يوم تخرجى بقلم محمد عبده

في يوم تخرّجي من كلية طب القصر العيني، الأهل اللي سابوني في المستشفى رجعوا وقعدوا في الصف الأول وقالوا بهمس هي مدينة لينا بالنجاح ده لكن العميد نطق الاسم اللي عمرهم ما كانوا متوقعينه
أول مرة أشوف أهلي الحقيقيين بعد 15 سنة، كانوا قاعدين في الصف الأول، تحت نور القاعة الكبير في قاعة المؤتمرات بجامعة القاهرة، بيتصرفوا كأن الكراسي المحجوزة دي من حقهم من زمان.
الميكروفونات كانت بتعمل صوت خفيف مزعج فوق المسرح، والناس بتقلب في البرامج، وصوت ورق بيتحرك في إيديهم. ريحة القهوة المسكوبة كانت مالية المكان، مخلوطة بريحة الورد الرخيص وملمع الأرضيات وحرارة القلق اللي طالعة من مئات العائلات اللي مستنية تصفق لحد بتحبه.
أمي كانت ماسكة شنطتها بإيدينها كأنها قاعدة في جامع. وأبويا كان بيقلب في برنامج الحفل، بيدوّر على اسم فاكره لسه بتاعه.
وعلى بعد كرسيين منهم، كانت قاعدة رانيا حسن، بفستان كحلي بسيط اشترته من تخفيضات، ماسكة بوكيه ورد ملفوف في كيس بلاستيك كأنه أغلى حاجة في القاعة، وكانت بتعيط من قبل ما الحفل يبدأ.
أبويا بص لها مرة واحدة وبعدين لف وشه.
ماكانش عنده أي فكرة إن الست اللي جنبه عملت اللي هو رفض يعمله.
اسمي دلوقتي سارة حسن. اتولدت باسم سارة عبد الرحمن بس الاسم ده بطل يبقى بتاعي من يوم وأنا عندي 13 سنة جوه أوضة في مستشفى.
ساعتها كنت صغيرة على سني، قاعدة على سرير

الكشف، لابسة هدوم مستشفى ورق بتضايقني ومش راضية تقفل مهما حاولت. الأوضة كانت ساقعة، والنور الأبيض بيزن.
أمي كانت باصة في الحيطة، والدكتور بيشرح إن عندي سرطان في الدم.
قال إنه خطير بس قابل للعلاج.
نسبة الشفاء من 85 ل.
فرصة كويسة جدًا.
أختي الكبيرة دينا كانت ماسكة موبايلها وبتكتب رسائل من تحت الكم.
وأبويا سأل سؤال واحد بس
هيكلف كام؟
ما سألش هاعيش ولا لأ.
ما سألش محتاجة إيه.
ما سألش نبدأ إمتى.
بس كام؟
الدكتور شرح المصاريف وخطط الدفع والمساعدات.
وش أبويا اتغير كأنه شايف فاتورة مش حياة.
دينا كان ليها حساب تعليم.
دينا كانت شاطرة.
دينا مستقبلها مضمون.
أنا كان عندي سرطان.
وفي عيلتي ده كان معناه إني استثمار خاسر.
بصتلي أمي لما قلت لها إني خايفة، وقالت ببرود
هتبقي كويسة الدكتور قال كده.
وبعدين أبويا قال الجملة اللي فضلت محفورة جوايا
مش هنضيع مستقبل ناجح علشان واحد عادي.
عادي.
الكلمة دي وأنا عندي 13 سنة وأنا مريضة.
بعض الأهالي بيكسروا قلبك بصوت عالي وبعضهم بيكسره بتوقيع على ورق.
في نفس اليوم، الإجراءات اتغيرت والشئون الاجتماعية اتدخلت.
وأهلي مشيوا من مستشفى الدمرداش من غير حتى سلام.
وأختي مشيت معاهم.
وسابتني.
في الليلة دي، كنت نايمة في أوضة الأطفال، سامعة صوت الأجهزة جنب السرير، وكل خطوة في الممر كنت فاكرة إنها رجوعهم.
بس ماحدش رجع.
لحد ما دخلت رانيا حسن.
الممرضة الليلية.
عندها 34 سنة، مطلقة، شعرها مربوط، وعينيها تعبانة بس فيها راحة غريبة.
قعدت جنبي مش فوقي.
ولما حكيت لها، سكتت شوية وقالت
اللي حصل ده ملوش أي تبرير.
أول مرة حد كبير يقول الحقيقة.
ما وعدتنيش إن كل حاجة هتبقى كويسة.
بس فضلت معايا وجابت كوتشينة.
وقعدنا نلعب لحد الفجر.
ومن هنا حياتي الحقيقية بدأت.
لما خلصت أول مرحلة علاج، وماكانش عندي مكان أروح له، قالت للمسؤولة
أنا هاخدها.
مش عشان سهل
ولا عشان معاها فلوس
بس عشان عايزة.
بيتها في شبرا كان بسيط فيه قطة اسمها فطيرة، وأوضة صغيرة لونها موف علشاني.
كان فيه سرير جديد ومكتب ومكتبة كتب.
وعلى المكتب صورة لينا سوا في المستشفى.
وقالتلي
نورتي بيتك يا سارة.
وقتها عيطت كأني كنت بغرق وطلعت لنفَس.
بقت أمي رسمي وأنا عندي 14 سنة.
هي اللي كانت بتسندني وقت العلاج
وتجيبلي أكل أقدر آكله
وتصحى كل يوم تقول
صباح الخير يا أحلى بنت وجودك نعمة.
كل يوم.
حتى وهي تعبانة.
حتى وهي بتشتغل شيفتات زيادة علشان تعيشني كويس.
أهلي شافوا مستقبلي غالي
هي شافته مالوش تمن.
ساعدتني أرجع للدراسة
وقالتلي
قالوا عليكي عادية إحنا هنثبت العكس.
وفعلًا
رجعت أقوى
اتخرجت من ثانوي متفوقة
واتقبلت في طب القصر العيني.
واخترت تخصص أورام أطفال
علشان أنا عارفة إحساس الطفل اللي الكبار بيتكلموا عنه كأنه رقم.
في سنة رابعة، جالي اتصال
أنا الطالبة الأولى على الدفعة.
أول حد كلمته كان رانيا.
قلت
يا ماما عندي خبر.
صرخت من الفرحة.
بعدين الجامعة بعتتلي عن المقاعد المخصصة.
كتبت اسمها أول حد.
وباقي الناس اللي وقفوا جنبنا.
لكن بعدها وصل إيميل
عبد الرحمن وليلى أهلي بيطلبوا مقاعد.
بعد 15 سنة صمت.
ولا اتصال ولا اعتذار ولا زيارة.
دلوقتي بس عايزين يقعدوا قدام.
كلمت رانيا.
سكتت شوية وقالت
خليهم ييجوا يشوفوا بنفسهم.
وقفت ورا الستارة يوم الحفل
ببص عليهم.
نفس النظرة نفس الحسابات.
بس المرة دي أنا مش الطفلة اللي على السرير.
واحد من المنظمين قال
دكتورة سارة دورك.
دكتورة سارة حسن.
مش الاسم القديم.
العميد طلع على المسرح وقال
يشرفني أقدم الطالبة الأولى على دفعة 2026
أمي القديمة رفعت البرنامج.
أبويا وقف بإيده عند الاسم.
رانيا حطت إيديها على بوقها من التوتر.
وبعدين العميد بص في الورقة وابتسم وقال
الدكتورة سارة حسن.
ثانية واحدة بس هي اللي فصلت بين الصمت والانفجار.
أول ما العميد قال
الدكتورة سارة حسن.
القاعة كلها قامت تصقف.
صوت التصفيق كان عالي يهز المكان لكن أنا ماكنتش سامعة غير دقات قلبي.
بصيت ناحية الصف الأول.
وش أمي اتجمد كأنها مش فاهمة اللي سمعته.
وأبويا ملامحه اتشدت فجأة، وبدأ يقلب في البرنامج بسرعة، كأنه بيحاول يلاقي الاسم اللي اختفى منه فجأة.
حسن؟! همس لنفسه.
الكلمة خرجت منه وكأنها غلطة.
كأن الاسم ده مش المفروض يكون ليا.
لكن الحقيقة كانت أوضح من أي ورق في إيده.
أنا مش بتاعتهم.
المُنسق أشارلي أطلع.
خطوة ورا خطوة وأنا طالعة على المسرح.
كل خطوة كانت
لمحة نيوز

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *