صرخة في المطر:

الجزء الثاني: الفخ المنصوب والسر المدفون في الشارع
مراد التهامي كان واقف والدم هرب من عروقه. العربية المرسيدس السودا اللي كان هيركبها بعد دقايق، بقت عبارة عن كتلة من الخشب المحروق والحديد المتفحم بعد ما خبرا المفرقعات فككوا القنبلة وفجروها في حتة مقطوعة.
بص للطفلة ليلى اللي كانت واقفة هدومها بتنقط مية من المطر الشديد، وجسمها كله بيتنفض من الساقعة والخوف.
مراد وطى لمستواها وبص في عينيها وقال بصوت لسه بيترعش: “أنتي مين يا بنتي؟ وإيه اللي عرفك بالناس دول؟ وليه جيتي عشاني وأنتي متعرفينيش؟”
ليلى فتحت السوستة بتاعة الجاكيت المقطع بتاعها، وطلعت كيس بلاستيك شفاف مربوط جامد عشان المية متبوظش اللي جواه. فتحته بإيدين سمر وخشنة من بهدلة الشوارع، وطلعت ورق أطرافه محروقة ومكتوب عليه بخط إيد منظم جداً.
وقالت بلهجة فيها حزن يكفي بلد: “أنا ليلى.. وأمي هي الصحفية نادية ممدوح. أمي مختفية بقالها سنة يا بيه، والورق ده هو كل اللي سابتهولي في الشنطة بتاعتها قبل ما يخدوها مني. أنا عايشة في خرابة ورا المصنع القديم، والنهاردة سمعت اتنين من اللي كانوا بيراقبوا أمي زمان واقفين تحت المظلة مستنيين المطر يخلص، وكانوا بيتكلموا عليك.. قالوا (مراد التهامي ليلته سودا والنهاردة نهايته وعربيته هتطير في الجو).. أنا شوفت صورتك مع أمي في المجلات زمان، وعرفت إنك راجل طيب، عشان كده جريت وجيتلك”.
الصدمة تلو الصدمة: خيانة من أقرب الناس
مراد أخد الورق وهو مش مصدق. نادية ممدوح! ده الاسم ده كان بيسمعه من سنتين لما بدأت شركته تدخل في مجال الطاقة الشمسية النظيفة. نادية كانت صحفية حرة ومحترمة، وكانت بتدور ورا قضايا الفساد في شركات الطاقة الكبيرة اللي بتبيع المحروقات التقليدية ومستعدة تعمل أي حاجة عشان تفشل مشروعه الجديد (شمس مصر).
مراد أخد البنت ودخلها جوه الفيلا، وطلب من الشغالة تجيب لها هدوم ناشفة وأكل سخن. وقعد في مكتبه يقرأ الورق المحروق.
كل صفحة بيقلبها كانت بتكشف مستنقع من القذارة! الصدمة الكبيرة مكنتش في الشركات المنافسة.. الصدمة كانت جوه مكتب مراد نفسه!
الورق كان فيه كشف بحسابات بنكية سرية باسم شريف علوان.. شريف ده مش مجرد مدير أعمال مراد، ده صاحبه وعشرة عمره واللي معاه مفاتيح كل الشغل. شريف مستلم ملايين الدولارات من شركتين منافسين بره وجوه البلد، والمقابل؟ تعتيم كامل على مشروع الطاقة الشمسية، وسرقة العقود، وأخيراً.. التخلص من مراد التهامي نفسه عشان المشروع يموت معاه!
في اللحظة دي، دخل شريف المكتب وعلامات الوش المخطوف باينة عليه، وحاول يبتسم ويقول: “ألف سلامة عليك يا مراد يا حبيبي! شوفت اللي حصل؟ مين ولاد الحرام اللي عايزين يقت*لوك دول؟!”
مراد بص له ببرود قاتل، وحط الورق المحروق في درج المكتب وقفل عليه، وقال له: “المجرمين سابوا خيط يا شريف.. والشرطة هتقبض عليهم في خلال ساعات. روح أنت ارتاح عشان بكره الحفلة الكبيرة بتاعة إطلاق المشروع”.
ليلة القبض على الشياطين وبداية الخطر
مراد مكنش غبي، مأظهرش أي حاجة لشريف، بس أول ما شريف خرج، كلم اللواء رفعت في مباحث أمن الدولة، وسلمه نسخة من ورق الصحفية نادية ممدوح اللي ليلى أنقذته بيه.
الشرطة بدأت تتحرك في السر، وراقبت تليفون شريف. وفي نفس الليلة، رصدوا مكالمة بينه وبين شخص مجهول بيقوله: “العملية فشلت ومراد لسه عايش! البنت الشحاتة اللي صايعة في الشوارع هي اللي بوظت كل حاجة.. لازم تخلصوا منها ومن الورق اللي معاها فوراً قبل ما مراد يوصل لحاجة!”
في الوقت ده، ليلى كانت نايمة في أوضة الضيوف في فيلا مراد، حاسة بالدفا لأول مرة من شهور. بس الفرحة متمتش.. الساعة كانت 3 بعد نص الليل، لما تسلل اتنين من الحراسة اللي شريف شاري بفلوسه، ودخلوا من باب المطبخ الخلفي.
ليلى بنومها الخفيف وحاستها اللي اتعلمتها من غدر الشوارع، سمعت حركة غريبة. فتحت عينيها شافت ضل راجل ضخم ومعاه مس*دس بكاتم صوت!
من غير ما تعمل صوت، تسحبت تحت السرير، وخرجت من الشباك بتاع الأوضة اللي كان مفتوح حتة صغيرة، ونزلت في الجنينة. المطر كان لسه بيغسل الشوارع. البنت جريت واستخبت ورا شجر الجنينة، وبصت وراها شافتهم طالعين وراها.
واحد منهم قفشها من رقبتها وكتم نفسها بقطعة قماش فيها بنج.. ليلى قاومت وضربت برجلها، بس البنج كان أقوى، وغابت عن الوعي. شالوها وحدفوها في شنطة عربية وطلعوا يجيروا في ضلمة الليل.
الاختطاف.. وذكاء بنت الشوارع
لما مراد صحي الصبح وجه يطمن على ليلى، لقى الأوضة مقلوبة والشباك مكسور، وعرف إن البنت اتخطفت. الدنيا اسودت في عينه، وحس بذنب رهيب.. البنت دي أنقذت حياته، وهو معرفش يحميها!
كلم الشرطة فوراً، وبدأت الأجهزة تتبع العربية اللي خطفتها عن طريق كاميرات المراقبة بتاعة الشوارع.
في نفس الوقت، ليلى بدأت تفوق. لقت نفسها في مخزن قديم ومهجور على أطراف طريق السويس. إيديها مربوطة بحبل ورا ضهرها، ورجليها كمان. وكان واقف بعيد عنها شريف علوان وهو بيتكلم في التليفون وبيمسح عرقه بغضب: “بقولك البنت معايا، والورق مش معاها.. مراد أكيد أخد الورق. هنعمل إيه؟ الحفلة بعد 4 ساعات، لو مراد أعلن عن المشروع ومضى العقود مع المستثمرين الأجانب، الشركات بره هتدمرنا!”
الصوت التاني على التليفون قال له: “اخلص من البنت، وروح الحفلة كأنك مش عارف حاجة، والعب الكارت الأخير.. غير ملفات العرض وحط مكانها ملفات تانية تبين إن المشروع وهمي وبيخسر، والمستثمرين هيهربوا بنفسهم”.
شريف قفل التليفون وبص لليلى بشر: “أنتي بقا اللي بوظتي شغل شهور؟ أمك غلبتنا زمان وضيعناها، وأنتي جاية تكملي مسيرتها؟”
ليلى رغم الرعب، افتكرت كلام أمها نادية: “يا ليلى، الخوف هو اللي بيخلي العدو ينتصر.. شغلي مخك دايماً”.
ليلى لاحظت إن وراها على الأرض حتة صفيحة مصدية ومكسورة من علبة سمنة قديمة. بدأت تحك الحبل اللي في إيديها بالراحة ومن غير ما تعمل صوت في الحافة الحامية بتاعة الصفيحة، وهي بتعيط وبتتظاهر بالرعب الشديد عشان تلهي شريف: “يا بيه والنبى سيبني، أنا معرفش حاجة، أنا كنت عايزة أكل وبس.. والله مش هقول حاجة لحد”.
شريف سخر منها وقال للرجالة: “خلي عيونكم عليها.. أنا رايح الحفلة، وأول ما أديكم إشارة بعد ما العرض يبوظ، تخلصوا منها وتدفنوها هنا”. وسابهم ومشي.
الهروب الكبير قبل فوات الأوان
الراجلين اللي شريف سابهم قعدوا يشربوا شاي ويلعبوا طاولة بعيد عنها. ليلى فضلت تحك الحبل بكل قوتها لدرجة إن إيديها بدأت تنزف دم، بس مأظهرتش أي ألم.. لحد ما فجأة، الحبل اتقطع!
بسرعة وبحذر فكت رجليها. المخزن كان فيه شباك عالي وصغير ومكسور الازاز بتاعه.
ليلى اتسحبت وطلعت فوق صناديق خشب قديمة، وجرحت إيدها وهي بتعدي من الإزاز المكسور، ونطت بره المخزن!
الرجالة سمعوا صوت النطة، وجريوا عليها: “البنت هربت! الحقوها!”
ليلى جريت في الصحراء وال أراضي الفاضية بكل ما أوتيت من قوة. كانت سامعة صوت خطواتهم وصراخهم وراها. ليلى بحكم عيشتها في الشارع، كانت بتعرف تستخبى في أماكن متخطرش على بال حد. دخلت جوه ماسورة مجاري قديمة وواسعة مش مستعملة، وكتمت نفسها تماماً.
المجرمين وقفوا بره يلفوا حوالين نفسهم: “راحت فين؟ دي جنية! مش باينة خالص!”
فضلوا يدوروا نص ساعة لحد ما يئسوا وافترقوا عشان يدوروا في أماكن تانية. ليلى خرجت من الماسورة وجريت على الطريق السريع، وشاورت لعربية نقل كبيرة محملة خضار رايحة ناحية القاهرة.
السواق صعبت عليه البنت اللي كلها طين ودم، ركبها معاه، وقالت له: “وديني بسرعة عند قاعة المؤتمرات الكبرى.. أرجوك يا عمو، فيه ناس هتموت!”
المواجهة الكبرى وفضح الخونة
في قاعة المؤتمرات، الأجواء كانت فخمة جداً. وزراء، مستثمرين من كل دول العالم، كاميرات تلفزيون وصحافة عالمية وعربية.
مراد التهامي كان واقف على المسرح، وشه شاحب وحزين على ليلى، بس كان لازم يكمل عشان تعب عمره وتعب الصحفية نادية ميموح ميروحش هدر.
شريف كان واقف في الكواليس، مبتسم ابتسامة النصر، وهو مغير الفلاشة اللي عليها العرض الحقيقي ومجهز العرض المزور اللي هيفضح مراد ويظهره كأنه نصاب.
مراد بدأ يتكلم: “أهلاً بيكم في مشروع (شمس مصر)، المشروع اللي هيغير خريطة الطاقة..”
وفجأة، الباب الرئيسي للقاعة اتفتح بالقوة!
دخلت ليلى! بشكلها المتبهدل، وهدومها المقطعة، وإيديها اللي بتنزف دم.. الأمن جرى يمسكها، بس مراد زعق في المايك بصوت هز القاعة: “سيبوها!! سيبوها تدخل!”
ليلى جريت على المسرح، ومراد خدها في حضنه قدام الفلاشات والكاميرات اللي بتصور وهي بتنهج وبتبكي: “يا مراد بيه.. شريف غير الفلاشة.. شريف هو اللي خطفني وكان عايز يقت*لني، وهو اللي بيبعك للشركات المنافسة وهو اللي ضيع أمي!”
القاعة كلها مقلوبة، همس وصراخ. شريف وش بقه زي الج*ثة وحاول يهرب من الباب الخلفي، بس لقى اللواء رفعت ورجال العمليات الخاصة واقفين ومحاصرين المكان بالكلاب البوليسية والأسلحة.
مراد بص لشريف بنظرة احتقار وقال في المايك: “كنت فاكرك أخويا.. بس الطمع بيمي النفوس”.
مراد طلع من جيبه الفلاشة الأصلية اللي كان شايلها معاه ومأمنها، وحطها في الجهاز. وفجأة، العرض اشتغل، بس مكنش عرض الطاقة الشمسية.. ده كان تسجيل صوتي وفيديو عالي الجودة لشريف وهو بيستلم الفلوس، وصور من المستندات والورق المحروق اللي ليلى جابته، وفيه أدلة إدانة لكل الشركاء الخاينين في الشركات المنافسة.
الشرطة دخلت القاعة وكلبشت شريف ورجالته وسط ذهول وصدمة كل الحاضرين.
دموع الانتصار وتحقيق العدالة
مراد مسك المايك وطلب من ليلى تقف جنبه. ليلى بصت للكاميرات، ولأول مرة صوتها مكنش خايف، كان قوي ويهز الجبال.
قالت للصحفيين: “أنا واقفة هنا النهاردة مش عشان أنا بطلة.. أنا واقفة هنا عشان أقول إن أمي، الصحفية نادية ممدوح، ممتتش لمجرد إنهم خفوها. أمي عاشت فيا، وعاشت في الحق اللي رجع النهاردة. الناس دي كانت فاكرة إن الفلوس تقدر تشتري كل حاجة.. تشتري الضمير، وتشتري الأرواح، وتخبي الشمس.. بس الشمس بتطلع دايماً والحقيقة مبتموتش”.
القاعة كلها وقفت وسقفت للبنت البطلة في مشهد مهيب يقشعر له الأبدان. المستثمرين الأجانب نفسهم دموعهم نزلت من شجاعة الطفلة دي.
الشرطة أخدت الاعترافات من شريف وتحت الضغط والتحقيق، اعترف على المكان اللي كانوا حاجزين فيه الصحفية نادية ممدوح في شقة سرية بالإسكندرية ومتحفظين عليها عشان ميتكشفوش.
وبعد يومين بالعدد، كانت المفاجأة الكبرى.. مراد التهامي أخد ليلى في عربيتة وراحوا لمديرية الأمن، وهناك ليلى شافت أمها نادية خارجة من باب التحقيق!
البنت رمت نفسها في حضن أمها في مشهد يبكي الصخر.. الأم بكت وحضنت بنتها وقالت لها: “كنت عارفة إنك قوية يا ليلى.. أنتي اللي حررتيني وحميتي البلد من الخونة”.
النهاية السعيدة بعد سنوات الكفاح
مراد التهامي مسبش ليلى وأمها. أمنلهم حياة كريمة، ونادية رجعت لرئاسة تحرير واحدة من أكبر المجلات الاستقصائية. ومشروع (شمس مصر) نجح وبقى يغذي البلد كلها بالطاقة النظيفة، وبقت قصة ليلى رمز للشجاعة والأمل.
مرت السنين والشهور.. ودارت الأيام، وظهرت على شاشات التلفزيون في حلقة خاصة، مذيعة وصحفية شابة، ذكية، وعينيها لمعتها قوية زي الشمس.
كانت ليلى!
ليلى كبرت وبقت صحفية محترفة، وواخدة جايزة الدولة التقديرية في الصحافة الاستقصائية.
وفي آخر لقاء ليها، سألوها: “إيه السر اللي خلاكي توصلي لكل ده بعد ما كنتي طفلة مشردة في الشارع؟”
بصت للكاميرا بابتسامة ثقة وقالت: “السر هو إنك دايماً تختار تعمل الصح حتى لو الجو مطر والدنيا ضلمة وكل الناس ضدك.. لأن بذرة الحق لو زرعتها في وسط الصخر، هتطلع شجرة وتطرح عدالة”.




