علي حافه الخوف

السكون اللي نزل على الروف بعد ما عينه غمضت كان أتقل من جبل. القاهرة تحتكم كانت مولعة أنوار، أجهزة الإنذار وأصوات الكلاكسات من الشارع تحت كانت جاية مكتومة زي ما تكون جاية من عالم تاني خالص… عالم أنتِ اتعزلتِ عنه في ثانية، وبقيتِ محبوسة في اللحظة دي بس، على الروف المهجور، بين الضلمة وزرقة النيل البعيدة، وإيدك الملطخة بدم سليم المانسترلي.
”سليم؟… سليم رد عليا!”
صرختك طلعت مكتومة، حشرجة خارجة من بين شفايف بترتعش. مسكتِ وشه بين إيديكي، والدم الدافئ اللي كان على صوابعك طبع على خده الأبيض. كانت أول مرة تلمسيه بالجرأة دي، أول مرة القرب بينكم ما يكونش فيه مسافة الخوف اللي بين الفريسة والصياد. بس الثمن كان غالي أوي… غالي للدرجة اللي تخلي العقاب أقسى من أي حيلة كان ممكن يعملها عشان يوصلك.
نفَسُه كان بيطلع بالعافية، كأنه بيهرب منه حتة حتة، ووزن جسمه كله بدأ يرمي على دراعك. القميص الأبيض المفصل عليه اتغير لونه تماماً، البقعة الحمراء كانت بتوسع وتشرق زي شمس غربت بالدم.
”مش هتموت… أنت مش هتموت بعد كل ده يا سليم! سمعني؟!”
مسكتِ تليفونك بإيد بترتعش لدرجة إن الشاشة كانت بتفلت من بين صوابعك. البصمة ما كانتش قارية بسبب الدم اللي مغطي صوابعك. مسحتِ إيدك في بنطلونك بانهيار، والدموع مالية عينيكي مش شايفة الأرقام. اتصلتِ بالإسعاف، وصوت الموظف لما رد كان بيكلمك ببرود قاتل:
”الإسعاف معاكي يا فندم، المكان فين؟”
”الحقوني… في واحد مضروب بالنار! روف العمارة اللي جنب كوبري قصر النيل… بسرعة، الراجل بيموت في إيدي!”
”اهدأي يا فندم، البلاغ بيتسجل… مين المصاب؟”
”سليم… سليم المانسترلي! يادي النيل، اخلصوا!”
سكت الموظف للحظة، وكأن اسم “المانسترلي” كان كفيل يغير نبرة صوته من البرود لقمة الرعب والارتباك.
”العربية حركناها حالاً يا فندم… بلاش تحركيه، واضغط على الجرح!”
قفلتِ السكة ورَميتِ التليفون على الخرسانة. قلعتِ الجاكيت بتاعك بلهفة وحطيتيه مكان الجرح، وضغطتِ بكل قوتك. سليم أون أنة واطية أوي، شفايفه المزرقة اتفتحت سنة بسيطة، وكأنه بيحاول يتنفس الهوا اللي بيطلع من صدرك أنتِ.
”أنا آسفة… أنا آسفة والله ما كنت أقصد… أنت اللي حركت إيدي! أنت ليه عملت كده؟! ليه مجنون كده؟!”
كانت الدموع بتنزل من عينيكي بتغسل الدم اللي على وشه. الراجل اللي كان وزير بياخد إذن عشان يدخل مكتبه، والباشا اللي كانت الملايين بتتحرك بإشارة من صباعه، كان مرمي في حضنك دلوقتي، حياته كلها معلقة بالضغط اللي أنتِ ضاغطاه بإيديكي الصغيرة على جرحه.
فجأة، صوت الخبط على الباب الحديد بتاع الروف زلزل المكان. الباب الاتفرد بعنف وظهر منه ثلاثة رجالة بطول وعرض، لابسين بدَل سوداء ومسكين س/لاح في إيديهم. طلعة حراسة سليم الشخصية… رجالة “السيد المانسترلي” اللي ما حدش بيشوفهم غير لما الدنيا تتخرب.
اللي كان ماشي في وشهم راجل كبير في السن شويه، شعره أبيض، وعينيه حادة زي الصقر… ده كان “مراد”، ذراع سليم اليمين، والراجل اللي مسك الإمبراطورية دي معاه من السفر.
مراد اتسمر في مكانه لما شاف المشهد. سليم المانسترلي سايح في دمه على الأرض، وأنتِ فوقيه وإيديكي مليانة دم والمسدس مرمي جنبك على الخرسانة.
رجالة الحراسة رفعوا أسلحتهم في وشك في ثانية، صوت سحب الأجزاء رن في الروف زي صدى الموت.
”نزل الس/لاح منك ليه!”
زعق مراد بصوت هز المكان، وهو بيجري ناحية سليم وبيقع على ركبه جنبه. مسك نبض سليم من رقبته، وشافه ضعيف جداً وبيروح.
بص لكِ مراد بنظرة مرعبة، نظرة فيها كمية غضب وكره كانت كفيلة تق*تلك في مكانك. مسك المسدس المرمي على الأرض وشافه، وبعدين بص في عينيكي اللي كانت بتعيط بانهيار.
”عملتيها؟” مراد قالها بصوت هادي أوي… هدوء ما قبل العاصفة. “الراجل اللي رفض يمس شعرة منك… الراجل اللي هَد الدنيا عشان يتجوزك ويحميكي حتى من نفسه… قت*ل*تيه؟”
”والله ما قت*لتو! هو اللي نزل إيدي… هو اللي ضغط على الزناد! صدقني يا مراد بيه، أنا ما كنتش عايزة أق*تله!”
مراد ما ردش عليكي. بص لرجاله وزعق: “شيلوه معايا بالراحه! النزيف شغّال! الدكاترة في العيادة الخاصة فوق المستشفى يكونوا مستعدين… لو سليم بيه جرى له حاجة، البلد دي كلها هتتحرق الليلة!”
اتنين من الحراس شالوا سليم بحرص شديد وهما طالعين بيه على الأسانسير، ومراد مسكك من دراعك بقوة جمدت الدم في عروقك.
”أنتِ جاية معانا.”
”أنا… أنا هجي معاه المستشفى، مش هسيبه!”
”أنتِ مش جاية المستشفى عشان تطمني عليه… أنتِ جاية عشان لو مات، مش هتلحقي تشوفي الشمس تاني.”
المدينة تحت كانت بتغلي. موكب من خمس عربات مرسيدس سودا بزجاج فاميه كان بيقطع شوارع القاهرة بسرعة جنونية، أجهزة الإنذار بتصرخ، والعربيات الثانية بتوسع الطريق بفرملة مرعوبة. كنتِ قاعدة في الكنبة الوراهم، بين حارسين عمالين يبصولك بنظرات لو كانت سكاكين كانت قطعتك.
كنتِ بتبصي لإيديكي… الدم ناشف بين صوابعك وفي ضوافرك. ريحة الصدأ والدم كانت مالية النخرة. مخك كان بيرجع بيكي لورا… لكل اللحظات اللي شفتيه فيها خلال الست شهور اللي فاتوا.
افتكرتي أول مرة قابلتيه في المعرض الفني. لما قرب منك وصوته الرخيم كان أهدى حاجة في القاعة كلها. افتكرتي يوم ما بعتلك ورد أحمر من غير كارت، ولما سألتيه ليه، قالك: “عشان مش عايز اسمي يخوفك من الورد.”
افتكرتي يوم ما أختك اتزنقت في مستشفى استثماري كبير وكانت محتاجة عملية غالية، والصُبح لقيتِ مدير المستشفى بنفسه بيعتذرلك وبيقولك إن كل حاجة مدفوعة وإن أختك في أمان… ولما واجهتي سليم، قالك ببساطة: “أنا مش بشتريكي، أنا بس مش بقدر أشوفك زعلانة.”
كل حاجة عملها… كل خطوة قربها، أنتِ كُنتِ بتفسريها على أنها “لعبة شبكة”. كنتِ بتشوفي فيها ثعبان بيلف حوالين فريسته عشان يخنقها في الآخر. السيرة السودة اللي المجلات وجلسات الكبار بيحكوها عنه كانت عازلة بينك وبين الحقيقة.
”كان بيثبتلي…”
همستِ للروحك وأنتِ بتبصي للشباك، والدموع نازلة بتقطع خدك. “كان بيثبتلي إنه مش الوحش اللي افتكرته… وأنا اللي أثبتله إني عمياء.”
وصل الموكب لمستشفى استثماري مقفول ومحاط بحراسة أمنية مشددة. أول ما العربيات وقفت، الأبواب اتفتحت ونزلوا نقالة سليم اللي كانت جاهزة، والأطقم الطبية جرت بيه على أوضة العمليات فاعلية وسرعة وكأنهم في حالة حرب.
مراد مسك دراعك ونزلك، ودخلك أوضة صيرة جنب أوضة العمليات. أوضة فيها كراسي جلد، وشاشات بتعرض الكاميرات، وشباك زجاجي كبير بيطل على الطرقات.
”أقعدي هنا.” مراد قالها وهو بيقفل الباب.
”سيبني أكون بره… أرجوك، سيبني أعرف الدكتور بيقول إيه!”
”أنتِ ما لكيش كلام هنا يا هانم.” مراد وقف قدامك وهو بيمسح وشه بتعب وإرهاق، ونبرة صوته كانت مليانة وجع مكتوم. “أنتِ عارفة سليم بيه كان بالنسبة للبلد دي إيه؟ سليم بيه كان ماسك كل الخيوط… لو قلبه وقف الليلة دي، بكره الصبح فيه أسر كاملة هتتدمّر، وتجار هتاكل بعضها في السوق، ودم هيسيل في شوارع القاهرة أكتر من الدم اللي على إيدك ده.”
قعدتِ على الكرسي ورجليكي مش شايلاكي. حطيتِ وُشك بين إيديكي وبكيتي بانهيار.
”أنا ما كنتش عايزة أقت*له… هو اللي مسك إيدي… هو اللي نزل المسدس…”
مراد بص لكِ باحتقار وقال:
”لأنه كان مجنون بيكي! سليم المانسترلي اللي ما حدش في الدولة دي كلها قدر يقف قدامه أو يكسر عينيه، جه لحد عندك وبقى أضعف من العصفور. كان ممكن يجيبك لحد عنده بأمر واحد من صباعه، كان ممكن يخليكي ملكه بالقوة وما حدش كان يقدر يقوله بتعمل إيه. بس هو قال لأ… قال ‘أنا عايزها هي اللي تجيلي، عايزها تحبني مش تخاف مني’.”
مراد قرب خطوة من الكرسي وكمل بحدة:
”عارفة كمية الس/لاح والق*تلة اللي أتبعتوا عشان يخلصوا من سليم المانسترلي السنة دي بس؟ أربعة! الأربعة اتصفوا قبل ما يقربوا منه بـ 10 متر. واليوم اللي يسلم فيه س/لاحه بيده… يسلمه ليكي أنتِ! ولما خفتِ منه، حطه في بطنه ورماكي في حيرتك! أنتِ ما تستهليهوش يا هانم… ما تستهليش نقطة دم واحدة سالت منه.”
خرج مراد وسابك في الأوضة، وقفل الباب بالمفتاح من بره.
الساعات كانت بتعدي كأنها سنين. الساعة بقت تلاتة الفجر، وبعدين أربعة… النور كان بدأ يشقشق في السما من شباك الأوضة.
كل دقيقة كانت بتعدي، كنتِ بتحسي إن حبل المشنقة بيلف حوالين رقبتك. مش خوف من الموت ولا من مراد ورجالته… الخوف الحقيقي كان من فكرة إن سليم يموت وهو فاكر إنك يئستِ منه، يموت وهو فاكر إنك أطلقتِ النار عليه بكامل إرادتك.
كنتِ بتبصي لدمه اللي جف على إيدك، وكل بقعة كانت بتفكرك بكلماته الأخيرة:
“دلوقتي بقى… صدقتي إنك البني آدمة الوحيدة في الدنيا دي كلها اللي عمر ما جيه في بالي أؤذيها؟”
”صدقت…”
قلتيها بصوت حزين ومكسور، وأنتِ سانة رأسك على الزجاج. “صدقت والله العظيم… بس قوم… قوم وأنا والله ما هبعد تاني.”
وفجأة، سمعتِ حركة جيل بره الأوضة. أصوات خطوات سريعة، ودكاترة بيكلموا بعض بصوت واطي ومشدود. الباب اتفتح، ومراد دخل.
وشه كان شاحب، وعينيه أحمر زي الدم من قلة النوم والضغط.
قمتِ واقفة في ثانية، ونظرتك كانت بتتوسل له ينطق كلمة واحدة بالخير.
”الجراحة خلصت.” مراد قالها بنبرة خالية من أي مشاعر.
”هو… هو عايش؟”
”الرصاصة دخلت في بطنه من الناحية الشمال، كانت قريبة أوي من الشريان الأورطي. لو كانت يمين سنتي واحد بس، كان بقى في خبر كان. الدكاترة قدروا يوقفوا النزيف ويطلعوا الرصاصة… بس حالته حادّة جداً، ودخل في غيبوبة صناعية على أجهزة التنفس.”
أخدتي نفس طويل وكأن الروح ردت فيكي من جديد، ووقعتِ على الكرسي وأنتِ بتبكي بس المرة دي دموع إرتياح.
”الحمد لله… الحمد لله يا رب…”
مراد بصلك ببرود وقال:
”ما تفرحيش أوي كده. الخطر ما زال موجود. الأربع وعشرين ساعة الجايين هما اللي هيحددوا لو جسمه هيتحمل الصدمة ولا قلبه يقف. والدكاترة قالوا إن فيه احتمال ما يقومش منها.”
قمتِ من مكانك وقربتِ من مراد، وبصيتِ في عينيه بتوسل:
”خليني أوفه… أرجوك يا مراد بيه، خليني أدخله ولو دقيقة واحدة بس. مش هعمل حاجة، والله العظيم مش هعمل حاجة!”
مراد سكت للحظات، بصلك بقلة حيلة وكأنه بيفتكر وصية سليم المباشرة له قبل الحادثة بأيام لما قالك: “لو جرالي أي حاجة في أي وقت… هي الخط الأحمر بتاعكم، ما حدش يمسها ولا يزعلها.”
تنهد مراد بقلة صبر وقال:
”عشر دقائق بس. هتبدلي هدومك، وتلبسي العزل الطبي، وتدخلي من غير ما تلمسي الأجهزة. ولو العناية المركزة زمرت… هتطلعي فوراً.”
شكل الأوضة كان يخوف. العناية المركزة كانت أجهزة المراقبة فيها بتعمل أصوات منتظمة ومتكررة، بيبي… بيبي… بيبي… صوت نبضات قلبه الضعيفة.
سليم كان نايم على السرير، وشه كان أبيض زي الملاية اللي مغطياه، وشفايفه الناشفة متوصلة بخرطوم الأكسجين. الراجل اللي كان مجرد وجوده في أي مكان بيملأ القاعة هيبة ورعب، كان واقف قدام الموت، ضعيف ومستسلم.
قربتِ منه بخطوات بطيئة، كأنك خايفة تجرحي السكون اللي في الأوضة. كرسيك حطيتيه جنب السرير وقعدتِ.
رفعتِ إيدك اللي اتغسلت وبقت نضيفة بس لسه حاسة ببرودة دمه عليها، ومديتِ صوابعك بحرص شديد لحد ما لمستِ أطراف صوابعه. كانت باردة أوي… عكس الدفء اللي حسيتيه لما مسك إيدك على الروف.
”سليم…”
همستِ بصوت مكسور، والدموع نزلت تشتكي على إيده الممدودة.
”أنت سامعني؟… أنا عارفة إنك سامعني. أنت أشطر من إنك تسيب الدنيا دي بالبساطة دي.”
مسكتِ إيده بين إيديكي الاتنين، وضغطتِ عليها بشويش.
”أنت نجحت يا سليم… نجحت في إنك تكسر الخوف اللي كان جوايا. أنا ما بقتش خايفة منك… أنا بقيت خايفة عليك. خايفة من الدنيا دي من غيرك. أنت صح… أنا كنت عمياء، كنت بصدق الحكايات والسطور المكتوبة عنك وبنسى أشوف عينيك وهي بتبصلي.”
شديتِ إيده وقربتيها من شفايفك وبستيها.
”قوم يا سليم… قوم وأنا أوعدك إنني مش هرب تاني. مش هبص لك بالنظرة اللي بتضايقك. قوم وخليك الوحش اللي الناس بتقول عليه… بس خليني أنا المكان الوحيد اللي تحط فيه أسلحتك وترتاح.”
في اللحظة دي، شاشة مراقبة النبض عملت صوت سريع، والخط المستقيم بدأ يتحرك بشرائط أعرب. صوابع سليم البردانة في إيدك اترعشت سنة بسيطة… حركة لا تُذكر، بس بالنسبة لكِ كانت أكبر من الحياة كلها.
جفن عينيه اترعش، وببطء شديد، اتفتحت عينيه العسلية المليانة إرهاق وتعب. بص لكِ بتشوش، وكأنه بيدور على خيالك وسط الضباب اللي في دماغه.
الدكاترة جرو على الأوضة لما الأجهزة أدت إنذار باستعادة الوعي. مراد دخل معهم وهو مش مصدق عينيه.
سليم ما بصش على أي دكتور من اللي حواليه، ولا على الأجهزة… عينيه كانت متثبتة عليكي أنتِ بس.
شال خرطوم الأكسجين بإيد ضعيفة ومرتعشة، والدكتور حاول يمنعه بس سليم شاور له يبعد.
بص لكِ وسكت، ابتسامته الضعيفة المكسورة رجعت تاني على شفايفه المزرقة.
همس بصوت واطي أوي، صوت جايب أقصى طاقة عنده:
”قالت… قالت مش هتهرب تاني… ولا أنا بحلم؟”
الدموع نزلوا من عينيكي وأنتِ بتضحكي وبتبكي في نفس الوقت، ومسكتِ إيده بقوة:
”مش بتحلم يا سليم… أنا هنا، ومش ماشية في أي حتة.”
سليم غمض عينيه واسترخى على المخُدة، وكأن الأوجاع كلها اللي في جسمه اختفت بالكلمة دي. بس قبل ما يرجع ينام تاني من أثر المخدر، مسك صوابعك بقوة عجيبة بالنسبة لحد طالع من الموت، وكأنه بيبعت لك رسالة أخيرة.
مراد قرب منك وهو باصص لك بنظرة اتغيرت تماماً… من الكره والغضب، لنوع من الذهول والاحترام.
”المانسترلي عمره ما خسر رهان يا هانم…” مراد قالها بصوت واطي وهو بيبص لسليم. “وفعلاً… كسب الرهان الأخير.”
بعد أسبوعين…
العمارة المهجورة على نيل القاهرة كانت هادية. النيل كان بيلمع تحت أضواء القمر، والهوا البارد كان بيلعب بالستائر الشفافة في الروف اللي اتصلح وبيتجهز من جديد.
سليم كان واقف عند السور، لابس بدلة سوداء شيك، بس من غير كرافتة، وزرارين القميص مفتوحين يبان منهم الضمادة الطبية اللي على بطنه. كان باصص للنيل، وبيشرب قهوته ببطء.
صوت خطوات كعبك الهادي رن على الأرضية الخشبية.
سليم ما لفتش، بس ابتسامته ظهرت:
”تأخرتِ عشر دقائق.”
قربتِ منه ووقفتِ جنبه، بصلتِ للنيل وبعدين بصيتِ لوشه اللي رجع له لونه وهيبته، وإن كانت عينيه لسه فيها الدفء اللي بيبقى ليكي أنتِ بس.
”السكة كانت واقفة في الزمالك… وبعدين أنت اللي استعجلتني عشان أجي.”
سليم حط فنجان القهوة على السور، ولفت جسمه ناحيتك. حط إيديه في جيوبه، وبصلك بنظرة طويلة مليانة مشاعر ما تتوصفش.
”أنا ما بقيتش أستعجل حاجة في الدنيا دي يا سماء… غير إنك تكوني هنا.”
طلعتِ علبة قطيفة صغيرة من شنطتك وحطيتيها في إيده.
سليم بصلها باستغراب: “إيه ده؟”
”افتحها.”
سليم فتح العلبة. كان جواها المسدس الفضي… نفس المسدس اللي ضرب بيه نفسه. بس المرة دي، كان الخزنة بتاعته فاضية، ومحفور على المقبض بتاعه تاريخ اليوم اللي اتصاب فيه، وتحتيه جملة واحدة:
“الحقيقة الوحيدة.”
سليم بصلك والدهشة في عينيه، وبعدين ضحك… ضحكة دافية ورخيمة خرجت من صدره، ضحكة عمر ما حد من رجالته أو أعدائه سمعها منه.
”أنتِ بتسلميني س/لاحي تاني؟”
”أنا بسلمك الس/لاح وهو فاضي…” قلتيها وأنتِ بتبصي في عينيه بثبات. “عشان أكرك إن الس/لاح ده ما بقاش له لازمة خلاص… الرصاصة اللي طلعت منه، قت*لت الخوف اللي كان بيننا للابد.”
سليم قرب منك خطوة، المرة دي أنتِ ما رجعتيش لورا ولا خطوة. وقفتِ مكانك، وحسيتِ بيده الدافية بتترفع وبتمسك كفك بحنية.
رفع إيدك و his lips touched your knuckles gentle as a feather.
”يعني أفهم من كده إن الإمبراطورية دي كلها… أخيرًا بقى ليها ملكة؟” سليم همس بها وهو بيبص لك بشغف.
ابتسمتِ وقلتِ له:
”المملكة دي مش هتمشي بالحديد والنار يا سليم… هتمشي بالقواعد بتاعتي أنا.”
سليم ضحك وقال:
”وأنا أول واحد هيبصم على القواعد دي…”
وفجأة، تليفون سليم رن. بص على الشاشة، وشاف اسم “مراد”. كان عارف إن فيه مشكلة كبيرة في السوق، وفيه حركة غدر جديدة من منافسين افتكروا إنه ضعف بعد الحادثة.
سليم رد على التليفون، وصوته اتغير في ثانية… رجع الصوت الرخيم، الحاد، المرعب اللي بيهز أكبر كبارات البلد:
”إيه يا مراد؟… عرفوا إنني قمت؟… تمام، اجمعلي الكبار كلهم في المقر الساعة اثنا عشر بالليل. وبلغهم إن اللي يفكر يلعب في غيابي… حسابه مش هيكون معايا، حسابه هيكون مع المانسترلي اللي يرجع أشرس من الأول.”
قفل سليم التليفون، وحطه في جيبه. التحول السريع ده في شخصيته كان زمان يرعبك ويخليكي تجري… بس النهاردة، كُنتِ واقفة بتتفرجي عليه بإعجاب وتفهم. عرفتِ إن الصلابة دي هي السور اللي بيحمي بيه كل حاجة بيحبها، وإن تحت البدلة السوداء دي، فيه قلب ما ينبضش غير ليكي.
لفت سليم ليكي، ونظرة الوحش اختفت تماماً وأتنسخت مكانها نظرة العاشق المكتوي بنارك.
”ورايا شغل مع ناس مش بتفهم غير لغة القوة…” سليم قالها وهو بيمسك إيدك ببطء. “تيجي معايا؟ ولا حابة تستني هنا؟”
بصيتِ لإيده الملفوفة على إيدك، وبعدين بصيتِ لعينيه، وقلتِ بنبرة هادية بس فيها حسم جديد عليكِ:
”أنا مش هستنى في أي مكان تاني يا سليم… من النهاردة، أنا هكون واقفة جنبك في وش أي حد يفكر يرفع عينيه فيك. بس بشرط…”
سليم رفع حواجبة بابتسامة متسلية: “شرط إيه؟”
”المسدس ده يفضل في جيبك فاضي… عشان تفتكر دايماً إن القوة الحقيقية مش في الرصاصة اللي بتقت*لك، القوة في الإيد اللي مستعدة تمسك إيدك وتكمل معاك في الضلمة.”
سليم ابتسم ابتسامة عريضة، وشدك ناحيته بشويش، والنيل تحتكم بيعكس أنوار القاهرة الساهرة. وأنتِ واقفة في حضنه، عرفتِ إن القصة ما انتهتش على الروف… القصة يلا بدأت، ومعارك ثانية كثيرة مستنياكم في عالم المانسترلي المظلم، بس المرة دي، كُنتوا داخلينها سوا… إيد في إيد.المشهد في مقهى عتيق في حي الزمالك، الساعة تدق الواحدة بعد منتصف الليل. الفوانيس النحاسية الميتة على الجدران تطرد الضلمة بصعوبة، وصوت أم كلثوم ينساب من راديو قديم في الخلفية، يغطي على وشوشات المطر اللطيف اللي بدأ ينزل على زجاج الشبابيك.
سليم كان قاعد على الكنبة الجلد العريضة، حاطط رجل على رجل، وفي إيده فنجان القهوة السادة اللي بخاره طالع ببطء. بروده القاتل وهيبته رجعوا أشرس من الأول، بس عيونه كانت متعلقة بيكي أنتِ… وأنتِ قاعدة قدامه، لابسة معطف أسود شيك، ماسكة كاس المية بإيد ثابتة تماماً. ما بقاش فيه أثر للبنت المذعورة اللي كانت بتترعش على الروف من كم أسبوع.
على الطاولة اللي بينكم، كان فيه ملف جلدي أسود سميك، مفتوح على أوراق وتوقيعات، وجنبه… المسدس الفضي الفاضي.
مراد دخل من باب المقهى الخشبي، مسح قطرات المطر من على جاكيته، وقرب بخطوات سريعة. كان وشه مشدود ونبرة صوته فيها تحذير مكتوم وهو بيميل على أذن سليم:
”الباشا… ‘عزت المنسي’ ورجالته وصلوا بره. جايين بـ أربع عربيات، ومعاهم رجالة الس*لاح من الشتا. عزت فاكر إنك طلبته عشان تتفاوض على المنطقة الشرقية بعد ما افتكر إنك اتعلم عليك في حادثة الروف.”
سليم ما اهتزش. أخد رشفة هادية من القهوة، ونزل الفنجان على الطبق بصوت رنان، وبعدين بص لكِ وابتسم ابتسامة خفيفة أوي:
”سمعتِ يا هانم؟… عمك عزت فاكر إن ضربة الرصاصة كسراني، وجاي يطلب النصف.”
أنتِ حطيتِ كاس المية على الطاولة، وبصيتِ لمراد بنظرة ثابتة تجمد أي حوار:
”خليهم يدخلوا يا مراد… بس خليهم يسيبوا الس*لاح بره. المقهى ده الليلة ما يدخلوش حد بس*لاحه.”
مراد اتفاجئ من نبرة الثقة اللي طلعت منك، وبص لسليم يمتص رده. سليم هز رأسه لمراد بهدوء:
”سمعت القواعد الجديدة ولا أكررها؟ اللي الممتلكة تقول عليه يمشى على الكل… حتى عليّ أنا.”
خرج مراد بسرعة، وبعد دقيقتين، اتفتح الباب بعنف. دخل “عزت المنسي”، راجل في الخمسينات، ضخم الج*ثة، بعيون ملونة مليانة غل ومكر، ولابس معطف فرو ثقيل. كان باين على وشه الضيق لأنه اضطر يسيب حراسته وس/لاحه بره بناءً على الأوامر.
عزت بصلكِ بنظرة تقليل واستخفاف، وبعدين بص لسليم وضحك ضحكة مجوفة هزت المكان:
”حمد الله على السلامة يا سليم بيه… البلد كلها كانت بتقول إنك خلصت، وإن الرصاصة جابت أجلك. بس واضح إن السبع أرواح بتوع المانسترلي لسه شغالين!”
سليم ما ردش، ولا حتى شاور له يقعد. عزت حط إيده على ظهر الكرسي وقعد بقلة أدب، عيونه زغت على المسدس الفضي الفاضي اللي محطوط على الطاولة.
”بس غريبة يا سليم…” عزت كمل وهو بيميل لقدام بنظرة خبيثة: “سليم المانسترلي اللي كان بيحرك وزراء بكلمة، قاعد في قهوة بلدي في الزمالك، ومأمن نفسه بـ بنت؟… هي السوق جرى فيها إيه من ورانا؟ ولا الرصاصة أثرت على الدماغ؟”
أنتِ ما استنيتيش سليم يرد. مديتِ إيدك وبحرص شديد مسكتِ المسدس الفضي الفاضي من على الطاولة، وحطيتيه في نص المساحة اللي بينك وبين عزت.
عزت اتسمر مكانه، وعينيه اتسعت سنة.
”الرصاصة ما أثرتش على دماغه يا عزت بيه…” قلتيها بصوت هادي أوي بس نبرته كانت أتقل من الحديد: “الرصاصة دي كانت نهاية العهد القديم… العهد اللي كنتم فاكرين فيه إن القوة مجرد س/لاح ورجالة في الشارع.”
فتحتِ الملف الجلدي الأسود قدامه، ولفتيه ناحيته.
”الأوراق دي فيها تحويل ملكية أسهم شركتك للخدمات الملاحية… من السبت الجاي، المانسترلي هو المالك التنفيذي لـ 60% من الميناء. وأنت مالكش حق التوقيع على أي شحنة تقاطع حدود القاهرة.”
عزت وشّه اتغير للون الأصفر، وقام واقف بنرفزة هزت الطاولة:
”إيه العبط ده؟! أنتِ تجننتِ يا بت أنتِ؟! أنا عزت المنسي! المانسترلي لو فاكر إنه هيستغل الأوراق القديمة دي عشان يأكل نسوري في الميناء يبقى بيلعب بالديناميت!”
سليم فضّل قاعد زي ما هو، ما تحركش فيه عرق، بس عيونه العسليةتحولت لكتلة من الثلج المرعب. بص لعزت وقال بنبرة واطية جمدت الحركة في المكان:
”صوتك ما يعلاش في حضورها يا عزت… عشان اللسان اللي يتطاول عليها، مش هلحق أقطعهولك، هي اللي هترد عليك بالأصول.”
عزت بص لسليم، وبعدين بصلكِ أنتِ… شاف الثبات في عينيكي، وشاف المسدس الفضي الفاضي اللي محطوط بثقة، واستوعب اللعبة. سليم ما بقاش يعمل المعارك بنفسه… سليم حط الس/لاح في إيدك أنتِ، وأنتِ بقيتِ القوة الجديدة اللي بتدير الإمبراطورية دي بعقل أشرس بكتير من المدافع.
”قدامك خيارين يا عزت بيه…” قلتيها وأنتِ بتقفلي الملف ببطء رنان: “توقع على نقل الملكية هنا، وتطلع من الميناء بسلام وتحتفظ بباقي ثروتك… أو تخرج من الباب ده، وساعتها الأوراق دي هتوصل للنبيابة العامة قبل ما توصل لعربيتك، وفيها تسريبات شحنات الس/لاح اللي دخلتها الشديدة الشهر اللي فات.”
عزت أخد نفس سريع، صدره كان بيعلو ويهبط بخلية من الغضب والخوف. بص لسليم اللي كان بيبتسم بنصر هادي، وبعدين بص لكِ… أدرك إن الحصار اتأفل عليه من كل الاتجاهات.
بإيد المرتعشة من الغيظ، مسك القلم الذهبي اللي على الطاولة، ووقع على الأوراق بعنف، ورمى القلم على الطاولة.
”هتندموا…” عزت قالها بصوت مبحوح وهو بيبصلكم بتمهل: “اللعبة دي أكبر منك يا بنت… والمانسترلي مش هيحميكي للابد.”
”أنا مش محتاجة حماية…” قلتيها بثبات وأنتِ بتاخدي الأوراق منه: “أنا اللي بحميه.”
خرج عزت المنسي يجر أذيال الخيبة، وباب المقهى اتخبط وراه بعنف.
المكان رجع هادي تاني. مراد دخل بسرعة، بص للأوراق الموقعة، وبصلكِ بابتسامة ذهول حقيقية:
”أنا شغال مع المانسترلي من عشرين سنة… عمره ما حد قدر يخلي عزت المنسي يوقع على تنازل بالسهولة دي.”
سليم شاور لمراد يخرج ويسيبهم لوحدهم.
أول ما الباب اتقفل، سليم قام من مكانه ببطء. قرب منك، وحط كفه الدافئ على ظهر إيدك اللي كانت ماسكة الملف.
”كنتِ مرعبة…” سليم همس بها ونبرة صوته مليانة غرور وحب: “أنا ابتديت أخاف منك أكتر ما عزت خاف.”
ابتسمتِ له وبصيتِ في عينيه:
”أنت اللي علمتني… قلتلي القوة مش في الرصاصة.”
سليم مسك إيدك، ورفعتها لشفايفه، وبسها بحنية تذوب الصخر. وبعدين مسك المسدس الفضي الفاضي من على الطاولة، وحطه في جيب جاكيتك المفتوح.
”المسدس ده هيضل معاكي دايماً يا سماء…” سليم قالها بصوت دافئ ومستقر: “مش عشان تدافعي بيه عن نفسك… عشان يذكر كل واحد في البلد دي، إن الراجل اللي بيخافوا منه… مفيش حد يقدر يملكه أو يوجهه غيرك أنتِ.”
وفجأة، صوت جهاز اللاسلكي في جيب سليم أدى نغمة مشفرة وسريعة. سليم بص للشاشة… الشاشة كان مكتوب عليها رسالة واحدة من جهة مجهولة في الخارج:
“الهدف القديم صحي… والمواجهة الحقيقية تبدأ الليلة.”
سليم بص لكِ، والابتسامة اختفت من وشه، وعينيه أعلنت عن بداية معركة أشد وأكبر من كل اللي فات. أنتِ مسكتِ إيده بقوة، وهزيتِ رأسك بثبات…
السؤال اللي بيفرش نفسه في الضلمة: مين العدو السري اللي يقدر يهدد المانسترلي حتى بعد ما كسب قلبه وحربه؟ وهل الشراكة الجديدة دي بينكم هتصمد قدام الإعصار اللي جاي من بعيد؟الرسالة على شاشة اللاسلكي كانت خطيرة، أتقل من كابوس. الاسم المكتوب على الشاشة كان “الجنرال”… الكارت الأخير والوحيد اللي كان فاضل من الحرس القديم، الراجل اللي اختفى من البلد من عشر سنين وساب ورثه كله في إيدين المانسترلي قبل ما يقرر يرجع الليلة دي عشان يسترد العرش.
مراد دخل القهوة وجري على سليم، وشه يقطع الخميرة من الفزع:
”سليم بيه! موكب الجنرال اتتحرك من المطار حالاً، ومستنيينك في القصر القديم في المقطم. الراجل جمع كل حيتان السوق اللي كانوا مع عزت المنسي، ومديهم مهلة ساعة واحدة… يا إما يهدوا الإمبراطورية دي كلها بملفات الضغط، يا إما تروح له بنفسك وتسلم كل حاجة.”
سليم مسح وشه ببطء، وفي لحظة، هيبته المرعبة رجعت له، عينيه العسلية كانت زي جمرة نار. بص لمراد وقال بنبرة ملهاش تاني:
”جهّز العربيات يا مراد. الليلة دي هتكون أخر ليلة للجنرال في مصر.”
جيه يتحرك ناحية الباب، بس أنتِ وقفتِ في وشـه، وحطيتِ إيدك على صدره بثبات.
”أنا جاية معاك.”
سليم بص لكِ بنظرة خوف حقيقي، لأول مرة تشوفيه مرعوب بالمنظر ده… مش على نفسه، بس عليكِ أنتِ.
”سماء… ده مش عزت المنسي اللي نلعب معاه بالورق. ده راجل ما بيعرفش غير لغة الدم، القصر هناك ملغوم رجالة وس/لاح. خليكي هنا في أمان.”
”أماني هو إنني أكون معاك يا سليم…” قلتيها وأنتِ بتشدي على إيده بابتسامة واثقة: “أنا مش هسيبك تدخل الضلمة دي لوحدك تاني. إحنا بدأنا اللعبة دي سوا، وهننهيها سوا.”
سليم بص في عينيكي، وشاف فيهم القوة اللي كان بيدور عليها طول عمره. تنهد بقلة حيلة، بس الابتسامة المعتزة رجعت على شفايفه.
القصر القديم في المقطم كان واقف فوق الجبل زي الشبح، أنوار الشموع واللمبات الصفراء الخافتة كانت بتعكس ظل الرجالة المسلحين المنتشرين في كل حتة على الأسوار.
أبواب القصر المصفحة اتفتحت، وموكب المرسيدس دخل ببطء. نزل سليم، وأنتِ جنبه، ماسكة إيده بثبات، ولابسة المعطف الأسود وفي جيبك المسدس الفضي الفاضي.
القاعة الكبيرة كانت مليانة بكبارات السوق والوزراء القدامى، وفي صدر القاعة، على كرسي ضخم، كان قاعد “الجنرال”… راجل عجوز شعره أبيض زي التلج، عيونه ميتة مالهاش مشاعر، وفي إيده عصا أبنوس بسن ذهبي.
الجنرال بص لسليم، وبعدين زغ بعينيه عليكِ وضحك بصوت جاف زي ورق الشجر الناشف:
”أهلاً بالولد البار… سليم المانسترلي. كبرت وبقيت تحكم البلد، بس النسور لما بتكبر، بتبدأ تضعف… وواضح إنك ضعفت أوي لما بقيت تتنقل وبنت هي اللي تحميك.”
الرجالة في القاعة ضحكوا بصوت خفيض، بس سليم ما اهتزش، وقف بثبات وهو حاطط إيده في جيبه:
”النسور مش بتضعف يا جنرال… النسور بس بتعرف تختار مين اللي يستاهل يطير معاها. أنت طلبتني، وأنا جيت… اخلص، عايز إيه؟”
الجنرال قام وقف، وسند على عصايته ببطء:
”عايز الإمبراطورية ترجع لأصحابها الأصليين. التنازلات اللي المنسي وقعها تتلغي، وموانئ الملاحات ترجع تحت إيد رجالتي… وإلا، الخزنة دي مليانة تسريبات هتدمرك وهتدمر كل الكبار اللي واقفين في القاعة دي الليلة.”
الهدوء نزل على القاعة زي الس/كينة. الكل كان مستني رد سليم الموت، مستنيين المذبحة اللي هتسيل فيها الدماء على بلاط القصر.
بس أنتِ… أخدتِ خطوة لقدام، وطلعتِ من جيبك “المسدس الفضي الفاضي”.
أصوات سحب الأجزاء رنت في القاعة كلها، وعشرات الأسلحة اتوجهت لقلبك أنتِ وسليم في ثانية واحدة.
مراد وراء سليم كان هيجنن، بس أنتِ رفعتِ إيدك الثانية ببطء، وحطيتِ المسدس على الطاولة الكبيرة اللي قدام الجنرال.
”المسدس ده يا جنرال…” صوته كان بيرن في القاعة الهادية بكل ثقة: “…سليم المانسترلي حطه في إيدي وطلب مني أضربه بيه في بطنه عشان يثبتلي حبه. حط حياته كلها بين إيدي وارتضى بالموت عشان أصدقه.”
بصيتِ للجنرال وللرجال اللي واقفين خايفين في القاعة وكملتِ:
”راجل يبيع روحه وحياته عشان خاطر كلمة ثقة واحدة… تفتكروا ممكن يتهدد بشوية ورق في خزنة؟! تفتكروا راجل بالمنظر ده ممكن يخاف من س/لاحكم أو تهديدكم؟”
الجنرال اتسمر مكانه، ونظرة الذهول بدأت تتسلل لعينيه الباردة.
أنتِ مديتِ إيدك في معطفك، وطلعتِ “فلاشة صغيرة” وحطيتيها جنب المسدس الفضي.
”الأوراق اللي في خزنتك يا جنرال… اتنسخت بالكامل الساعة عشرة بالليل عن طريق أجهزة الأمن اللي تحت إيدينا. والملفات اللي تهدد بيها الناس هنا، أصبحت الليلة دي على سيرفرات النيابة العامة، ومربوطة بزرار واحد في تليفوني.”
الرجالة والكبارات اللي في القاعة بدأوا يتهامسوا برعب، ووشوشهم اصفرت.
بصيتِ للجنرال وقلتِ بابتسامة هادية بس قاطعة زي السيف:
”أنت فاكر إنك جاي تحارب سليم المانسترلي بتاع زمان… بس أنت نسيت إن سليم المانسترلي النهاردة مش لوحده. أنت قدام إمبراطورية بقيلها عقل بيخطط، وقلب ما بيبقاش.”
الجنرال بص للفلاشة، وبعدين بص للمسدس الفضي الفاضي… وأدرك في اللحظة دي إن اللعبة انتهت. القوة العسكرية والس/لاح اللي جابهم معاهم ما بقاش ليهم أي قيمة قدام العقل والدهاء اللي واقفين قدامه.
سليم قرب منك، وحط إيده على ظهرك بكل حماية وفخر، وبص للجنرال بنبرة حاسمة نزل بها الستار:
”قدامك ساعة واحدة يا جنرال… تكون بره حدود مصر كلها. لو الشمس طلعت عليك هنا، الفلاشة دي هتنزل، وعصرك يتقفل للأبد.”
الجنرال سكت للحظات طويلة، وبعدين نزل رأسه في الأرض بقوة مكسورة، وشاور لرجاله يتراجعوا. القاعة بدأت تفضى في ثواني، والكبارات جيروا ينسحبوا خوفاً من الفضيحة والنهاية.
بعد ساعة… على قمة جبل المقطم.
الهوا البارد كان بيخبط في الوجوه، وأنوار القاهرة كلها كانت مبهرة تحت رجليكم، ساحرة وممتدة لأخر الأفق.
سليم كان واقف وراكي، لافف دراعاته حوالين وسطك، وواضع دقنه على كتفك بحنية دافية طردت كل برودة الليل.
”كنتِ عظيمة الليلة دي يا سماء…” سليم همس بها وصوته مليان عشق واعتزاز: “أنا عمري ما تخيلت إن إمبراطوريتي هتكون بأمان بالمنظر ده… غير لما بقيتِ أنتِ أماني.”
أنتِ لفتِ رأسك وبصيتِ في عينيه العسلية، وضغطتِ على إيديه اللي ماسكة إيديكي:
”أنا ما عملتش غير إنني حميت الراجل اللي اختارني من بين الدنيا كلها… الراجل اللي نزل س/لاحه عشان يكسب قلبي.”
سليم طلع المسدس الفضي الفاضي من جيبه، وبص له بابتسامة هادية، وبعدين رماه بكل قوته من فوق الجبل… المسدس اختفى في ظلام الوادي تحت، وصوت اختفائه كان يعلن بداية فصل جديد تماماً.
”كده المسدس اختفى…” سليم قالها وهو بيبتسم لكِ بعيون لمعت بالدموع: “دلوقتي بقى… مفيش أي حاجة تفكرنا بالماضي.”
ابتسمتِ له وبستِ خده بحب:
”الماضي خلص يا سليم… والنهارده بدأ زمني وزمنك سوا.”
سليم شدك لحضنه أكتر، وفي لحظة السكون دي، وسط أنوار القاهرة اللي ما بتنامش، أدركتِ إن الخوف اللي كان جاحظ في قلبك اتغير لأعظم حب في حياتك… وإن الراجل اللي مصر كلها كانت بتهاب اسمه، بقى أهدى ملاك في أحضانك، وإمبراطورية المانسترلي ما بقاش ليها غير حقيقة واحدة بس… إن العشق هو القوة الوحيدة اللي تقدر تروض الوحوش وتصنع المعجزات.


