ساكنة في شقة إيجار في منطقة المنيل مع أخوها الصغير اللي في أولى ثانوي، وبتصرف عليه بعد ما والدها ووالدتها توفوا من سنتين في حادثة قطر. البنت ملهاش في أي مشاكل، محترمة جداً وكل أهل منطقتها بيحلفوا بأدبها وأصولها، ويادوب يومها بين السنتر والبيت والطلبات اللي بتجيبها لأخوها”.
زياد سكت لثواني، الكلمات نزلت على ودنه وصنعت صورة كاملة لبنت بتعافر في الدنيا بكرامة وشرف. سأل سيد بصوت واطي: “وأخوها؟”، سيد رد: “أخوها اسمه يوسف، ولد شاطر وفي حاله، وهي اللي شايلة مسؤوليته كاملة يا فندم”. زياد قفل السكة بعد ما قال له: “تمام يا سيد، تفضل عينك عليهم من بعيد لبعيد، مش عايز مخلوق يحس بحاجة”. حط التليفون على المكتب وسند ضهره لورا وهو بيبتسم ابتسامة خفيفة لأول مرة من فترة طويلة؛ الاسم نفسه “هنا” حس إنه جاب معاه راحة لمكان مكنش بيدخله غير الشد والجذب.
في نفس الوقت، في شقة المنيل البسيطة، كانت هنا قاعدة على ترابيزة السفرة الصغيرة، قدامها كشكول بتحضر فيه درس البلاغة الجديد لطلبتها، بس عقلها كان لسه معلق عند الراجل صاحب العينين الحادة اللي شافتهم عند المول. أخوها يوسف دخل المطبخ وجاب كوبايتين شاي بقرنفل وحط واحدة قدامها وهو بيقول بمرحه المعتاد: “يا بنتي ارحمي نفسك شوية، بقالك ساعتين باصة في الكشكول ومنطقتيش بكلمة، إيه اللي واكل عقلك؟”. هنا اتنهدت وابتسمت له وهي بتاخد كوباية الشاي: “مفيش يا حبيبي، بس كان يوم طويل شوية في السنتر، والطلبة انهارده كانوا مطلعين عيني في المراجعة”. يوسف قعد قدامها وقال بفخر: “معلش يا هنوش، هانت كلها كام شهر وأخلص ثانوية عامة وأدخل الكلية اللي نفسي فيها وأشتغل وأشيل عنك الحمل ده كله”. هنا طبطبت على إيده بحنان وقالت: “حملك خفيف يا قلب أختك، أنا مليش في الدنيا دي غيرك، وعايزاك ترفع راسي وبس”.
الأيام مرت، وزياد بقا يتردد على منطقة وسط البلد بحجة إنه بيتابع مشروع برج إداري جديد بتعمله شركته هناك، بس الحقيقة إنه كان بيعدي بعربيته في المواعيد اللي سيد قاله إن هنا بتخرج فيها من السنتر. كان بيراقبها من ورا الزجاج الفاميه وهي ماشية بكل وقار، شايلة شنطتها وتقيلة في مشيتها، لا بتبص يمين ولا شمال، وكل ما يشوفها يحس إن في حاجة جواه بتتحرك ناحيتها، حاجة ميعرفهاش ومجربهاش قبل كده. الجواز اللي بينه وبين فريدة كان بيموت كل يوم أكتر؛ المشاكل زادت بتهور فريدة وطلباتها اللي ملهاش لازمة، وخناقاتها مع الشغالين في البيت على أتفه الأسباب، لدرجة إن زياد بقا يهرب من الفيلا ويفضل قاعد في مكتبه لحد الفجر بس عشان ميسمعش صوتها.
في يوم من الأيام، الدنيا مطرت بغزارة مفاجئة في شوارع القاهرة، شوارع وسط البلد اتقلبت لبرك مياه، والحركة شلت تقريباً. هنا خرجت من السنتر متأخر بعد ما خلصت آخر مجموعة، وكانت واقفة تحت تندة محل بتحاول تلاقى تاكسي أو عربية أوبر، بس الشوارع كانت واقفة تماماً والهوا كان ساقع جداً وهي بتترعش من البرد ولابسة جاكيت خفيف مش حاميها من المطر. فجأة، عربية G-class سوداء كبيرة وقفت قدامها بالظبط، الإزاز الإيجار نزل بالراحة، وظهر وش زياد. هنا رجعت خطوة لورا بخوف، بس زياد قال بنبرة هادية ومحترمة جداً خلقت جواها أمان مفاجئ: “يا آنسة هنا، الجو بره صعب ومفيش مواصلات هتعدي من هنا دلوقتي، اتفضلي اركبي أوصلك، متخافيش أنا مش غريب”.
هنا برقت بعينيها وبصت له بذهول: “أنت! وعرفت اسمي منين؟”. زياد ابتسم ابتسامة هادية وفتح باب العربية من جوه وقال لها: “اركبي بس عشان المطر ده، وهفهمك كل حاجة في السكة، مش مظهر واحد خطف أختك في الشارع يعني!”. هنا فكرت لثواني؛ الجو كان بيسوء، والساعة كانت داخلة على تسعة بالليل، والمنطقة بدأت تفضى، ونبرة الراجل ده كانت خالية من أي قلة ذوق أو نية وحشة. ركبت في الكرسي اللي جنب السواق وهي بتلم فستانها وبتقول بحرج: “أنا آسفة هبهدل العربية مية”. زياد شغل الدفاية بتاعة العربية وقال: “العربية تفداكِ، المهم متبرديش”.
العربية مشيت ببطء في الزحمة، وهنا كانت قاعدة مشوشة ومش فاهمة إيه اللي بيحصل، لحد ما زياد بدأ يتكلم: “أنا عارف اسمك وكل حاجة عنك لأني سألت عليكي من يوم ما شوفتك في الجنينة”. هنا بصت له بشك وزعل: “وسألت عليا بصفتك إيه بقا؟ وبأي حق تدور ورايا؟”. زياد بصلها بنظرة رجولة حقيقية وقال: “بصفتي راجل معجب بأصولك وأدبك من أول دقيقة، وعرفت إنك عايشة مع أخوكِ وبتعافري لوحدك، ودخلتي دماغي ومخرجتيش. أنا اسمي زياد البحيري”. هنا شهقت بخفة؛ الاسم مش غريب عليها، بتشوفه على إعلانات الكومباوندات والشركات الكبيرة في التلفزيون وفي شوارع مصر الجديدة والتجمع. قالت بنبرة مكسورة شوية: “بس أنت متجوز.. الست اللي كانت معاك يومها دي مراتك”.
زياد اتنهد تنهيدة طويلة مليانة وجع وقال: “متجوز على الورق وبس يا هنا، جواز مصلحة وبيزنس مفيش فيه أي مشاعر ولا احترام، جواز خلاص بيخلص وبيموت. أنا مش جاي أتغلى عليكي ولا أتسلى، أنا لما عرفت عنك كل حاجة، لقيت فيكِ الست اللي بتمناها طول عمري، الست اللي بجد، مش اللي عايشة للمظاهر”. هنا سكتت، كلامه كان قوي وصادق ودخل قلبها من غير استئذان، بس عقلها والأصول اللي اتربت عليها وقفوها. قالت بقوة مزيفة: “لو سمحت يا أستاذ زياد، أنا بنت غلبانة وبحافظ على سمعتي وسمعة أخويا، ومينفعش الكلام ده، نزلني هنا لو سمحت”. زياد مسمعش كلامها وفضل سايق لحد ما وصل قدام بيتها في المنيل بالظبط، والتفت ليها وقال: “أنا مش هضغط عليكي يا هنا، ودي كارتي، لو عوزتي أي حاجة في أي وقت، تليفوني مبيقفلش.. وفكري في كلامي، لأن أنا مش هسيبك”.
نزلت هنا وجريت على بيتها، وقلبها عمال يدق زي الطبل الصعيدي، حطت الكارت في جيبها ودخلت الشقة وهي مش مصدقة إن الحكاية دي بتحصل معاها هي، البنت البسيطة اللي ملهاش ضهر في الدنيا. عدى أسبوع كامل، وهنا بتحاول تشيل زياد من تفكيرها، بس صورته ونظراته وكلامه كانوا بيطاردوها في كل مكان. في يوم جمعة، يوسف أخوها نزل يشتري حاجات من السوبر ماركت، وغاب كتير جداً. هنا بدأت تقلق وتتصل بيه، بس تليفونه كان مقفول. فجأة، جالها اتصال من رقم غريب، ردت بلهفة: “ألو.. يوسف؟”. صوت راجل غريب رد عليها: “أنتي أخت يوسف؟ أخوكي عمل حادثة كبيرة بعربيته الديليفري اللي شغال عليها ووقع من المنحدر بتاع الكوبري، وهو دلوقتي في مستشفى القصر العيني في الطوارئ وحالته حرجة”.
الدنيا اسودت في عين هنا، التليفون وقع من إيدها، وحست إن ضهرها انكسر بالكامل. نزلت تجري في الشارع زي المجنونة، وراحت المستشفى، لقت أخوها في غيبوبة والدكاترة بيقولوا إن عنده نزيف في المخ وكسور مضاعفة ومحتاج عملية جراحية فورية في مستشفى خاص مجهز لأن المستشفى الحكومي معندوش الأجهزة المتاحة حالياً للنوع ده من العمليات الخطيرة، والعملية تتكلف مبلغ خيالي مش معاها ولا ربع ربعه. قعدت على الأرض في طرقة المستشفى تعيط بحالبيوت المقفولة دايماً بيبقى وراها حكايات ما يعلم بيها إلا ربنا، وبيتنا الجديد في التجمع كان هادي وجميل، بس الدنيا عمرها ما بتمشي على خط واحد مستقيم. عديت أنا وزياد أول سنة جواز والراحة مكنتش مفارقة أيامنا، ويوسف أخويا كان بدأ يتعافى تماماً وبقى ينزل الشركة مع زياد يتعلم أصول الشغل والعقارات، وكأنه بيكبر تحت جناح أب مش مجرد جوز أخت.
في ليلة من ليالي الشتا، وزياد راجع متأخر من اجتماع مهم، دخل المكتب وعينيه فيها قلق غريب أول مرة أشوفه من يوم حادثة يوسف. دخلت وراه بكوباية السحلب السخنة اللي بيحبها، وحطيتها على المكتب وطبطبت على كتفه: “مالك يا حبيبي؟ شكلك شايل طاجن ستة وستين ليه؟ الشغل فيه حاجة؟”.
زياد اتنهد تنهيدة طويلة، وسحبني قعدني على الكرسي اللي جنبه ومسك إيدي وقال بصوت واطي: “فريدة يا هنا.. فريدة وأبوها مسبوناش في حالنا”.
قلبي انقبض وسألته: “عملوا إيه تاني؟ مش كل حاجة خلصت وكل واحد راح لحاله؟”.
زياد حرك راسه بالرفض وقال: “السوق مفيش فيه أمان. عاصم السيوفي، أبو فريدة، دخل في مناقصة أرض كبيرة جداً في العاصمة الإدارية، الأرض دي شركتنا شغالة على دراستها بقالها سنة، ودخل بشراكة مع مستثمرين أجانب عشان يكسر السعر علينا وياخد المشروع باللي فيه. مش بس كده.. فريدة بدأت تلمح في وسط معارفنا إنها مش هتسيب حقها، وناوية تلعب على حتة تانية خالص تخصك أنتِ”.
وقفت على رجلي والخوف بدأ يتسلل لقلبي: “تخصني أنا؟ أنا مالي ومال شغلكم ومناقصاتكم؟”.
زياد وقف وحضني وقال بثقة: “متقلقيش، طول ما أنا فوق الأرض محدش يقدر يمس شعرة منك، بس أنا عايزك تاخدي بالك من نفسك ومن يوسف، الفترة الجاية دي صراع حيتان، وعاصم السيوفي لما بيفلسع في الشغل بيلعب دنيء”.
تاني يوم الصبح، نزلت أشتري حبة طلبات للبيت والجو كان مغيم. وأنا واقفة مستنية السواق قدام المول الصغير اللي جنب الكومباوند، لقيت عربية مرسيدس سوداء وقفت قدامي، والإزاز نزل.. وكانت فريدة. بصت لي بنفس النظرة المتكبرة بتاعة أول مرة شوفنا فيها بعض في وسط البلد، وقالت بضحكة صفرا ترفع الضغط: “أهلاً يا ست هنا.. نورتي التجمع. مبروك عليكي لمام الفلوس، بس خدي بالك.. اللي بيطلع بسرعة على قش، بيقع على جدور رقبته. زياد البحيري ملكي أنا، والصفقة اللي سابهالي مش هتدوم له كتير، وبكرة تشوفي عيلتك البسيطة دي هتوصل لفين لما نهد له كل اللي بناه”.
وقفت مكاني، وبكل ثبات وثقة رديت عليها: “الفلوس والشركات بتروح وتيجي يا مدام فريدة، بس الأصول والتربية لو مش موجودين مبيشتروش بمليون جنيه. وزياد اختار الأصول.. فوفري كلامك ونصايحك لنفسك ولأبوكي”.
الإزاز اترفع بسرعة والكاوتش صرخ وهي ماشية بغل، بس كلامها ساب جوايا غصة.
مرت الأسابيع، والحرب في السوق بقت علني. شركات البحيري كانت بتواجه ضغط رهيب، والبنوك بدأت تضيق على القروض بسبب إشاعات طلعها عاصم السيوفي إن زياد بيمر بأزمة سيولة. زياد كان بيرجع البيت وش الفجر، عينه حمرا من قلة النوم، بس أول ما يدخل ويشوفني يبتسم ويقول: “دعواتك يا هنا، دعواتك هي اللي مخلياني واقف”.
وفي يوم الحسم، يوم الإعلان عن نتيجة المناقصة، كنت قاعدة في البيت على أعصابي، ويوسف معايا عمال يطمني وهو بيقول: “متخافيش يا هنوش، زياد مرتب كل حاجة، والمهندسين بتوعنا عملوا شغل عالمي”.
فجأة تليفون يوسف رن، رد ولقيت وشه اتقلب تماماً واللون هرب من ملامحه.
وقفت بلهفة: “في إيه يا يوسف؟ انطق! زياد جرى له حاجة؟”.
يوسف بلع ريقه بصعوبة وقال: “النتيجة طلعت يا هنا.. شركة السيوفي خسرت المناقصة بالكامل، وزياد باشا كسبها.. بس..”.
صرخت فيه: “بس إيه؟ انطق وقعت قلبي!”.
يوسف قال بصوت بيترعش: “السيوفي مبقاش عنده حاجة يخسرها.. وفي ناس هجموا على عربية زياد وهو خارج من مقر الوزارة.. وسيد رئيس الحرس بيكلمني وبيقول لي إن زياد اتصاب بنقل رصاص، وهو دلوقتي في المستشفى بين الحيا والموت!”.
وقعت على الركبتين، الدنيا دارت بيا، وصوت فريدة كان بيرن في ودني “بكرة تشوفي عيلتك البسيطة دي هتوصل لفين”. مسكت الشال بتاعي وجريت على بره وأنا بصرخ: “زياد.. يارب متورينيش فيه سوء!”.
تفتكري هنا هتلحق زياد في المستشفى؟ وإيه اللي هيعمله يوسف وأهل المنطقة لما يعرفوا باللي حصل للراجل اللي وقف معاهم؟ الحكاية لسه منتهتش، والدم اللي سال هيغير كل قواعد اللعبة.العربيات كانت بتطير على طريق السويس، ويوسف سايق وإيديه بتترعش على الدريكسيون، وأنا جنبه دموعي مابتوقفش، سجادة الصلاة مأفارقتش حضني وأنا عمالة أدعي بكل آية حافظاها من القرآن. الشوارع كانت زحمة، بس في عينيا كانت فاضية ومضلمة، كأن مفيش في الدنيا دي كلها غير نفس زياد اللي بيعافر عشان يفضل معايا.
وصلنا مستشفى دار الفؤاد، ولقينا المكان مقلوب؛ رجالة البحيري مالين الممرات، وسيد واقف بره غرفة العمليات وهدومه عليها بقع دم، وشه كان خالي من أي تعبير غير الغضب الأعمى. أول ما شافني، نزل راسه في الأرض بأسف وقال: “حقك عليا يا هانم، مأخدناش بالنا.. الضرب كان غدر ومن حتة عالية، بس الباشا راجل ومسك نفسه لحد ما دخلنا بيه هنا”.
وقفت قدام باب العمليات، والوقت بقا يمر كأنه سنين. يوسف كان واقف ضهري، حاطط إيده على كتفي وبيحاول يخليني متماسكة، وأنا مش سامعة غير صوت ضربات قلبي وصوت الآلات اللي جوه. بعد حوالي أربع ساعات، المصباح الأحمر اللي فوق الباب طفى، والدكتور خرج وهو بيقلع الكمامة والتعب باين على وشه. جريت عليه: ” طمني يا دكتور.. جوزي حجر جرى له إيه؟”.
الدكتور اتنهد وقال بنبرة هادية طمنت قلبي شوية: “الحمد لله يا فندم، الرصاصة كانت قريبة من الكتف وملمستش الشريان الرئيسي، بس النزيف كان شديد وهو ده اللي عمل هبوط حاد في الدورة الدموية. قدرنا نسيطر على الوضع وننقل له دم، وحالياً هو تحت الملاحظة في العناية المركزة، والـ ٢٤ ساعة الجاية هما الأهم”.
نزلنا يوسف وأنا على كراسي الانتظار، ومفاتش ساعتين لحد ما لقينا حركة مش طبيعية في صالة المستشفى. عاصم السيوفي وفريدة كانوا داخلين ومعاهم المحامي بتاعهم، وبكل برود وقلة أصل فريدة جاية تتباكى وتعمل شو قدام الكاميرات اللي بدأت تتجمع بره المستشفى. أول ما شفتها، كل الخوف اللي جوايا تحول لشرار. وقفت في وشها ومنعتها تكمل خطوة واحدة.
فريدة بصت لي بسخرية وقالت: “أوعي من وشي يا شاطرة، أنا جاية أطمن على طليقي، ومحدش ليه حق يمنعني”.
رديت عليها بصوت جهوري هز الممر كله: “طليقك ده سابك وساب قرفك، وأنتِ وأبوكي اللي عملتوا كده! الغدر والندالة مبيطلعوش غير من توبكم، بس وحياة دم زياد اللي سايح جوه، مش هسيبكم، والبلد دي فيها قانون والأصول اللي متعرفوهاش هتعلمكم الأدب”.
عاصم السيوفي اتدخل بغرور وقال: “الزمي حدودك يا شاطرة، إحنا ملناش دعوة بالكلام ده، ده تصفية حسابات في السوق، ومتنسيش نفسك أنتِ مين والسيوفي مين”.
في اللحظة دي، يوسف أخويا وقف زي الأسد قدام عاصم، وبكل رجولة قال له: “السيوفي ده بكرة اسمه يتشطب من السوق كله يا عاصم بيه. ورق المناقصة اللي أنت خسرتها، والناس اللي أنت أجرتهم عشان يضربوا النار، سيد رئيس الحرس جاب واد منهم ودلوقتي بيعترف في القسم، واللعبة بتاعتكم اتكشفت خلاص”.
وش عاصم السيوفي اتقلب وبص للمحامي بتاعه برعب، وفريدة لسانها اتلجم. في نفس اللحظة، دخلت قوة من مباحث الأموال العامة ومباحث القاهرة، وقبضوا على عاصم السيوفي من قلب المستشفى بتهمة التحريض على الق*تل العمد وتزوير أوراق رسمية في المناقصة. فريدة بدأت تصرخ وتلطم، والبودي جاردات بتوعهم اختفوا في ثواني، وأنا واقفة وبقول في سري: “يمهل ولا يهمل يا رب”.
عدت الليلة الصعبة، ومع أذان الفجر، الممرضة خرجت وقالت لي إن زياد بدأ يفوق وبيتحرك. دخلت له العناية بالراحة، وشفت عينه وهي بتتفتح ببطء. أول ما شافني، حاول يبتسم بتعب ومد إيده السليمة يمسك إيدي. نزلت على ركبي جنب السرير وبست إيده وأنا بدمع: “حمد الله على سلامتك يا نور عيني.. وقعت قلبي عليك”.
زياد قال بصوت مبحوح وواطي: “أنا كويس يا هنا.. طول ما أنتِ بتدعي لي وطول ما أنتِ جنبي.. الشغل والمناقصة..”.
قاطعته بسرعة: “كل حاجة تمام، المناقصة تملكناها، وعاصم وفريدة خلاص اتمسكوا وحقك رجع لحد عندك وأنت في سريرك. ارتاح أنت بس ومتفكرش في أي حاجة غير صحتك”.
زياد غمض عينيه بارتياح، ويوسف دخل وطمنه وباس راسه، والحياة بدأت ترجع ل عروقنا من جديد. بعد أسبوعين، زياد خرج من المستشفى ورجعنا بيتنا في التجمع، بس المرة دي الجو كان مختلف تماماً. البيت بقا مليان دفا وحب حقيقي، والشركة بقت تحت إشراف يوسف وسيد لحد ما زياد يتعافى تماماً.
مرت السنين، ويوسف اتخرج من الجامعة وبقى دراع زياد اليمين بجد، وشال عنه حمل الشغل كله، وبقت شركات البحيري هي الأولى في مصر والشرق الأوسط، مش بس بالفلوس، لكن بالسمعة الطيبة والأصول اللي هنا دخلتها حياتهم. وبقيت أنا وزياد قاعدين في جنينة بيتنا، وحوالينا أولادنا الصغيرين بيلعبوا، وزياد باصص لي ويده في إيدي وبيقول لي: “عارفة يا هنا؟ الخبطة اللي خبطتِها فيا في وسط البلد مكانتش صدفة، دي كانت أحلى وأجمل خبطة قدر غيرت حياتي وخلتني أعرف يعني إيه راجل يعيش في ضل ست أصيلة تملى عينه وتصون اسمه”.
ابتسمت وسندت راسي على كتفه وأنا شايفة الشمس بتشرق على حياتنا الجديدة، وبقول في بالي إن الأصول والرضا هما الكنز الحقيقي اللي مبيفناش، وإن اللي بيتقي ربنا في حياته، ربنا دايماً بيجعل له مخرج ويرزقه من حيث لا يحتسب. وانتهت حكايتنا بأجمل نهاية ممكنة؛ عيلة قوية مبنية على الحب، الشرف، والكرامة.




