الخيوط السودا

لقيت نفسي ورا ضهره، دقات قلبي كانت مسموعة لدرجة إني حسيت إنها أعلى من صوت الهبد اللي على الباب الخشب القديم، البيت كله كان بيتهز، وشقوق الحيطان الطين كانت بتنزل تراب ناعم على روسنا. الجو اتكهرب فجأة، والنار اللي في الفرن البلدي اللي مكنتش بتطفي، اتجننت وعلت للسقف، وبقى ليها صوت زئير مرعب. الشاب اللي كان من ثواني مستكين وبيداري دماغه من الوجع، اتحول لعملاق واقفلّي زي السد، عينيه الدهبية كانت بتطلع شرار حقيقي بيقيد في الضلمة، وإيده اللي كانت بترتعش مسكت كتفي بقوة خلتني أحس بأمان غريب وسط الرعب ده كله.
”استخبي هنا ومتحركيش مهما حصل”، قالهالي بصوت واطي بس فيه نبرة آمرة مخلتش عندي مجال للمناقشة. زقني ورا زير المية الكبيير اللي في ركن العشة، وجريت استخبيت وراه وأنا بكتم نفسي بإيديا والدموع متحجرة في عيني. فجأة، الباب الخشب اتفلق نصين بضربة فأس حديد تقيلة، ودخل من الباب تلات رجال ضخام، أشكالهم متقليش عن قطاع الطرق بس لبسهم كان غريب، دروع جلد سودا مغطية صدورهم، ووشوشهم متغشية بشيلان مش باين منها غير عنيهم الشيطانية.
أول واحد دخل زعق بصوت غليظ قفل الودان: “لقيناك يا هربان.. الساحرة مب تسيبش تارها، وراس الملك هترجع للبلاد النهاردة عشان العرش يفضى للي يستاهله!”. الضحكة بتاعته كانت مقززة ومليانة غل، ورفع سيفه العريض في الهوا عشان ينزل بيه على رقبة إلياس. أنا غمضت عيني وصوت صرختي اتكتم في صدري، قولت خلاص، الولد اللي داويته هيموت قدام عيني والبيت هيتهد عليا.
بس اللي حصل خلاني أفتح عيني غصب عني من الصدمة. إلياس متحركش من مكانه، وبحركة سريعة زي لمح البصر، تفادى السيف، وجلد إيده لمع فجأة بنفس القشور الدهبية اللي كنت بشوفها بالليل. رفع إيده الفاضية وصد بيها نصل السيف الحديد! اه والله، الصدمة كانت إن السيف لما لمس جلده عمل صوت رنين معدن كأنه خبط في صخرة صوان، وماتأثرش ولا نزل منه نقطة دم واحدة. الراجل عينيه وسعت من الرعب، وقبل ما يستوعب، إلياس لفه بقبضة إيده وطيره في الهوا لبرة العشة، خبط في شجرة الجميز الكبيرة وصوته انقطع تماماً.
الاتنين التانيين بصوا لبعض برعب، وبدأوا يتراجعوا لورا وهم بيرفعوا تعاويذ غريبة ماسكينها في إيديهم، طلاسم من ورق بردي قديم بتطلع دخان أزرق ريحته تخنق. إلياس صرخ صرخة هزت أركان الغيط كله، صرخة مكنتش بشرية، كانت أقرب لفحيح تنانين أو زئير وحوش أسطورية. الدخان الأزرق لف حواليه بس النار اللي في الفرن طلعت زي السهم وبلعت الدخان في ثانية، والراجلين من الخوف رموا الس*لاح وطلوا يجروا في وسط الغيطان وضلمة الليل كأنهم شايفين عزرائيل وراهم.
الدنيا هديت فجأة، ومبقاش مسموع غير صوت الهوا اللي بيصفر وصوت نفسي العالي. إلياس لف ليا، وعينيه الدهبية بدأت تطفي تدريجياً وترجع للونها الطبيعي الهادي، وجلده رجع ناعم وبشري زي الأول. قرب مني ومد إيده النحيفة عشان يقومني من ورا الزير. أنا كنت بترعش زي الفرخة المبلولة، وبصيت لإيده بتردد قبل ما أحط إيدي في إيديه.
” إنتي كويسة؟” سألني بنبرة دافية رجعت تخليني أحس إنه الشاب الضعيف اللي كان بيموت بين إيديا من كام يوم.
هزيت راسي وأنا بحاول أجمع الكلام اللي طار من دماغي: “إنت.. إنت مين بجد؟ واللي حصل ده إيه؟ إحنا في حلم ولا أنا اتهبلت خلاص؟ تعبان بينور وسيف بيتكسر على إيدك؟ إحنا في مصر يا ابن الناس مش في كتاب حواديت!”.
ابتسم ابتسامة خفيفة فيها حزن عميق، وقعد على المصطبة الطين ودفن وشه بين إيديه: “أنا عارف إن الموضوع صدمة ليكي، بس أنا مش من العالم ده، ولا من الزمن ده. مملكتي، الدوريا، دي مكان ورا حدود وعيك، مكان السحر فيه حقيقي زي المية والهوا. الساحرة “مورغانا” غدرت بيا بمساعدة وزيري اللي كنت فاكره أخويا. عملتلي عمل أسود مسخني لتعبان وضيع ذاكرتي و رمتني في الفجوة الزمنية اللي جابتني هنا في غيطان قريتكم. ولولا إنك ضربتيني بالفرع وكسرتي السحر اللحظي اللي كان خانق روحي، كنت زماني بقيت ج*ثة أو فضلت تعبان طول عمري”.
قعدت قدامه على الأرض، منبهرة وخايفة في نفس الوقت: “طب والعمل؟ والناس اللي جم دول؟”
بصلي بجدية خلت قلبي يقف: “دول الحرس الأسود بتوع الساحرة، بيتبعوا أثري من ريحة السحر اللي في دمي. وطالما عرفوا المكان، يبقى القعدة هنا بقت خطر عليكي قبل ما تكون خطر عليا. هيموتوكي لمجرد إنك حميتيني. والحل الوحيد عشان نخلص من كل ده، إني أرجع لمملكتي وأفك اللعنة”.
”وترجع إزاي والباب مقفول واللعنة شغالة؟” سألته وأنا حاسة إن المصايب نازلة ترف فوق دماغي.
“اللعنة ليها شرط واحد عشان تتكسر، زي ما قولتلك.. لازم أتجوز بنت أحبها وتحبني بصدق، ويكون قلبها نقي لدرجة يطهر سحر مورغانا الأسود. ولما السحر يتفك، البوابة الزمنية في “مغارة السحاب” اللي في الجبل الغربي لبلدكم هتفتح، وأقدر أرجع وأرجع حقي”. نظرته في اللحظة دي كانت مركزة عليا لدرجة إني حسيت إنه بيقرا اللي في قلبي.
أنا قمت وقفت ولفيت وشي عنه: “بس أنا مجرد بنت فلاحين غلبانة، لا حيلتي ولا معايا، وأنت ملك! وبعدين حب إيه وجواز إيه اللي بيتولد في وسط ضرب النار والتعابين ده؟ أنا كل همي كان أجيب شوية حطب!”.
ضحك بصوت عالي لأول مرة، ضحكة صافية خلت العشة الضلمة تنور: “القدر مبيختارش بالصدفة يا بنت الغابة. إنتي حميتيني وأنا ضعيف، ودلوقتي جه دوري أحميكي. مفيش وقت للكلام، الحرس هيرجعوا ومعاهم مدد، لازم نمشي حالاً للجبل قبل ما الفجر يصحى والبلد تتملي بيهم”.
مكانش قدامي حل تاني. لو قعدت، الحرس هيقت*لوني، ولو مشيت معاه، أنا داخلة على المجهول. دخلت الأوضة الصغيرة، لميت شوية عيش ناشف وجبنة قديمة في قماشة، وأخدت السكينة الكبيرة بتاعت المطبخ حطيتها في حزامي، وطلعتله وأنا بمسح دموعي وعاقدة العقدة: “ماشي يا ولد الملوك.. وراك والزمن طويل، بس لو جعت في السكة ملناش دعوة بملك ومملكة، الأكل بالنص!”.
طلعنا من العشة والضلمة كانت كاحلة، المطر كان خف وبقى رذاذ ناعم بيخبط في وشوشنا. الغيط كان ساكت سكوت يخوف، حتى صوت الضفادع اللي متعودة عليه كان مقطوع، كأن الطبيعة مستنية مصيبة هتحصل. إلياس كان ماشي قدامي خطوته ثابتة وسريعة، وكل شوية يلتفت ورا يبص عليا ويتأكد إني ملاحقة عليه.
كل ما كنا بنقرب من الجبل الغربي، الجو كان بيسقع أكتر، والطريق كان بيصعب، صخور حادة بدأت تظهر وتجرح رجليا. في وسط الطريق، حسيت بحركة غريبة وسط قصب السكر اللي على يميننا. وقفت مكاني ومسكت كم جلابيته: “إلياس.. في حاجة بتهز القصب.. ومش هوا”.
هو وقف وغمض عينيه، ولمحت عروق رقبته بتزرق وتعمل ومضات خفيفة كأنه بيسمع الأرض. فجأة فتح عينيه وقال برعب: “مش حرس.. دي “أم العريف”.. المسخ اللي الساحرة بتبعتة يشم الأثر.. اجري!”.
وملحقناش نتحرك، طلع من وسط القصب كائن مشوه، شبه الكلب الضخم بس بوش بني آدم وعينين بيضا تماماً مفيهاش نني، ورجليه طويلة ورفيعة زي العنكبوت. الكائن صرخ صرخة مسرسعة خرمت ودانا ونط في الهوا باتجاهنا.
إلياس زقني بكل قوته لبعيد، واتشقلب في الأرض، المسخ نزل مكانه وحفر الأرض بضوافره الحديدية. المعركة كانت سريعة ومرعبة، إلياس كان بيتحرك برشاقتة الأسطورية، وجلده الدهبي كان بيطلع درع حماية بيصد ضربات المسخ، بس المسخ كان سريع جداً وجرح كتف إلياس جرح عميق نزل منه دم لونه فضي بيلمع في الضلمة.
لما شفت دم إلياس الفضي بيسيل على الأرض، في حاجة جوايا اتهزت. الخوف اختفى وحل محله غضب مش فاهماه. مسكت السكينة الكبيرة من حزامي، وجريت من ورا المسخ وهو مشغول بيحاول يَعَض رقبة إلياس، ونطيت على ضهره بكل غلي، وغرزت السكينة في رقبته المشوهة. المسخ أطلق صرخة موت زلزلت المكان، وبدأ يدوب ويتحول لرماد أسود ريحته شياط، لحد ما اختفى تماماً.
وقعت على الأرض وأنا بنهج، السكينة وقعت من إيدي وإيدي كانت بتموت من الرعشة. إلياس قرب مني وهو بيعرج، وماسك كتفه اللي بينزف فضة. قعد جنبي وبصلي بنظرة مليانة ذهول وإعجاب عميق: “إنتي عملتي إيه؟ إنتي موتي مسخ من أشرس مسوخ الساحرة بسكينة مطبخ؟!”.
مسحت عرق جبيني وقولت بتهتهة: “قولتلك.. إحنا بنات مصر بنستحمل، بس وقت الغضب بنهداش. وريني كتفك ده”.
قطعت حتة من شالي القماش وربطتله الجرح، ودمه الفضي كان بيلمع على إيديا، وفي اللحظة دي بالذات، حسيت بنغزة في قلبي، نغزة غريبة كأن في خيط سحري اتربط بيني وبينه، خيط ملوش علاقة بالخوف ولا بالظروف، حاجة تانية خالص بدأت تنبت وسط الطين والدم والرماد. بصينا لبعض لثواني طويلة، الشمعة اللي جواه كانت بتنور وعينيه الدهبية كانت قريبة من وشه لدرجة إني شفت انعكاس وشي الخايف فيهم.
”لازم نوصل للمغارة قبل الشروق”، قالها وصوته فيه بحة غريبة. قمنا وكملنا الطريق، ورجلينا بتغرس في صخور الجبل. وصلنا لأول المغارة مع أول خيط أبيض بيشق السما من ناحية الشرق. المغارة كانت عبارة عن فتحة ضخمة في حضن الجبل، بيطلع منها ضوء قرمزي غامق وبخار دافي وريحته زي الياسمين البري.
دخلنا جوه، وبمجرد ما خطينا عتبة المغارة، الجدار الصخري ورا البوابة اتقفل لوحده بكتلة حجرية ضخمة حبستنا جوه! المكان من جوه كان واسع كأنه قصر تحت الأرض، وفي النص كان في بحيرة مية بتغلي وبتطلع ألوان الطيف، وفوق المية عايم بلورة زجاجية ضخمة بتلف وبتطلع خيوط نور بيضا.
”هي دي البوابة الزمنية”، إلياس قالها وهو بيقرب من البحيرة، “بس مقفولة بسحر مورغانا، ومش هتفتح غير بالشرط”. لف وبصلي، وكان شكله مهيب وجميل وسط النور القرمزي: “إحنا وصلنا لنهاية الطريق البشري يا.. إنتي حتى مقولتليش اسمك إيه؟”.
ابتسمت بكسوف وقولت: “اسمي مش مهم دلوقتي يا ملك.. المهم إحنا هنعمل إيه في ورطة الجواز دي؟”.
قرب مني خطوة، ومسك إيديا الاتنين، ودقات قلبه كانت سريعة جداً: “اللعنة مش هتنكسر بكلمتين بنقولهم وخلاص.. اللعنة محتاجة عهد دم، ومحتاجة قبول حقيقي من أعماق روحك. هل إنتي مستعدة تقبلي بيا زوج وملك، وتدخلي عالمي، وتسيبي غيطانك وعشتك؟”.
بصيت لعينيه الدهبية، واشفت فيهم الصدق والأمان اللي عمري ما حسيته في حياتي، ولسه بفتح بوقي عشان أقوله “موافقة” والدموع في عيني.. فجأة السحر القرمزي اللي في المكان اتقلب للون أسود مهبب، والمية اللي في البحيرة بدأت تفور وتطلع جماجم من نار، وظهر من وسط البلورة النورانية طيف أسود ضخم لست وشها قبيح وعينيها حمرا زي الدم، وضحكت ضحكة هزت الجبل كله وقالت بصوت يشرخ الصخر: “فاكرين إنكم هتهربوا مني بالسهولة دي؟ اللعنة مش هتنكسر، لإن البنت دي مش هتعيش عشان تديك قلبها!”.
وفي ثانية، طلعت من إيد الساحرة خيوط نار سودا زي الحبال، ولفت حوالين رقبتي وترفتني في الهوا، وحسيت بنفسي بيتقطع وجسمي بيتجمد، وإلياس بيصرخ صرخة جنونية وهو بيتحول لتعبان ضخم كامل بجناحات دهبية ونط في الهوا باتجاه الساحرة.. وأنا روحي بتتسحب وعيني بتغمض، سمعت صوت انفجار زلزل المغارة كلها وخلى الصخور تقع فوقينا..الخيوط السودا كانت بتعصر في رقبتي والنفس بيهرب مني، والدنيا بدأت تضلم في عيني تماماً. بس وسط الغيم ده، كنت شيفاه.. إلياس مكنش مجرد تعبان، ده كان تنين دهبي مجنح، حراشيفه بتنور كأنها شمس صاحية في قلب المغارة. صرخته زلزلت الحيطان، ونزل بكل تقله على طيف الساحرة، وضرب جناحاته عمل موجة هوا طيرت الصخور اللي كانت نازلة فوق راسي.
الحبال السودا اتقطعت ووقعت على الأرض بنهج وبكح، الهوا رجع لصدري بيحرقني زي النار. بصيت لفوق، المعركة فوق البحيرة كانت مرعبة؛ الساحرة مورغانا كانت بتحدف كرات نار سودا زي المدافع، وإلياس بيلف حواليها بسرعة البرق، بيصد النار بجناحاته الدهبية اللي بتعمل رنين زي السكاكين. المغارة كانت بتتهد، وكل حجر يقع في البحيرة كان بيخلي المية تفور وتطلع شرار.
”مش هتلحقها يا إلياس! موتها هو قفل سجنك الأبدي هنا!”، الساحرة كانت بتصرخ بصوت يشرخ الودان وهي بتجمع طاقة سودا ضخمة من البحيرة عشان تضرب بيها إلياس ضربة قاضية.
في اللحظة دي، وأنا على الأرض وبموت من الخوف، بصيت لإلياس وهو بيحارب بكل قوته عشان يحميني، افتكرت الأيام اللي قضاها معايا، ضعيف وساكت بس حنين، وافتكرت النغزة اللي حسيتها في قلبي لما داويت جرحه. أنا مش هسيبه يموت، ومش هسيب الساحرة دي تاخده مني. قمت على رجلي بالعافية، وجريت ناحية البلورة الزجاجية اللي في نص البحيرة، النور الأبيض اللي طالع منها كان بيحرق جلدي كل ما بقرب، بس مكنش يهمني.
مسكت السكينة المطبخ اللي كانت لسه في حزامي، وصرخت بكل صوتي: “يا إلياس.. أنا بحبك ومواااافقة!” وتفيت نقطة دم من جرح ركبتي اللي اتفتح تاني على البلورة، وغرزت السكينة بكل عزمي في قلب البلورة النورانية.
البلورة اتفلقت نصين، وطلع منها شعاع نور أبيض صافي وعملاق، ضرب في سقف المغارة ولف حوالين المكان كله. الساحرة صرخت صرخة رعب حقيقية لما النور الأبيض لمس طيفها الأسود وبدأ يدوبه زي الملح في المية: “لأ.. مستحيل! قلب بشري نقي يكسر سحري؟!”. وفي ثانية، اتمحت الساحرة ومبقاش ليها أثر، والبحيرة اللي كانت بتغلي هديت وبقت ميتها صافية وزي الكريستال.
النور الأبيض لف حوالين التنين الدهبي، وبدأ الحجم يقل، والجنحة تتدارى، لحد ما نزل على الأرض ووقف على رجليه.. بس المرة دي مكنش الشاب الهزيل اللي عرفته. ده كان الملك إلياس بكامل هيبته؛ لابس درع ملكي بيبرق، وشعره ناعم بيتحرك مع الهوا، وعينيه الدهبية مليانة دفا ونور ملوش آخر.
المغارة بدأت تتفتح من فوق، والشمس بتاعت الصبح دخلت نورت المكان كله، والبوابة الزمنية ظهرت ورا البحيرة كأنها شاشة بتعرض قصر كبير وجيش واقف مستني ملكه.
إلياس قرب مني، مسك إيدي اللي كانت بتترعش، وباسها بحب واحترام كبير: “إنتي أنقذتي مملكتي.. وأنقذتي قلبي يا ملكتي”.
بصيت ورايا لآخر مرة على طريق الغيطان وبلدنا، وبعدين بصيت في عينيه وابتسمت: “الملكة مكانها جنب الملك.. يلا بينا يا ابن الملوك نشوف مملكتك دي شكلها إيه”. وأخدني من إيدي وخط those خطوتنا الأولى جوه البوابة، والشمس بتعلن بداية حياة جديدة لقصة بدأت في عشة صغيرة وسط غيطان مصر.الشمس ابتلعتهم لحظة ما عدّوا البوابة، وكل حاجة حوالين ليلى بقت بيضا كأنها واقفة جوه سحابة مالهاش آخر. مسكت إيد إلياس بقوة، وقلبها بيدق بعنف، ولما النور بدأ يهدى، فتحت عينيها على عالم عمرها ما كانت تتخيله.
قدامها امتدت مملكة كاملة، قصور من الرخام الأبيض، وأنهار بتلمع بلون الفضة، وجبال بعيدة قممها مغطاة بالثلج، بينما تنانين ضخمة بألوان مختلفة كانت بتحلق في السما في هدوء كأنها حراس للمكان.
فجأة دوّت أبواق طويلة في كل أنحاء المملكة.
“الملك رجع!.. الملك إلياس رجع!”
آلاف الناس خرجوا من الشوارع، والجنود نزلوا على ركبة واحدة، وكل العيون اتجهت ناحية إلياس. لكن الغريب إن محدش كان بيبصله لوحده… كلهم كانوا بيبصوا على ليلى كأنهم مستنيين يشوفوا مين البنت اللي رجعت معاها ملكهم.
خرج شيخ كبير لابس رداء أبيض مطرز بخيوط دهب، وكان واضح إنه كبير الحكماء. قرب بخطوات بطيئة، وبص لليلى نظرة طويلة، قبل ما ينحني قدامها.
قال بصوت كله احترام: “أخيرًا… صاحبة النبوءة وصلت.”
ليلى استغربت وبصت لإلياس. “نبوءة؟! أنا؟”
إلياس نفسه اتغيرت ملامحه. “إيه اللي بتقوله يا حكيم؟”
الحكيم رفع عصاه، وفجأة ظهر في الهوا كتاب ضخم قديم، صفحاته كانت بتتقلب لوحدها لحد ما وقفت على رسمة بنت شبه ليلى بشكل مرعب.
قال: “من ألف سنة اتكتب إن الساحرة مورغانا مش هتموت بالكامل… روحها هتتفتت لسبع شظايا، وهتستخبى في سبع أماكن مختلفة بين العوالم. واللي كسر لعنتها هيبقى الوحيد القادر يجمع الشظايا أو يمنعها ترجع من جديد.”
ليلى حسّت بقلبها وقع.
“يعني… كل اللي حصل ده مكنش النهاية؟”
الحكيم هز رأسه بحزن. “دي كانت البداية بس.”
وفي نفس اللحظة، القاعة كلها اهتزت بعنف، والنوافذ الزجاجية انفجرت مرة واحدة، وسحابة سودا غطت نص السماء.
صوت ضحكة مرعب دوّى من فوق الجبال.
“تفتكروا إنكم انتصرتوا؟”
كل الموجودين رفعوا راسهم.
في قلب السحابة ظهر وجه ضخم من الدخان الأسود، بنفس عيون مورغانا… لكنه كان أكبر وأرعب.
“أنا مجرد جزء صغير منها… أما الأصل الحقيقي، فهو لسه نايم في عالم الظلال.”
الحراس سحبوا سيوفهم، والتنانين طلعت للسما تستعد للقتال، لكن الحكيم اتجمد مكانه وهو بيهمس:
“يا إلهي… ده ملك الظلال نفسه.”
وقبل ما حد ينطق، ظهر على معصم ليلى نفس العلامة اللي كانت على البلورة، لكنها المرة دي بدأت تنور بسبعة خطوط متفرعة، وكل خط كان بيشير لاتجاه مختلف.
الحكيم بص للعلامة واتسعت عينه من الرعب.
“لا… مستحيل… الشظايا السبعة بدأت تصحى… ولو حد سبقكم ليها، مورغانا هترجع أقوى ألف مرة من الأول.”
ليلى بصت لإلياس، وهو شد على إيدها وابتسم رغم القلق اللي مالي عينيه.
“واضح إن رحلتنا الحقيقية… لسه ما بدأتش.”
وفي مكان بعيد جدًا، داخل قصر أسود مدفون تحت بحر من الضباب، اتفتحت عينان حمراوان ببطء، وارتسمت ابتسامة باردة على وجه شخص مجهول وهو يقول:
“أخيرًا… صاحبة الدم النقي وصلت إلى المملكة.”
ثم مد إيده ناحية مرآة سحرية، فظهر فيها وجه ليلى بوضوح… قبل ما تتشقق المرآة كلها، ويغرق القصر في ضحكة مخيفة هزت عالم الظلال بأك


