خيانه زوجية

الفصل الأول: سقوط الأقنعة ليلة الانكسار
​بقيتُ ملقاةً على الأرض، ألم شديد يمزق جانبي الأيمن حيث ارتطمتُ بحافة الخزانة الخشبية. الحرارة التي بلغت 39°C كانت تجعل عظامي كلها ترتجف، لكن الوجع الأكبر لم يكن جسديًا؛ كان ذلك الشرخ الرهيب الذي حدث في روحي وأنا أرى حماتي تضم ابنها إلى صدرها، تربت على كتفه وتمسح على رأسه وكأنه هو الضحية! هو الذي عاد لتوّه من عشاء رومانسي مع طليقته، تاركًا زوجته تصارع الموت والوجع، بل ولم يتردد في مد يده عليّ لإرضاء كبرياء أمه.
​”شايف يا رؤوف؟” صرخت حماتي وهي تشير إليّ بأصبع يرتجف من الغطرسة، “شايف اللي كنت هتموت وتتجوزها؟ بعتت سكرينات على جروب العيلة وفضحتنا قدام القاصي والداني، ودلوقتي واقفة بكل بجاحة بتتصل بمحامي عشان تسبق وتطردك من بيتك! البيت اللي طفحت فيه الدم عشان تأثثه معاها!”
​التفت إليّ رؤوف، وكانت عيناه تتطاير منهما شرارات الغضب الجاهل. لم ينظر إلى دموعي، لم يلاحظ وجهي الشاحب كالموتى، ولم يسأل نفسه للحظة: كيف لزوجة مريضة أن تصل إلى هذه الحالة من القهر؟ صرخ في وجهي بصوت زلزل أركان الشقة:
“أنتِ اتجننتي يا ضحى؟ بتفضحينا في جروب العيلة؟ وبتخططي تطرديني من البيت؟ البيت ده أنا دفع دم قلبي في تجهيزه، والستاير والسجاد والتكييفات دي كلها بفلوسي! أنتِ فاكرة نفسك إيه؟ عشان حتة بطاطس وشوية شوربة تعملي الفيلم الهندي ده كله؟”
​حاولتُ الوقوف، استندتُ على حافة الخزانة وأنا ألهث، جسدي كان يرتعش بشكل لا أستطيع السيطرة عليه. نظرتُ في عينيه، العينين اللتين طالما نظرتُ إليهما وبحثتُ فيهما عن الأمان، اللتين طالما قرأتُ فيهما وعودًا كاذبة بالحب الأبدي. قولت بصوت متحشرج ولكنه حاد كالسيف:
“شوية شوربة؟ وبطاطس؟ أنت بتختزل تلات سنين من الإهمال والاستعباط في شوية شوربة؟ أنت كنت عند طليقتك يا رؤوف! كنت بتشوي لها سمك وبتحط عليه شطة عشان هي بتحب الشطة، في نفس الساعة اللي أنا كنت بترجاك تديني بق مية ومكنتش قادر تقشر بطاطساية! أنت مش مابتفهمش في المطبخ، أنت مابتفهمش في الأصول، ومابتفهمش يعني إيه رجولة!”
​نزلت الكلمة عليه كالصاعقة. تقدم نحوي وعيناه متسعتان، لكن حماتي وقفت حائلاً بيننا، ليس خوفًا عليّ، بل خوفًا على ابنها من أن يرتكب حماقة قانونية تخرجه من المولد بلا حمص. قالت له: “سيبك منها يا حبيبي، دي واحدة مش مقدرة النعمة. سيبها في بيتها، ويلا بينا نمشي، وخلي المحامي بتاعها ينفعها. خلينا نشوف هتعيش إزاي لوحدها وهي بتموت من السخونية، وخلي كبريائها يطبخ لها الشوربة!”
​خرجا وصافرا الباب خلفهما بقوة كادت تقتلع الحائط. سقطتُ مجددًا على الأرض، أجهش بالبكاء. لم يكن بكاء ضعف، بل كان بكاء التحرر من الوهم. تذكرتُ كل كلمة حب قالها لي، تذكرتُ وعوده.
​الفصل الثاني: شريط الذكريات ووعود الزيف
​استجمعتُ قواي بعد ساعة كاملة من البكاء الصامت، زحفتُ نحو السرير وارتميتُ فوقه. أخذتُ هاتفي وضغطتُ على زر إيقاف التسجيل. كان التسجيل يحتوي على كل شيء: صوت حماتي وهي تعايرني، صوت رؤوف وهو يصرخ ويهدد، وصوت ارتطامي بالخزانة وصراخي من الألم. هذا التسجيل كان تذكرتي نحو الحرية.
​بينما كانت الحمى تأكل جسدي، طافت بي الذكريات إلى الوراء.. إلى ثلاث سنوات مضت.
يوم أن تقدم لخطبتي، كان يبدو كفارس أحلام خارج من رواية رومانسية. يتذكر أدق تفاصيلي، يكتب لي رسائل حب يومية تطيب لها القلوب. أذكر ذات مرة عندما قال لي ونحن نجلس في شرفة منزلي قبل الزواج:
​”يا ضحى، أنتِ لستِ مجرد امرأة دخلت حياتي، أنتِ الطمأنينة التي بحثتُ عنها طوال سنين عمري. زواجي الأول كان غلطة، كان جحيمًا لم أذق فيه طعم الراحة. كنتُ مع امرأة لا تعرف كيف تحتويني، أما معكِ أنتِ، فأنا أشعر أنني ولدتُ من جديد. أعدكِ أمام الله أن أضعكِ في عيني، أن أحملكِ على كفوف الراحة، وأن أكون لكِ الزوج والأب والأخ والحبيب. إذا مرضتِ سأكون طبيبكِ، وإذا حزنتِ سأكون فرحتكِ.”
​كم كانت تلك الكلمات عذبة! كم سكرتُ بخمر وعوده! كنت مستعدة لتقديم روحي فداءً له. ولأنني أحببته بصدق، لم أبخل عليه بشيء. عندما قال لي إن ظروفه المادية متعثرة بسبب مؤخر طليقته ونفقات ابنه، أخذت مدخرات عمري وقمت بشراء هذه الشقة وكتابتها باسمي بالكامل قبل عقد القران، وساهمت معه في شراء الأثاث دون أن أنطق بكلمة، بل كنت أقول له دائمًا: “مالي ومالك واحد يا حبيبي، المهم أن نكون معًا تحت سقف واحد يملأه الحب.”
​وفي السنة الثانية من زواجنا، عندما أصيب بوعكة صحية شديدة واشتبه الأطباء في إصابته بمرض خطير، كيف تصرفتُ أنا؟
لم أنم ليلتها. كنت أجلس عند قدميه، أدلكهما بالماء الدافئ، وأصلي تضرعًا لله أن يأخذ من عافيتي ويعطيه. كنت أطهو له الأطعمة الخفيفة، وأطعمه بيدي ملعقة تلو ملحقة، وأمسح جبهته بالكمادات وأنا أقول له والدموع في عيني:
“لو أصابك مكروه يا رؤوف، سينطفئ العالم في عيني. أنت نبض قلبي، ولا حياة لي بدونك.”
كان ينظر إليّ بامتنان ويقول: “أنتِ ملاكي الحارس يا ضحى، لا أدري كيف كنت سأعيش لولا وجودك.”
​لكن كل هذا الحب، كل هذه التضحيات، تبخرت وتبددت أمام حقيقة أنه كان يمارس عليّ لعبة “العجز المتعلم”. كان يمثل دور الزوج الخايب، المستهتر، الذي لا يعرف كيف يدير شؤون المنزل، فقط لكي يتهرب من مسؤولية رعايتي، ولكي يظل دائمًا هو الطرف الآخذ وأنا الطرف المعطي. أما مع طليقته، فكان يستعيد كل مهاراته، كل رجولته، وكل قدراته الخارقة في المطبخ والاهتمام، لأنه ببساطة كان ما زال يحبها، أو ربما كان يعشق دور المطارد الذي يحاول استعطاف امرأة ترفضه، بينما يضمن وجودي أنا كـ “مضمونة” في حياته، كحق مكتسب لا يزول!
​الفصل الثالث: انتفاضة الروح وبداية التخطيط
​في الصباح الباكر، استيقظتُ وجسدي ما زال واهنًا، لكن عقلي كان في قمة صفائه وتوقده. انخفضت الحرارة قليلًا بفضل المضاد الحيوي الذي تناولته ليلاً. نظرتُ إلى نفسي في المرآة؛ وجه شاحب، وعينان غائرتان، لكن فيهما بريق جديد.. بريق التحدي.
​اتصلتُ بصديقتي المقربة “ياسمين”، وهي في نفس الوقت محامية ذكية ومتخصصة في قضايا الأحوال الشخصية. حكيتُ لها كل ما حدث، وبعثتُ لها بالتسجيل الصوتي وصورة السمك المشوي التي نشرها رؤوف.
​قالت لي ياسمين بنبرة حاسمة:
“ضحى، الحمد لله إن الشقة باسمك ومن قبل الجواز، ده بيحميكِ من صراع كبير على التمكين. التسجيل اللي معاكِ ده دهب! ده بيثبت الواقعة، وبيثبت التعدي بالضرب والإهانة بحضور والدته، وده هيفيدنا جدًا في قض..ية الطلاق للضرر عشان نضمن حقوقك كاملة (المؤخر، ونفقة المتعة، والعدة). لكن قبل أي خطوة قانونية، لازم تعملي تقرير طبي فورًا في المستشفى الحكومي عشان نثبت الكدمات الناتجة عن زقّه ليكِ واصطدامك بالجزامة.”
​رغم تعبي، ارتديتُ ملابسي وذهبتُ إلى المستشفى برفقة ياسمين. تم فحصي وكتابة تقرير طبي يثبت وجود كدمات وسحجات في جانبي الأيمن وظهري. بعد ذلك، توجهنا إلى قسم الشرطة وحررنا محضرًا رسميًا بالواقعة، وأرفقنا به التقرير الطبي.
​عندما عدتُ إلى البيت، وجدتُ هدوءًا قاتلاً. الشقة التي طالما ملأتها بحركتي وصوتي وطبخي واهتمامي بدت كالقبر. جلستُ في الصالة، وبدأتُ في جمع ملابس رؤوف وأشيائه الخاصة. كنت أضعها في حقائب كبيرة بكل برود أعصاب. لم تبكِ عيني دمعة واحدة وأنا أمسك بقمصانه التي كنت أكويها بيدي بحب، أو بعطوره التي كنت أختارها له بذوقي. كل قطعة كانت تذكرني بخديعة كبرى عشتها لثلاث سنوات.
​أثناء جمعي لأشيائه، عثرتُ في درج مكتبه الصغير على دفتر مذكرات قديم. فتحته بفضول، وكانت الصدمة الثالثة التي قتلت أي أمل ضئيل في قلبي. كان كاتبًا في صفحة يعود تاريخها إلى سنة مضت، أي في منتصف زواجنا:
​”اليوم رأيتُ (نهى) طليقتي في السوق بالصدفة. كانت تبدو جميلة ورشيقة كما كانت دائمًا. قلبي دقّ بعنف وكأنني مراهق. لماذا تركتني؟ لماذا لم تستطع تحمل طباعي؟ ضحى زوجة صالحة، تفعل كل شيء من أجلي، تطبخ، تنظف، تدللني، لكنها لا تملك ذلك السحر الذي تملكه نهى. أشعر بالذنب لأنني مع ضحى بجسدي، وعقلي وروحي ما زالا معلقين هناك.. في بيتي الأول.”
​أغلقتُ الدفتر بهدوء. ابتسمتُ مرارة وسخرية. “شكراً لك يا الله”، همستُ لنفسي، “شكراً لأنك كشفت لي كل هذا وأنا ما زلت في قمة شبابي، قبل أن أنجب منه طفلاً يربطني بهذا الجحيم للأبد.”
​الفصل الرابع: لعبة الندم ومحاولات الاستعطاف
​مرت ثلاثة أيام ورؤوف غائب عن المنزل، مقيم عند أمه، ظنًا منه أنه يعاقبني بهجرانه، وأنه يتركني لأندم وأتوسل إليه ليعود. لم يكن يعلم أنني كنت أستغل كل دقيقة في ترتيب أوراقي القانونية.
​في اليوم الرابع، وبناءً على نصيحة ياسمين، قمت بتغيير كالون باب الشقة بالكامل، واستعنت بعامل ليضع قفلاً إضافيًا قويًا.
وفي المساء، تلقت حماتي وأخته صيغة الإنذار الرسمي بدعوى الطلاق للضرر، بالإضافة إلى استدعاء من النيابة العامة بخصوص محضر التعدي بالضرب. هنا، انقلبت الآية، وبدأت الأرض تزلزل تحت أقدامهم.
​في الساعة التاسعة مساءً، سمعتُ حركة عند الباب. كان أحدهم يحاول إدخال المفتاح في الكالون لكنه لا يدور. ثم بدأ الطرق على الباب بعنف. إنه رؤوف.
لم أفتح الباب، بل تحدثتُ من وراء الخشب بنبرة هادئة وثابتة:
“مين؟”
“أنا رؤوف يا ضحى! افتحي الباب ده! إيه الكالون اللي متغبر ده؟ وأنتِ إزاي ترفعي عليا قض..ية طلاق ومحضر ضرب؟ أنتِ اتجننتي رسمي؟”
​قولت له: “رؤوف، الشقة دي شقتي، وأنت مالكش حق تدخلها تاني. هدومك وحاجتك كلها متجمعة في حقائب وجاهزة، تقدر تيجي تاخدها بكره في وجود بابا وأخويا، أو هبعتهالك مع بواب العمارة. الكلام بيننا انتهى، وميعادنا في المحكمة.”
​تغيرت نبرة صوته فجأة من الغضب إلى الصدمة، ثم إلى الانكسار عندما أدرك أنني لست تلك الزوجة الضعيفة المطيعة التي كان يعرفها. بدأ يطرق بلين ويقول بصوت يحمل نبرة الرجاء:
“ضحى.. أرجوكِ افتحي. خلينا نتكلم. أنا اعترفت إني غلطت، والله العظيم كنت مضغوط. موضوع طليقتي ده كان مجرد واجب عشان خاطر ابني، هي كلمتني وقالت لي إنها تعبانة وابننا مبهدل، فروحت أساعد عشان الولد مش عشانها هي! أنتِ فاهمة غلط يا حبيبتي. أنا بحبك أنتِ، أنتِ مراتي وحبيبتي وأميرتي اللي مقدرش أعيش من غيرها.”
​ضحكتُ بصوت مسموع وصل إليه:
“بتحبني؟ الحب عندك هو إنك تصحيني خمس مرات وأنا بتموت من السخونية عشان تسألني عن تقشير البطاطس؟ الحب عندك هو إنك تسيبني عيانة وتروح تتفسح وتتعشى مع طليقتك وتنزل صورتها؟ الحب هو إنك تمد إيدك عليا وتوقعني على الأرض قدام أمك وتطلب مني أعتذر؟ لا يا رؤوف، ده مش حب. ده استغلال وأنانية مفرطة. أنت كنت شايفني مجرد خدامة مريحة بتوفرلك الأكل والشرب والبيت البلاش، وعقلك وقلبك في مكان تاني. أنا قريت مذكراتك يا رؤوف.. قريت كلامك عن نهى وسحرها وعن إني مجرد زوجة صالحة مالهاش سحر!”
​ساد الصمت لثوانٍ خلف الباب. كان الصمت صدمة واعترافًا منه بأن سره الأعمق قد كُشف. تنهد بصوت مسموع وبدأ يبكي:
“ضحى.. أنا أسف. المذكرات دي كانت قديمة، كنت مشوش في الأول. بس مع الوقت عرفت قيمتك، عرفت إنك النور اللي في حياتي. أرجوكِ لغي المحضر والقض..ية، أنا مستعد أعملك كل اللي أنتِ عايزاه. مستعد أدخل المطبخ وأطبخلك كل يوم، مستعد أبوس رجلك قدام أمي عشان تسامحيني. لا تدمري بيتنا يا ضحى، أنا بحبك، بحبك بجد!”
​سمعت كلمات الحب والندم هذه، فلم تحرك في قلبي ساكنًا. لقد مات هذا القلب بالنسبة له. الوعود التي كانت تسحرني بالأمس، أصبحت اليوم تبدو كمحاولة يائسة من صياد يحاول إبقاء فريسته في الشباك. قولت له جملة واحدة وأنهيت النقاش:
“اللي بيحب حد بيحافظ عليه وهو معاه، مش بيبكي عليه بعد ما يضيعه. ليلتك سعيدة يا ابن الناس.”
​الفصل الخامس: الحرب العائلية وسقوط الأقنعة مجددًا
​لم يستسلم رؤوف وعائلته بسهولة. بدأت الضغوط العائلية تنهال عليّ. اتصلت بي أخته “مروة” باكنة:
“يا ضحى حرام عليكي، أخويا هيروح في داهية بسبب محضر الضرب ده، وهو موظف وممكن يتفصل لو أتحكم عليه بجناية أو جنحة مخلة بالشرف. احنا أسفين، وأمي مستعدة تيجي وتعتذرلك بنفسها. بلاش تخربي بيتك وتشمّتي فينا الناس وطليقته الأولى!”
​أما حماتي، فحاولت استخدام أسلوب المكر والدهاء. أرسلت لي رسالة صوتية طويلة، تقول فيها بنبرة حنونة مصطنعة:
“يا بنتي يا ضحى، أنا زي أمك، والبيوت أسرار، ومفيش بيت بيخلو من المشاكل. رؤوف ابني بيحبك وشاري شقاكي، وهو ندمان وطول الليل عمال يبكي ومش ملاحق على الأكل ولا الشرب. سامحيه عشان خاطري، وأنا هخليه يكتبلك شيك بمبلغ كبير كترضية ليكي، بس بلاش المحاكم والفضايح.”
​لم ترد عليهم ياسمين محاميتي إلا بجملة واحدة قانونية: “التصالح في محضر الضرب مش هيتم إلا بعد الطلاق الرسمي والإبراء الكامل من كل الحقوق في مكتب المأذون، مع دفع تعويض مادي عن الأضرار النفسية والجسدية.”
​عندما علم رؤوف بشروطي، عاد إلى وجهه الحقيقي القبيح. ثارت ثائرته مجددًا وأرسل لي رسائل تهديد: “ماشي يا ضحى، طالما أنتِ عايزة تخربيها، أنا مش هطلقك وهعلقك زي البيت الوقف! ومش هتشوفي مني مليم واحد، والستاير والعفش والأجهزة دي كلها هاخدها لو على جثتي!”
​ضحكتُ وأنا أقرأ رسائله. أرسلتُ له سكرين شوت من عقد ملكية الشقة وبند واضح في القائمة يثبت أن كل الأجهزة والأثاث تم شراؤها بفواتير صادرة باسمي وبأموالي الخاصة قبل الجواز. كتبت له تحتها: “المحكمة هي اللي هتفصل بيننا يا رؤوف، وأعلى ما في خيلك اركبه.”
​الفصل السادس: المواجهة في ساحة العدالة
​مرت الشهور، وجاءت جلسة المحكمة للنظر في قض..ية الطلاق للضرر ومحضر التعدي. وقفتُ في قاعة المحكمة بكل ثقة ورأسي مرفوع. كنت أرتدي فستانًا أنيقًا باللون الأزرق، يظهر مدى استعادتي لصحتي ونضارتي بعد أن تخلصت من ذلك الهم الجاثم على صدري.
​أما رؤوف، فكان يجلس على مقعد المتهمين، يرتدي ملابس مجعدة، ووجهه شاحب وعيناه مكسورتان. كانت أمه تجلس في المقاعد الخلفية وتنظر إليّ بحقد وغل، ولكنها لم تجرؤ على نطق كلمة واحدة داخل حرم المحكمة.
​وقف المحامي الخاص بي وقدم للقاضي فلاشة (USB) تحتوي على التسجيل الصوتي، وقدم تقرير المستشفى الحكومي ومحضر الشرطة، بالإضافة إلى صور من منشورات الفيسبوك التي تثبت إهماله العمدي لزوجته المريضة وتواجده مع طليقته في نفس الوقت.
​قال المحامي بنبرة قوية هزت القاعة:
“سيدي القاضي، إن موكلتي لم تطلب الطلاق ترفًا أو لعيب بسيط، بل طلبت الطلاق لأنها تعرضت لأبشع أنواع الغدر والخديعة والاضطهاد النفسي والجسدي. المتهم لم يقصر في واجباته الزوجية جهلاً، بل قصر عمدًا وإمعانًا في إذلال زوجته التي قدمت له بيتها ومالها وصحتها. وعندما واجهته بالحقيقة، لم يجد وساطة سوى الضرب المبرح والإهانة بحضور والدته التي باركت هذا التعدي. إن بقاء موكلتي مع هذا الرجل يشكل خطرًا على حياتها وعلى سلامتها النفسية والجسدية.”
​طلب القاضي الاستماع إلى رؤوف. وقف بائسًا وقال:
“يا سيادة القاضي، أنا بحب مراتي، ومكنتش قاصد أضربها، دي كانت ساعة شيطان وهي اللي استفزتني وفضحتني قدام عيلتي. أنا مستعد أرجعها وأعيشها في أحسن حال.”
​نظر إليه القاضي بنظرة صارمة ثم قال:
“أنت تستمع لزوجتك وهي في حالة مرض شديد وتتركها دون رعاية لتذهب إلى طليقتك، ثم تمد يدك عليها؟ هل هذه هي القوامة؟ هل هذا هو الإمساك بمعروف؟”
​الفصل السابع: نهاية غرس الأمل وبداية عهد جديد (النهاية الطويلة)
​بعد عدة جلسات، أصدرت المحكمة حكمها العادل: الطلاق البائن للضرر لضحى مع إلزامه بدفع كافة مستحقاتها المالية من مؤخر ونفقة عدة ومتعة، بالإضافة إلى معاقبته بالحبس شهرًا مع إيقاف التنفيذ في قض..ية التعدي بالضرب نظرًا لعدم وجود سوابق له، ولكن الحكم ظل وصمة عار في ملفه الجنائي قد تمنعه من أي ترقية في عمله.
​يوم صدور الحكم، خرجتُ من المحكمة وأنا أشعر أنني أطير في الهواء. استنشقتُ الهواء النقي بعمق، وكأنني لم أتنفس منذ ثلاث سنوات. نظرتُ إلى السماء وشكرتُ الله من كل قلبي.
​في نفس اليوم مساءً، أقمتُ حفلة صغيرة في شقتي، دعوتُ إليها عائلتي وصديقتي ياسمين. الشقة كانت تفوح برائحة البخور والورد. لم يعد هناك أثر لرؤوف أو لأي شيء يذكرني به. كل حقائبه أرسلتها له سابقًا ولم يتبقَ هنا سوى ذكرياتي الجميلة ومستقبلي الواعد.
​جلستُ مع عائلتي نضحك ونتحدث، وقامت أمي بصنع “شوربة فراخ سخنة بالليمون والجنزبيل” خصيصًا لي. نظرتُ إلى طبق الشوربة الدافئ وتذكرتُ ليلة البطاطس الشهيرة، لكن هذه المرة لم أشعر بالوجع، بل ابتسمتُ لأن تلك الليلة كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، وكانت البداية الحقيقية لإنقاذ نفسي.
​بعد عام كامل من الطلاق، كنت قد ركزتُ في عملي بشكل كبير، وحصلتُ على ترقية متميزة في شركتي كمديرة لقسم العلاقات العامة. زاد دخلي، واشتريتُ سيارة جديدة، وسافرتُ في رحلة استجمام إلى دهب وشرم الشيخ رفقة صديقاتي. أصبحتُ أكثر جمالاً، وأكثر نضجًا، وأكثر قوة.
​وفي أحد الأيام، وأنا أسير في أحد المراكز التجارية الكبرى، رأيتُ رؤوف بالصدفة. كان يسير برفقة أمه. بدا أكبر بعشر سنوات؛ شعره غطاه الشيب، ووجهه يحمل علامات الهم والتعب. علمنا لاحقًا من معارف مشتركين أنه حاول العودة لطليقته بعد طلاقنا، لكنها رفضته تمامًا وطردته، وأنه يعيش الآن مع أمه في شقتها الضيقة، يواجه كل يوم توبيخها وسيطرتها، ولم يعد يملك لا الزوجة الصالحة المطيعة ولا الطليقة الساحرة، وخسر شقتي الفاخرة وراحتها.
​عندما رآني، توقف مكانه متفاجئًا. نظرتُ إليه بنظرة باردة، نظرة غريب لا تعرفه ولا يهمها أمره. لم أبدِ أي غضب أو شماتة، بل ابتسمتُ بلطف وتابعتُ سيري بخطوات واثقة وكعب حذائي يضرب الأرض بقوة وثبات.
​سمعتُ خلفي صوت حماتي وهي تهمس له بلوم: “شايف؟ عايشة حياتها ومبسوطة ولا همها، وأنت اللي قعدت تندب حظك.”
​أخذتُ نفسًا عميقًا وأنا أخرج إلى ساحة المركز التجاري حيث كانت أشعة الشمس الذهبية تغمر وجهي. تذكرتُ عبارة قرأتها ذات مرة في كتاب:
​”بعض الخسارات هي في الحقيقة مكاسب عظيمة متنكرة في زي وجع. عندما يغلق الله في وجهك بابًا كنت تظنه أمانك، فإنه يفعل ذلك ليحميك من سقف أوشك أن يسقط عليك.”
​نعم، خسرتُ رجلاً لم يعرف قيمتي، لكني كسبتُ نفسي، وكسبتُ كرامتي، وكسبتُ عمري الذي كان سيضيع هباءً تحت أقدام رجل أناني وأم جاحدة.
اليوم، أنا ضحى الجديدة.. امرأة لا تكسرها ليلة باردة ولا حرارة 39، امرأة تصنع دواءها بنفسها، وتعرف تمامًا متى تقلب الصفحة وتبدأ كتابًا جديدًا يملأه الحب الحقيقي.. الحب الذي يبدأ أولاً بـ حب الذات واحترامها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *