الورث

مرت تلات سنين كاملين على الليلة السودا دي. تلات سنين والقاهرة كلها اتغيرت، وحسين بقا اسمه ملء السمع والبصر، الجراح الشاطر اللي اتجوز بنت الحسب والنسب وفتح عيادة في المهندسين وعايش في كومباوند مقفول. بس الديرة دارت، وفي ليلة من ليالي الشتا، كان الصالون السنوي لأكبر دكاترة ومستثمري مصر شغال في فندق “الفور سيزونز” على النيل، ليلة مفيهاش مكان لغلطة، وحسين واقف لابس سموكنج شيك، وجنبه شاهندة هانم بريحتها الباريسية، وأمه قاعدة وسط الهوانم تتباهى بابنها الباشا.
كل حاجة كانت هادية لحد ما أبواب القاعة الكبيرة اتفتحت على مصراعيها، ودخل البودي جاردات يوسعوا الطريق لشخصية قلبت كيان المكان.
كانت نيرمين.
بس مش نيرمين بتاعة زمان اللي ريحتها صيدليات ولبسها باهت؛ دي نيرمين اللي داخلة بفستان أسود ملكي يجنن، وشعرها مصبوب صب، ووراها اتنين مساعدين بيبصوا في ورقها. بس مش ده اللي خطف نفس حسين وخلاه يشرق بكاس العصير اللي في إيده… اللي خطف نفس الكل هو بطنها البارزة! نيرمين كانت حامل، وفي شهورها الأخيرة.
شاهندة شهقت وصوتها طلع: “دي… دي المقشفة مرتك القديمة؟ هي دخلت هنا إزاي؟”
حسين ساب كاسه واتحرك ناحيتها وشه جايب ألوان، الغرور ركبه وقال بصوت واطي ويهدد: “أنتِ إيه اللي جابك هنا يا نيرمين؟ وبتتبلي على مين بالبطن دي؟ فاكرة هتدبسي الصيدلي اللي ضحك عليكي فيا؟”
نيرمين وقفت بثبات يهد جبال، وبصت له بنظرة باردة تجمّد الدم في العروق، وضحكت ضحكة سينمائية هزت القاعة: “أهلاً يا دكتور حسين… قصدك يا جراح وعيادتك محجوزة بالشهور؟ معلش، أصل نسيت أقولك، المستشفى الاستثماري اللي بتشتغل فيها، والكومباوند اللي ساكن فيه، وحتى العيادة اللي بتتنطط بيها… أنا اشتريت الأصول بتاعتهم الصبح وبقيت أنا صاحبة الشغل اللي بتترجى رضاه!”
أم حسين وقفت على رجليها وصوتها اتنبح: “أنتِ؟ منين يا شحاتة؟”
في اللحظة دي، دخل من ورا نيرمين راجل هيبته تخلي الكل يقف انتباه، “منصور السيوفي”… الحوت الكبير بتاع سوق الأدوية والمستشفيات في مصر، الراجل اللي عائلات القاهرة كلها بتعمله ألف حساب وبيخافوا من نظرة عينه. منصور قرب من نيرمين بكل حنان، وحط إيده على ضهرها وقال بصوت جهوري سمع القاعة كلها: “جرى إيه يا دكتور حسين؟ مش عيب تعلي صوتك في وجودي؟ ولا ميعاد شيكات الطرد اللي هتوصلك الصبح مش عاجبك؟”
حسين برق وعرقه سال: “منصور بيه! أنت… أنت إيه علاقتك بيها؟”
منصور السيوفي ابتسم ثقة وبص لنيرمين وبطنها وقال: “نيرمين هانم تبقا شريكتي والمدير التنفيذي لمجموعتي… والأهم من كده، إنها شايلة في بطنها وريث عائلة السيوفي، الولد اللي سوق الطب والدوا في مصر كله هيتحكم بأمر منه لما يكبر… الوريث اللي عيلتك كلها من اللحظة دي هتندم إنها اتنفست في يوم من الأيام قصاده!”
المطعم كله مبقاش فيه نفس يتسمع، وشاهندة حست بالدنيا بتلف بيها وأم حسين قعدت على أقرب كرسي مش قادرة تشيل طولها، وحسين واقف زي التمثال مش مستوعب إن الست اللي رماها من تلات سنين رجعت عشان تنهي مستقبله بكلمة واحدة.
نيرمين قربت من حسين خطوة واحدة، وهمست في ودنه بصوت زي الفحيح: “البدلة اللي أنت لابسها دي برضه… أنا اللي هقلعهالك، بس المرة دي باللي القانون هيعمله فيك.. اللعب يلا بدأ.”
نيرمين لفت وضهرها ليهم ومشيت بكل ثقة ووراها منصور السيوفي، والكل باصص عليها بذهول ورعب من اللي هيحصل الصبح، لأن دي مش مجرد ست راجعة تنتقم… دي نيرمين السيوفي، واللي جاي هيدمر عيلة حسين حتة حتة!الصبح طلع، والقاهرة صحت على زلزال في سوق الطب والمليارديرات.
حسين منامش دقيقة واحدة؛ قضا الليلة في صالون بيته الشيك في الكومباوند، رايح جاي وعرقه منشفش، وشاهندة قاعدة على الكنبة بتصرخ وبتلطم على وشها وتتهمه إنه دمر حياتها وجاب لها العار، وأمه نايمة في الأوضة التانية والضغط عالي عليها ومستنية الدكتور.
على الساعة تسعة الصبح، جرس الباب رن ضربات متتالية ومزعجة. حسين جرى يفتح بلهفة وهو بيتمنى يكون كل ده كابوس، بس لقى قدامه راجل لابس بدلة رسمية ومعاه اتنين أمناء شرطة، وبكل برود مَد إيده بملف واقِع عليه ختم النسر:
— دكتور حسين أرمنتا؟ معاك محضر تنفيذ من المحكمة الاقتصادية. بناءً على الدعوى المرفوعة من سيدة الأعمال نيرمين هانم، وبصفتها المالكة الجديدة لشركة الأصول العقارية، تم الحجز على الفيلا والعيادة والسيارات نتيجة مديونيات وشيكات راجعة بدون رصيد من مجموعة مستشفيات “Cárdenas” اللي أنت ضامنها… قدامكم بالضبط تلات ساعات لإخلاء المكان.
شاهندة سمعت الكلام ده وجالها هبوط صرخت في المحضر: “أنت مجنون؟ أنت عارف أنا بنت مين؟”
المحضر رد عليها بنظرة جامدة: “عارف يا فندم، وبابا حضرتك نفسه لسه متبلغ بإقالته من مجلس إدارة المستشفى الاستثماري من ساعة بالتمام والكمال.. اتفضلي وقعي هنا.”
في نفس اللحظة، في الدور الأخير من برج “السيوفي” الإداري المطل على النيل، كانت نيرمين قاعدة ورا مكتب فخم من الخشب الأبنوس، مسندة ضهرها على كرسى جلد مريح، ومبتسمة وهي بتبص على شاشات البورصة اللي بتعلن هبوط أسهم عيلة “شاهندة” للGroup الأرض.
منصور السيوفي دخل المكتب وهو شايل في إيده فنجان قهوة مضبوط، وحطه قدامها بكل احترام وتقدير، وقال بنبرة كله فخر:
— كله تم يا نيرمين هانم. عيلة “أرمنتا” و”Cárdenas” بقوا في الشارع خلاص، والبنك المركزي حظر حساباتهم بسبب قضايا النصب وكسر الشيكات اللي حركناها. حسين دلوقتي مبقاش حيلته حتى تمن المشرط اللي بيشتغل بيه.
نيرمين حطت إيدها على بطنها البارزة، وحست بحركة الجنين، فابتسمت ونظرة عينيها اتغيرت من الوجع للقوة الشديدة، وقالت بصوت هادي وواثق:
— هما لسه مشافوش حاجة يا منصور بيه. حسين افتكر إنه لما رماني في المحطة وداس على كرامتي عشان يوصل للقمة، إن الدنيا هتقف.. مكنش يعرف إن الوجع ده هو اللي خلاني أقابل حضرتك في الصيدلية القديمة لما كنت بتمر بأزمتك الصحية، وأقف جنبك بجدعنة بنت البلد لحد ما ربنا شفاك وعملنا الشراكة دي. أنا مش عايزة بس أفلّسهم.. أنا عايزة حسين يشوف عيلته وهي بتنهار قدام عينيه وهو مش قادر يعمل حاجة، زي ما سابني واقفة بطولي على الكورنيش والدموع في عيني.
تليفون نيرمين رن برقم حسين. منصور السيوفي بصلها وقال بابتسامة: “الضحية بيموت وعايز يتنفس.”
نيرمين فتحت السبيكر بكل برود، وجالها صوت حسين وهو منهار تماماً، صوته بيرتعش وبيبكي زي الأطفال:
— نيرمين.. أرجوكي يا نيرمين ارحميني! أنا غلطت، أنا كنت أعمى والغرور عماني! أمه تموت في المستشفى وشاهندة سابت البيت وطلبت الطلاق لما عرفت إني اتفضحنا.. أنا ضعت يا نيرمين، البدلة اللي قولتِلي هتقلعيهالي قلعتيهالي فعلاً وبقيت في الشارع.. افتكري أي حاجة حلوة عيشناها، افتكري السنين اللي شقيتي فيها عشاني وعشاني أنا مستعد أبوس رجلك قدام الناس كلها بس سيبلي العيادة أعيش منها!
نيرمين سمعت صوته الباكي ومتهزتش فيها شعرة، ضحكت ضحكة باردة زلزلت كيانه عبر الخط وقالت له:
— السنين اللي شقيت فيها دي يا حسين، أنا غسلت تمنها خلاص بالدموع اللي نزلت من عيني ليلتها. وأنا مش نيرمين الغلبانة بتاعة زمان.. أنا دلوقتي نيرمين السيوفي، والطفل اللي في بطني ده مش هيطلع يشوف أب قليل الأصل وخاين زيك. العيادة هتقفل، واسمك هيتشطب من نقابة الأطباء بسبب قض*ية الإهمال الطبي اللي اترفت عليك الصبح من ملفاتك القديمة اللي فتحتها.. مفيش رحمة يا دكتور.
وقبل ما يقدر يرد، قفلت السكة في وشه تماماً، وبصت لمنصور السيوفي وقالت: “يلا بينا يا منصور بيه.. عندنا اجتماع مجلس الإدارة الجديد للمستشفى، لازم نطهر المكان من ريحتهم.”
خرجت نيرمين من مكتبها بكل هيبة وشموخ، وخطواتها بتهز البلاط الرخام، وهي عارفة إنها مش بس أخدت حقها، دي كتبت سطر النهاية لعيلة كاملة داست على الغلبان، وبداية عصر جديد للوريث اللي هيحكم سوق القاهرة كله من ورا ضهر أبوه اللي بقا مجرد نكرة تحت الرصيف!بعد مرور شهرين على اليوم ده، كانت القاهرة كلها بتتكلم عن الحدث الأكبر في الأوساط الطبية؛ افتتاح “مستشفى السيوفي الدولي” في قلب المعادي، أكبر صرح طبي لعلاج الغلابة والمحتاجين بالمجان، وجنبها أحدث مركز لأبحاث وجراحة القلب.
في ليلة الافتتاح، كانت الأنوار مغرقة المكان، والعربيات الفخمة واقفة طوابير، والصحفيين والقنوات بيصوروا الحدث. وفي نص الصالة الرئيسية الفخمة، كانت نيرمين واقفة بكامل أناقتها في فستان واسع يليق بملكة، والكل بيتحايل عشان ياخد منها كلمة أو يبتسم في وشهم. منصور السيوفي كان واقف جنبها ويبصلها بفخر، والكل عارف إن نيرمين السيوفي بقت الحوت الحقيقي لسوق الدوا والطب في مصر.
وفجأة، وسط الهيصة دي كلها، نيرمين حست بالوجع.. الوجع الحقيقي اللي كانت مستنياه. مسكت في دراع منصور وقالت بابتسامة متألمة: “منصور بيه.. شكل الوريث مستعجل وعايز يحضر الافتتاح بنفسه!”
القاعة كلها اتقلبت، ودكاترة المستشفى كلهم جريوا عشان يشرفوا على ولادة سيدة أعمالهم. وفي نفس اللحظة دي، بره المستشفى على الرصيف التاني من الشارع، كان واقف راجل هدومه دبلانة، شعره شايب، وعيونه دبلانة من كتر العياط وقلة النوم.. كان حسين.
حسين اللي اتشطب من النقابة، وبقى يشتغل شيال ويسعى في الصيدليات الصغيرة عشان يجيب لقمة يومه، واقف يتفرج على شاشات العرض الكبيرة اللي بره المستشفى وهي بتنقل بث مباشر من جوه. شاف منصور السيوفي وهو خارج من الأوضة وشايل على إيده طفل زي القمر، والممرضات وراه بيزفوه، وصوت المذيع طالع في الميكروفونات يقول: “نبارك لسيدة الأعمال نيرمين هانم السيوفي بمولودها الجديد.. وريث ومستقبل عائلة السيوفي!”
حسين وقع على ركبه في الطين على الرصيف، ودموعه نازلة تحرق وشه، وبص للسما وصرخ بصوت مكتوم ومحدش حاسس بيه وسط الزحمة: “يا رب.. أنا اللي خسرت كل حاجة.. خسرت الست اللي شالتني، وخسرت ابني اللي اتولد ومن حق غيري يشيله، وخسرت اسمي وشرفي.. سامحني يا رب!”
جوه الأوضة، كانت نيرمين قايمة بالسلامة، وشايلة ابنها في حضنها، وبتبص له بحنان الدنيا كله. منصور السيوفي قرب منها وقالها: “هتسميه إيه يا نيرمين هانم؟”
نيرمين بصت للولد، وبعدها بصت من الشباك الإزاز الكبير اللي كاشف الشارع كله، ولمحت من بعيد خيال حسين وهو واقع على الرصيف زي النكرة، فابتسمت ابتسامة هادية وبصت لابنها وقالت بكل فخر وقوة: “هسميه ‘عادل’.. عشان يفتكر دايماً إن ربنا عدل، وإن الدنيا كما تدين تدان، وإن اللي بيصون الأصل بيفضل فوق، واللي بيخون بيموت تحت الرجلين.”
وقفت نيرمين وضهرها للشباك، وحضنت ابنها وهي عارفة إن صفحة الماضي اتقفلت بالضبة والمفتاح، وإنها من النهاردة مش بس أخدت حقها تالت ومتلت.. دي كتبت بأيديها بداية عصر “الوريث” اللي هيحكم سوق القاهرة كله، وهيخلي اسم “حسين” مجرد درس وعبرة لكل واحد يفكر يبيع اللي صانه!بعد مرور شهرين على اليوم ده، كانت القاهرة كلها بتتكلم عن الحدث الأكبر في الأوساط الطبية؛ افتتاح “مستشفى السيوفي الدولي” في قلب المعادي، أكبر صرح طبي لعلاج الغلابة والمحتاجين بالمجان، وجنبها أحدث مركز لأبحاث وجراحة القلب.
في ليلة الافتتاح، كانت الأنوار مغرقة المكان، والعربيات الفخمة واقفة طوابير، والصحفيين والقنوات بيصوروا الحدث. وفي نص الصالة الرئيسية الفخمة، كانت نيرمين واقفة بكامل أناقتها في فستان واسع يليق بملكة، والكل بيتحايل عشان ياخد منها كلمة أو يبتسم في وشهم. منصور السيوفي كان واقف جنبها ويبصلها بفخر، والكل عارف إن نيرمين السيوفي بقت الحوت الحقيقي لسوق الدوا والطب في مصر.
وفجأة، وسط الهيصة دي كلها، نيرمين حست بالوجع.. الوجع الحقيقي اللي كانت مستنياه. مسكت في دراع منصور وقالت بابتسامة متألمة: “منصور بيه.. شكل الوريث مستعجل وعايز يحضر الافتتاح بنفسه!”
القاعة كلها اتقلبت، ودكاترة المستشفى كلهم جريوا عشان يشرفوا على ولادة سيدة أعمالهم. وفي نفس اللحظة دي، بره المستشفى على الرصيف التاني من الشارع، كان واقف راجل هدومه دبلانة، شعره شايب، وعيونه دبلانة من كتر العياط وقلة النوم.. كان حسين.
حسين اللي اتشطب من النقابة، وبقى يشتغل شيال ويسعى في الصيدليات الصغيرة عشان يجيب لقمة يومه، واقف يتفرج على شاشات العرض الكبيرة اللي بره المستشفى وهي بتنقل بث مباشر من جوه. شاف منصور السيوفي وهو خارج من الأوضة وشايل على إيده طفل زي القمر، والممرضات وراه بيزفوه، وصوت المذيع طالع في الميكروفونات يقول: “نبارك لسيدة الأعمال نيرمين هانم السيوفي بمولودها الجديد.. وريث ومستقبل عائلة السيوفي!”
حسين وقع على ركبه في الطين على الرصيف، ودموعه نازلة تحرق وشه، وبص للسما وصرخ بصوت مكتوم ومحدش حاسس بيه وسط الزحمة: “يا رب.. أنا اللي خسرت كل حاجة.. خسرت الست اللي شالتني، وخسرت ابني اللي اتولد ومن حق غيري يشيله، وخسرت اسمي وشرفي.. سامحني يا رب!”
جوه الأوضة، كانت نيرمين قايمة بالسلامة، وشايلة ابنها في حضنها، وبتبص له بحنان الدنيا كله. منصور السيوفي قرب منها وقالها: “هتسميه إيه يا نيرمين هانم؟”
نيرمين بصت للولد، وبعدها بصت من الشباك الإزاز الكبير اللي كاشف الشارع كله، ولمحت من بعيد خيال حسين وهو واقع على الرصيف زي النكرة، فابتسمت ابتسامة هادية وبصت لابنها وقالت بكل فخر وقوة: “هسميه ‘عادل’.. عشان يفتكر دايماً إن ربنا عدل، وإن الدنيا كما تدين تدان، وإن اللي بيصون الأصل بيفضل فوق، واللي بيخون بيموت تحت الرجلين.”
وقفت نيرمين وضهرها للشباك، وحضنت ابنها وهي عارفة إن صفحة الماضي اتقفلت بالضبة والمفتاح، وإنها من النهاردة مش بس أخدت حقها تالت ومتلت.. دي كتبت بأيديها بداية عصر “الوريث” اللي هيحكم سوق القاهرة كله، وهيخلي اسم “حسين” مجرد درس وعبرة لكل واحد يفكر يبيع اللي صانه!




