عدوي يوسف

فتحت بقي ومكنتش قادرة أستوعب الصدمة. يوسف؟ الواد المقلوظ اللي كنت بجرجره من قفاه في الشارع؟ بقيت ببص للراجل الواقف قدامي، الطول ده، العرض ده، الهيبة اللي بتترعش لها حيطان المكتب، والبدلة الشيك اللي شكلها مستوردة من برة.. كل ده يطلع يوسف؟ اسم “سمر” اللي نطقه بصوته الرخيم الجديد ده رن في ودني وكأنه جرس إنذار. كنت حاسة إن الأرض بتلف بيا، والـ CV اللي في إيدي كان هيقع من كتر ما إيدي بتترعش. هو بيبصلي بنظرة كلها شماتة، نظرة واحد خطط للمشهد ده بقاله سنين، وكاتب السيناريو والحوار ومستني اللحظة اللي يرفع فيها الستارة.
​حاولت أجمع شتات نفسي، مش سمر اللي تتهز، أنا لسه لسان الطير برضه حتى لو الموقف يثبت العكس. وقفت ومالت بجسمي لقدام على المكتب وبصيت في عينيه بثبات مصطنع وقلت له: “جرى إيه يا جو؟ هي الدنيا لفت بيك فجيت تتشطر عليا؟ وبعدين سكرتيرة إيه؟ أنا خريجة إدارة أعمال بتقدير امتياز، وجاية أشتغل هنا في قسم التسويق، مش جاية أعمل قهوة وأظبط مواعيد!” يوسف ضحك ضحكة مكتومة، ضحكة خفيفة كدة هزت كتافه العريضة، وقعد على كرسيه الجلد المريح، وسند ضهره لورا وشبك صوابع إيديه وبصلي ببرود مميت وقال: “أولاً.. اسما يوسف بيه هنا في الشركة، عشان متنسيش نفسك يا سمر. ثانياً، قسم التسويق اللي بتتكلمي عنه ده، أنا اللي بمضى على ميزانيته، يعني بكلمة مني أهده وأبنيه تاني. ثالثاً بقى.. وده الأهم، أنتِ لسه زي ما أنتِ، لسانك طويل ومابتفهميش في الأصول. أنا مش جايبك تعملي قهوة، القهوة ليها أوفيس بوي بيعملها أحسن منك.. أنا جايبك هنا عشان تبقي تحت عيني، والورقة اللي في إيدك دي.. أنا خلاص مضيت عليها، يعني قانوناً أنتِ من بكرة الصبح موظفة في مكتب رئيس مجلس الإدارة. ولو مش عاجبك.. الشرط الجزائي في العقد اللي هتمضي عليه يخليكي تبيعي كوتشياتك اللي كنت بخبيها زمان عشان تسدديه”.
​سكتت للحظة، وحسيت بنار بتغلي جوايا. الشرط الجزائي؟ الواد ده بيلعب معايا تقيل أوي. افتكرت أيام زمان لما كنت بحدفه بالطوب من فوق السطوح وأخليه يعيط ويجري يستخبى ورا أمه. دلوقتي بقى بيمضيني على عقود وشروط جزائية! بصيت للعقد اللي رماه قدامي على المكتب بقرف، وسحبت القلم بكل غيظ، ومضيت اسمي “سمر” بخط عريض وكأني بأمضي على وثيقة حرب، ورقعت القلم على المكتب وقلت له: “تمام يا يوسف بيه.. بكرة الصبح هتلاقيني هنا، بس افتكر كويس.. اللي أوله شرط، آخره نور، وأنا مبستسلمش بسهولة”. مشيت من قدامه وكعبي بيرن في الممر الواسع الشرح ده وأنا جوايا بركان، وسمعت صوته من ورايا بيقول بكل ثقة: “مستنيكي يا سمورة.. متتأخريش، ومواعيدنا تمانية بالدقيقة”.
​روحت البيت ودماغي دي كانت عبارة عن خلاط شغال مبيفصلش. أمي أول ما شافتني دخلت المطبخ ورايا وسألتني بلهفة: “عملتي إيه يا سمر؟ طمنيني، الشغلانة بتاعة الشركة الكبيرة دي حصل فيها إيه؟” بصيت لأمي وأنا بقطع خيار بعنف وقلت لها: “اتقبلت يا ماما.. بس تطلعي مين بقى رئيس مجلس الإدارة؟” أمي برقت عينيها وقالت: “مين يا بنتي؟ وزير؟” قلت لها بمرارة: “لا.. يوسف، ابن طنط نادية اللي كانوا ساكنين جنبا زمان!” أمي شهقت وضربت على صدرها وقالت: “يوه! يوسف المكلبظ؟ الواد اللي كنتِ مطلعا عينه؟ يا حبيبي يا ابن نادية، ده كان غلبان أوي، ده ربنا فتحها عليه بقى! طب ده واد طيب وهيراعي ربنا فيكي”. ضحكت بسخرية وقلت في سري: “طيب؟ ده ناويلي على نية سودة يا ماما”.
​تاني يوم الصبح، الساعة كانت تمانية إلا خمسة بالظبط. كنت واقفة قدام باب المكتب الواسع، لابس لير بلوزة بيضا وجيب سودا وكعب عالي، ومظبطة نفسي ع الآخر عشان ميبانش عليا أي انكسار. دخلت لقيت المكتب فاضي، بس مكتب السكرتارية بتاعي كان مليان ملفات واصلة لحد السقف! قعدت على الكرسي وبدأت أتصفح الملفات دي، وفجأة الباب اتفتح ودخل يوسف. كان لابس بدلة رمادي غامق وساعة بتبرق في إيده، وريحة برفانه قلبت المكان في ثانية. بصل بطرف عينه وقال وهو ماشي ومكمل طريقه لمكتبه: “صباح الخير يا سمر. الملفات دي كلها تتراجع، وتطلعيلي منها تقارير الأرباح بتاعة الخمس سنين اللي فاتوا، وعايزهم على مكتبي الساعة حداشر بالظبط. وطبعاً.. من غير أي غلطة غلطة، لأني مابرحمش في الشغل”.
​وقفت وقلت له: “حداشر؟ دي ملفات قد كدة! أنت طالب معجزة؟” وقف على باب مكتبه، ولف وبصلي بابتسامة مستفزة وقال: “مش أنتِ سمر الشاطرة؟ الذكية؟ اللي كانت دايماً بتطلع الأولى وتتريق على غبائي؟ وريني بقى شطارتك.. ولا كنتِ فالحين بس في لسانك؟” ودخل وقفل الباب وراه.
​أنا قعدت على الكرسي وحسيت إن في تحدي حقيقي. شغلت اللابتوب، وبدأت أشتغل زي المكنة. صوابعي كانت بتطير على الكيبورد، وعينيا مابتقفلش. كنت بقرأ الأرقام وأحللها وأكتب التقارير بكل دقة. الساعة جات حداشر إلا دقيقتين، قمت من على مكتبي، وجمعت الورق في فايل شيك، وخبطت على بابه ودخلت. حطيت الفايل قدامه بثقة وقلت: “التقارير جاهزة يا فندم، ومتراجعة كلمة كلمة، ورقم رقم”.
​يوسف فتح الفايل وبدأ يقرأ بتمعن، ملامح وش الصارمة مكنتش مبينة أي حاجة. كان بيمشي بصباعه على الأرقام، وأنا واقفة مستنية يغلطني في أي حاجة عشان يذلني، بس ملقاش ولا غلطة. قفل الفايل وبصلي ونظرة الإعجاب اختفت بسرعة وظهر مكانها البرود وقال: “ماشي.. مش بطال. بس ده الشغل العادي اللي أي حد يعمله. عندك دلوقتي ميعاد مع وفد مستثمرين من برة هيجوا الساعة واحدة، عايزك تجهزي قاعة الاجتماعات وتكوني موجودة عشان تكتبي المحضر بالكامل، وباللغة الإنجليزية طبعاً.. لأنهم مبيتكلموش عربي”.
​قلت له بثقة: “تمام، مفيش مشكلة”. وفعلاً، الساعة واحدة الوفد جه، ودخلنا قاعة الاجتماعات اللي كانت عبارة عن ترابيزة إزاز طويلة وكراسي جلد مريحة وشاشة عرض ضخمة. يوسف كان بيتكلم بطلاقة غريبة، إنجليزي بلكنة ممتازة، وثقة تخليه يسيطر على القعدة كلها. كنت قاعدة بكتب كل كلمة، وبلاحظ طريقته في الإدارة.. مكنش يوسف الغبي بتاع زمان خالص، ده بقى وحش في سوق المال والأعمال. وسط الاجتماع، أحد المستثمرين سأل سؤال معقد جداً عن الضرائب والقوانين المصرية الجديدة، ويوسف سكت للحظة كأنه بيفتكر التفاصيل. في الثنائية دي، أنا اتدخلت وبكل هدوء وثقة جاوبت باللغة الإنجليزية وشرحت الثغرة القانونية اللي في مصلحة الشركة والوفد انبهر جداً وصقفوا وبصوا ليوسف وقالوا له: “السكرتيرة بتاعتك عبقرية!”.
​يوسف بصل لي والشرار بيطلع من عينيه، بس قدامهم ابتسم وقال: “طبعاً.. أنا منقيتهم بالفرازة”. أول ما الاجتماع خلص والمستثمرين مشيوا، والباب اتقفل، يوسف لف ليا وعينيه حمرا وقال بزعيق هز القاعة: “أنتِ إزاي تتكلمي من غير إذن؟ أنتِ هنا عشان تكتبي وبس! مين اداكي الحق تظهري بمظهر الذكية وتنقذيني؟”
​أنا مقدرتش أمسك نفسي، ضحكت بانتصار وقلت له: “أنقذك؟ أنا أنقذت صفقة الشركة يا يوسف بيه! وبعدين أنت لسه بتغير مني زي زمان؟ لسه عقدة النقص جواك من البنت اللي كانت دايماً بتكسبك؟” يوسف قرب مني خطوتين، وبقى طويل جداً لدرجة إني اضطريت أرفع راسي عشان أبص في عينيه، وقال بنبرة واطية ومرعبة: “عقدة نقص؟ أنا مبقاش عندي عقد من حد يا سمر. أنا بقيت فوق.. فوق خالص. وأنتِ هنا مجرد موظفة بتسمع الكلام. والخرجة دي مش هعديهالك.. من بكرة هتنزل الميدان مع مناديب المبيعات في عز الشمس عشان تعرفي حدودك ومتقعديش في التكييف وتفتكري نفسك شريكة في الشركة”.
​الكلام وجعني، بس مبينتش. قلت له: “تمام.. هبهرك برضه يا جو”. وتاني يوم، نزلت الميدان. الشمس في وسط نهار القاهرة كانت حارقة، والعرق مغرقني، وأنا لابة كوتشي وبدور مع المناديب على المحلات والشركات عشان نسوق للمنتجات الجديدة. كنت تعبانة جداً ورجلي ورمت، بس كان جوايا عناد يهد جبال. كنت ببيع وبقنع الناس بطريقة خلت المناديب نفسهم يتفاجئوا من أسلوبي. وفي نهاية اليوم، رجعت الشركة وأنا مهدودة تماماً، دخلت مكتبه وحطيت تقرير المبيعات اللي حقق أعلى نسبة في الشهر كله على مكتبه.
​يوسف بص للتقرير، وبص لوشي المحمر من الشمس وتعب عيني، وحسيت للحظة إن في نظرة حنين أو شفقة ظهرت في عينيه، بس اختفت بسرعة. قام وقف وقرب مني، وطلع من جيبه منديل قماش شيك جداً ومد إيده ومسح نقطة عرق كانت نازلة على جبهتي برقة غريبة صدمتني. أنا اتثبت في مكاني وقلبي دق دقة غريبة مش بتاعة خناق خالص. بص في عيني وقال بصوت هادي جداً: “أنتِ لسه عنيدة ومابتتكسريش يا سمر.. تعبتِ نفسك ليه؟ كنتِ اعتذري وقولي مش قادرة”.
​سحبت راسي لورا وقلت بلجلجة: “أنا مبعتذرش لحد.. ومبستسلمش”. يوسف ابتسم ابتسامته الخبيثة بس المرة دي كانت دافية شوية وقال: “ماشي يا سمر.. هنشوف مين فينا اللي نفسه أطول”.
​مرت الأسابيع، والشغل بينا بقى عبارة عن ماتش شطرنج، هو ينقل نقلة عشان يضايقني، وأنا أرد بنقلة أذكى عشان أثبت وجودي. بس مع الوقت، النكد اتقلب لحاجة تانية.. بقينا نفهم بعض من نظرة العين في الاجتماعات. لما يكون متوتر، كنت بعمل له القهوة السادة اللي بيحبها من غير ما يطلب، ولما أكون أنا تعبانة، كان بيلغي المواعيد المتأخرة ويقولي “امشي بدري النهاردة عشان ورايا مشوار” وهو كداب، بيكون عايزني أرتاح.
​لحد ما جه اليوم اللي قلب كل حاجة. كان في حفلة سنوية ضخمة للشركة في فندق خمس نجوم على النيل. كل رجال الأعمال والصحافة كانوا موجودين. أمي صممت إني أشتري فستان سواريه شيك جداً باللون الأسود، وفردت شعري وحطيت ميك أب هادي وكنت طالعة زي الأميرات. دخلت القاعة، وكل الأنظار اتجهت عليا. وفي وسط الزحمة، لمحت يوسف واقف مع راجل أعمال كبير وبنت من عيلة غنية جداً، شكلها لابس براندات وبتتغنج عليه وهو بيبتسم لها. حسيت بنغزة في قلبي.. غيرة؟ لا مستحيل، أنا بغير من يوسف؟
​فجأة يوسف عينه جات في عيني. ساب البنت والراجل ومشي بخطوات ثابتة ناحيتي. كان لابس توكسيدو سودا طالع فيها شبه نجوم السينما العالمية. وقف قدامي وعينيه كانت بتبرق بطريقة مش طبيعية، فضل يبصلي من فوق لتحت وكأنه أول مرة يشوفني، وقال بصوت واطي ودايب: “إيه الحلاوة دي يا سمر؟ الفستان ده معمول عشانك.. أنتِ خطفتِ خطفتِ خطفتِ الأنظار من الحفلة كلها”.
​وشي احمر وقلت بخجل لأول مرة في حياتي قدامه: “شكراً يا يوسف بيه.. ده من ذوقك”. ضحك وقال: “بيه إيه بقى النهاردة.. النهاردة مفيش ورق ولا تقارير”. وفجأة المزيكا اتغيرت وبقت هادية، ومد إيده ليا وقال: “تسمحيلي بالرقصة دي؟”
​بصيت لإيده، وبصيت لعينيه، وحسيت إن كل سنين الخناق والحرب دابت في اللحظة دي. حطيت إيدي في إيده، ومشينا لوسط القاعة. لف إيده حوالين وسطي، وأنا حطيت إيدي على كتفه العريش. كنا بنتحرك مع المزيكا ببطء، وعينيه مش سيباني. قرب راسي من كتفه وهمس في ودني: “عارفة يا سمر.. أنا لما سافرت ونقلنا زمان، مكنتش زعلان إني سبت المكان، كنت زعلان إني سبتك أنتِ. الحرب بتاعتك كانت هي الحاجه الوحيدة اللي مخلية لحياتي طعم. كنت بعمل كل ده، وبكبر، وبنجح، وبخسس نفسي.. بس عشان أرجع وأقف قدامك وأخليكي تشوفي الواد التخين الغلبان بقى إيه.. كنت عايز أثبتلك إني أستاهلك”.
​دموعي نزلت من غير ما أحس، ورفعت راسي وبصيت له وقلت: “يعني أنت مكنتش بتنتقم مني؟” ابتسم بحنان وقال: “أنا أقدر أنتقم من قلبي؟ أنا كنت بلاغيكِ بس على طريقتي القديمة”.
​المزيكا كانت بتخلص، والكل كان بيصقف، ويوسف لسه ماسك إيدي ومسابهاش. وفجأة، النور انقطع بالكامل عن القاعة، وصوت صراخ وهرج ومرج بدأ يحصل، وحسيت بإيد قوية بتسحبني بعنف من وسط الزحمة ويوسف بيزعق باسمي: “سمر!!”، بس الإيد كانت أسرع، وفجأة لقيت نفسي بتسحب لباب الطوارئ الخلفي وضلمة الكواليس، وفي حد بيحط منديل على بوقي بريحة غريبة، وقبل ما عيني تقفل كلياً وتغيب عن الوعي، سمعت صوت مألوف جداً من طفولتي بيقول بخبث: “المرة دي بقى.. اللعبة كبرت يا سمورة، ويوسف مش هيعرف يلاقيكي”.فتحت عيني براحة وصداع غريب هيموتني، حاسة إن نفوخي هيطير من ريحة المنديل اللي لسه معلمة في مناخيري. المكان ضلمة كحل، ومفيش غير ضوء سهارى خفيف جاي من شباك عالي ومقفل بسلك. جيت أتحرك لقيت إيدي مربوطة في حبل جامد ورا ضهر الكرسي، ورجلي كمان متكتفة. حاولت أستوعب أنا فين.. دي مش قاعة الفندق، ولا دي ريحة التكييف والبرفانات. دي ريحة رطوبة وتراب، ريحة كراكيب قديمة.. ريحة شبه المخزن القديم اللي كنا بنستخبى فيه زمان وإحنا عيال!
​فجأة، سمعت صوت خبط كبريت، ونور ضعيف قاد ورا الشباك، وبعدين الباب الخشب القديم اتفتح وظهر خيال راجل طويل بس ملامحه مش باينة أوي في الضلمة. مشي بخطوات بطيئة، كعبه بيخبط على الأرض البلاط القديمة بصوت رخم بيعمل صدى. وقف قدامي، وولع لمبة سلك نازلة من السقف، النور ضرب في عيني فغمضت تلات ثواني، ولما فتحت.. صرخت من الصدمة: “حسام؟! أنت؟!”
​حسام.. ابن عم يوسف! الواد اللي كان دايماً بيحشر نفسه ما بينا زمان، وكان يروح يفتن لأهالينا ويقول “سمر ضربت يوسف” أو “يوسف خبا كوتشي سمر”. كان هو السوسة اللي بيولع النار ويهرب.
​ضحك ضحكة صفرا وسند على ترابيزة خشب قديمة وقال: “أيوة يا سمورة.. حسام. وحشتيني والله، ووحشتني أيام زمان. بس تؤ تؤ، مكنتش أعرف إنك لما تكبري هتبقي حلوة كدة وتخطفي قلب ابن عمي المليونير”.
​جزيت على سناني وقلت بغل: “أنت اتجننت يا حسام؟ أنت خاطفني؟ أنت عارف يوسف ممكن يعمل فيك إيه لو عرف؟ ده يهد الدنيا ومفيش قانون هيحميك منه!”
​ضحكته حلت أكتر وبقت مستفزة، قرب مني ووطى لمستوايا وقال بنبرة مليانة حقد: “يوسف؟ يوسف بيه؟ الواد اللي كان بيمشي ورايا زمان ويعيط عشان أدافع عنه؟ الدنيا دارت وربنا فتحها عليه، وبقى صاحب شركات وملايين، وأنا؟ أنا شغال عنده مندوب حسابات بملاليم! كل ما أطلب منه يدخلني شريك أو يديني منصب، يقولي الشغل مفيش فيه قرايب، الشغل كفاءة! كفاءة إيه يا أبو كفاءة؟ ده أنا كنت بذاكرلك زمان! ولما لاقيته النهاردة هيموت عليكي في الحفلة، وسمعته وهو بيقولك إنه عمل كل ده عشانك.. عرفت إن نقطة ضعفه الوحيدة في الدنيا دي هي أنتِ يا سمر”.
​بلعت ريقي وحاولت مابينش خوفي: “عايز إيه يا حسام؟”
​طلع موبايله ولعب فيه شوية وقال: “مش عايز كتير.. خمسة مليون جنيه بس، فكة بالنسبة ليوسف بيه عشان يرجعلك الأميرة بتاعته. أنا بعتله رسالة دلوقتي من رقم مجهول بلوكيشن بعيد تماماً عن هنا عشان أدوخه شوية، وقلت له لو مجهزتش الفلوس في ظرف ساعتين.. انسي سمر”.
​في اللحظة دي، برة المخزن، في شوارع القاهرة الضلمة، كانت الدنيا مقلوبة. يوسف مكنش في وعيه، كان زي الأسد المجروح في قاعة الفندق. الأمن والبوليس ورجالته في كل حته، كاميرات المراقبة مكنتش واضحة بسبب قطع النور المفاجئ، بس يوسف مكنش مستني تفريغ كاميرات. لما جاله المسج، عينه اسودت، وبص للرقم المكتوب، ومسك دماغه بيحاول يفكر بعقل يوسف بتاع البيزنس، مش يوسف اللي هيموت من الرعب على سمر.
​قرأ الرسالة تاني وتالت، وصيغة الكلام استوقفته: “لو عايز سمورة ترجع بالسلامة.. جهز الشنطة”.
يوسف وقف في مكانه والزمن رجع بيه عشر سنين ورا.. “سمورة؟” محدش في العيلة كلها كان بيقول “سمورة” غير حسام لما كان بيحب يضايقني ويغيظ يوسف. يوسف قفل عينه وافتكر حقد حسام عليه في آخر قعدة جمعتهم لما رفض يشغله مدير فرع من غير خبرة. يوسف فتح عينه وقال بصوت مرعب لرجاله: “سيبكم من اللوكيشن اللي في الرسالة.. اللوكيشن ده تمويه. اطلعوا بينا على بيت حسام القديم اللي في الشرابية.. المخزن بتاع جده”.
​في المخزن، الوقت كان بيعدي تقيل، وحسام بدأ يوتره السكوت، رايح جاي ويبص في ساعته. وفجأة، من غير أي مقدمات، سمعنا صوت فرملة عربية جامدة جداً برة، لدرجة إن التراب نزل من السقف. حسام اتفزع وجري على الشباك يبص، وفجأة الباب الخشب الكبير ده اتهد بالكامل ودخلت عربية يوسف الجيب كسرته نصين!
​التراب عمى المكان، ومن وسط الدخان ظهر يوسف.. بس مكنش يوسف بتاع البدلة التوكسيدو الشيك، كان قالع الجاكيت، ومأشمر كمام قميصه الأبيض، وعينيه فيها نظرة لو طالت حسام هتق*تله في ثانية.
​حسام جري جاب س*كين قديمة من على الترابيزة وحطها القرب من رقبتي وهو بيترعش ويصرخ: “والله العظيم لو قربت خطوة تانية لهخلص عليها يا يوسف! اقف عندك! هات الفلوس!”
​يوسف وقف، وبص للس*كينة اللي قريبة مني، وشفت في عينيه رعب عمري ما شفته في حياتي، بس ثبت نفسه، وبص لحسام ببرود مرعب وقال له: “سيب الس*كينة يا حسام.. سيبها عشان حسابك معايا ميبقاش عسير”.
​”مش هسيبها! أنت خدت كل حاجة! الفلوس والشركات وحتى البنت اللي كنت دايماً ببص عليها زمان خدتها! أنا عايز حقي!” صرخ حسام بهستيريا.
​يوسف بدأ يتحرك ببطء شديد، خطوة.. وخطوة، وهو بيتكلم عشان يشتت انتباهه: “عايز حقك؟ حقك في إيه؟ في غبائك؟ سيب سمر يا حسام.. سمر دي الحاجة الوحيدة في الدنيا اللي لو لمستها، مش هيرحمك مني لا قانون ولا أرض ولا سما”.
​في اللحظة اللي حسام التفت فيها وبص ليوسف بعصبية عشان يرد، يوسف هجم عليه زي النمر. مسك إيده اللي فيها الس*كينة ولواها ورا ضهره في ثانية، والس*كينة وقعت على الأرض برنة عالية. يوسف نز ل فيه ضرب ولكمات بكل غله وسنين الحقد اللي حسام شايلها، لحد ما حسام وقع على الأرض مش قادر ينطق. رجالة يوسف دخلوا المخزن بسرعة ومسكوا حسام وكتفوه.
​يوسف ساب كل حاجة، وجري عليا. ركع على الأرض قدام الكرسي، وإيديه كانت بترتعش وهو بيفك الحبال من على إيدي ورجلي. أول ما إيدي فكت، ملقتش نفسي غير وأنا برمي نفسي في حضنه وببكي بكل قوتي، من الخوف، ومن المفاجأة، ومن الأمان اللي حسيته فجأة لما اترميت بين كتافه العريضة.
​يوسف ضميني الجامد، وكأنه بيأكد لنفسه إني لسه موجودة، وحط راسه على شعري وهمس بصوت مخنوق من الدموع: “أنا آسف يا سمر.. أنا السبب، متخافيش أنا جنبك ومحدش هيقدر يمس شعرة منك تاني أبداً”.
​طلعنا من المخزن، وكان الفجر بدأ يشقشق في سماء القاهرة. الهوا كان بارد ومنعش، ويوسف ركبني عربيتة وقعد جنبي وسند راسي على كتفه. بصيت له وأنا لسه متبهدلة من فستان الحفلة والتراب، وقلت له بصوت واطي: “يوسف.. أنت لسه بتحب خناقنا؟”
​بصلي وابتسم ابتسامة صافية، من غير أي خبث أو برود، وقال: “أنا مبقتش أحب خناقنا يا سمر.. أنا بقيت بحبك أنتِ. والشركة دي كلها من بكرة هتبقي شريكة معايا فيها، بس مش سكرتيرة.. شريكة حياتي كلها لو وافقتي”.
​سكتت وبصيت للنيل اللي بدأ النور ينور عليه، وحسيت إن اللعبة فعلاً كبرت، بس المرة دي.. إحنا الاتنين بنلعب في نفس الفريق. وقبل ما أرد عليه، موبايل يوسف رن برقم غريب تاني، وأول ما فتح الخط وجاء يرد، ملامح وشه اتقلبت تماماً وعينه برقت، وبص لي بنظرة خلت قلبي يقف تاني وكأن الحكاية لسه بتبدأ من جديد..يوسف فضل متنح للموبايل وثواني والخط قطع. بصلي وعينيه فيها كمية قلق خلتني سقعت في مكاني رغم حرارة الجو. سألته بلهفة: “في إيه يا يوسف؟ مين اللي بيتكلم؟”
​مسح على وشه بإيده اللي كانت لسه بتترعش وقال بصوت يدوب مسموع: “دي أمي.. بتقولي إن في حد اتصل بيهم على تليفون البيت الأرضي، وقالهم إن حسام اتمسك، وإن اللعبة مخلصتش.. ده بيقولهم إن حسام مجرد عيل غبي ونفذ اللي انطلب منه بس عشان الفلوس، بس الحساب الحقيقي لسه مصفاش معايا أنا!”
​جسمي كله قشعر، وبصينا لبعض وإحنا مش مستوعبين. يعني حسام مكنش شغال من دماغه؟ في حد تاني تقيل وراه هو اللي خطط لكل ده؟ يوسف دور العربية بسرعة جنونية، وطلعنا على بيت أهله عشان يطمن عليهم. طول السكة مكنش بينطق، بس عروق إيده وهي كابسة على الدريكسيون كانت هتنطق من كتر الغل والتفكير.
​أول ما وصلنا، لقينا طنط نادية وأمي قاعدين بيعيطوا وميتين من الرعب. يوسف دخل وسطهم زي الوتد، هداهم وحلفلهم إن كل حاجة هتبقى تمام، وطلب من رجالته يفرضوا حراسة مشددة على البيتين أربعة وعشرين ساعة.
​بعد يومين من القلق اللي مبيفصلش، ويوسف قالب الدنيا مع معارفه وأجهزته عشان يوصل لصاحب المكالمة، جاله اتصال من مكتبه في الشركة: “يوسف بيه، في طرد غريب وصل مكتب حضرتك باسم الأستاذة سمر.. ومكتوب عليه (ممنوع الفتح لغيرها)”.
​يوسف مجازفش، أخدني معاه ورحنا الشركة وسط حراسة، ودخلنا المكتب اللي شهد أول مواجهة لينا بعد السنين دي كلها. الطرد كان علبة قطيفة سودا شيك جداً. يوسف قرب بحذر وفتحها.. مكنش فيها قنبلة ولا حاجة تخوف، كان فيها “فردة كوتشي” قديمة ومتبهدلة.. فرردة الكوتشي بتاعتي اللي يوسف خباها مني وأنا في ابتدائي!
​ومعاها ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط إيد منمق:
​”فاكرين إنكم بس اللي عشتوا الطفولة دي؟ فاكرين إن الحرب كانت بينكم انتم الاتنين بس؟ يوسف خد الشركات والملايين، وسمر خدت يوسف.. وأنا اتسجنت بسبب غلطة أبويا مع أبوك زمان يا يوسف بيه، وطلعت ملقتش ليا مكان في الدنيا. حسام كان كارت محروق وبيرخص، بس أنا غالي أوي.. ومستنيكم في المكان اللي بدأنا فيه الحكاية.. لوحدكم”.
​يوسف أول ما قرأ الورقة، وشه جاب ألوان، وبصلي وقال: “خالد.. ابن شريك أبويا القديم! ده اللي أبويا طرده من الشركة زمان لما اكتشف إنه بيسرق، وخالد اتسجن في قض*ية تزوير بعدها.. هو فاكر إننا السبب في دمار عيلته!”
​قلت له وأنا حاسة إن النكد القديم رجع بس على شكل كابوس: “خالد؟ الواد الكبير اللي كان بيجي يبلطج علينا وإحنا عيال في الشارع وياخد مننا الكورة؟”
يوسف هز راسه وقال: “هو.. ومكتوب مستنينا في المكان اللي بدأنا فيه.. الحارة القديمة!”
​يوسف مسمعش لكلام أي حد، ومخلّاش الحراسة تيجي معانا عشان ميتغدرش بينا. ركبنا العربية ورحنا للحارة القديمة بتاعتنا في المطرية، وصلنا بالليل، الشوارع كانت هادية والبيوت القديمة ضلمة. نزلنا وتمشينا لحد البيت المهجور اللي كنا بنلعب وراه وإحنا عيال.
​لقينا خالد واقف، لابس جاكيت جلد أسود، وفي إيده مس*دس، ملامحه كانت مليانة غل وقسوة السنين. أول ما شافنا ضحك وقال: “منورين يا عصافير الكنانة.. يوسف بيه وسمورة الدلوعة.. كبرتوا وبقيتوا أصحاب ملايين وبتوع حب ورقص!”
​يوسف قدم خطوة وخلاني ورا ضهره وقال بثبات: “عايز إيه يا خالد؟ حسابك مع أبويا، وأبويا مات، وأنت أخدت جزاء سرقتك.. سمر ملهاش ذنب، وأنا مستعد أديك اللي أنت عايزه بس ارفع المس*دس ده”.
​خالد صرخ بجنون: “مش عايز فلوس! الفلوس مش هترجعلي أبويا اللي مات في السجن كمد! أنا عايز أشوف الكسرة في عينك زي ما عيشتها.. عايز أخد منك الحاجه اللي بتتنفس عشانها!” ووجه المس*دس ناحيتي بالظبط.
​في أقل من ثانية، يوسف ملفش ومفكرش، رمى جسمه كله عليا واخدني في حضنه وداراني بضهره، وفي نفس اللحظة صوت طلقة رعدت في المكان كله.. “بم!”
​غمضت عيني وأنا بصرخ بأعلى صوت عندي: “يوسسسسسف!!”
​حسيت بجسم يوسف يتقل عليا، ووقعنا إحنا الاتنين على الأرض. فتحت عيني برعب، لقيت يوسف باصصلي وبيبتسم بتعب، والدم بدأ يظهر على كتفه من ورا. الطلقة صابته في كتفه بس مكنتش قاتلة.
​وفي نفس اللحظة، ظهرت أنوار عربيات البوليس اللي يوسف كان مأمن نفسه ومبلغهم باللوكيشن من ورايا كخطوة بديلة، ورجالة العمليات الخاصة هجموا على خالد وكتفوه في ثواني وهو بيصرخ ويدعي علينا.
​قعدت على الأرض، ورفعت راس يوسف وحطيتها في حجري، ودموعي نازلة زي المطر، بمسح الدم من على وشي وبقوله بنبرة عياط طفولية زي زمان: “أنت غبي؟ إزاي تعمل كدة؟ إزاي تفديني بنفسك يا يوسف؟”
​يوسف، رغم الوجع، ضحك ضحكته المستفزة إياها، ورفع إيده السليمة وحطها على خدي وقال بصوت دافي تعبان: “مش قلتلك.. أنا أقدر أنتقم من أي حد، إلا من قلبي؟ ده أنا ما صدقت لقيتك يا سمورة.. هسيبك تضيعي مني تاني؟”
​الإسعاف جت وشالت يوسف، وطبعاً الحارة كلها كانت واقفة تتفرج. وبعد أسبوعين، يوسف كان قاعد في مكتبه الفخم، رابط دراعه بشاش شيك، وأنا قاعدة على الكرسي اللي قدامه.. بس المرة دي العقد اللي قدامنا مكنش عقد عمل، ده كان “دفتر المأذون”.
​يوسف مسك القلم وبصلي وقال بلؤم: “ها يا سمر.. هتمضي برضه بخط عريض زي المرة اللي فاتت؟”
ضحكت من قلبي، وأخدت منه القلم وقلت له: “المرة دي همضي وأنا مغمضة يا جو.. بس افتكر، أنا لسه لسان الطير، يعني لو زعلتني في يوم، هخبي كوتشياتك البدلات الشيك دي كلها!”
​يوسف ضحك وبص للنيل من الشباك الإزاز، والمرة دي النظرة مكنتش تحدي ولا حرب.. كانت بداية لأجمل قصة حب بدأت بنكد الطفولة، وانتهت بإننا بقينا لبعض، وشمس القاهرة بتنور على حكايتنا الجديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *