الجليد

سحبتِ إيدك من بين كفوفه ببطء، مش قسوة ولا كبرياء، بس لأنك حسيتِ إنك فجأة مش قادرة تشيلي حمل مشاعره دي كلها فوق حملك. خطوة لورا خدتيها، وعينك لسه مثبتة عليه وهو راكع على ركبه، منظره كان غريب عليكي، لدرجة إنك شكيتِ للحظة إنك نايمة وبتتفرجي على حلم من أحلامك الكثيرة اللي كنتِ بتصحي منها على مخدة مبلولة بالدموع. سليم الشهاوي، الراجل اللي كان بيمشي في البيت كأنه إمبراطور مبيغلطش، اللي هيبته وكلمته بتهز الكل، واقف دلوقتي قدامك مكسور ودموعه مغرقة وشه.
​بصيتي للشنطة اللي في إيدك، وحسيتِ بوزنها وكأنها شايلة جبال من الخذلان والوجع اللي عيشتيه على مدار سنة كاملة. بلعتِ ريقك بصعوبة، وحاولتِ تلاقي صوتك اللي تاه وسط شهقاته الكتمة، وقلتِ بنبرة حاولتِ على قد ما تقدري تخليها قوية وثابتة: “قوم يا سليم.. قوم ملوش لزمة الكلام ده دلوقتي. الجرح لما بيعيش سنة كاملة ينزف في صمت، مبيلموش كلمتين دموع في دقيقة.”
​سليم رفع راسه وبص لك بعيون حمرا زي الدم، عيون مليانة رجاء وخوف حقيقي من الفقد. وقف على رجليه ببطء، كأنه شايل جبل على كتافه، ومسح دموعه بظهر إيده بسرعة كأنه بيحاول يسترد ولو جزء بسيط من ثباته، بس صوته خانه وهو بيقول: “أنا عارف إني عكيت.. عارف إني كنت حمار وبني آدم قاسي وغبي، بس والله العظيم ما كنت بكرهك. أنا كنت بموت فيكي من قبل ما نكتب الكتاب، من يوم ما شوفتك وأنا طفل وكنت بقول دي اللي هكمل معاها عمري. بس لما اتجوزنا، ولقيتك هادية ومبتتكلميش، خفت.. خفت أكون اتفرضت عليكي، خفت أقرب منك تفرضي الوجع ده عليا وتكرهيني بجد. قولت أحمي نفسي وأحميكي بمسافة، بس المسافة دي كانت بتخنقني أنا قبل ما تخنقك.”
​ضحكتِ ضحكة خفيفة مليانة مرار، وهزيتِ راسك بقلة حيلة: “بتحميني؟ بتحميني بأنك تحسسني إني حتة جماد ملوش لازمة في بيتك؟ سنة كاملة يا سليم.. سنة كاملة وأنا بنام في الأوضة اللي جمبك وأنا بسمع صوت حركتك من ورا الباب وأتمنى بس تفتح الباب وتقولي كلمة واحدة دافية. سنة كاملة وأنا بختلق الأعذار قدام أهلك وأهلي لما يسألوني مفيش نونو في السكة؟ كنت بأكل في نفسي وبقول يمكن العيب فيا، يمكن أنا مش كفاية، يمكن هو شايفني مش حلوة. أنت دمرت ثقتي في نفسي كست، وجاي دلوقتي تقولي كنت بحميكي؟”
​الكلام نزل عليه زي الساطور، ملامح وشه اتقبضت من الوجع الحقيقي اللي حس بيه في كل كلمة قلتيها. قرب خطوة تانية، ولأول مرة يتجرأ ويمسك كتفك، إيديه كانت دافية وبتترعش: “حقك عليا.. كل وجع حسيتِ بيه أنا مستعد أدفع تمنه من عمري اللي جاي كله. بس بلاش تمشي وتسيبيني للبيت الفاضي ده. البيت ده من غيرك ملوش روح، أنا نفسي ماليش روح من غيرك. اضربيني، صرخي في وشي، هاتي كل الغضب اللي جواكي وطلعيه عليا، بس متمشيش وتسيبي الباب مقفول وراكي.”
​بصيتِ في عينيه الغرقانة دموع، وحسيتِ بصراع رهيب جواكي. قلبك اللي لسه بيحبه وعايز يصدقه بيصرخ فيكي عشان ترمي الشنطة وتترمي في حضنه، وعقلك وكبريائك اللي اتجرحوا على مدار سنة كاملة بيحذروكي ويقولوا لك إن دي مجرد صدمة الخسارة، وإنه أول ما يطمن لوجودك هيرجع تاني لبروده وقسوته. الوجع مكنش سهل يتنسى في ثانية، والشرخ اللي في قلبك كان أعمق بكتير من إنه يتداوى بكلمتين توبة.
​أخدتِ نفس عميق، وشديتِ نفسك من بين إيديه براحة، ورجعتِ خطوة لورا تاني. بصيتِ لشنطة الهدوم، وبعدين بصيتِ له وقلتِ بنبرة باردة وواضحة: “أنا مش همشي دلوقتي يا سليم.. مش عشان مصدقاك، ولا عشان سامحتك. أنا هقعد بس عشان أدي لنفسي وللبيت ده فرصة أخيرة أشوف فيها مين هو سليم الشهاوي الحقيقي. بس من أول النهاردة، القواعد اتغيرت. الجوازة دي على الورق وبس، زي ما كانت طول السنة اللي فاتت، بس المرة دي بمزاجي وبشروطي أنا. أنت هتحاول تكسبني من أول وجديد، لو قدرت ترجع الثقة والآمان اللي هديتهم جوايا، يمكن ساعتها نكمل.. لو مقدرتش، يبقى الشنطة دي هتترفع على كتفي تاني، ويومها مفيش قوة على الأرض هتقدر توقفني.”
​سليم حس بنص انتصار ونص هزيمة، بس لمعة الأمل رجعت في عينيه تاني. هز راسه بسرعة ولهفة كأنه طفل صغير وافقوا يدوله لعبته المفضلة بعد حرمان: “موافق.. موافق على أي شرط وأي حاجة تقوليها. بس خليني جمبك، وتحت عينك، وأنا هثبتلك إني مستعد أعمل أي حاجة عشان خاطرك.”
​شيلتِ الشنطة وطلعتِ بيها على السلم تاني وسط نظراته اللي كانت متبعاني خطوة بخطوة، نظرات مكنتش شبه نظراته الباردة القديمة خالص، كانت مليانة شغف وخوف وندم. دخلتِ أوضتك وقفلتي الباب، وسندتِ ضهرك عليه وغمضتِ عينك وأنتِ بتتنفسي بسرعة. قلبك كان بيدق بجنون، والتوتر لسه مالي كيانك، بس جواكي كان فيه شعور غريب بالانتصار والراحة الفورية.. لأول مرة تحسي إنك أنتِ اللي مسيطرة على اللعبة دي، ومش مجرد عروسة خشبية محطوطة على الرف.
​مرت الأيام الأولى بعد المواجهة دي صعبة وتقيلة زي سحابة صيف خنقة. البيت اللي كان هادي زي المقابر، بدأ يشهد حركة وتفاصيل جديدة مكنتش موجودة قبل كده. سليم اتغير 180 درجة، بقى بيصحى بدري قبل ميعاد شغله، تلاقيه واقف في المطبخ بيحضر الفطار بنفسه، بيعمل القهوة اللي بتحبيها ويسيبها على الترابيزة برة مع ورقة صغيرة مكتوب عليها بخطه المتردد: “صباح الخير يا سما.. يومك جميل زيك”.
​كنتِ بتخرجي من أوضتك وتلاقي الحاجات دي، ومبتقدريش تمنعي ابتسامة خفيفة تترسم على شفايفك، بس بسرعة كنتِ بتديري وشك وتفتكري وجع السنة اللي فاتت وتجبري نفسك ترجعي للجمود. سليم كان بيحاول بكل الطرق؛ يرجع من الشغل بدري على غير عادته، شايل في إيده ورد، أو الشوكولاتة اللي عرف بطريقته إنك بتحبيها، ويدخل يقعد معاكي في الصالة يحاول يفتح أي حوار، يسألك عن يومك، عن قرايتك، عن أي حاجة تخصك.
​وفي يوم من الأيام، الباب خبط، ولما فتحتِ لقيتِ والدة سليم، حماتك الطيبة اللي كانت دايماً بتسألك بلهفة عن الخلفية. دخلت الست بوشها البشوش، وحضنتك بحنان وهي بتقول: “وحشتيني يا بنتي.. قولت آجي أطمن عليكي وعلى سليم، البيت وحشني وأنتوا وحشتوني.”
​قعدتوا مع بعض، وطبعاً كالعادة، مجاش ربع ساعة إلا والسؤال المعتاد اتسأل بنبرة فيها رجاء: “يا سما يا حبيبتي، طمنيني.. مفيش أي أخبار حلوة تفرح قلبي؟ نفسي أشوف حتة من سليم قبل ما أقابل ربنا.”
​حسيتِ بغصة في حلقك، وكنتِ لسه هتتكلمي وتألفي نفس الكذبة القديمة بتاعة “لسه ربنا مارادش والضغط العصبي مأثر”، بس فجأة دخل سليم من باب الشقة، وشاف علامات التوتر على وشك. قرب بسرعة، وباس إيد والدته وقعد جمبك، وحط إيده على كتفك بلطف وقال لأمه بنبرة واضحة وثابتة: “يا أمي، لو سمحتِ بلاش تضغطي على سما في الموضوع ده. إحنا متفقين إننا مش مستعجلين على الخلف، ومأجلين الفكرة دي بمزاجنا لحد ما نرتب حياتنا وننبسط مع بعض الأول. سما مش ناقصة ضغط، وأنا مش هسمح لأي حد، حتى لو أنتِ يا أمي، إنه يضايقها بكلمة.”
​والدته اتفاجئت من كلامه ولهجته الحاسمة، وبصت لكم بذهول وهي شايفة طريقة دفاعه عنك وازاي ماسك إيدك وبيدعمك قدامها، حاجة مكنتش بتحصل أبداً طول السنة اللي فاتت. حماتك ابتسمت بهدوء وقالت: “ربنا يسعدكم يا بني ويهدي سركم، أنا بس نفسي أفرح بيكم.. بس خلاص، طالما دي راحتكم أنا مش هفتح السيرة دي تاني.”
​بعد ما والدته مشيت، فضلتِ واقفة في الصالة وبصيتي لسليم اللي كان واقف متوتر ومستني رد فعلك. ربعتي إيدك وقلتِ بلهجة هادية: “شكراً يا سليم.. أول مرة تعمل حاجة صح في موضوع أهلك ده.”
​سليم ابتسم ابتسامة مكسورة وقرب خطوة: “أنا مستعد أقف قدام الدنيا كلها عشانك يا سما.. أنا بس كنت غبي وتايه، بس دلوقتي عيني اتفتحت ومش هسمح لأي حاجة تضايقك تاني، حتى لو كانت من أقرب الناس ليا.”
​اللحظة دي كانت دافية، دافية لدرجة إنك حسيتِ إن الجليد اللي حوالين قلبك بدأ يدوب بجد. بس في نفس الليلة، تليفون سليم رن وهو نايم في الصالة على الكنبة زي ما اتفقتوا. كنتِ صاحية بتشربي مياه في المطبخ، وسمعتِ رنين التليفون المتواصل. سليم صحي ورد بصوت واطي ومبحوح، بس فجأة صوته اتغير وبقى مشدود ومليان غضب وقلق: “أنت بتقول إيه؟ وازاي تسيبوه يوصل لحد هنا؟ لا.. مش هسمحله يقرب من البيت ده ولا يلمح طيفها.. اقفل دلوقتي وأنا جايلك حالا!”
​سليم قفل التليفون ووقف بسرعة، وشه كان شاحب وعينيه مليانة رعب حقيقي، رعب مكنش شبه الرعب اللي شوفتيه يوم ما كنتِ ماشية بالشنطة.. ده كان رعب من نوع تاني خالص، كأن فيه خطر حقيقي بيهدد حياتكم هما الاتنين. التفت سليم بسرعة ولقاكِ واقفة عند باب المطبخ وبتبصي له بعيون حائرة ومتسائلة. تجمد في مكانه، وحاول يصنع ابتسامة هادية بس ملامحه فضحت خوفه، وقرب منك وقال بصوت بيترعش: “سما.. أنا لازم أنزل مشوار ضروري دلوقتي. أرجوكي.. اقفلي الباب وراكي بالترباس وم تفتحيش لأي مخلوق مهما كان.. سامعاني؟ مهما كان!”
​سكت سليم ومشي بسرعة من غير ما يستنى ردك، وقفل الباب وراه بعنف، وسابك واقفة في نص الصالة، دقات قلبك بترجع تضرب تاني بعنف، وألف سؤال وسؤال بيدور في دماغك.. مين اللي اتصل بيه؟ وإيه السر اللي سليم كان مخبيه ورا بروده وقسوته طول السنة اللي فاتت؟ وهل الخطر ده ليه علاقة بيكِ أنتِ بالذات لدرجة تخليه يترعب بالشكل ده؟الهوا في الصالة فجأة بقى تقيل، كأن الأكسجين اتسحب من المكان بمجرد ما الباب اتقفل ورا سليم. فضلتِ واقفة في مكانك مش قادرة تتحركي، عينك مثبتة على الباب الخشب المقفول، وصوت كلماته الأخيرة بيرن في ودنك زي صدى مرعب: “مهما كان.. م تفتحيش لأي مخلوق مهما كان!”
​الخوف مكنش غريب عليكي، أنتِ عيشتِ سنة كاملة في خوف من نوع تاني؛ خوف من الوحدة، وخوف من بكرة، وخوف من إنك تعيشي وتموتي من غير ما حد يحس بوجودك. بس الخوف اللي حسيتِ بيه دلوقتي كان ملموس، كان ليه ريحة وصوت، ريحة خطر حقيقي بيهدد البيت ده، وصوت دقات قلبك اللي كانت بتدب في صدرك زي طبول الحرب.
​مشيتِ بخطوات مرعوبة ومترددة ناحية الباب، ومديتِ إيدك اللي كانت بتترعش وقفلتِ الترباس الحديدي الكبير، وحطيتِ القفل كمان. سندتِ جبهتك على الخشب الساقع وغمضتِ عينك. “يا رب.. يا رب استرها وعديها على خير. هو في إيه بالظبط؟ وسليم مخبي إيه؟”
​مرت ساعة.. وساعتين.. والتالتة بدأت تدخل، والبيت هادي لدرجة مرعبة، لدرجة إنك كنتِ بتسمعي صوت تكتكة ساعة الحيطة في الصالة كأنها قنبلة موقوتة بتعد الثواني. حاولتي تمسكي تليفونك وتتصلي بيه، رنتِ مرة.. واتنين.. وتلاتة، والتليفون مقفول أو غير متاح. القلق بدأ ياكل في دماغك، والسيناريوهات السوداء بدأت تترسم قدام عينك؛ هل سليم واقع في مصيبة؟ هل الجوازة دي من الأول كان وراها سر كبير إحنا مكنعلمهوش؟
​وفجأة، وسط الصمت القاتل ده.. النور انقطع!
​الشقة كلها غرقت في ضلمة كحل، ضلمة خلتك مش شايفة كف إيدك قدامك. صرختِ صرخة مكتومة وحطيتِ إيدك على بوقك. أنفاسك بقت سريعة ومرتبكة. الموبايل كان في إيدك، نورتِ الكشاف بتاعه بسرعة، والنور الضعيف بدأ يرسم ظلال مرعبة للأثاث على الحيطة.
​وفي اللحظة دي بالذات.. سمعتِ الصوت.
​صوت خطوت رجلين غريبة برة على السلم.. خطوات بطيئة، تقيلة، ومترددة. الخطوات كانت بتقرب من باب شقتك.. خطوة.. ورا خطوة.. لحد ما وقفت تماماً قدام الباب.
​حسيتِ إن الدم اتجمد في عروقك. طفيتِ كشاف الموبايل بسرعة عشان مفيش أي نور يظهر من تحت عقب الباب، ووقفتِ مستخبية ورا الحيطة اللي جمب الممر. ودنك كانت مع الباب، وكنتِ سامعة صوت أنفاس تانية برة.. أنفاس حد واقف مستني، أو بيحاول يستكشف لو فيه حركة جوة الشقة.
​وفجأة.. مقبض الباب بدأ يتحرك ببطء!
​تكة.. وتكة تانية.. حد بيحاول يفتح الباب من برة بهدوء شديد كأنه حرامي أو حد معاه نسخة من المفتاح بس الترباس والقفل منعينوه. قلبك كان هيقف من الرعب، رجلك مكنتش شايلاكي، وكنتِ هتقعي على الأرض لولا إنك سندتِ على الحيطة بضهرك.
​الهدوء رجع تاني برة، والخطوات بدأت تبعد ببطء وتنزل على السلم. أخدتِ نفس طويل وكأنك كنتِ غرقانة وطلعتِ على سطح المية، بس النفس ده متكملش.. لأن تليفونك في إيدك اتهز فجأة وأعلن عن وصول رسالة على الواتساب من رقم غريب ملوش اسم!
​بصيتِ للشاشة بذهول، وفتحتِ الرسالة وإيدك بتترعش.. مكتوب فيها:
“قولنا لـ سليم بلاش لف ودوران، بس هو صمم يلعب مع الكبار. اطلعي برة الشقة يا سما حالا.. سليم مش هيرجعلك تاني، واللعبة خلاص انتهت.”
​دموعك نزلت من غير إرادتك، الشاشة كانت بتكسر الضلمة بضوءها الأزرق الضعيف، وعقلك وقف تماماً عن التفكير. مين دول؟ وازاي يعرفوا اسمك؟ وسليم فين؟ هل سليم جراله حاجة؟
​في لحظة، كل الغضب والوجع اللي كان جواكي ناحية سليم اتمحى، ومبقاش فيه غير خوف حقيقي على الراجل اللي اعترفلك بحبه من كام ساعة بس، الراجل اللي نزل على ركبه وبكى زي العيل الصغير عشان متمشيش. حسيتِ إنك لو خسرتيه دلوقتي، هتموتي من الندم والوجع.
​قررتِ متستسلميش للخوف. جرتِ على المطبخ وجبتِ أثقل سكين تقطيع لحمة، ومسكتيه بإيدك الاتنين وقربتِ من الباب. كنتِ مستعدة تدافعي عن نفسك وعن بيتك لآخر نفس. وقفتِ ورا الباب مباشرة، وأخدتِ قرار إنك مش هتفضلي مستنية الموت يجيلك لحد عندك.
​وفجأة، ومن غير أي مقدمات.. سمعتِ صوت خناقة وصريخ جاي من المدخل تحت في الشارع!
​صوت ضرب نار.. رصاصة واحدة اخترقت السكون، وصوت إزاز بيتكسر بعنف. صرختِ وحطيتِ إيدك على ودنك والسكين وقع من إيدك على الأرض برنة عالية زلزلت صمت الشقة.
​ثواني مرت وكأنها سنين، لحد ما سمعتِ خطوات سريعة جداً وجري على السلم، خطوات مألوفة لقلبك.. الباب بدأ يتخبط عليه بعنف وصوت سليم المبحوح والمليان خوف وصراخ كان بينادي: “سما!! سما افتحي!!! سما أنتِ كويسة؟ سماااا!!”
​جريتِ على الباب بكل ما عندك من قوة، فتحتِ القفل والترباس بإيدين مرتعشة، وأول ما الباب اتفتح، لقيتِ سليم واقف قدامك.. قميصه متبهدل، فيه جرح صغير بينزف عند جبهته، وعينيه كانت مليانة جنون ورعب ملوش آخر.
​بمجرد ما شافك واقفة على رجلك وكويسة، شدك لحضنه بعنف كأنه بيحاول يدخلك جوة ضلوعه، كأنه بيطمن إنك لسه عايشة وبخير. حضنه كان دافي، دافي لدرجة خلتك تنسي الخوف والضلمة والضرب اللي برة. عيطتِ في حضنه وصوتك مكتوم في صدره: “سليم.. إيه اللي بيحصل؟ مين دول؟ أنا خوفت أوي يا سليم.. النور انقطع وحد كان بيحاول يفتح الباب!”
​سليم شدد من ضمتك ليه، وباس راسك كذا مرة وهو بيتنفس بصعوبة كأنه كان بيجري ماراثون: “أنا آسف.. أنا السبب.. أنا اللي حطيتك في الخطر ده بسبب غبائي وعنادي. بس وحياة غلاوتك عندي ما هسيب حد يلمس شعرة منك.”
​بعد عنك شوية، ومسك وشك بكفوفه الدافية اللي كانت متبهدلة تراب، وبص في عينك بجدية مرعبة: “سما.. إحنا لازم نمشي من هنا حالا. مفيش وقت للشرح ولا للكلام. الشقة دي مبقتش أمان ليكي ولا ليا. اجهزي بسرعة.. الشنطة اللي لميتي فيها هدومك عشان تمشي وتسيبيني.. هاتيها دلوقتي، بس المرة دي هنمشي بيها مع بعض!”
​بصيتِ في عينيه، ورغم الرعب والغموض اللي ماليين الجو، حسيتِ بأمان غريب وسط حضنه وجنبه. هزيتِ راسك بالموافقة وجريتِ جوة تجيب الشنطة، وأنتِ عارفة إن من اللحظة دي.. حياتك الهادية والباردة انتهت للأبد، وإنك داخلة مع سليم في طريق مجهول ملوش ملامح، طريق يا إما هيقربكم من بعض أكتر ويخلي حبكم يولد من وسط النار، يا إما هيكون النهاية الأبدية لقصتكم اللي ملحقتش تبدأ!مسكتِ الشنطة بإيدك اللي بتترعش، وفي ثانية كنتِ نازلة وراه على السلم اللي كأنه اتحول لسرادق مظلم ملوش نهاية. صوت رجليكم السريعة كان بيعمل صدى مرعب في مدخل العمارة. سليم كان ماسك إيدك بقوة، كأنه خايف لو سابها ثانية واحدة الأرض هتبتلعك. طلعتوا من باب العمارة على الشارع الضلمة، وكان فيه عربية جيب سوداء واقفة وموتورها داير، وصوت أنفاس سليم كان عالي ومتهدج وهو بيفتحلك الباب بسرعة وبيزقك لجوة: “اركبي يا سما.. اخلصي!”
​رمى الشنطة في الكنبة اللي ورا، وركب جمبك على كرسي القيادة، وداس بنزين بكل قوته. العربية صرخت في وسط الشارع الهادي، وطارت بينا وسط شوارع القاهرة الضلمة والمطرة الخفيفة اللي بدأت تنزل وتغسل قزاز العربية. كنتِ حاطة إيدك على صدرك، وبتبصي لسليم اللي كان عينيه مركزة على الطريق والمرايات ببرق وجنون، عروق إيديه على الدريكسيون كانت بارزة وبتترعش من كتر الضغط والتعب.
​مقدرتيش تسكتي أكتر من كده، صرختِ فيه والدموع مغرقة وشك: “أنا مش هتحرك خطوة تانية معاك من غير ما أفهم! سليم.. مين دول؟ وإيه اللي بيحصل بالظبط؟ أنت مخبي عليا إيه من سنة؟”
​سليم أخد نفس طويل كأنه بيحاول يطفي النار اللي في صدره، وبص ليكي نظرة سريعة كلها وجع وألم، ورجع عينه على الطريق وهو بيقول بصوت مخنوق: “ولاد عمي يا سما.. صراع الميراث والشركات اللي بدأ من يوم ما أبويا مات. هما مكنوش عايزين يجوزوني ليكي، كانوا عايزين يجوزوني بنت عمي عشان الورق والفلوس يفضلوا معاهم. ولما صممت عليكي وأبويا كتب كل حاجة باسمي قبل ما يموت، هددوني بيكي.. قالوا لي بالحرف الواحد: لو لمحت طيف السعادة مع البنت دي، هنحرق قلبك عليها.”
​سكت سليم للحظة، ودمعة وحيدة نزلت من عينه ومسحها بسرعة قبل ما تكمل طريقها: “أنا كنت غبي.. فكرت إن لو عاملتك بجفاء وبرود، ولو ظهرت قدامهم وفي كل مكان إن جوازنا مجرد واجهة وإني مش طايقك ومبلمسكيش، هيفقدوا الأمل إنهم يلووا دراعي بيكي. كنت فاكر إن قسوتي عليكي هي درع حمايتك الوحيد من غدرهم. عيشت سنة كاملة بموت في اليوم ألف مرة وأنا شايفك بتبعدي وتتوجعي بسببي، ومكنتش قادر أقولك الحقيقة عشان مأكسرش الأمان اللي جواكي وأخليكي تعيشي في رعب.. بس غبائي وصلني للنهاردة، لما حسيت إنك بتضيعي مني بجد، والنهاردة هما عرفوا إنك هتمشي فقرروا ينهوا اللعبة ويخلصوا مني ومنك.”
​الكلام نزل عليكي زي المية الباردة في عز الشتا. الوجع والبرود اللي عيشتي فيه سنة كاملة مكنش كره، مكنش تهميش.. ده كان تضحية مرعبة من راجل مستعد يشيل ذنب قسوتك ورفضك ليه في سبيل إنه يحافظ على حياتك. بصيتي على كف إيدك اللي لسه فيه أثر دموعه الدافية، وحسيتي بقلبك بيتفتح ليه من أول وجديد، بس المرة دي بحب حقيقي وخالص، خالي من أي شكوك.
​العربية بدأت تخرج من زحمة القاهرة وتدخل على الطريق الصحراوي السريع. الهوا الساقع كان بيدخل من الشباك المفتوح سنة، وسليم هدي السرعة شوية لما اتأكد إن مفيش حد بيراقبهم ولا ماشي وراهم. التفت ليكي، وملامحه بدأت تسترخي وتصفى لأول مرة من سنة كاملة، وبنبرة هادية دافية قالك: “إحنا رايحين الشاليه بتاعنا في الساحل الشمالي يا سما.. هناك محدش هيقدر يوصلنا، وهناك هنبدأ حياتنا بجد، من غير خوف، من غير أسرار، ومن غير خطوط حمراء.”
​وصلتوا الساحل مع خيوط الفجر الأولى اللي بدأت ترسم لوحة زرقا وجميلة على شط البحر. الشاليه كان واقف في هدوء تام، وصوت الموج كان بيغسل كل الخوف والتوتر اللي عشتوه الساعات اللي فاتت. سليم نزل وشال الشنطة، ووقف قدام الباب وبصلك بابتسامة حقيقية تظهر لأول مرة على وشه، مديتِ إيدك ومسكتِ إيده بقوة، ودخلتوا البيت سوا.
​وقفتِ قدام تراس الشاليه بتبصي للبحر والشمس وهي بتشرق وتلون المياه باللون الدهبي. سليم قرب منك من ورا، وحط إيديه على كتفك بحنان، وسند راسه على كتفك وهمس في ودنك: “سما.. تفتكري الوجع اللي عيشناه يستاهل البداية دي؟”
​التفتِ ليه وبصيتي في عينيه اللي كانت بتعكس ضوء الشمس والبحر، وابتسمتِ ابتسامة صافية من قلبك لأول مرة، وقلتِ بصوت هادي وواضح: “البدايات دايماً بتولد من رحم الوجع يا سليم.. وطالما إيدك في إيدي، أنا مستعدة أبدأ معاك الرحلة دي من الأول خالص، بس المرة دي.. من غير ما نبص ورانا.”
​سليم شدك لحضنه بقوة، وفي اللحظة دي بالذات، حسيتِ إن السنة اللي فاتت بكل دموعها وبردها انتهت واتمحت، وإن قصة حبكم الحقيقية يادوب لسه بتبدأ على شط البحر ده، قصة مفيهاش هروب ولا خوف، بس فيها وعد مكتوب بالدموع والدم إن مفيش قوة في الدنيا هتقدر تفرقكم تاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *