اللعب مع الكبار

شريف فضل واقف مكانه زي الصنم، عينيه مبرقة لدرجة إنها كانت هتطلع من مكانها، ودقات قلبه بقت مسموعة للي واقف جنبه من كتر الرعب والذهول. الصدمة شلت حركته تمامًا، الكاس المتدشدش تحت رجليه والناس كلها باصة عليه وعلى الست اللي نازلة من على السلم كأنها ملكة متوجة. سمر كانت بتمشي بخطوات موزونة، كعب جزمتها بيعمل صوت منتظم على الرخام، الصوت ده كان بينزل على دماغ شريف زي دقات ساعة القيامة. فستانها الكحلي الغامق المتطرز بالألماظ الحر كان بيلمع تحت إضاءة القاعة، وكل المليارديرات وحيتان السوق اللي شريف كان بيموت عشان يرضيهم، وسعوا لها الممر وهما بيحنوا رؤوسهم باحترام وانبهار.
​صافي، الموديل اللي شريف كان داخل يتباهى بيها، فضلت واقفة بتبص لسمر بغيرة وذهول، وسألت شريف بصوت واطي ومخطوف: “شريف.. مش دي سمر؟ مش دي مراتك البيئية اللي قولتلي إنها قاعدة في البيت تعبانة؟ إيه اللي جابها هنا؟ وليه بيقولوا رئيسة مجموعة الشروق؟” شريف ماكنش قادر ينطق، لسانه اتعقد تمامًا، ريقه نشف، وحس إن الأرض بتلف بيه. كل الأفكار اتضاربت في دماغه؛ إزاي؟ سمر اللي بتطبخ، وتغسل، وبتقعد بالساعات في جنينة الفيلا وراجلها في الطين وزرع الورد، تبقى هي نفسها اليد الخفية اللي كانت بتتحكم في مصير شركته؟ هي دي اللي أنقذته من الإفلاس السنتين اللي فاتوا وضخت ملايين الدولارات في حسابه؟
​سمر وصلت لآخر السلم، وكان واقف مستنيها حازم، رئيس الحرس الخاص بتاعها، ومعاه تلاتة من كبار المحامين في مصر، شايلين شنط جلد سودا شكلها يخوف. شريف، وبدافع الخوف الأعمى ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، زق صافي من جنبه بغباء وجري على سمر، حاول يرسم على وشه ابتسامة صفرا مهزوزة وقال بصوت بيترعش: “سمر! حبيبتي! إيه المفاجأة الجنان دي؟ أنتي جيتي إزاي؟ وليه ليد اللبس ده كله؟ وليه مقولتيش إنك جاية عشان أستناكي بنفسي على الباب؟”
​سمر وقفت، وبصتله بنظرة باردة لدرجة إن شريف حس برعشة في عموده الفقري. النظرة دي مكنتش نظرة سمر الطيبة اللي بيزعق لها الصبح فتقول الحاضر والطلب، دي كانت نظرة سيدة أعمال بتقرأ أرقام خساير شركة فاشلة. سمر مقالتش ولا كلمة، تجاهلته تمامًا كأنه هوا واقف قدامها، وبصت لحازم وقالت بنبرة حاسمة وصوت مسموع للقاعة كلها: “أستاذ حازم، اعتقد إن الحفلة دي معمولة بفلوس ودعم مجموعة الشروق، صح؟” حازم انحنى باحترام وقال: “تمام يا فندم، إحنا الممول الحصري والوحيد لليلة دي، والشركة المنظمة تابعة لينا بالكامل.”
​سمر هزت رأسها وقالت بابتسامة ثقة: “عظيم.. يبقى ملوش لزمة الأشكال دي تفضل هنا. الأمن يتفضل يخرج الأستاذ شريف والآنسة اللي معاه برة القاعة فورًا. الحفلة دي لرجال الأعمال المحترمين بس، مش للمدنيين والمفلسين.”
​الكلمة نزلت على شريف زي الصاعقة. “مفلسين؟!” شريف صرخ بصوت هيستيري والناس بدأت تتوشوش وتطلع موبايلاتها تصوره: “أنتي بتقولي إيه يا سمر؟ أنتي اتجننتي؟ أنتي عارفة أنتي بتكلمي مين؟ أنا شريف Thorn! أنا نجم غلاف بيزنس مصر! أنا صاحب شركة فانغارد اللي أنتي واقفة في حفلتها!”
​سمر ضحكت ضحكة خفيفة، ضحكة كلها استهزاء سخرية سخرت من كل تاريخه المزيف، وقربت منه خطوتين وقالت بصوت واطي ومسموع للكل: “شريف Thorn؟ الاسم الأجنبي ده مش هياكل معايا هنا يا ابن بلدنا. أنت شريف الجارحي، اللي جالي من خمس سنين ببنطلون واحد مقطع وشركتك كانت بتلفظ أنفاسها الأخيرة. تحب أفكرك مين اللي دفع ديونك؟ تحب أطلع للصحافة اللي واقفة برة دي الشيكات والتحويلات اللي طالعة من حسابي الخاص باسم مجموعة الشروق عشان تشتري برستيجك ده؟ أنت براند أنا اللي صنعته، وبحركة واحدة من صباعي، أقدر أهد البراند ده على دماغك.”
​في اللحظة دي، الأمن بتاع الحفلة — اللي هما أصلاً رجالة سمر — قربوا من شريف وصافي. صافي بدأت تصرخ: “أوعى إيدك أنت وهو! أنت مش عارف أنا مين؟” لكن الأمن مكنش بيهزر، سحبوها هي وشريف وسط نظرات الشماتة والسخرية من كل الوجهاء اللي شريف كان بيحاول يتملقهم طول الليل. شريف كان بيقاوم وبيزعق: “سيبوني! سمر مش هسيبك! دي شركتي أنا!” بس الصوت بدأ يختفي وهو بيترمي برة قاعة الفورسيزونز على الرصيف قدام فلاشات كاميرات الصحافة والباباراتزي اللي شموا خبر إن في فضيحة القرن للملياردير المزيف.
​على الرصيف برة، شريف كان شكله يصعب على الكافر، بدلته الغالية اتبهدلت، وصافي أول ما لقت المركب بتغرق، بصتله بقرف وقالت: “أنت طلعت مقلب؟ طلعت عايش بفلوس مراتك وبتتنطط عليا؟ غور داهية تاخدك أنت وهي!” وسابته وركبت تاكسي ومشيت.
​شريف قعد على الرصيف مش مصدق، تليفونه بدأ يرن ورا بعضه كأنه قنبلة موقوتة. المتصل الأول: البنك الأهلي. المتصل الثاني: بنك مصر. المتصل الثالث: المستشار القانوني للشركة. رد على المستشار بصوت مخنوق: “في إيه يا متر؟” المستشار قاله بصوت كله رعب: “شريف بيه! الحقنا! مجموعة الشروق سحبت كل أرصدتها وودائعها وضماناتها من البنوك اللي بتغطي قروض شركتنا. البنوك حجزت على أرصدة شركة فانغارد بالكامل، والأسهم بتاعتنا في البورصة هبطت 80% في الـ10 دقائق اللي فاتوا! إحنا بنفلس رسمي يا فندم!”
​شريف رمى الموبايل على الأرض وهو بيصرخ زي المجنون. رجع البيت، فيلا التجمع اللي كان فاكر إنه سيدها. دخل زي العاصفة، كان بيدور على أي حاجة يثبت بيها وجوده. دخل أوضة المكتب، فتح الخزنة عشان يشوف العقود، لقى الخزنة فاضية تمامًا، مفيش فيها غير ورقة واحدة بيضا مكتوب عليها بخط إيد سمر الواضح: “كل حاجة في البيت ده، من أول العقود لحد خطوط التليفونات، مكتوبة باسم مجموعة الشروق. قدامك 24 ساعة تلم هدومك القديمة وتطلع برة، عشان الفيلا دي هتباع في المزاد العلني لتسديد جزء من ديونك ليا.”
​شريف انهار على الكرسي، واكتشف إن الغرور كان عاميه لدرجة إنه مكنش بيقرا العقود اللي بيمضي عليها، كان فاكر إن المحامين بتوعه بيظبطوا الورق، ومكنش يعرف إن المحامين دول هما أصلاً رجالة سمر اللي زرعتهم في شركته من أول يوم عشان تراقب كل قرش رايح فين وجاي منين. سمر مكنتش بتنتقم بس لعزة نفسها عشان مسح اسمها من الحفلة، سمر كانت بتنفذ خطة متخرطاش من سنين، من أول يوم شافت فيه عينيه بتغير وتتلوى بعد ما شم ريحة الفلوس وشاف نفسه عليها.
​تاني يوم الصبح، كانت مصر كلها بتتكلم عن حاجة واحدة بس: “سقوط إمبراطورية شريف الجارحي، وظهور السيدة الحديدية سمر المنصوري، رئيسة مجموعة الشروق”. القنوات الفضائية، صفحات السوشيال ميديا، برامج التوك شو، مكنش وراهم غير الفضيحة دي والدرس القاسي اللي شريف خده.
​شريف مكنش عنده خيار غير إنه يروح لمقر مجموعة الشروق في القرية الذكية. كان لابس قميص دبلان وشكله تعبان، مش ده الراجل اللي كان على غلاف Forbes من يومين. دخل البرج الزجاجي العملاق، الموظفين كلهم كانوا بيبصوا عليه بشفقة وسخرية. وصل لأدوار الإدارة العليا، وطلب يقابل سمر. السكرتيرة بصتله ببرود وقالت: “المنصوري هانم معندهاش وقت، بس قسماً بالله هي سيبالك الأمانة دي.” وادته ظرف أسود كبير.
​شريف فتح الظرف وإيديه بترتعش، لقى جواه ورقة طلاقها منه، وجنبها قسيمة دعوى قضائية مرفوعة ضده بتهمة النصب وخيانة الأمانة وتبديد أموال المجموعة، عقوبتها السجن المشدد مش أقل من سبع سنين. ومع الورق، كان في فلاش ميموري صغيرة.
​شريف أخد الفلاشة وجري على أمل إنه يدور على لابتوب يشوف إيه اللي عليها. دخل سايبر صغير في منطقة شعبية قريبة، حط الفلاشة وفتحها. كان عليها فيديو متسجل من كاميرات المراقبة السرية اللي في مكتبه القديم. الفيديو بيظهره وهو قاعد مع صافي، وهو بيقولها: “سمر دي مجرد دقة قديمة، باخد منها الفلوس وأصرفها عليكي، دي متفهمش في البرستيج، هسيبها زي الشغالة في البيت لغاية ما أخلص كل أوراق نقل الملكية وأرميها في الشارع.”
​وتحت الفيديو، ظهرت رسالة مكتوبة بصوت سمر كأنها بتتكلم: “شفت يا شريف؟ أنا كنت عارفة كل حاجة، وكنت سامعة كل كلمة. أنت اللي اخترت تلعب مع الكبار، وأنا اللي علمتك اللعب. الشغالة البسيطة اللي كنت هترميها في الشارع، هي اللي رمتك على الرصيف. أشوفك في المحكمة.. لو عرفت تدفع حق المحامي.”
​شريف حس إن الدنيا اسودت في وشه، وفي نفس اللحظة، الباب بتاع السايبر اتفتح ودخل منه اتنين أمناء شرطة ومعاهم ضابط، بصوا لشريف وقالوا: “أنت شريف الجارحي؟ مطلوب القبض عليك بناءً على أمر ضبط وإحضار من النيابة العامة بتهمة النصب ورفع شيكات بدون رصيد.”
​شريف وهو بيتسحب والكلبشات في إيديه، بص للسماء وحس بالندم اللي بياكل في قلبه، افتكر سمر وهي واقفة في الجنينة بتسقيله الورد وبتضحك من قلبها، وافتكر إزاي داس على الورد ده برجله عشان المظاهر الكدابة والوجاهة الاجتماعية اللي ضيعته وخليته يخسر كل حاجة في لحظة.. خسارة الفلوس، والاسم، والأهم من كده.. الست اللي كانت سند ومصدر قوته الحقيقي وهو مش داري.
​لكن شريف مكنش يعرف إن المفاجأة الأكبر لسه مستنياه ورا حيطان السجن، وإن خطة سمر مكنتش مجرد حبس وإفلاس.. اللعبة الحقيقية لسه هتبدأ في الزنزانة، ومع ظهور شخصية جديدة كانت مستخبية في الظل، شخصية هتغير مسار حياة شريف وسمر بالكامل وتقلل التربيزة على الكل.. مين الشخص ده؟ وإيه السر اللي سمر لسه مخبياه؟ ده اللي هتعرفه في الجزء التاني من الحكاية..الكلبشات حديدها كان ساقع على إيد شريف، والضابط بيزقه برة السايبر وعيون الناس في المنطقة الشعبية كلها بتبص عليه بنظرات فيها شماتة وخزي. ركبوة البوكس، والباب اتقفل وراه بـ “رزعة” كأنها كانت إعلان رسمي لنهاية حياته كملياردير وبداية فصل جديد تحت الأرض.
​جوه تخشيبة القسم، الريحة كانت خانقة، والجو حر يكتم النفس. شريف قعد في الركن، ضامم ركبه لصدره وباصص في الأرض، مش مصدق إن البدلة اللي تمنها الآلاف بقت متبهدلة بتراب السجن. وفي وسط ما هو غرقان في كوابيسه، الباب الحديدي اتفتح، والعسكري نادى بصوت عالي: “شريف الجارحي! عندك زيارة في مكتب المأمور.”
​شريف قام ملهوف، افتكر إن في محامي من طرفه لقى ثغرة، أو إن سمر قلبتها حنت عليه وجاية تخرجه. جري على المكتب، وبمجرد ما دخل، تيبس في مكانه.
​مكنتش سمر، ولا كان محامي. اللي كان قاعد حاطط رجل على رجل، وبيشرب سيجار غالي ريحته مالت الأوضة، هو “مراد المنصوري”.. ابن عم سمر، والراجل اللي كان مختفي من السوق من خمس سنين بعد خناقة كبيرة مع شريف على صفقة أراضي علم عليه فيها شريف بأسلوب ملتوٍ.
​مراد نفخ الدخان في الهوا وبص لشريف بابتسامة صفرا وقاله: “يا أهلاً بنجم الغلاف.. منور التخشيبة يا شريف.”
شريف بلع ريقه وقال بنبرة مكسورة: “مراد؟ أنت إيه اللي جابك؟ سمر هي اللي بعتتك؟”
​مراد ضحك بصوت عالي، ضحكة هزت جدران المكتب، وقام وقف وقرب من شريف وقاله: “سمر؟ سمر فاكرة نفسها السيدة الحديدية اللي خططت ونفذت لوحدها.. سمر متعرفش إني أنا اللي كنت بحرك خيوط اللعبة دي كلها من ورا الستار من تلات سنين.”
​شريف برّق عينيه وقال: “أنت بتقول إيه؟”
​مراد كمل بخبث: “يا مغفل.. سمر كانت بتثق فيا ثقة عمياء بعد ما أنت بدأت تتغير معاها. أنا اللي كنت بلمحلها عن نزواتك، وأنا اللي سرّبت لها الفيديو بتاعك مع صافي، وأنا اللي أقنعتها تسحب الودائع من بنوكك في التوقيت ده بالذات. بس سمر عملت كل ده دافع الانتقام والكرامة.. أما أنا؟ أنا عملت كده عشان آخد شركتك ‘فانغارد’ اللي أنت خدتها مني زمان، وآخد معاها ‘مجموعة الشروق’ بتاعت سمر نفسها!”
​شريف حس إن الدوامة بتوسع، وبقى مش فاهم مين مع مين. مراد وطى على مستوى وشه وقاله بصوت واطي زي فحيح الأفاعي: “أنا جاي أعرض عليك صفقة.. أنا هخرجك من هنا بكرا الصبح، وهشيل عنك كل القضايا، بس بشرط واحد.. تديني النسخ الأصلية من عقود الشراكة القديمة اللي بينك وبين سمر، العقود اللي تثبت إن مجموعة الشروق اتمولت في البداية من أصول شركتك أنت.. بالعقود دي، أنا ههدم إمبراطورية سمر، وهحجر عليها، ونقسم التورتة أنا وأنت.. هاه، قولت إيه؟ تفضل هنا سبع سنين، ولا تخرج معايا وتنتقم من الست اللي رمتك على الرصيف؟”
​شريف وقف مذهول، اللعبة كبرت وبقت فوق طاقته، وبقى قدامه اختيارين أصعب من بعض: يا إما يفضل في السجن ويسيب سمر تواجه غدر ابن عمها لوحدها، يا إما يتحالف مع الشيطان اللي عايز يدمرها ويدمر هو كمان الست الوحيدة اللي حبته بجد..
​وفي نفس اللحظة، في مكتب سمر العملاق، تليفونها الشخصي رن، وظهر على الشاشة رقم مجهول، ولما ردت، جاءها صوت غامض بيقولها: “الحقي يا هانم.. مراد المنصوري جوه القسم حالياً مع شريف، واللعب الليلة دي اتقلب عليكي!”
​يا ترى شريف هيبيع سمر عشان يخرج من السجن؟ وسمر هتعمل إيه لما تعرف إن أقرب الناس ليها كان بيغفلها؟ اللعب مابقاش مجرد انتقام زوجي.. اللعب بقى حرب تكسير عظام، والجزء الجاي هيولع الدنيا!سمر لما سمعت الجملة دي من الصوت الغامض في التليفون، قلبها ما اتهزش، بس عينيها لمعت بذكاء مرعب. قفلت السكة من غير ما تنطق بكلمة واحدة، وقامت وقفت قدام الشباك الإزاز الكبير اللي كاشف المحور والبلد كلها من فوق. ضحكت ضحكة مكتومة وقالت لنفسها: “فاكرني مغفلة يا مراد؟ فاكر إنك لما تسربلي ورق شريف وتلعب من ورايا هسيبك تاخد التورتة؟ أنت اللي بدأت اللعب التقيل.”
​جوه مكتب المأمور، شريف كان باصص لمراد وعقله بيلف زي الساقية. مراد حط الورق والقلم قدامه على المكتب وقال بقلة صبر: “خلص يا شريف، امضي هنا على التوكيل اللي يخليني أطلع العقود القديمة من مخزنك السري، وخلال ساعة هتكون برة، والست اللي ذلتك دي هجيبها تركع تحت رجلينا.”
​شريف مسك القلم، إيده كانت بترتعش، واقترب من الورقة.. بس في اللحظة الأخيرة، افتكر شكل سمر وهي في الجنينة، افتكر الأيام اللي كانت بتسهر فيها جنبه وهو عيان قبل ما الفلوس تعميه. واكتشف حاجة مهمة.. إنه لسه بيحبها، وإن ندمه حقيقي مش مجرد خوف من السجن. شريف رمى القلم في وش مراد وقال بصوت قوي: “مش هبيع سمر يا مراد.. أنا دمرت حياتي بإيدي، وأستاهل السجن، بس مش هبقى خاين وزبالة زيك.”
​مراد وشّه اتقلب وبقى زي الشياطين، وكان لسه هيزعق ويطلب العساكر يرموا شريف في الزنزانة، بس الباب اتفتح فجأة بضربة قوية.
​دخلت سمر، وبخطواتها الثابتة اللي بتهز الأرض، ووراها المستشار القانوني لوزارة العدل ومعاهم لواء من مباحث الأموال العامة. مراد وقف مخضوض وقال: “سمر؟! أنتي إيه اللي جابك هنا؟”
​سمر بصت لمراد بامتياز وقالت: “جاية أشوف نهايتك يا ابن عمي.” وبصت للواء اللي معاها وقالت: “اتفضل يا فندم، ده مراد المنصوري، المتهم الأول بتزوير أوراق مجموعة الشروق، واختلاس 200 مليون جنيه من حسابات الشركة برة مصر، وتحريض شركات وهمية لضرب الاقتصاد.”
​مراد وشه جاب ألوان وصرخ: “أنتي بتقولي إيه؟ معكيش دليل!”
المستشار القانوني طلع جهاز تسجيل وقاله: “كل مكالماتك مع الشركات الوهمية، وكل تحركاتك من تلات سنين مرصودة بالصوت والصورة بطلب من المنصوري هانم.. اتفضل معانا.”
​العساكر قربوا من مراد وكلبشوه في ثانية، وهو بيصرخ وباصص لسمر بغل: “مش هسيبك يا سمر! ههدك!” بس الأمن سحبه برة وهو متبهدل، في نفس المكان اللي شريف كان واقف فيه من شوية.
​المكتب فضي، ومبقاش فيه غير شريف وسمر. شريف كان باصص في الأرض من كتر الكسوف والخزي، وقال بصوت مخنوق: “أنا أسف يا سمر.. أنا رفضت أمضيله، وكنت مستعد أدخل السجن ولا إني أأذيكي.. أنا عرفت قيمتك بس بعد ما خسرت كل حاجة.”
​سمر قربت منه، ونظرت لعينيه النظرة الطيبة القديمة اللي كان مشتاق لها، وقالت بنبرة هادية بس حاسمة: “أنا عارفة إنك مأفضتش يا شريف.. وعشان كده أنا جيت. وعشان كمان تفهم إن سمر اللي استهونت بيها، تقدر تحميك وتقدر تدمرك.”
​شريف دمع وقال: “يعني مسمحاني؟”
سمر لفت ضهرها وقالت وهي بتمشي ناحية الباب: “المسامحة دي في البيت.. القضايا اللي عليك أنا سحبتها، وشركتك هترجعلك، بس تحت إشرافي وإدارتي أنا بالكامل.. أنت من النهارده موظف عندي يا شريف بيه، والكلمة كلمتي.. لو عاجبك، اجهز عشان بكرا عندنا اجتماع مجلس إدارة الساعة 8 الصبح، ومبحبش التأخير.”
​سمر خرجت من المكتب وركبت عربيتها الـ VIP السودا وهي بتبتسم بثقة، وشريف وقف يبص وراها بذهول وراحة في نفس الوقت، وعرف إن حياته القديمة انتهت للأبد، وبدأت حياة جديدة كليًا.. حياة مفيهاش وجاهة كدابة، بس فيها “السيدة الحديدية” اللي مفيش مخلوق يقدر يقف قدامها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *