المحقق شيرين

المحقق شيرين كانت واقفة وسط تراب البدروم، عينيها مبرقة والكلشاف في إيدها بيرعش وهو متوجه على الحفرة اللي ورا المرتبة المعفنة. الصوت في المكان اقطع تماماً، مفيش غير صوت أنفاس العساكر المنتظمة وضربات قلب شيرين اللي كانت بتطحن في صدرها.
​بحرص شديد، نزلت على ركبها، وبدأت تشيل التراب والشكاير الفاضية ببرود يحسد عليه، لحد ما إيدها خبطت في حاجة ناشفة.. حاجة حديد. كانت خزنة صغيرة مدفونة بعناية تحت البلاط المكسور.
​شيرين بصت لنجلاء اللي كانت واقفة فوق، وشها اللي كان مرسوم عليه البرود والثقة فجأة اتقلب، الشاحب غطا ملامحها، وعينيها بدأت تزيغ يمين وشمال كأنها بتدور على مخرج من مصيبة ملهاش آخر.
​— “الخزنة دي فيها إيه يا نجلاء؟” شيرين سألت بصوت واطي بس حاد زي الموس.
نجلاء بلعت ريقها بالعافية، وحاولت ترجع قناع البرود تاني: “دي.. دي حاجات قديمة بتاعة جوزي الله يرحمه.. ورق وشهادات ميلاد العيال، مفيش حاجة مهمة يعني.”
​شيرين ما صدقتهاش، شاورت للعسكري: “هاتلي حد يفتح البتاعة دي فوراً.”
​وفي المستشفى، مصطفى كان لسه قاعد على البلاط، ساند ضهره على الحيطة البيضا الباردة، تليفونه المرمي جمبه كان بيزن تاني. كانت شيرين.
مصطفى رد بصوت مكسور، صوته كان طالع من حتة غريقة جوة روحه: “أيوة يا فندم.. أرجوكي قوليلي إن الواد ياسين هيعيش.. أنا مش هتحمل خسارة تانية بعد أحمد أخويا.”
​شيرين ردت عليه بس نبرتها كانت غريبة، فيها ذهول وخوف: “مصطفى.. ياسين وأخته في أمان دلوقتي والمستشفى مقلوبة عشانهم. بس أنا عايزاك تجيلي حالاً على بيت أحمد.. إحنا لقينا حاجة هنا هتغير كل حاجة إحنا عارفينا عن موت أخوك.”
​مصطفى حس برعشة في جسمه كله. أحمد أخوه مات من 8 شهور، والتقرير الطبي قال وقتها إنها سكتة قلبية مفاجئة وهو نايم. أحمد كان راجل رياضي، عمره ما شكى من قلبه، ومصطفى طول الوقت كان جواه غصة مش قادر يفسرها، بس كلام نجلاء وعياطها المزيف وقتها قفلوا أي كلام.
​مسح وشه بكفوفه، قام وقف على رجليه بالعافية، بص على ياسين وجودي من ورا زجاج العناية المركزة، ياسين كان نايم ومتعلق له محاليل، ورجله متجيرة ومرفوعة لفوق، وشكله وهو نايم كان أصغر بكتير من البطولة اللي عملها.
​”هجيلك يا أحمد.. هجيب حق عيالك وحقك لو ليك حق.” تمتم مصطفى بكلامه وجرى برة المستشفى وركب أول ميكروباص رايح للتجمع.
​الساعة كانت داخلة على واحدة بالليل لما مصطفى وصل العمارة الشيك. الأنوار كانت قوية، وعربيات الشرطة مغرقة الشارع، والجيران واقفين على البلكونات بيتوشوشوا بذهول. مصطفى نزل البدروم، المكان اللي كان ريحته كتمة ورطوبة وتراب، وشاف شيرين واقفة قدام الخزنة اللي اتفتحت خلاص.
​على التربيزة اللي في البدروم، كان فيه ورق كتير، وتقارير طبية، والأخطر من ده كله.. علبتين دواء فاضيين، وشريط تسجيل قديم من بتوع زمان.
​شيرين بصت لمصطفى وقالت له: “نجلاء مش بس كانت ببتعامل العيال دي بوحشية يا مصطفى.. نجلاء كانت بتخطط للتخلص من العيلة دي كلها.”
​مصطفى مسك تقرير طبي من الورق، وبدأ يقرأ وعينيه بتتحرك بسرعة. التقرير كان صادر من مستشفى خاص ببريطانيا باسم أحمد أخوه، بتاريخ قبل وفاته بشهرين. التقرير بيقول إن أحمد عمل تحاليل ولقى نسب عالية جداً من مادة سامة بتسبب توقف مفاجئ لعضلة القلب على المدى الطويل لو اتأخدت بجرعات صغيرة!
​”يعني إيه؟” مصطفى سأل وصوته بيرعش، “أحمد كان عارف؟”
​شيرين هزت راسها: “أحمد بدأ يشك لما صحته تدهورت فجأة. سافر برة بحجة شغل وعمل التحاليل دي في السر عشان مراته ما تعرفش. ولما رجع، واجهها.. وده اللي مسجل هنا.”
​شيرين ضغطت على زرار تشغيل في جهاز التسجيل الصغير اللي لقتوه جوة الخزنة. صوت أحمد طلع.. كان تعبان ومبحوح، بس مليان غضب:
— “أنا عرفت كل حاجة يا نجلاء.. الأكل اللي كنتي بتقدميه ليا، العصير اللي كنتي بتقولي إنه فريش عشان صحتي.. أنتِ كنتي بتموتيني بالبطيء! التحاليل أهي.. أنا هوديكِ في داهية، ومش هخليكِ تلمسي مليم من فلوسي ولا تشوفي العيال تاني.”
​صوت نجلاء رد عليه في التسجيل، وكان بارد ومخيف، نفس البرود اللي واجهت بيه الشرطة:
— “وريني هتعمل إيه يا أحمد.. أنت خلاص جسمك مهدود، والناس كلها عارفة إن قلبك تعبان. مين هيصدقك؟ الورق ده لو طلع، أنت مش هتعيش لليوم اللي هتقف فيه قدام القاضي.”
​التسجيل خلص بصوت هبدة قوية، كأن التليفون أو جهاز التسجيل وقع على الأرض، وبعدها سكون تام.
​مصطفى دموعه نزلت بغزارة، وعروق وش رقت من الغضب: “الـ… قت*لوه! ق*تلت أخويا! وأنا اللي كنت فاكرها زعلانة عليه!”
​شيرين كملت: “أحمد كان كاتب كل أملاكه، الشركتين وعمارة التجمع والمبالغ اللي في البنك، باسم العيال، ياسين وجودي، وعمل وصية إن مصطفى — اللي هو أنت — تكون الوصي الشرعي عليهم في حال وفاته، مش نجلاء. أحمد كان عارف إنها طمعانة، بس مالحقش يوثق الوصية دي في الشهر العقاري بشكل نهائي، أو نجلاء عرفت بطريقتها واختفت بالوصية الأصلية والورق ده كله بعد ما مات، وحبست العيال في البدروم عشان تجبرهم لما يكبروا شوية، أو تزور إمضاءاتهم وتتنازل عن كل حاجة لنفسها، ولما ياسين بدأ يفهم ويحاول يهرب.. كسرت رجله.”
​مصطفى حس إن الدنيا بتلف بيه، الج*ريمة كانت أكبر بكتير من مجرد أم قاسية، دي شبكة من الغدر والدم والفلوس.
​نجلاء كانت قاعدة فوق في الصالة، مكلبشة في الكرسي، والكلابشات الحديد في إيدها. مصطفى طلع لها وعينيه حمرا زي الدم. العساكر وقفوا في النص عشان يمنعوه، بس هو صرخ فيها بأعلى صوته: “ليه؟! عملك إيه أحمد؟ ده كان شايلك على راسه! والعيال.. العيال ذنبهم إيه يتحبسوا مع الفئران في الضلمة ورجلهم تتكسر؟ أنتِ مش بني آدمة، أنتِ شيطان!”
​نجلاء رفعت راسها وبصت له بحقد متداري ورا نظرتها الباردة: “أحمد كان فاكر نفسه ذكي.. كان فاكر إنه هيرميني برة بعد كل السنين دي ويحرمني من الشقا ده كله. الفلوس دي فلوسي أنا، والعيال دول عيالي، وأنا حرة أربيهم بالطريقة اللي تعجبني.”
​المحققة شيرين دخلت الصالة وقالت بصوت حازم: “نجلاء عبد الرحمن.. أنتِ مقبوض عليكِ بتهمة الق*تل العمد مع سبق الإصرار والترصد للمرحوم أحمد رأفت، وبتهمة التعذيب والشروع في ق*تل أطفالك ياسين وجودي أحمد رأفت. خدوها على البوكس.”
​نجلاء وهي ماشية وسط العساكر، لفت وشها لمصطفى وقالت بابتسامة خبيثة ترعب: “فاكر إنك كسبت يا مصطفى؟ الوصية الأصلية مش معاك، والفلوس في البنك مش هتقدر تصرف منها جنيه واحد على العيال دي، وهتموتوا من الجوع سوا.”
​مرت الأيام، وياسين بدأ يتعافى في المستشفى. جودي ما كانتش بتفارق حضنه، والاتنين بقوا يترعبوا من أي صوت عالي أو أي باب يتقفل. مصطفى كان قاعد جمبهم طول الوقت، يسهر على راحتهم، ويأكلهم بنفسه، ويحاول يرجع الضحكة لوشوشهم الدبلانة.
​في يوم، وياسين قاعد في السرير، بص لعمه وقال له بصوت بريء: “عمو مصطفى.. هي هانم هترجع تاني؟” (كانوا بيقولوا عليها هانم من كتر الرعب).
​مصطفى خد ياسين في حضنه وطبطب عليه: “لا يا قلب عمك.. مش هترجع تاني أبداً. عمك معاك ومش هسيبك لو على رقبتي.”
​ياسين سكت شوية، وبعدين حط إيده الصغير في جيب شورت مصطفى وطلع حاجة صغيرة جداً.. مفتاح قديم ومصدي.
​”إيه ده يا ياسين؟” مصطفى سأل باستغراب.
​ياسين بص حواليه كأنه خايف حد يسمعه وقال بوشوشة: “ده مفتاح الشنطة الكبيرة اللي بابا كان مخبيها في عربيتي اللعبة الكبيرة اللي في الأوضة فوق.. بابا قالي قبل ما ينام ويموت بيوم واحد: (يا ياسين، لو بابا جرى له حاجة، المفتاح ده تديه لعمك مصطفى وبس، ومحدش يشوفه خالص). أنا خبيته في شرابي طول الشهور دي يا عمو، وكنت خايف هانم تاخده مني.”
​مصطفى حس إن روحه رجعت له. أحمد ساب الدليل الأخير مع ابنه البطل!
​في نفس الليلة، مصطفى أخد إذن من النيابة ودخل الشقة تاني مع المحققة شيرين، وراحوا على أوضة الألعاب القديمة مبهدلة. وسط الكراكيب، لقوا عربية نقل لعبة كبيرة مكسورة العجل. مصطفى قلبها وفتح بطنها، ولقى علبة حديد صغيرة مقفولة بقفل صغير.
​حط المفتاح.. لف.. القفل فتح.
​جوة العبة، كانت الصدمة الكبيرة اللي نجلاء ما كانتش تعمل حسابها أبداً. مش بس الوصية الأصلية الموثقة بالصوت والصورة وشهادة الشهود اللي بتثبت إن مصطفى هو الوصي الوحيد.. لأ، كان فيه حاجة ثانية.. فلاشة سودا صغيرة.
​شيرين حطت الفلاشة على اللاب توب بتاعها، وفتحت الملفات. الملف الأول كان فيديو مصوره أحمد بنفسه في المطبخ بكاميرا تجسس صغيرة مخفية.
​الفيديو كان واضح جداً.. نجلاء كانت واقفة في المطبخ، بتفتح كبسولة دواء وترش البودرة اللي جواها في كوباية العصير بتاعة أحمد، وبتقلبها بدم بارد وهي بتبتسم في المراية.
​شيرين دموعها نزلت من البشاعة: “الست دي مش هتاخد إعدام بس.. دي هتدخل التاريخ في الجرم.”
​بعد ست شهور من الحادثة دي..
​محكمة الجنايات كانت مقلوبة على آخرها. الق*ضية رأي عام، ومصر كلها بتتكلم عن الطفل البطل ياسين اللي زحف 7 شوارع برجله المكسورة عشان ينقذ أخته ويفتح ملف ج*ريمة قتـ..ل أبوه.
​نجلاء كانت واقفة في قفص الاتهام، وشها أسود ومفيش فيه أي معالم للجمال اللي كانت بتتباهى بيه. المحامي بتاعها حاول يقول إنها مريضة نفسية، وحاول يشكك في التسجيلات.
​لكن القاضي وقف، وبدأ ينطق بالحكم وصوته كان بيهز قاعة المحكمة:
“بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الشهود، ورؤية الأدلة الدامغة التي لا تدع مجالاً للشك.. فإن المحكمة ترى أن المتهمة نجلاء عبد الرحمن قد تجردت من كل معاني الإنسانية والأمومة، بل وفقت الشياطين في تدبيرها. حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء.. بإحالة أوراق المتهمة إلى فضيلة مفتي الديار المصرية..”
​قاعة المحكمة انفجرت بالتهليل والتكبير، ومصطفى قعد على ركبه وهو بيشكر ربنا ودموعه مغرقة وشه.
​مرت سنة كاملة..
الوضع اتمهد تماماً، ومصطفى أخد ياسين وجودي وعاشوا في شقة جديدة، أوسع وفي مكان هادي ونضيف بفلوس والدهم اللي بقت تحت رعاية مصطفى بأمر المحكمة. ياسين رجع يمشى طبيعي بعد عمليات وعلاج طبيعي طويل، وبقى في الصف الأول الابتدائي، وجودي بقت تضحك وتلعب وتروح الحضانة.
​في ليلة من ليالي الصيف، مصطفى كان قاعد في البلكونة بيشرب شاي، وياسين وجودي كانوا بيلعبوا جمبه باللعيب والمكعبات والضحكة مالية المكان.
​ياسين ساب اللعبة وجرى على عمه، قعد في حضنه وقال له: “عمو مصطفى.. أنا بحبك أوي.”
​مصطفى باسه من راسه وقال له: “وأنا بحبك يا بطل.. أنت اللي أنقذتنا كلنا يا ياسين.”
​ياسين ابتسم، بس ملامحه قلبت فجأة بجدية مش بتاعة عيل في سنه، وبص لعمه وقال له بصوت واطي: “عمو.. أنا عمري ما قولتلك على الراجل اللي كان بيجي لـ “هانم” في البدروم بالليل وهي فاكرانا نايمين.”
​مصطفى جسمه سقع فجأة، وحط كوباية الشاي من إيده: “راجل؟ راجل مين يا ياسين؟”
​ياسين بص للشارع وقال ببرود: “راجل كان بيديها الأكياس وبتقول له (خلاص هانت وهنأخد كل حاجة ونمشي).. الراجل ده أنا شفته النهاردة الصبح واقف تحت العمارة الجديدة بتاعتنا وكان بيبص علينا!”مصطفى حس ببرودة الموت بتسري في عروقه، كوباية الشاي اللي في إيده اتهزت ودلق منها كام نقطة على رجله، بس هو مكنش حاسس بحاجة غير بضربات قلبه اللي بقت زي الطبل. بص لياسين وهو مش مصدق، العيل بيتكلم ببرود غريب، ملامحه مكنتش ملامح طفل عنده 7 سنين، دي ملامح راجل شاف من الدنيا ويلات تخلي شعره يبيض.
​مصطفى حاول يتماسك عشان ما يرعبش الواد، نزل لمستواه ومسكه من كتافه بالراحة وقال له بصوت حنين بس مخنوق: “ياسين.. يا حبيبي ركز معايا.. الراجل ده شكله إيه؟ وشفته فين بالظبط؟”
​ياسين شاور بإيده الصغيرة على أول الشارع، الحتة اللي تحت عمود النور المكسور، وقال: “كان لابس قميص أسود يا عمو، وحاطط كاب على راسه، ومخبي وشه بنظارة. لما شافني ببص له من البلكونة الصبح، ضحك وعملي بإيده كدة..” ياسين رفع صباعه على شفايفه وعمل حركة “اششش”، وكمل: “زي ما هانم كانت بتعملي بالظبط عشان أسكت.”
​في اللحظة دي، جودي سابت المكعبات وجريت عليهم، اتعربشت في رجل مصطفى وهي بتضحك: “عمو.. ياسين مش عايز يلعب معايا!”
​مصطفى خدها في حضنه وهو عقله بيلف في ساقية. “نجلاء ليها شريك!” الكلمة دي لفت في دماغه زي الإعصار. الست دي مكنتش بتخطط لوحدها، وكان فيه حد بيمدها بالسموم، ولما الق*ضية اتكشفت، الشريك ده هرب وفضل مستخبي في الضلمة، ودلوقتي.. دلوقتي جاي يدور على عيال أحمد، يا إما عشان ينتقم، يا إما عشان فيه سر تاني لسه مطلعش للنور!
​مصطفى دخل العيال جوة الشقة بسرعة وقفل باب البلكونة والستاير، وتاه في أفكاره. نجلاء في السجن مستنية حكم الإعدام، بس الشريك لسه برة، والوصية والأملاك كلها بقت باسم العيال، يعني العيال لسه في خطر.
​مصطفى منامش ليلتها. قضاها رايح جاي في الصالة، يبص من ورا الستارة على الشارع، ويفكر هيعمل إيه. أول ما الشمس طلعت، أخد العيال ووداهم بيت جارتهم الست “أم محمد”، ست طيبة وراجلها راجل حارة أصيل وبيثق فيهم وعارف قصة العيال.
​— “خلي بالك منهم يا أم محمد، ساعتين زمن وراجع، مشوار مهم ومش عايز أخد العيال معايا في الشمس.”
— “في عيني يا أبو أحمد، دول عيال الغالي، روح وتوكل على الله.”
​مصطفى مطلعش على النيابة ولا على القسم، هو كان عارف إن المحققة شيرين هي الوحيدة اللي ماسكة خيوط الق*ضية دي وفاهماها كويس. راح على مديرية الأمن، وطلب يقابلها. بعد نص ساعة انتظار، دخل مكتبها. شيرين كانت قاعدة ورا مكتبها، قدامها دوسيهات كتير، ولما شافت مصطفى وشكل وشه الشاحب وعينيه المجهدة، عرفت إن فيه مصيبة جديدة.
​— “خير يا مصطفى؟ وشك ما يبشرش بالخير، ياسين وجودي جرالهم حاجة؟” شيرين سألت بقلق.
​مصطفى قعد على الكرسي وهبد إيده على المكتب براحة: “يا فندم الج*ريمة مخلصتش.. نجلاء مكنتش لوحدها.” وحكالها كل اللي ياسين قاله بالظبط، وعن الراجل اللي ظهر تحت العمارة الجديدة.
​شيرين ظهرت عليها علامات الجدية، ساندت ضهرها لورا وفكرت شوية: “ياسين طفل ذكي، وكلامه مش من فراغ. وإحنا فعلاً وقت التحقيقات كنا بنسأل منين نجلاء جابت المادة السامة دي، لأنها مش مادة بتتباع في الصيدليات ولا سهلة الإيجاد، دي مادة مهربة وبتاعة ناس تقال.. نجلاء رفضت تتكلم وقالت إنها جابتها من على النت، بس إحنا مكنش داخل علينا الكلام ده.”
​شيرين قامت وقفت وفتحت دولاب حفظ القضايا، طلعت ملف نجلاء القديم، وبدأت تقلب في كشف المكالمات بتاعها اللي كان قبل القبض عليها بـ 6 شهور.
​— “بص يا مصطفى..” شيرين شاورت على رقم متكرر بأسماء وهمية كتير، “الرقم ده كان بيتصل بنجلاء في أوقات متأخرة من الليل، ودايماً المكالمة متزيدش عن دقيقة. تتبعنا الرقم ده وقتها ولقيناه خط بدون بيانات، واتقفل تماماً من يوم ما اتقبض على نجلاء. بس لو الراجل ده ظهر تاني تحت بيتكم، يبقى هو بيدور على حاجة.”
​— “بيدور على إيه يا فندم؟” مصطفى سأل بلهفة، “الورق والفلوس وكل حاجة بقت معانا وتحت إيد المحكمة!”
​شيرين بصت له بنظرة ثاقبة: “الفلاشة اللي لقيتوها في العربية اللعبة.. أنت متأكد إنك شفت كل الملفات اللي عليها؟”
​مصطفى استغرب: “أيوة، إحنا شفنا الفيديو بتاع المطبخ والوصية وبس.”
​شيرين هزت راسها بالنفي: “لأ.. الفلاشة كان عليها مساحة مخفية، الخبراء بتوع التكنولوجيا عندنا لسه شغالين عليها من فترة عشان يفكوا التشفير بتاعها. أحمد الله يرحمه مكنش سهل، وكان مهندس كمبيوتر شاطر بجانب شركاته. أحمد حط على الفلاشة دي ملفات تانية خالص، غالباً هي الحسابات السرية للشركة اللي كان شغال معاها الشريك ده، أو مستندات تدين شبكة كبيرة لجلب المواد دي من برة مصر! وأحمد لما عرف، الشريك ده قرر يصفيه عن طريق نجلاء.”
​مصطفى حس بإن الحمل بيزيد فوق كتافه، يعني أخوه مات عشان كان بيدافع عن بلده وعن نفسه من شبكة مجرمين، والآن الدور على عياله.
​شيرين أمرت بقوة حراسة سرية تقف تحت بيت مصطفى من غير ما حد يحس، وطلبت من مصطفى إنه يتصرف طبيعي جداً، ولو شاف الراجل ده تاني ما يبينش أي رد فعل ويبلغها فوراً.
​مصطفى رجع أخد العيال من عند أم محمد، وحاول يظهر قدامهم بمظهر الأب الفرفوش، جاب لهم ألعاب وحاجات حلوة، وقعدوا يتعشوا سوا. وياسين كان بيبص لعمه بكام نظرة كأنه بيفهم بالذكاء إن فيه حاجة بتحصل، بس سكت ومقاليش حاجة.
​بعد العشاء، العيال ناموا. مصطفى قعد في الصالة والأنوار مطفية، ماسك تليفونه ومستني أي جديد من المحققة شيرين. الساعة بقت 2 بالليل.. الحارة بقت هادية تماماً، مفيش غير صوت الهوا وصوت كلاب السكك من بعيد.
​فجأة.. سمع صوت خربشة على باب الشقة!
​مصطفى جسمه اتصلب. الخربشة كانت خفيفة جداً، كأن حد بيحاول يفتح القفل بمفتاح مصطنع أو سلكة. مصطفى قام من على الكنبة بحذر، مشى على طراطيف صوابعه لحد ما وصل ورا الباب. سحب نفس طويل، وبص من العين السحرية.
​المكان برة على السلم كان ضلمة، اللمبة بتاعة الدور كانت مكسورة، بس من ضوء القمر اللي جاي من منور السلم، شاف خيال راجل طويل، حاطط كاب، وبيحاول بآلة حديد يفتح الكالون!
​مصطفى مكنش قدامه وقت يفكر، لو صرخ الراجل هيهرب، ولو فتح الباب الراجل ممكن يكون معاه سلاح. طلع تليفونه بسرعة وبعت رسالة لشيرين: “الراجل على الباب دلوقتي حالا!”
​وفي نفس اللحظة، الخربشة وقفت. الكالون لف.. والباب بدأ يتفتح ببطء!
​مصطفى استخبى ورا الباب، وقلبه بيدق لدرجة إنه حاسس إن الراجل هيسمعه. الراجل دخل الشقة، خطوة ورا خطوة، كان ماسك في إيده مسدس كاتم للصوت، وبدأ يتحرك برجل خفيفة تجاه أوضة الأطفال!
​مصطفى حس إن الدم غلى في عروقه، عيال أخوه خط أحمر، لو هيموت مش هيسمح لحد يلمسهم. لم المح من الصالة فازة فخار كبيرة وثقيلة، شالها بكل قوته، وطلع من ورا الراجل وهبدها فوق راسه بكل غل!
​الفازة اتكسرت مية حتة، الراجل صرخ صرخة مكتومة ولف بغضب وهو دايخ، المسدس وقع من إيده، وضغط على مصطفى ونزلوا الاتنين فوق الأرض يضربوا في بعض. الراجل كان قوي وجسمه رياضي، ضرب مصطفى بوكس في وشه خلاه يشوف الدنيا سودا، ومسكه من رقبته وبقى بيخنقه وهو بيقول بفحيح زي الأفاعي: “فين الفلاشة يا روح أمك؟ فين بقية الحسابات؟ هتموت زي أخوك!”
​مصطفى كان بيفرفر تحت إيده، النور بدأ يروح من عينيه، وبدأ يحس إن نهايته قربت.. وفي اللحظة دي، تليفون الراجل اللي في جيبه رن بنغمة غريبة، وفي نفس الوقت، صوت سرينات عربيات الشرطة ضرب في الشارع تحت العمارة وقفل الحارة كلها!
​الراجل اتخض وساب رقبة مصطفى، جرى على البلكونة عشان يهرب، ومصطفى كان على الأرض بيكح وبيحاول ياخد نفسه. الراجل نط من البلكونة على مواسير الغاز بخفة، ونزل في الشارع الضلمة ورا العمارة.
​عساكر الشرطة والمحققة شيرين كسروا الباب ودخلوا الشقة، لقوا مصطفى واقع في الأرض ورقبتها كلها علامات زرقا. شيرين جرت عليه: “مصطفى! أنت كويس؟ فين الراجل؟”
​مصطفى شاور على البلكونة وهو بينهج: “هرب.. هرب من ورا.. كان عايز الفلاشة.. كان بيقول حسابات!”
​العساكر جروا وراه، بس الراجل كان فص ملح وداب وسط شوارع ميت عقبة الضيقة والمتداخلة. شيرين دخلت أوضة الأطفال بسرعة، لقت ياسين صاحي وقاعد في السرير، واخد أخته جودي في حضنه ومغمي عينيها بإيده عشان ما تشوفش حاجة، والواد كان بيرعش بس صامد.
​شيرين طبطبت عليهم: “م تخافوش يا حبايبي، الشرطة هنا خلاص.”
​تاني يوم الصبح، في مكتب شيرين بمديرية الأمن..
مصطفى كان قاعد وحاطط شاش على وشه، وشيرين كانت ماسكة تقرير فني واصل ليها حالا من الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات.
​— “إحنا فكينا التشفير يا مصطفى..” شيرين قالت بنبرة كلها انتصار وخوف في نفس الوقت، “أحمد أخوك ساب قنبلة موقوتة. الفلاشة دي عليها كشف بأسماء شبكة دولية لتهريب الأدوية المغشوشة والمواد المخدرة الطبية، والشبكة دي بتضم أسماء دكاترة كبار وأصحاب شركات أدوية معروفة في مصر وبرة مصر.. الشريك اللي كان بيجي لنجلاء، والل كان بيحاول يفتح الباب عندك امبارح، طلع مش مجرد مجرم عادي.. ده يبقى..”
​شيرين سكتت شوية، وبصت لمصطفى بحزن وصدمة: “ده يبقى الدكتور (شريف رأفت).. ابن عمك أنت وأحمد!”
​مصطفى وقف من طوله، الكرسي اتقلب وراه: “شريف؟! شريف ابن عمي توفيق؟ اللي مسافر برة من سنين وبيقال إنه شغال في مستشفى كبيرة في ألمانيا؟”
​— “شريف مكنش في ألمانيا يا مصطفى، شريف كان هنا، وهو العقل المدبر للشبكة دي في مصر، وهو اللي أدار العملية كلها واستغل طمع نجلاء وغبائها عشان يخلص من أحمد لما أحمد كشف حسابات الشركة واكتشف اللعبة. شريف هو اللي كان بيدي نجلاء السم، وهو اللي كان بيمشي معاها في السكة دي عشان ياخدوا شركات أحمد ويغطوا على جرايمهم.”
​مصطفى حط إيده على راسه، الصدمة كانت فوق احتماله، الغدر جاي من لحمه ودمه، من ابن عمه اللي المفروض يكون سند ليهم بعد موت أحمد.
​شيرين كملت: “الخبر الحلو إننا بعد ما عرفنا هويته وتتبعنا تليفونه اللي وقع منه امبارح في الشقة أثناء الخناقة معاك، قبضنا عليه وهو بيحاول يهرب عن طريق المطار بجواز سفر مزور. شريف دلوقتي في الحبس، واعترف بكل حاجة وبكل الأسماء اللي معاه بعد ما واجهناه بالفيديوهات والملفات اللي فكيناها من الفلاشة.”
​مصطفى تنفس الصعداء، حس إن الكابوس اللي بدأ من ليلة أكتوبر لما ياسين ظهر على بابه برجله المكسورة، انتهى خلاص. حق أحمد رجع، ونجلاء وشريكها شريف هياخدوا جزاءهم العادل اللي يبرد نار القلوب.
​بعد مرور سنتين كاملين..
​العدالة أخذت مجراها بالكامل. المحكمة أصدرت حكمها التاريخي بإعدام نجلاء وشريف رأفت، والشبكة كلها اتفككت والناس دي دخلت السجون.
​في شقة مصطفى الجديدة، الشقة كانت مليانة نور وفرحة. ياسين بقى عنده 9 سنين، كبر وبقى شاطر جداً في مدرسته، وبقى بطل في رياضة الكاراتيه، ورجله خفت تماماً ومبقاش ليها أي أثر للكسر القديم. وجودي بقت بنت زي القمر عندها 6 سنين، بتروح المدرسة وضحكتها بتملى البيت كله.
​مصطفى كان واخد عيال أخوه في رحلة لـ “رأس البر”، قاعدين على الشاطئ في وقت الغروب. البحر كان هادي، والعيال بيجروا ويلعبوا في الرمل ومصطفى بيبص عليهم بابتسامة صافية، حاسس إنه أدى الأمانة ووفى بوعده لأخوه أحمد.
​ياسين جرى على مصطفى، رماه بنفسه في حضنه وهو بينهج من اللعب: “عمو مصطفى.. أنا وماما جودي بنحبك أوي، وبابا أحمد أكيد فرحان بينا دلوقتي في الجنة.”
​مصطفى دمع، وطبطب على ضهر ياسين: “أنا اللي بحبكم يا قلب عمكم.. أنتم اللي خليتوني أعرف يعني إيه حياة.”
​ياسين ابتسم وبص للبحر، وسكت شوية، وبعدين التفت لعمه وقال له بنبرة هادية بس فيها لمعة ذكاء غريبة: “عمو.. فاكر الشنطة اللعبة اللي كان فيها المفتاح؟”
​مصطفى استغرب: “آه يا حبيبي، فاكرها طبعاً، ما خلاص كل حاجة خلصت والورق فتحناه.”
​ياسين قرب من ودن مصطفى ووشوشه بصوت واطي جداً: “أنا مكنتش قايلك على كل حاجة يا عمو.. بابا أحمد قبل ما يموت، قالي إن المفتاح ده بيفتح القفل الصغير، بس جوة العربية اللعبة، تحت السلك الأحمر.. فيه زرار سري بيفتح حتة تانية خالص في بطن العربية.. بابا قالي إن فيها ورق تاني خالص باسمك أنت لوحدك يا عمو مصطفى.. ورق بابا قال عليه إنه (أمان ومستقبل مصطفى اللي شالني في تعبي).. أنا لسه ما طلعتش الورق ده من العربية لحد دلوقتي!”
​مصطفى تنح، وعينيه وسعت من المفاجأة.. الصدمات والأسرار اللي سابها أحمد مكنتش بتخلص، والظاهر إن القصة لسه ليها فصول تانية ميعرفهاش غير ياسين وبس!مصطفى حس إن الدقائق وقفت، وصوت موج البحر اللي كان عالي فجأة اتمحى من ودنه، مفيش غير صوت دقات قلبه وصوت ياسين وهو بينطق بالسر الجديد. بص للواد بذهول، كأن الواد ده مش مجرد طفل، ده صندوق أسرار مقفول وأحمد أخوه ساب معاه مفاتيح الدنيا كلها.
​— “ياسين.. أنت بتتكلم بجد؟ ورق إيه ده يا حبيبي؟” مصطفى سأل ونبرة صوته مرعشة من المفاجأة.
ياسين هز راسه بثقة وبراءة طفولية: “والله يا عمو، بابا قالي سيب الزرار ده بالذات ومتقولش عليه غير لما تلاقوا كل حاجة خلصت وعمو مصطفى يبقى مرتاح.. وأنا شايفك النهاردة فرحان وبتضحك، فقلت أقولك عشان نروح نطلعه سوا.”
​مصطفى مكدبش خبر، الشاي والرحلة وكل حاجة مابقاش ليها طعم من غير ما يعرف أخوه شايل له إيه. لَم الحاجه بسرعة، وأخد ياسين وجودي وركبوا أول بيجو راجعة على القاهرة. طول السكة، مصطفى عينه ما نزلتش من على ياسين، كان بيفكر في أحمد.. قد إيه أحمد كان حاسس بالغدر ومأمن كل خطوة، وقد إيه كان بيعز مصطفى وبيثق فيه لدرجة إنه يشيله سر زي ده في رقبة عيل صغير.
​وصلوا الشقة على نص الليل، العيال كانوا هلكانين من السفر. مصطفى دخل جودي سريرها ونيمها، وجرى على أوضة ياسين. الواد دخل جاب العربية اللعبة النقل القديمة اللي لسه محتفظ بيها وسط ألعابه الجديدة كأنها حتة من ريحة أبوه.
​ياسين قلب العربية، وبصوابعه الصغيرة ضغط على الحتة المكسورة جمب السلك الأحمر.. تك!
صوت تكة خفيفة، وفتحة صغيرة جداً في شاسيه العربية الحديد ظهرت، مكنتش تبان لأي حد حتى لو فتش العربية حتة حتة. ياسين دخل صباعه وطلع لفة ورق صغيرة جداً ملفوفة بلاستر أسود عشان الرطوبة.
​مصطفى أخد اللفة وإيده بتترعش، فك البلاستر براحة، وفتح الورق..
​الأولى كانت رسالة بخط إيد أحمد، مكتوبة بحبر جاف أزرق، وكلامها كان يوجع القلب:
​”أخي وسندي مصطفى.. لو أنت بتقرأ الورق ده دلوقتي، فغالباً أنا بقيت في دار الحق، وأنت شلت الحمل مكاني. أنا عارف إن نجلاء وشريف كانوا بيحفروا ورايا، وعارف إن عيالي عاشوا أيام سوداء، بس أنا واثق إنك جبت حقهم. يا مصطفى، أنا عمري ما نسيت إنك سبت تعليمك وشقاك عشان أنا أكمل تعليمي وأبقى المهندس أحمد.. الفلوس والشركات اللي باسم العيال دي حقهم، بس أنت حقك برقبتي ليوم الدين. الورقة اللي مع الرسالة دي هي عقد ملكية لأرض مساحتها 5 فدادين في مسقط رأسنا في الغربية، الأرض دي أنا شاريها وكاتبها باسمك أنت لوحدك من 3 سنين، ومحدش يعرف عنها حاجة ولا مخلوق، وعامل لك حساب بنكي سري فيه مبلغ يأمن مستقبلك ومستقبل أولادك لو اتجوزت، بعيد عن قرف الشركات والمحاكم. عيش يا أخويا واتهنّى، وافتكر إني كنت عارف إنك مش هتاكل حق عيالي.. ربنا يخليك ليهم.”
​دموع مصطفى نزلت زي المطر، غسلت كل التعب والخوف والوجع اللي عاشه السنين اللي فاتت. تاه في السطور، وحس إن روح أحمد حاضناه في الأوضة. بص لياسين اللي كان واقف مبتسم، وعينيه لمعت بدمعة صغيرة مسحها بسرعة بظهر إيده.
​مصطفى أخد ياسين في حضنه، وضمّه بكل قوته: “الله يرحمك يا أحمد.. الله يرحمك يا صاحبي وأخويا.. نام وارتاح، عيالك في عينيا وفي قلبي لحد ما أقابل ربنا.”
​بعد مرور خمس سنين كمان.. (سنة 2031)
​الزمن دار، والضحكة اللي غابت عن البيت رجعت ومالت الحيطان. مصطفى استغل الأرض والفلوس اللي سابها له أحمد، وعمل مشروع زراعي كبير في الغربية، وبقى راجل أعمال ناجح بس بقلب طيب بتاع حارة ميت عقبة.
​ياسين بقى شحط، طوله بقى يقرب من طول عمه، وبقى في أولى ثانوي.. نفس السن اللي كان فيه أحمد لما بدأ يحلم. وياسين مكنش مجرد طالب، ده بقى بطل جمهورية في الكاراتيه، وشه بقى فيه هيبة ورجولة، وكل ما يبص لعمه مصطفى يبص له بنظرة فخر واحترام. وجودي بقت بنت زي القمر في الابتدائي، شاطرة وهادية، وضحكتها بتنور البيت.
​في يوم جمعة، العيلة كلها كانت متجمعة في فيلا مصطفى الجديدة اللي بناها وسط أرضه. الشمس كانت دافية، وصوت العصافير مالي المكان. مصطفى كان قاعد على الكرسي الهزاز، وياسين جمبه بيراجع معاه كشف حسابات المزرعة بذكاء يطمن.
​مصطفى بص لياسين وقال له وهو بيضحك: “يا واد ارحم نفسك من الحسابات دي وقوم العب مع أختك، طالع لأبوك الله يرحمه في الدماغ الناشفة.”
​ياسين قفل الدفتر، وبص لعمه بابتسامة صافية كلها رضا وقال: “ما هو أنا لازم أتعلم كل حاجة يا عمو.. عشان لما أدخل هندسة وأمسك شركات بابا، أبقى قد المسؤولية وأريحك أنت.. أنت شلت كتير أوي يا عمو، وجه الوقت اللي أنا أشيلك فيه.”
​مصطفى حس إن قلبه هيقف من كتر الفرحة، بصل للسما وقال: “الحمد لله.. الأمانة وصلت يا أحمد، وعيالك بقوا رجالة يشيلوا جبال.”
​وفي اللحظة دي، جودي جريت عليهم وهي ماسكة تورتة صغيرة بمناسبة عيد ميلاد مصطفى، والكل بدأ يغني ويضحك.. وانطوت صفحة العذاب والدم، واتفتحت صفحة جديدة كلها أمل ونور، لبيت بدأ بحكاية وجع في بدروم ضلمة، وانتهى ببطولة طفل وعم صانوا العهد لحد ما وصلوا لبر الأمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *