طفل رضـ,ـيع

بدأ الجيران، الذين يسكنون البيوت القريبة من النهر، يراقبونها عندما عادت تحمل الطفل بين ذراعيها. ولم تتأخر الهمسات في الانتشار:

— «انظروا إليها! إلينا لا تملك حتى ثمن دواء الروماتيزم»، قالت دونيا لوبي. «إنها حماقة. هذه المرأة على وشك الموت وتذهب لتجمع مشكلات الآخرين!»

لكن إلينا لم تعبأ. دخلت كوخها، وضعت الطفل في صندوق من الكرتون مع ملابس نظيفة رقعتها بنفسها، وعمّدته هناك بقليل من الماء المقدس الذي كانت تحتفظ به في زجاجة.

— «سأسميك دييغو»، قالت بابتسامة أزالت تجاعيدها للحظة. «دييغو، مثل من رأى العذراء الغوادالوبيّة، لأنك معجزتي وسط كل هذه القمامة.»

وهكذا، بينما أدار الحي كله ظهره لها وتوقع أن تنتهي هذه القصة بمأساة، بدأت إلينا تسخن قليلًا من الحليب في إناء مهترئ. كانت تعلم أن الحياة ستصبح أقسى، لكنها للمرة الأولى منذ عشرين عامًا، أصبحت تملك سببًا لتستمر. لم تكن تعلم كيف ستفعل ذلك، لكن ذلك الطفل سينمو مستقيمًا، حتى لو اضطرت إلى جمع آخر علبة في أواكساكا.

مرت الأيام، ثم الشهور، ثم السنوات، وتحول كوخ دونيا إلينا إلى حصن من الكرامة وسط الفقر. لم يكن تربية طفل رضيع وهي امرأة مسنّة متعبة أمرًا سهلًا، بل كانت معركة يومية لا تهدأ. كانت تستيقظ قبل الفجر، في وقتٍ لا يسمع فيه سوى نباح الكلاب البعيدة وصوت الريح الباردة، لتخرج بعربتها قبل أن تمر شاحنة القمامة. كانت تعرف أن كل دقيقة تأخير تعني خسارة ما قد يسد جوع يومٍ كامل.

كانت ركبتيها تؤلمانها، وظهرها يكاد ينكسر، لكن في كل مرة كانت تشعر أنها ستسقط، كانت تتذكر وجه دييغو الصغير وهو نائم بسلام، فيعود إليها شيء من القوة لا تعرف من أين يأتي. لم تكن تلك القوة جسدية، بل كانت شيئًا أعمق، شيئًا يشبه الإيمان بأن حياتها، رغم قسوتها، لم تعد بلا معنى.

كانت تمشي في الأزقة الموحلة، تنحني، تلتقط، تفرز،

تجمع، بينما يمر الناس بجانبها دون أن يروها حقًا. بعضهم كان يشيح بوجهه، وبعضهم كان ينظر بازدراء، وآخرون كانوا يرمقونها بنظرات شفقة ممزوجة بسخرية.
— «مسكينة إلينا…»، كانوا يقولون. «اقتربت نهايتها، ومع ذلك تحمل عبئًا ليس لها.»

لكنها لم تكن ترى في دييغو عبئًا.

كانت تراه خلاصًا.

مع مرور السنوات، لم يكن دييغو مجرد طفل تربّيه، بل أصبح جزءًا منها، امتدادًا لحياتها، معنىً لكل يوم تعيشه. كان يراقبها وهي تعمل، يقلدها، يحاول مساعدتها بطريقته الصغيرة، وكأن قلبه الصغير فهم منذ البداية أن هذه المرأة تعطيه كل ما تملك.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *