طارق ونور

طارق فضل واقف في مكانه وسط الشارع، الجو كان ليل والهدوء مغطي المنطقة، بس جوا دماغه كانت فيه حرب شغالة. الكلمة اللي نور قالها كانت بتلف وتدور في عقله زي الإعصار: “أنا مش أول بنت تيجي الدنيا وتبوظ لها حياتها”. يعني إيه مش أول بنت؟ طارق وكاريمان متجوزين من 8 سنين، ونور هي بنتهم الوحيدة اللي خلفوها بعد سنتين من الجواز وعمليات ودكاترة. منين بقى جابت سيرة الـ 17 سنة؟ ومنين فيه بنت تانية؟
​حط نور في الكرسي الوراني بتاع العربية براحة، غطاها بجاكت كان سيبه ورا، وقفل الباب وهو حاسس إن رجليه مش شايلاه. لسه بيلف عشان يركب، لمح الست تفيدة جارتهم بتشاور له بإيد بترتعش من ورا شباك صالتها في الدور الأرضي. الست تفيدة ست عجوزة وعايشة لوحدها من سنين، وبتحب نور جداً وتعتبرها زي حفيدتها.
​طارق مشي خطوات بطيئة ناحية الشباك. الست تفيدة فتحت الشباك حتة صغيرة وهمست بصوت مبحوح ومخطوف:
“تعالي يا طارق.. تعالي يا ابني ادخل من باب البيت الصغير، لازم تشوف حاجة.. كاريمان مش سهلة، واللي بتعمله في البنت ده مش أول مرة، بس المرة دي أنا معايا الدليل اللي يوديها في داهية”.
​طارق بلع ريقه وصوته طلع متحشرج: “دليل إيه يا أمي؟”
تفيدة بصت حواليها برعب وقالت: “ادخل بس ومتضيعش وقت، البنت نايمة في العربية ومحدش في الشارع، ادخل من الباب الوراني”.
​طارق رجع بص على العربية، اتأكد إن نور قفلت عينيها من التعب والخوف، وقفل سنترال العربية بالريموت، ومشي بسرعة ودخل بيت الست تفيدة. البيت كان ريحته قديمة، ريحة بخور وكتب قديمة. تفيدة كانت قاعدة على كنبها الخشب، وماسكة في إيدها تابلت صغير شاشته مكسورة، وإيدها كانت بتترعش بشكل مش طبيعي.
​”اقعد يا طارق يا ابني، واسمعني كويس، واسترجل كده عشان اللي هتشوفه وهتسمعه محتاج راجل يشيل”.
طارق قعد على طرف الكرسي، قلبه كان بيدق لدرجة إنه حاسس إنه هيطلع من بين ضلوعه: “في إيه يا ست تفيدة؟ نشفتي دمي، كاريمان عملت إيه تاني؟”
​تفيدة فتحت فيديو على التابلت وشاورت لطارق يبص. الفيديو كان متصور من شباك تفيدة اللي كاشف حتة من منور بيت طارق وباب المطبخ اللي بيفتح على المنور. الفيديو كان من يومين بالظبط، العصر. ظهرت فيه كاريمان وهي بتجر نور من شعرها بغل مش ممكن يكون في قلب أم. نور كانت بتصرخ وبتستعطفها: “حرمت يا ماما.. والله حرمت.. مش هعمل كده تاني”.
بس كاريمان ما كانتش بتسمع، كانت بتضربها بخرطوم الغسالة على ضهرها، ونور بتلف وتتلوى من الألم لحد ما اتخبطت في حافة الدولاب الصغير اللي في المطبخ، وهي دي الخبطة اللي عملت العلامة الطولية الكبيرة.
​طارق وهو بيشوف الفيديو، دموعه نزلت غصب عنه، سنانه كزت على بعضها لحد ما كان هيتكسروا، وقام وقف وهو بيزعق بصوت مكتوم: “بنت الـ… بتضرب بنتي كده؟ وأنا زي المغفل مسافر وشقيان عشان أأمن لهم مستقبلهم؟ أنا هطلع أطربق الشقة على دماغها دلوقتي!”
​تفيدة مسكته من كم قميصه بقوة مكش متخيل إنها في الست العجوزة دي: “اقعد يا طارق! اقعد واهدى! الضرب ده كوم.. واللي هتعرفه دلوقتي كوم تاني خالص. الضرب ده غل قديم.. غل ملوش علاقة بنور اصلاً. اسمع الفيديو للآخر.. اسمع كاريمان كانت بتقول إيه وهي بتضربها”.
​طارق قعد تاني وعينيه مركزة في الشاشة. في نهاية الفيديو، بعد ما نور وقعت على الأرض ومش قادرة تتحرك، كاريمان وطت عليها، وشها كان ماليان غضب وجنون، وقالت لها بنبرة فحيح زي التعبان:
“انتي فاكرة نفسك هتكسريني؟ فاكرة دموعك دي هتشفع لك؟ أنا دفنت أختك من 17 سنة ومتهزتليش شعرة، ومحدش عرف طريقها ولا ه يعرف، وانتي لو ما اتلميتيش، هحصلك بيها.. أنا مبتهددش من عيال!”
​الموبايل وقع من إيد طارق على السجادة. الدنيا لفت بيه. شريط حياته كله مع كاريمان مر قدام عينيه في ثانية. 17 سنة؟ كاريمان لما اتجوزها من 8 سنين، كانت جاية له على أساس إنها بنت بنوت، عذراء، وماتجوزتش قبل كده، وعيلتها ناس طيبين على قد حالهم في طنطا. أخت مين اللي اتدفنت من 17 سنة؟ وكاريمان كان عندها كام سنة من 17 سنة؟ كان عندها حوالي 18 أو 19 سنة!
​طارق بص للست تفيدة وهو مش مستوعب: “أمي.. الكلام ده معناه إيه؟ كاريمان كان ليها بنت قبل ما تتجوزني؟”
تفيدة هزت رأسها بأسى: “أنا معرفش يا ابني.. بس الكلام ميكدبش. كاريمان مش الست الهادية اللطيفة اللي بتوريهالك. كاريمان وراها سر أسود. من يوم ما سكنتوا هنا من 6 سنين وأنا بلاحظ عليها حاجات غريبة. ساعات بتجيلها نوبات عياط وصريخ لوحدها لما تكون إنت مسافر، وساعات تانية بشوف ناس غريبة بتجيلها تحت البيت وتمشي بسرعة. والنهاردة لما سمعت الكلمة دي، قلبي وجعني.. البنت نور متبهدلة مع الست دي، والست دي مش طبيعية”.
​طارق قام وقف، ملامح وش الصدمة اختفت وظهر مكانها ملامح راجل ناوي على شر، راجل اتخدع في شرفه وفي بنته وفي حياته كلها.
أخد التابلت من تفيدة وقالها: “الفيديو ده يفضل معايا يا أمي. أنا هاخد نور دلوقتي على المستشفى أعمل لها تقرير طبي، وبعدين هعرف إزاي أجيب قرار الست دي”.
​تفيدة دعت له: “ربنا ينصرك يا ابني ويحمي البنت الغلبانة.. بس اوعى تتهور، كاريمان لو حست إنك عرفت حاجة، ممكن تعمل أي حاجة تؤذي بيها نور”.
​طارق خرج من بيت تفيدة، ركب عربيته، وبص على نور اللي كانت نايمة ودموعها ناشفة على خدودها. دور العربية وطلع بيها على مستشفى أم المصريين. طول الطريق، عقله كان شغال زي الآلة الحاسبة. 17 سنة.. يعني سنة 2009. كاريمان في 2009 كانت لسه في أولى أو تانية جامعة. إيه اللي حصل في السنة دي؟
​وصل المستشفى، ودخل بنته الاستقبال. الدكاترة لما شافوا الكدمة وعلامة الخرطوم، وشوشهم اتغيرت. الدكتورة النبطشية بصت لطارق بشك وقالت له: “الطفلة دي متعرضة لضرب مبرح وتعذيب يا فندم.. إحنا مجبرين نعمل محضر تعدي”.
طارق رد بثبات وهدوء يخوف: “اعملي المحضر يا دكتورة.. وأنا اللي ه Chainsaw (أوقع) على المحضر ده بنفسي.. واكتبي كل حاجة في التقرير بالتفصيل”.
​بعد ساعتين، كانت نور اتعلق لها محاليل وأخدت مسكنات، ونامت في أوضة في المستشفى تحت حراسة عينه. طارق قعد على الكرسي برا الأوضة، طلع موبايله، وطلب رقم “سامح”. سامح ده صاحبه من أيام الطفولة، وشغال رائد في المباحث الجنائية.
سامح رد بصوت كبس عليه النوم: “إيه يا طارق؟ إنت رجعت من السفر ولا لسه؟”
طارق صوته كان ناشف: “سامح.. أنا في مصيبة، ومحتاجك كأخ مش كظابط دلوقتي”.
سامح فاق فجأة: “في إيه يا صاحبي؟ نور جرى لها حاجة؟”
طارق: “نور في المستشفى.. أمها ضربتها لدرجة بغتة.. بس مش دي المصيبة الكبيرة. أنا معايا تسجيل لكاريمان بتعترف فيه بجر يمة حصلت من 17 سنة.. بتقول إنها دفنت بنت!”
​الخط قطع ثواني من الصدمة، وسامح رد بنبرة جادة تماماً: “إنت بتقول إيه يا طارق؟ إنت متأكد من الكلام ده؟”
طارق: “معايا فيديو وصوتها واضح وزي الفل.. أنا محتاج أعرف كل حاجة عن تاريخ كاريمان قبل ما تتجوزني. كل حاجة يا سامح.. من يوم ما اتولدت في طنطا لحد ما دخلت بيتي”.
سامح: “تمام.. هات لي اسمها بالكامل ورقمها القومي، وأنا الصبح هقلب لك الدنيا في السجل المدني وفي دفاتر الأقسام القديمة في الغربية. بس إنت دلوقتي فين؟”
طارق: “أنا في المستشفى مع نور، ومش هسيبها.. وكاريمان فاكرة إني سيبت البيت ومش راجع”.
سامح: “خليك مكانك ومتتحركش، ومتحتكش بيها خالص لحد ما أشوف السجل فيه إيه”.
​مرت الليلة دي على طارق كأنها مية سنة. كان بيدخل كل شوية يبص على نور، يمسد على شعرها ويدمع. إزاي قدر يعيش مع الست دي 8 سنين وميعرفش حقيقتها؟ كاريمان كانت دايماً بتبان الست العاقلة، الانطوائية شوية، اللي ملهاش أصحاب كتير، ودايماً كانت ترفض تروح طنطا تزور أهلها، وكانت بتقول إن علاقتها بيهم انقطعت من بعد ما أبوها مات وأمها اتجوزت راجل تاني. طارق وقتها صدقها واعتبر ده كبرياء وعزة نفس، ومحبش يضغط عليها. لكن دلوقتي.. كل حاجة بقى لها تفسير تاني.. تفسير مرعب.
​ثاني يوم الصبح، الساعة عشرة، موبايل طارق رن. كان سامح.
طارق رد بسرعة: “إيه يا سامح؟ وصلت لحاجة؟”
صوت سامح كان غريب، مشحون بذهول وقلق: “طارق.. إنت قاعد فين دلوقتي؟”
طارق: “قاعد في كافتيريا المستشفى.. انطق يا سامح في إيه؟”
سامح تنهد تنهيدة طويلة وقال: “الموضوع أكبر وأسود مما تتخيل يا صاحبي. كاريمان مكنش اسمها كاريمان بس في الدفاتر القديمة.. كاريمان سنة 2009 دخلت مستشفى طنطا الجامعي بحالة نزيف حاد.. ناتجة عن عملية إجهاض أو ولادة غير شرعية في الشهر السابع!”
​طارق حس إن الأرض بتهتز تحته: “ولادة؟”
سامح كمل: “التقرير القديم اللي قدرت أوصل له من دفاتر القسم هناك بيقول إنها كانت طالبة في الجامعة، وأهلها جابوها المستشفى وهي بتموت. المحضر وقتها اتقفل عشان أبوها كتب إقرار إنها سقطت لوحدها نتيجة هبوط في الدورة الدموية ومحبوش يعملوا فضيحة.. لكن الغريب مش هنا.. الغريب إن في نفس السنة، بعد المحضر ده بشهرين، فيه بلاغ اتقدم من جيران أهل كاريمان عن اختفاء طفلة رضيعة كانت والدتها (أخت كاريمان الكبيرة اللي ماتت في حادثة).. بس الجيران في أقوالهم قالوا إنهم شاكين إن كاريمان هي اللي خدت الطفلة دي والتهمتها.. والبلاغ ده اتحفظ لعدم كفاية الأدلة لأن مفيش ج.ثة ومفيش إثبات!”
​طارق مسك دماغه اللي كانت هتنفجر: “يعني كاريمان ولدت ولد غير شرعي؟ ولا خدت بنت أختها؟”
سامح: “الفيديو اللي معاك بتقول فيه (أنا دفنت أختك من 17 سنة).. البلاغ بتاع 2009 كان عن بنت أختها الرضيعة اللي اختفت.. كاريمان كانت مسؤولة عن رعايتها بعد وفاة أختها.. والطفلة دي اختفت تماماً وأهلها قالوا إنها ماتت في المستشفى بس مفيش شهادة وفاة طلعت للطفلة دي في السجلات!”
​طارق وقف على رجليه، وعينيه بقت تطلع شرار: “الكلبة.. قتلت الرضيعة ودفنتها عشان تداري فضيحتها أو تخلص من شيلتها؟”
سامح: “ده اللي إحنا لازم نثبته.. أنا هتحرك دلوقتي بقوة من القسم، وهجيب إذن نيابة بضبط وإحضار كاريمان بناءً على المحضر الطبي بتاع نور وفيديو جارتكم. إنت خليك في المستشفى متتحركش”.
​طارق قفل مع سامح، بس نار الغضب مكنتش قادرة تخليه يقعد ساكت. ساب نور مع الممرضة وخرج من المستشفى وركب عربيته وطار على الشقة. كان عايز يواجهها.. كان عايز يشوف وشها وهي بتنكشف قدامه.
​وصل العمارة، طلع السلم بسرعة وجنون، فتح باب الشقة بالمفتاح ودخل. الشقة كانت هادية ومظلمة. دخل غرفة النوم، لقى كاريمان قاعدة على السرير، ماسكة مج النسكافيه وبتبص من الشباك بكل برود، كأن مفيش أي حاجة حصلت.
أول ما شافته، لوحت بإيدها بسخرية: “ورجعت تاني؟ مش قلت مش راجع؟ فين الهانم الصغيرة؟”
​طارق قرب منها بخطوات زي خطوات النمر، ملامحه كانت خالية من أي تعبير، وده اللي رعب كاريمان لأول مرة. وقفت على السرير وقالت: “في إيه؟ بتبص لي كده ليه؟”
طارق طلع الموبايل وشغل الفيديو، وحطه قدام وشها. صراخ نور وصوت الضرب ملا الأوضة، لحد ما جه المقطع الأخير: “أنا دفنت أختك من 17 سنة ومتهزتليش شعرة…”
​أول ما الصوت ده طلع، مج النسكافيه وقع من إيد كاريمان واتكسر ميت حتة على الأرض. وشها اتقلب وبقى لونه أصفر زي الليمونة، وشفايفها بدأت تترعش: “ده.. ده فوتوشوب.. ده صوت متفبرك!”
​طارق ضحك ضحكة مكتومة، مرعبة، وقرب من وشها لدرجة إنها بقت سامعة نفس الحامي: “فوتوشوب؟ والتقرير الطبي اللي في المستشفى فوتوشوب؟ ومحضر الشرطة اللي شغال دلوقتي فوتوشوب؟ وسجلات مستشفى طنطا الجامعي بتاعة سنة 2009 فوتوشوب يا كاريمان؟”
​لما سمعت كلمة “طنطا الجامعي و2009″، كاريمان رجليها خارت وقعدت على السرير، عينيها بقت تروح وتيجي في الأوضة زي المجنونة.
طارق زعق بصوت هز جدران الشقة: “انطقيييي!! قت لتي بنت أختك ليه؟ ودفنتيها فين يا مجرمة؟”
​كاريمان حطت إيدها على ودانها وصرحت: “مكانتش بنت أختي!! مكانتش بنت أختي!!”
طارق مسكها من كتافها وهزها بعنف: “أمال كانت مين؟ انطقي قبل ما البوليس يجي ياخدك من هنا على المشنقة!”
​كاريمان بدأت تعيط بهستيريا، وبين شهقاتها بدأت تتكلم، والسر الأسود بدأ ينكشف بالكامل:
“كانت بنتي أنا!! بنتي أنا من غلطة.. غلطة في الجامعة مع واحد ضحك عليا وسابني ومشي.. لما ولدت في الشهر السابع في مستشفى طنطا، أبويا الله يرحمه حب يداري الفضيحة، أختي الكبيرة كانت متجوزة في قاهرة ومبتخلفش، أخدت البنت وسجلتها باسمها عشان تحميني! بس البنت كانت دايماً بتفكرني بغلطتي.. كانت دايماً بتبص لي بعيون الراجل اللي دمرني.. بعد سنتين أختي ماتت في حادثة، والبنت رجعت لي تاني.. مكنتش قادرة أستحملها.. مكنتش قادرة أشوفها!”
​طارق كان بيسمع وهو مش مصدق البشاعة: “عملتي فيها إيه؟”
كاريمان رفعت وشها، وعينيها كان فيها نظرة جنون مخيفة: “مكانش قصدي أقتلها.. كانت بتعيط.. بتعيط كتير قوي وزي نور.. بتدلق الحاجات وتكسر البيت.. في يوم زهقت منها.. كتمت نفسها بالمخدة عشان تسكت.. سكتت خالص ومقامتش تاني.. أبويا أخد الج.ثة ودفنها في أرضنا القديمة في البلد.. وكتبنا في المحضر إن البنت اختفت.. ومحدش عرف السر ده.. محدش عرفه وافتكرت إني خلاص نجوت!”
​طارق تراجع لورا وهو حاسس بقرف واشمئزاز مشافوش في حياته. الست دي مش بس مريضة.. دي شيطان في صورة بني آدم.
وفي اللحظة دي، سمعوا صوت سرينة بو ليس قوية تحت العمارة، وصوت خطوات جري سريعة على السلم.
كاريمان بصت لطارق برعب: “طارق.. ارجوك.. متسلمنيش.. أنا عملت كل ده عشان أحمي نفسي.. عشان أعيش معاك نضيفة!”
​طارق بص لها بنظرة احتقار أخيرة وقالها: “إنتي عمرك ما كنتي نضيفة.. وإنتي مش هتشوفي الشارع تاني”.
الباب اتكسر، ودخل سامح ومعاه القوة. كاريمان بدأت تصرخ وتخربش في وشها وهي بتتقاد بالكلبشات، والجيران كلهم كانوا واقفين على السلم بيتفرجوا بذهول وصدمة من الست الهادية اللي طلعت قاتلة.
​طارق نزل وراهم، ركب عربيته ورجع المستشفى لنور. دخل الأوضة، لقى نور صاحية وبتبص من الشباك. أول ما شافته، عينيها لمعت.
قرب منها واخدها في حضنه جامد، حضن قوي كان محروم منه من سنين بسبب خوفها.
نور همست له: “بابا.. هي ماما هتيجي تاني؟”
طارق باس رأسها وقال وعينيه مليانة دموع: “لأ يا قلب بابا.. ماما مش هتيجي تاني أبداً.. من النهاردة مفيش خوف.. ومن النهاردة إحنا مع بعض علطول”.
​طارق أخد نور وخرجوا من المستشفى عشان يبدأوا حياة جديدة، حياة مفيهاش أسرار ولا خوف. بس وهو سايق العربية وباصص لنور في المراية، رن موبايله برقم غريب.. رقم من برا مصر.
طارق رد: “ألو؟”
جاءه صوت راجل غامض، نبرته هادية بس مرعبة: “طارق Aguilar؟ إنت فاكر إن الموضوع خلص بمجرد إن كاريمان اتقبض عليها؟ السر اللي اتدفن من 17 سنة مكنش بس جث..ة الطفلة.. كاريمان مكانتش لوحدها في الليلة دي.. والبنت اللي ماتت.. مكانتش بنتها هي بس.. أنا راجع مصر بكره.. وجهز نفسك عشان الحساب الحقيقي لسه هيبدأ!”
​الخط قطع.. وطارق حس برعشة غريبة هزت جسمه كله. بص لنور اللي كانت بتضحك وهي باصة من الشباك، وعرف إن الكابوس مخلصش.. الكابوس يادوب أخد شكل جديد وأخطر!طارق فضل ماسك الموبايل في إيده وهو مش مصدق. الصوت كان فيه نبرة ثقة وثبات تخوف، نبرة حد عارف هو بيقول إيه ومخطط لكل خطوة. طارق بص لنور في المراية، لقاها بدأت تغمض عينيها تاني من تأثير المسكنات. سكت خالص ومحبش يبين أي قلق عشان البنت متتعبش أكتر، وداس بنزين وطلع على بيت الست تفيدة عشان يطمن على نور هناك بعيد عن الشقة اللي بقت ريحتها كلها دم وأسرار.
​وصل عند بيت تفيدة، نزل وشال نور براحة ودخل بيها. الست تفيدة أول ما شافته، فتحت له الباب ووشها ماليان قلق: “إيه يا ابني؟ طمني، البوليس جه وخد كاريمان والمنطقة كلها مقلوبة!”
طارق حط نور على السرير جوه ودخل الصالة وتنهد بتعب: “الحمد لله يا أمي، كاريمان اتقبض عليها واعترفت بكل حاجة.. اعترفت ببلاوي تشيب”.
تفيدة حطت إيدها على صدرها: “يا ساتر يا رب.. ربنا يسترها على البنت الغلبانة دي. بس مال وشك مخطوف كده ليه يا طارق؟ إنت مش خلاص جبت حق بنتك؟”
​طارق قعد وحط راسه بين إيديه: “الحق جه يا أمي.. بس الظاهر إن الماضي مبيسبش حد في حاله. جالي تليفون دلوقتي من رقم دولي، واحد بيقول إن البنت اللي ماتت دي بنته هو كمان، وإنه راجع مصر بكره عشان الحساب الحقيقي يبدأ”.
تفيدة عنيها وسعت من الصدمة: “يا مصيبتي! يعني الحكاية ليها أطراف تانية؟ إوعى يا طارق تتهور، الراجل ده لو راجع، يبقى ناوي على شر، ولازم تبلغ سامح صاحبك فوراً”.
​طارق طلع موبايله وطلب سامح تاني. سامح رد وهو في مكتبه في القسم وبيكتب المحضر: “إيه يا طارق؟ أنا بخلص ورق كاريمان وهتتعرض على النيابة الصبح، النيابة هتقل بروحها لمعاينة مكان الدفن القديم في طنطا”.
طارق صوته كان بيرتعش: “سامح.. أنا جالي تليفون من دقيقة من رقم بره مصر”.
سامح انتبه: “رقم منين؟ وقال لك إيه؟”
طارق: “معرفش منين، بس نبرة صوته كانت مصرية، وقال لي إن البنت اللي اتقتلت دي بنته هو كمان، وإن كاريمان مكنتش لوحدها، وإنه راجع مصر بكره عشان يحاسبني!”
​سامح سكت شوية بيفكر، وبعدين قال بحسم: “مل تلي الرقم ده يا طارق فورا.. أنا هبعته لقطاع الأمن المعلوماتي والأمن العام يحددوا مكانه وصاحبه وموعد وصوله لو فعلاً حاجز تذكرة طيران لمصر. وإنت متقلقش، طول ما أنا معاك مفيش حد هيلمس شعرة منك ولا من نور”.
طارق: “أنا قاعد عند الست تفيدة دلوقتي، مش هقدر أدخل الشقة دي تاني”.
سامح: “خليك مكانك، وأنا هبعت لك أمين شرطة سري يقف تحت البيت عند تفيدة كحماية وتأمين لحد ما نشوف مين الراجل ده”.
​طارق قفل مع سامح وحس ببعض الاطمئنان، بس عقله مكنش بيبطل تفكير. مين الراجل ده؟ هل هو الشاب بتاع الجامعة اللي ضحك على كاريمان زمان؟ ولو هو.. ليه راجع دلوقتي بعد 17 سنة يطالب بحق بنت هو أصلاً ساب أمها وهرب زمان؟ وليه بيهدد طارق بالذات؟ طارق ملوش ذنب في أي حاجة حصلت زمان!
​الليلة دي عدت تقيلة قوي. طارق منامش فيها ولا دقيقة، فضل قاعد على كرسي جنب السرير اللي نايمة عليه نور، يبص في وشها البريء ويفتكر ملامح كاريمان وهي بتتحول لشيطان. الصبح طلع، ونور بدأت تفوق. فتحت عينيها وبصت حواليها باستغراب: “بابا.. إحنا فين؟”
طارق ابتسم وضغط على إيدها براحة: “إحنا عند تيتة تفيدة يا حبيبتي، فاكراها؟”
نور ابتسمت بضعف: “آه بحبها قوي.. بس إحنا مش هنرجع شقتنا؟”
طارق: “لأ يا نور.. إحنا هنروح نقعد في مكان أحسن بكتير، مكان فيه جنينة وتلعبي براحتك ومحدش يزعق لك تاني أبداً”.
​في نفس الوقت، موبايل طارق رن. كان سامح.
طارق رد بسرعة: “إيه يا سامح؟ عرفت مين ده؟”
سامح صوته كان جاد جداً وفي قمة القلق: “طارق.. اسمعني كويس ومتتهزش. الرقم اللي كلمك ده متسجل باسم واحد اسمه (شريف الهواري).. شريف ده يبقى ابن رجل أعمال معروف جداً في الغربية، وهو فعلاً كان زميل كاريمان في الجامعة سنة 2009. والمفاجأة الأكبر.. شريف حاجز على طيارة جاية من دبي، والطيارة هتنزل في مطار القاهرة بعد ساعتين من دلوقتي، الساعة 1 الضهر!”
​طارق وقف على رجليه: “شريف الهواري؟ وهو ده اللي غلط معاها زمان؟”
سامح: “بالظبط.. بس التحريات السريعة اللي عملتها بتقول حاجة تانية خالص.. شريف مكنش هربان من كاريمان زمان.. ده أبوه اللي هفره بره مصر غصب عنه لما عرف بموضوع الحمل عشان يداري على ابنه، وشريف طول السنين دي مكنش يعرف إن بنته اتقتلت! كاريمان كانت مفهماه إن البنت عايشة مع أختها في القاهرة، وشريف كان بيبعت فلوس شهرياً لكاريمان على حساب بنكي سري بره علمك تماماً عشان يصرف على البنت!”
​طارق حس إن صاعقة نزلت عليه: “يعني كاريمان كانت بتاخد منه فلوس كل شهر على أساس إن البنت عايشة؟ وهي أصلاً قتلاها ودفناها؟”
سامح: “أيوة! كاريمان كانت بتنصب عليه وبتستغله طول الـ 17 سنة دي! وشريف عرف الحكاية دي النهاردة الصبح لما جيرانه في طنطا كلموه وقالوا له إن البوليس مقلوب عند بيت أهل كاريمان القديم وبيحفروا في الأرض عشان يجرجوا ج..ثة طفلة! الراجل عرف إن بنته ميتة ومقتولة من 17 سنة وإن كاريمان خدعته، فقرر يرجع عشان ينتقم!”
​طارق: “ينتقم من كاريمان.. أنا مالي؟ أنا ذنبي إيه يهددني أنا وبنتي؟”
سامح: “لأن كاريمان في التحقيقات الصبح لما ضغطنا عليها، بدأت تخرف وتقول كلام مش مفهوم.. قالت إن طارق هو اللي كان عارف ومساعدها في الدفن! الكلبة بتلبسك القض..ية معاها عشان تخفف عن نفسها أو تنتقم منك لأنك بلغنا عنها! وشريف كلمك بناءً على كلام وصله من قرايب كاريمان إنك إنت اللي كنت شريك في الجري..مة!”
​طارق صرخ بغضب: “أنا؟ أنا متجوزها من 8 سنين بس! الجري..مة حصلت من 17 سنة! هو شريف ده مبيفهمش؟”
سامح: “هو أعمى من الغضب دلوقتي وميفكرش بعقل.. اسمع يا طارق، أنا باعت قوة للمطار تقبض عليه أول ما ينزل بتهمة التهديد، بس إنت خدي نور واقفلوا على نفسكم بيت تفيدة وم تفتحوش لأي حد واقفل تليفونك ده خالص لحد ما أكلمك من خط تاني”.
​طارق قفل الموبايل وهو حاسس إن الخيوط كلها بدأت تتعقد فوق دماغه. كاريمان مش بس دمرت طفولتها وبنتها، دي عايزة تدمره هو كمان وتلبسه ق..ضية قتل وتخلي راجل مجنون يدور عليه عشان يقتله!
​بص للست تفيدة وقالها: “يا أمي، اقفلي الأبواب والشبابيك بالترابيس.. شريف الهواري جاي ومفهوم غلط، وسامح بيحاول يوقفه في المطار”.
تفيدة جريت تقفل الشبابيك وهي بتدعي: “يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف.. ربنا معاك يا بني”.
​مرت الساعات وزي ما يكون الوقت واقف. الساعة بقت 2، وبعدين 3.. ومفيش أي صوت في الشارع غير صوت الهوا وصوت ضربات قلب طارق. نور كانت قاعدة بتتفرج على كارتون في التلفزيون وهي مش دريانة بحجم الرعب اللي بره.
​فجأة.. سمعوا صوت فرملة عربية قوية جداً تحت البيت.
طارق قرب بحذر من الشباك وبص من ورا الستارة الموروبة. لقى عربية جيب سوداء كبيرة وقفت، ونزل منها راجل طويل، ملامحه حادة جداً وعينيه حمراء من الغضب، وفي إيده شنطة صغيرة. الراجل ده كان شريف الهواري!
طارق اتقطع نفسه: “ده جه! إزاي جه؟ سامح قال هيقبض عليه في المطار!”
​شريف مكنش لوحدها، كان معاه اتنين رجالة شكلهم هيبتهم تخوف (بودي جاردات). شريف وقف قدام بيت تفيدة وبص فوق، وزعق بصوت ماليان غل وهز الشارع كله: “طااااارق! انزل لي يا طارق! فاكر نفسك هتستخبى ورا ست عجوزة؟ انزل لي يا اللي دفنت بنتي وساعدت المجرمة دي! انزل واجهني لو إنت راجل!”
​الست تفيدة بدأت تترعش وتعيط، ونور خافت وجريت على حضن طارق وهي بتصرخ: “بابا! مين ده؟ أنا خايفة!”
طارق حضن نور ودمه غلي. هو معملش حاجة، هو راجل شريف شقي طول عمره في السفر عشان يربي بنته بالفلوس الحلال، ومش هيسمح لواحد جاي من بره يهدد أمن بيته وبنته.
​طارق بص للست تفيدة وقالها بثبات: “خدي نور ادخلي بيها المطبخ واقفلوا الباب عليكم.. أنا هانزل أقابل الراجل ده وأفهمه الحقيقة.. المواجهة هي الحل الوحيد”.
تفيدة: “لأ يا طارق! ده معاه رجالة وممكن يقتلوك!”
طارق: “مش هيقدر يعمل حاجة في وسط الشارع.. والشرطة زمانها جاية.. ادخلي بس يا أمي”.
​طارق ساب نور اللي كانت بتعيط وبتمسك في قميصه، وفتح باب الشقة ونزل السلم بخطوات ثقيلة وقوية. فتح باب البيت الخارجي وخرج وقف في الشارع في مواجهة شريف الهواري ورجالته.
​شريف أول ما شاف طارق، قرب منه بسرعة وكان هيمسكه من قميصه، بس طارق زق إيده بقوة وثبات: “إيدك عندك يا شريف بيه! إنت مش جاي غابة هنا.. إحنا في منطقة محترمة وفيها قانون”.
​شريف ضحك بسخرية وغل: “قانون؟ إنت بتتكلم عن القانون وإنت دافن بنتي الرضيعة مع مراتك الكلبة من 17 سنة ومخبي عليا وبتاخدوا فلوسي؟”
​طارق بص في عينيه مباشرة وقال بنبرة هزت شريف: “فتح مخك ده واسمعني كويس.. أنا متجوز كاريمان من 8 سنين بس! يعني سنة 2018! في 2009 لما بنتك ماتت، أنا كنت لسه طالب في بكالوريوس الهندسة ومعرفش كاريمان ولا أعرف أهلها أصلاً! كاريمان لباستني القض..ية في النيابة عشان تنتقم مني لأني أنا اللي بلغت عنها لما لقيتها بتضرب بنتي نور لدرجة الموت! أنا اللي كشفتها يا شريف بيه.. مش أنا اللي ساعدتها!”
​شريف الكلام نزل عليه زي المية الساقعة. بص لطارق بذهول، وبدأ يراجع التواريخ في دماغه. ملامح الغضب الأعمى بدأت تتحول لصدمة واستيعاب: “إنت.. إنت متجوزها من 8 سنين بس؟”
​طارق: “تقدر تسأل السجل المدني وتشوف قسيمة الجواز.. كاريمان خدعتك وخدعتني ودمرت حياتنا كلنا.. البنت اللي ماتت دي ذنبها في رقبة كاريمان وأبوها اللي مات.. وأنا بنتي نور كانت هتحصل بنتك لولا إني جيت من السفر بالصدفة ووديتها المستشفى وعملت تقرير طبي.. إحنا ضحايا للست دي يا شريف”.
​شريف رجع لورا خطوتين، الشنطة اللي في إيده وقعت على الأرض، ونزل على ركبه وسط الشارع وهو بيبكي بحرقة، بكاء راجل عاش 17 سنة على أمل إن بنته عايشة وبيبعت لها فلوس، وفي الآخر يكتشف إنها ماتت مقتولة على إيد أمها من أول يوم!
​وفي اللحظة دي، وصلت عربيات البوليس وسامح نزل منها ومعه القوة. سامح جرى على طارق: “طارق! إنت كويس؟” وبعدين بص لشريف اللي كان منهار على الأرض: “شريف الهواري.. إنت هربت من كمين المطار إزاي؟”
​شريف رفع رأسه وهو دمعيه مغرقة وشه وقال بصوت مكسور: “أنا مهربتش.. أنا نزلت من طيارة تانية خاصة تبع شركة أبويا عشانألحق آخد حق بنتي.. بس طلعت غبي.. طلعت مخدوع من 17 سنة”.
​سامح قرب منه وقومه براحة: “يا شريف بيه.. الحقيقة كلها وضحت في النيابة.. كاريمان اعترفت تفصيلياً دلوقتي إنها قتلت البنت لوحدها وإن أبوها ساعدها في الدفن، وإن طارق ملوش أي علاقة بالموضوع.. وإنت مطلوب في النيابة دلوقتي كشاهد وكولي دم للطفلة”.
​شريف بص لطارق بنظرة ندم وأسف: “أنا أسف يا طارق.. أنا كنت هرتكب جري..مة في حقك وحق بنتك بسبب الغضب.. سامحني”.
طارق هز رأسه بأسى: “مسامحك يا شريف.. ربنا يصبرك ويرحم بنتك”.
​أخدوا شريف في عربية البوليس ومشيوا، والشارع رجع لهدوئه تاني. طارق طلع جري على بيت تفيدة، فتح الباب ولقى نور وتفيدة خارجين من المطبخ وهما بيرتعشوا. نور أول ما شافت طارق، جريت عليه وترمت في حضنه: “بابا! إنت كويس؟ الراجل الوحش مشي؟”
​طارق أخدها في حضنه ودموعه نزلت، بس المرة دي كانت دموع الراحة.. دموع النهاية للكابوس.
“مشي يا قلب بابا.. مشي ومفيش أي حد وحش هيقرب مننا تاني أبداً”.
​بعد مرور شهر..
طارق نقل من المنطقة كلها، وأخد شقة جديدة جميلة في مكان هادي وجديد. نور بدأت تروح لدكتورة نفسية عشان تتخطى أزمة الضرب والخوف، وبقت أحسن بكثير، ورجعت لها ضحكتها اللي كانت غايبة. كاريمان أخدت حكم بالإعدام شنقاً بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد لطفلة رضيعة، بجانب قضي..ة تعذيب ابنتها نور.
​وفي يوم جمعة، طارق ونور كانوا قاعدين في البلكونة بيشربوا عصير، ونور كانت بتلعب بالدبدوب بتاعها وبتضحك بصوت عالي. طارق بص لها وحس إن الدنيا أخيراً ضحكت له، وإن السر اللي اندفن من 17 سنة، رغم بشاعته، كان هو السبب في إنقاذ بنته نور من مصير أسود.. وبداية لحياة جديدة كلها أمان وحب.مرت شهور على الليلة دي، طارق ونور استقروا في شقتهم الجديدة في التجمع. نور بدأت ترجع لضحكتها القديمة، وبقت تروح المدرسة بانتظام، وجروح ضهرها خفت تماماً ومبقاش ليها أثر غير ذكريات بعيدة بتدبل يوم عن يوم بفضل حنية طارق اللي بقا يعوضها عن كل اللي شافته. كاريمان كانت ورا القضبان، بتنتظر تنفيذ حكم الإعدام بعد ما أوراقها راحت للمفتي، وشريف الهواري سافر تاني بره مصر وهو مكسور بعد ما استلم رفات بنته ودفنها في مقابر عيلته بشكل يليق بيها.
​الدنيا هديت.. أو ده اللي كان طارق فاكره.
​في ليلة من ليالي شهر يوليو الحر، طارق كان قاعد في الصالة بيراجع حسابات المكتب وشغل الهندسة، ونور كانت نايمة جوه في أوضتها والدنيا أمان. فجأة، موبايل طارق رن. بص على الشاشة لقى رقم غريب ومكتوب تحتها “رقم خاص”.
​طارق فتح الخط وبنبرة مليانة حذر قال: “ألو؟ مين معايا؟”
​جاءه صوت نفس الراجل الغامض اللي كلمه من كام شهر، نفس النبرة الهادية المرعبة اللي بتجمد الدم في العروق: “مساء الخير يا بشمهندس طارق.. عاش من سمع صوتك. فاكرني؟ ولا افتكرت إن اللعبة خلصت لما كاريمان لبست البدلة الحمرا؟”
​طارق وقف على رجليه، وقلمه وقع على المكتب، صوته طلع حاد وعنيف: “إنت مين؟ وعايز إيه تاني؟ شريف الهواري وعرفنا قصته وانتهت، إنت بقى تطلع مين؟”
​الراجل ضحك ضحكة باردة ومستفزة، ضحكة خلت شعر إيد طارق يقف: “شريف الهواري كان مجرد مغفل مصدق إنه الأب.. شريف كان بيبعت فلوس لكاريمان طول 17 سنة عشان يداري على فضيحته، بس كاريمان كانت أذكى منه ومنك.. البنت اللي ماتت من 17 سنة دي، مكانتش بنت شريف يا طارق.. دي كانت بنتي أنا!”
​طارق حس إن الصالة بتلف بيه: “أنت بتقول إيه يا مجنون أنت؟ كاريمان اعترفت في النيابة بكل حاجة، والتحقيقات قفلت الملف!”
​الراجل كمل وبكل ثقة: “كاريمان اعترفت باللي ينجيها من سر أكبر.. كاريمان كانت شغالة مع شبكة كبيرة.. شبكة بتبيع وتشتري في العيال وفي أوراق المستشفيات من زمان.. الطفلة اللي ماتت واندفنت في طنطا مكانتش الرضيعة الحقيقية! كاريمان بدلت البنت.. بنتي أنا عايشة يا طارق.. عايشة ووسطكم.. وكاريمان خبتها في مكان ميعرفهوش غيري أنا وهي”.
​طارق صرخ فيه وهو حاسس بنوبة جنون: “وأنا مالي بكل القرف ده؟ اقفل المحضر وروح للنيابة، متوجعش دماغي!”
​الراجل سكت ثانية، وبعدين قال بنبرة فحيح زي الأفاعي: “أنا رحت للنيابة، وقدمت ورق يثبت إن الطفلة اللي اندفنت من 17 سنة مكنتش بنت كاريمان أصلاً.. بس المفاجأة مش هنا يا بشمهندس.. المفاجأة إن التحاليل اللي اتعملت للجث..ة اللي طلعت من الأرض أثبتت إنها متطابقة مع عينة تانية خالص.. عينة تخصك إنت!”
​طارق مبقاش سامع غير ضربات قلبه اللي بقت زي الطبل: “تخصني أنا إزاي؟ إنت بتخرف بتقول إيه؟”
​الراجل قال كلمته الأخيرة اللي وقعت على طارق زي الصاعقة: “اسأل نفسك يا طارق.. إنت سألت عن تاريخ كاريمان لحد سنة 2009.. بس مسألتش هي عملت إيه في 2018 قبل ما تتجوزك بكام شهر؟ مسألتش نور بنت مين بالظبط؟ التحاليل أثبتت إن نور.. مش بنتك يا طارق.. نور تبقى بنتي أنا وأخت البنت اللي ماتت.. وكاريمان خدعتك ولبستك البنت عشان تهرب مني!”
​الخط قطع.
​طارق فضل واقف مكانه، الموبايل سقط من إيده واتفشخ على الأرض ميت حتة. عينيه كانت مبرقة، وأنفاسه متلاحقة.. مش قادرة تستوعب حجم البشاعة. نور.. بنته.. حتة من قلبه اللي شقا وسافر عشانها، اللي حماها من الموت بضمير أب.. تطلع مش بنته؟
​في نفس اللحظة، سمع صوت خطوت صغيرة ورا ضهره في الطرقة.
​لف وشه ببطء ورعب، لقى نور واقفة في الضلمة، ماسكة دبدوبها القديم، وعينيها بتلمع بنظرة غريبة ومخيفة مش نظرة طفلة عندها 7 سنين.. نظرة باردة وناشفة شبه نظرة كاريمان بالظبط لما بتكذب.
​نور بصت لطارق وقالت بصوت هادي وراسي جداً: “بابا.. إنت بتكلم الراجل التاني ليه؟ أنا مش قلت لك إن ماما قالت لي إن محدش هيصدقنا لو اتكلمنا؟”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *