الندم جه متاجر

تكملة القصة – الجزء الأول
وقفت مكاني وأنا ببص للست اللي كانت بتجري ناحية كريم، وكل خطوة منها كانت بتخلي ملامحه تتغير أكتر. وشه اصفر، وإيده بدأت ترتعش، ونظراته بقت مليانة خوف عمرى ما شوفته في عينيه قبل كده.
الغريب إن الست أول ما وصلت، ما بصتش للأطفال، ولا حتى اهتمت بوجودي… كانت كل نظراتها على كريم.
قالت وهي بتلهث: “أنا بقالي ساعة بدور عليك… لازم نمشي حالًا.”
لكن كريم ما ردش عليها.
كان واقف بيبص على التلاتة، كأنه مش قادر يصدق إنهم حقيقي.
بنتنا الصغيرة شدت في بنطلونه وقالت بابتسامة: “إنت زعلان؟”
نزل على ركبته من غير ما يحس بنفسه، ومد إيده ناحية وشها، لكن قبل ما يلمسها سحب إيده بسرعة، كأنه حاسس إنه ما يستحقش.
دمعة نزلت من عينه لأول مرة.
أنا افتكرت الراجل اللي سابني في أصعب وقت، وقال لي ببرود: “ربي الطفل لوحدك.”
وقتها ما حسش بحاجة.
لكن دلوقتي، مجرد إنه شافهم، كان بينهار.
الست بصتلي باستغراب.
“مين دول؟”
كريم أخيرًا اتكلم.
“ولادي.”
الكلمة خرجت منه بالعافية.
الست اتجمدت.
“إيه؟”
“دول… ولادي.”
فضلت تبص له شوية، وبعدها بصت للأطفال.
وفجأة قالت: “لكن… مستحيل.”
أنا استغربت.
ليه مستحيل؟
وقبل ما أسأل، كريم قال: “هشرحلك بعدين.”
لكنها زعقت فيه.
“لأ… هتشرح دلوقتي.”
الناس بدأت تبصلنا.
المطار كله تقريبًا بقى مركز مع اللي بيحصل.
أنا مسكت الأطفال وقلت بهدوء: “لو عندكم كلام خاص، إحنا هنمشي.”
لكن كريم جري ووقف قدامي.
“استني… أرجوكي.”
أول مرة أسمع منه كلمة رجاء.
قال وهو بيبص للأطفال: “أنا… ممكن أعرف أسماءهم؟”
سكت شوية.
كنت طول سنة ونص بتمنى يسمع السؤال ده.
لكن بعد فوات الأوان.
قلت: “ليان.”
وشورت على البنت.
“وده ياسين.”
وبعدين حضنت الصغير.
“وده آدم.”
كرر الأسماء كأنه بيحفظها.
“ليان… ياسين… آدم.”
وفضل يعيدهم بصوت واطي.
الست قالت بعصبية: “كريم… إحنا لازم نمشي.”
لكنه ما ردش.
كل تركيزه كان مع الأطفال.
آدم قرب منه وقال: “إنت بتعيط ليه يا عمو؟”
كلمة “يا عمو” كانت أصعب من أي حاجة.
حسيت إنها كسرت قلبه.
خفض راسه وقال: “عشان… أنا غلطت.”
آدم ابتسم.
“ماما بتقول كل واحد بيغلط.”
ضحكت غصب عني.
الأطفال فعلًا ما يعرفوش يكرهوا.
لكن الكبار…
الكبار هم اللي بيعقدوا الدنيا.
بعد دقائق، اقترحت نقعد في الكافيه اللي جوه المطار.
كنت عايزة أفهم.
مين الست دي؟
وليه كريم خاف منها بالشكل ده؟
قعدنا على ترابيزة بعيدة.
الأطفال كانوا بيلعبوا في الركن المخصص ليهم.
أما الست، فكانت باصة لي باستغراب.
قالت: “أنا اسمي ندى.”
هزيت راسي.
قالت: “وأنتِ؟”
“ريم.”
بصت لكريم.
“عايز أفهم.”
كريم خد نفس طويل.
“ندى… ريم كانت خطيبتي.”
ندى شهقت.
“إيه؟”
“وكنا مستنيين طفل.”
أنا قاطعته.
“لأ… كنا مستنيين تلاتة.”
ندى بصت له.
“يعني… إنت كنت عارف إنها حامل؟”
سكت.
السكوت كان اعتراف.
ندى بدأت تبص له بطريقة مختلفة.
قالت: “إنت قلتلي إن أول علاقة جدية في حياتك كانت معايا.”
أنا حسيت إن في حاجة أكبر.
ندى كملت: “وقلتلي إنك عمرك ما حبيت قبل كده.”
كريم نزل راسه.
أنا بدأت أفهم.
يبقى الست دي…
خطيبته.
وأكيد ما تعرفش الحقيقة.
ندى قامت واقفة.
“إنت كذبت عليا؟”
قال: “كنت خايف.”
“خايف من إيه؟”
“أخسرك.”
ضحكت بسخرية.
“وخسرت مين؟”
سكت.
ندى كانت بتنهار.
لكن اللي حصل بعدها كان أغرب.
جاله اتصال.
بص في الشاشة، واتوتر أكتر.
رفض المكالمة.
بعد ثواني…
رن تاني.
ندى قالت: “رد.”
فتح السماعة.
“أيوه.”
وفجأة وشه فقد لونه.
قام واقف.
“إزاي يعني؟!”
أنا اتخضيت.
قال بصوت عالي: “قولتلكم محدش يلمس الملفات.”
قفل المكالمة.
وبعدين حط إيده على دماغه.
ندى سألت: “في إيه؟”
رد بصوت مكسور.
“الشركة… حد سرق كل البيانات.”
أنا ما فهمتش.
لكن واضح إن مصيبة كبيرة حصلت.
قال: “لازم أروح حالًا.”
بص للأطفال.
وبعدين بص لي.
وقال لأول مرة:
“ممكن… أشوفهم تاني؟”
أنا ما جاوبتش.
لأن القرار ما كانش سهل.
الرجل اللي اختار يختفي من حياتهم، فجأة قرر يرجع.
لكن هل يستحق؟
وأنا لسه بفكر…
سمعت صوت واحد بيزعق من آخر الكافيه:
“هو هناك!”
لفينا كلنا.
أربع رجال ببدل سودا داخلين بسرعة ناحية كريم.
ملامحهم ما كانتش مريحة.
واحد منهم قال بصوت عالي:
“أستاذ كريم… لازم تيجي معانا دلوقتي.”
كريم اتراجع خطوة.
ندى همست:
“هما وصلوا؟”
أنا حسيت إن الموضوع أكبر من مجرد شركة.
الراجل قرب أكتر.
وقال:
“إحنا من إدارة مكافحة الجرائم الاقتصادية… ومعانا أمر بالقبض عليك.”
المطار كله سكت.
والأطفال بصوا علينا بخوف.
أما كريم…
فقال جملة واحدة قلبت كل الموازين:
“أنا بريء… واللي بلغ عني هو أخويا.”ساد صمت مرعب في الكافيه.
أنا فضلت باصة لكريم، مش قادرة أستوعب اللي سمعته.
“أخويا؟!”
الضابط قرب منه وقال بهدوء: “يا أستاذ كريم، إحنا مش جايين نحكم عليك، لكن لازم تيجي معانا للتحقيق.”
كريم أخد نفس عميق، وبص للأطفال للمرة الأخيرة، كأنه خايف تكون دي آخر مرة يشوفهم.
ليان جريت عليه، ومسكت صباعه.
“إنت هتمشي؟”
ركع قدامها، ومسح على شعرها وقال بصوت مكسور: “هارجع… أوعدك.”
أنا استغربت من نفسي… ليه قلبي وجعني عليه؟
يمكن لأني شفت الندم الحقيقي لأول مرة.
لكن الندم ما بيمحيش الماضي.
قبل ما الضابط يمشي بيه، كريم لف ناحيتي.
“ريم… لو حصل أي حاجة، فيه ظرف أبيض في الخزنة اللي في الفيلا… لازم توصلي له.”
قطبت حاجبي.
“ظرف؟”
“متفتحيهوش إلا لو اختفيت.”
قلت بعصبية: “إنت بتقول إيه؟”
لكن الضباط خدوه، ومشي من غير ما يرد.
ندى فضلت واقفة مكانها، ودموعها بتنزل.
قالت: “أنا كنت فاكرة إني أعرفه.”
بصيت لها.
واضح إنها اتخدعت زيه زيي.
رجعت البيت، لكن كلامه فضل بيرن في دماغي.
“لو اختفيت…”
إيه اللي ممكن يخلي إنسان يقول الجملة دي؟
حاولت أنسى، لكن بعد يومين، الأخبار انفجرت.
كل القنوات كانت بتتكلم عن رجل الأعمال كريم السيوفي.
مرة يقولوا إنه سرق مليارات.
ومرة يقولوا إنه هرب فلوس بره البلد.
ومرة يقولوا إنه نصب على مستثمرين.
لكن…
ولا خبر منهم كان فيه دليل واحد.
كنت حاسة إن في حاجة غلط.
في الليلة التالتة…
الجرس رن.
فتحت الباب.
لقيت ندى.
وشها شاحب.
وفي إيدها فلاشة صغيرة.
قالت بسرعة: “لازم ندخل.”
دخلت وهي مرعوبة.
قالت: “حد بيطاردني.”
قفلت الباب.
“في إيه؟”
قالت: “أنا اشتغلت مع كريم خمس سنين.”
استغربت.
“إزاي؟”
“أنا كنت مديرة مكتبه.”
سكتت شوية.
“ولما اتخطبنا، سبت الشغل.”
مدت لي الفلاشة.
“دي نسخة من ملفات الشركة.”
سألتها: “وفيها إيه؟”
قالت: “الحقيقة.”
فتحنا اللاب توب.
بدأنا نشوف الملفات.
كلها تحويلات مالية.
عقود.
مستندات.
لكن فجأة…
ظهر اسم متكرر عشرات المرات.
عمر السيوفي.
أنا افتكرت.
عمر…
أخو كريم.
ندى همست: “شايفة؟”
كل الفلوس كانت رايحة لحسابات باسم عمر.
لكن التوقيع…
كان مزور باسم كريم.
ندى قالت: “حد لبسه القضية.”
قلبي دق بسرعة.
يعني…
كريم كان بيقول الحقيقة.
في نفس اللحظة…
وصلت رسالة على موبايل ندى.
رقم مجهول.
فتحتها.
واتجمدنا إحنا الاتنين.
كان مكتوب فيها:
“امسحي الملفات… وإلا أولاد ريم هيدفعوا التمن.”
أنا حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
جريت على أوضة الأطفال.
لقيتهم نايمين.
حضنتهم كلهم.
أول مرة أحس إنهم في خطر.
تاني يوم الصبح، رحت السجن أزور كريم.
أول ما شافني، وقف بسرعة.
“الأطفال كويسين؟”
هزيت راسي.
قلت: “إنت بريء… صح؟”
فضل ساكت.
قلت بعصبية: “رد.”
قال: “أيوه.”
“مين عمل كده؟”
بص حواليه.
وقرب مني.
وقال بهمس:
“أخويا عمر.”
أنا اتصدمت.
“ليه؟”
قال: “أبويا كتب كل ثروته باسمي.”
“ليه؟”
“لأنه كان شايفني أقدر أحافظ عليها.”
“وعمر؟”
ابتسم بحزن.
“كان شايف إن أنا سرقت حقه.”
سكت ثانية.
ثم قال:
“لكن اللي عمره ما عرفه…”
“إيه؟”
“إن أبويا كتب وصية تانية.”
أنا شهقت.
“وصية؟”
“أيوه.”
“فين؟”
بص في عيني وقال:
“في الظرف الأبيض.”
افتكرت كلامه في المطار.
الظرف.
رجعت الفيلا لأول مرة من سنة ونص.
البيت كان زي ما هو.
كل حاجة متغطية بالتراب.
طلعت على المكتب.
لقيت الخزنة.
بعد محاولات، قدرت أفتحها.
كان فيها ظرف أبيض واحد.
مكتوب عليه بخط كبير:
“لا يُفتح إلا بواسطة ريم.”
إيدي كانت بتترعش.
فتحت الظرف.
طلع منه خطاب.
بدأت أقرأ.
لكن أول سطر خلاني أقعد على الكرسي من الصدمة.
كان مكتوب:
“لو بتقري الخطاب ده، يبقى أنا غالبًا بقيت ميت… أو في طريقي للموت.”
كمّلت القراءة ودموعي بتنزل.
كتب:
“ريم… أنا غلطت في حقك، وغلطت في حق ولادي. لكن في حاجة عمرها ما اتقالت.”
نفسي وقف.
“أنا عارف إن أخويا بيخطط يق*تلني من أكتر من سنة.”
إيدي وقعت.
وكمل:
“ولو نجح… يبقى لازم تعرفي إن الثروة كلها مش أهم حاجة… لأن الحقيقة إن ولادنا مش الورثة الوحيدين.”
اتسعت عيني.
“في طفل رابع…”
الورقة وقعت من إيدي.
مستحيل…
طفل رابع؟
لكن أنا ولدت ثلاثة فقط!
وفي نفس اللحظة…
سمعت صوت باب الفيلا بيتفتح.
حد دخل.
بصيت من الشباك.
ولقيت عمر السيوفي بنفسه واقف في الجنينة… وبيبص مباشرة ناحية الأوضة اللي أنا فيها.
يتبع في الجزء الثالث والأخير… حيث ينكشف السر الحقيقي وراء الطفل الرابع، وتأتي النهاية التي لن يتوقعها أحد.





