سنوات الوهم

“قـالوا لـيا إنـي عـمري مـا هكـون أم… فـصدقّت وانـهارت حيـاتي،لـكن الحـقيقة كانت أخـطر: كـل الـلي حـواليا كـانوا بيـكذبوا… وأنـا كنـت حـامل فـي تـوأم!”
الورقة كانت بتترعش في إيد هناء. مكنش برد.. كان خوف. خوف من النوع الساكت، اللي مبيصررخش بس بياكل في الروح من جوه.بقلم منــال عــلي
كانت قاعدة على كرسي المستشفى الخشب الطويل، عينيها متبتة في الكلمات اللي مطبوعة قدامها كأنها شوك بيجرح نظرها:
“عقم أولي.”
الدنيا حواليها كانت ماشية عادي.. ناس رايحة وناسة جاية، دكاترة بيتحركوا، وأجهزة بتصفر.. بس بالنسبة لـ هناء، الزمن وقف.
“إنتي فاهمة يا مدام ده معناه إيه؟”بقلم منــال عــلي
سألها الدكتور بنبرة عملية مفيهاش أي مشاعر.
مردتش.. مش عشان مش عايزة، بس عشان لسانها كان مربوط.
جنبها كان قاعد وائل.
خمس سنين.. خمس سنين حب، وخطط، وأحلام، ووعود.
خمس سنين اتمسحوا في لحظة وكأنهم مكنوش.
وائل مكنش بينطق.. لا كلمة ولا حركة. صمت تقيل.. صمت يقتل.
هناء حاولت تمسك إيده.. بس هو سحبها بسرعة وكأن لمستها بتكهربه.
“وائل..”
صوتها طلع مهزوز، مكسور.
قام وقف من غير ما يبص لها:”أنا.. أنا محتاج أفكر.”
ومشي.
كده ببساطة.. من غير سلام، من غير ما يوعدها إنه هيرجع، من غير حتى ما يلتفت وراه.
فاتت تلات أيام كانوا أطول من العمر كله. لا رسالة، ولا مكالمة، ولا تفسير.بقلم منــال عــلي
حبست نفسها في البيت، بتعيط وتفتكر.. تفتكر الليالي اللي قسموا فيها لقمة عيش بسيطة، والبيت اللي كانوا بيفرشوه في خيالهم، وفستان الفرح اللي كانت خلاص نقته.
كله ضاع.. عشان “تقرير طبي”.
في اليوم الرابع.. الجرس رن.
هناء جريت.. للحظة صدقت إنه رجع.بقلم منــال عــلي
بس مكنش وائل.. كانت أمه، الحاجة ليلى.
داخلة بهيبتها، ببرودها، بملامحها اللي زي التلج.
دخلت من غير استئذان، قعدت، وحطت “فيزا” بنك على التربيزة.
“الشنطة دي فيها مبلغ يخليكي تبدأي حياتك من جديد.”
هناء وقفت مذهولة:”يعني إيه؟”
“عيلتنا محتاجة امتداد” ردت الست بكل قسوة، “إحنا محتاجين أحفاد يشيلوا اسمنا.”بقلم منــال عــلي
الكلام كان زي الرصاص.. مباشر، ومن غير رحمة.
“إحنا بنحب بعض بقالنا خمس سنين يا طنط..”
“الحب مبيفتحش بيت ولا بيشيل اسم، العيال هي اللي بتعمل كده.”
قطعت كلامها وقامت وقفت:”متربطيش ابني بحياة ناقصة.. وائل خلاص خد قراره.”
هناء خدت نفس طويل وبصت في عينيها:”ده كلامه هو؟”
ليلى مردتش، بس عينيها كانت بتقول كل حاجة.
“هو مكنش عنده شجاعة يواجهك، فأنا جيت أقولك بالنيابة عنه.”
وصلت لحد الباب، وقبل ما تخرج رمت الكلمة اللي قضت على آخر أمل:”وائل فرحه الشهر الجاي.. والعروسة حامل.”
الباب اتقفل.. ومعاه اتقفلت صفحة حياة هناء القديمة.
بعد ست شهور.. هناء مكنتش هي نفس الست.بقلم منــال عــلي
قصت شعرها، غيرت روتينها، اتعلمت تبتسم بس من غير روح.
كانت شغالة في صمت، بتعدي الأيام وخلاص. لحد ما في يوم، مديرة الشركة طلبتها.
ست وقورة، كلامها ميزان، بصت لها بحنان وقالت:”هناء.. هسألك سؤال شخصي؟ هل تفتكري إن اتنين مكسورين ممكن يبنوا حياة مع بعض؟”
هناء سكتت، والمديرة كملت:”ابني ياسين.. مر بظروف صعبة وخسارة كبيرة، ومن وقتها قفل على نفسه. هو مش عايز عيال، وأنا عرفت حكايتك.. قولت يمكن تفهموا بعض.”
مكنش طلب، كانت عرض.. غريب بس صادق.
“من غير سقف طموحات عالي.. مجرد ونس.”
هناء فكرت.. يمكن ده اللي محتاجاه فعلاً.
“أنا موافقة أقابله.”
ياسين كان مختلف عن أي حد عرفته. هادي، رزين، بيحترم المساحات. مبيوعدش ببطولات ومبيسألش أسئلة توجع.
“إنتي متأكدة من الخطوة دي؟” سألها في أول مقابلة.
ابتسمت بتعب:”اللي زينا يا ياسين مبيبقاش قدامهم اختيارات كتير.. مش كده؟”
رد بهدوء: “خلاص.. نجرب.”
الجواز كان بسيط.. من غير زفة ولا دوشة.
الحياة كانت هادية، مريحة، ياسين كان حنين بالأفعال مش بالكلام.
ولأول مرة من سنين.. هناء حست بالأمان.
لحد ما كل حاجة اتشقلبت.بقلم منــال عــلي
بدأت تحس بتعب، دوخة، إرهاق.. قالت يمكن ضغط شغل.
لحد ما ريحة الأكل خلتها تجري على الحمام.
فكرة “مستحيلة” خطرت على بالها. جابت اختبار حمل.. وإيديها بتترعش.
استنت.. وشافت.بقلم منــال عــلي
شرطتين.. واضحين زي الشمس.بقلم منــال عــلي
مكنتش مصدقة، جريت على المستشفى، إشاعات، تحاليل.. والدكتور دخل بابتسامة:”مبروك يا مدام.”
مردتش.
“إنتي حامل في توأم.. ولد وبنت.”
الدنيا لفت بيها.بقلم منــال عــلي
إزاي؟ هي عقيمه.. وجوزها مش عايز عيال..
أكيد في حد كدب.. بس مين؟
الدكتور الأولاني؟ ولا أهل ياسين؟
الباب اتفتح، وياسين دخل. شاف ملامحها عرف إن في حاجة.
“هناء.. في إيه؟”بقلم منــال عــلي
مدت إيدها بالتحليل.. ياسين قرأه، وعينيه وسعت.
الصمت كان سيد المكان.
قعد ببطء، وحط راسه بين إيديه، وقال جملة خلت قلبها يقف:”كنت عارف إن اليوم ده هييجي يا هناء.”
هناء اتصدمت:”كنت عارف؟! يعني إيه؟”
وقبل ما ينطق بكلمة.. الجرس رن.
خبط ورزق متواصل.. ياسين وشه بقا أصفر، كأنه عارف مين اللي ورا الباب.
فتحت هناء الباب.. لقت أم ياسين واقفة، ودموعها مغرقة وشها.
“هناء.. يا بنتي.. لازم تعرفي الحقيقة اللي خبيناها عنك..”
يتبع ……



