حكايه هدي

عيالها كانوا قاعدين حوالين سفرة طويلة عريضة في الفيلا، الأكل مترصص كأنه بوفيه مفتوح في فندق خمس نجوم، وماجد لابس قميص من أغلى الماركات وساعته بتلمع في إيده، وليلى حاطة ميك أب كامل وبتلعب في تليفونها الأحدث موديل. أول ما الباب اتفتح ودخلت هدى، ماجد وقف بسرعة، مش عشان يأخد أمه في حضنه، لأ، عينه جت علطول على الراجل الوقور اللي داخل معاها والشنطة الجلد اللي في إيده. ليلى قامت هي كمان وابتسامتها كانت صفرا قوي، وقالت بنبرة فيها تمثيل “منورة يا ماما، أخيراً جيتي؟ ده إحنا مستنيينك من بدري”. هدى مبصتش للأكل ولا للفيلا اللي بتبرق، بصت في عيون عيالها ولقت فيهم نفس النظرة اللي بتلمع جشع، نظرة عمرها ما شافتها فيهم وهما صغيرين. قعدت هدى على رأس السفرة، وقعد جمبها الأستاذ رفعت المحامي وهو بيفتح قفل الشنطة الجلد بصوت مسموع، الصوت ده خلى ماجد يبلع ريقه وليلى تقعد على طرف الكرسي من التوتر. ماجد مأخرش الكلام، اتنحنح وقال ” منور يا أستاذ رفعت، بس أفهم من وجودك إيه؟ إحنا كنا عازمين أمي على لقمة وبنتكلم في موضوع عائلي تخص ورث بابا الله يرحمه”. الأستاذ رفعت طلع نظارة القراية، لبسها بهدوء قاتل، وبص لماجد ولقول ليلى وقال “أنا هنا بصفتي الوكيل القانوني الوحيد لتركة المرحوم عبد الحميد، وبناءً على طلب الست هدى، عشان نحط النقط على الحروف”. ليلى مأستحملتش وقالت “يعني الكلام بجد؟ بابا ساب أرض تمنها دخل في الـ 10 مليون جنيه زي ما سمعنا؟”. هدى هنا اتكلمت، وصوتها كان هادي بس قوي، هدوء ما بعد العاصفة، وقالت “أبوكم ساب كتير يا ليلى، ساب كتير قوي بس انتوا اللي كنتوا عمايا”.
ماجد عينيه وسعت وبدأ يفرك في إيده وقال “يا أمي إحنا طول السنين دي كنا فاكرين إن بابا مات ومحيلتوش حاجة، ولو كنا نعرف..”، هدى قاطعته بإيدها وقالت “لو كنتوا تعرفوا إيه؟ كنتوا جيتوا سألتوا عليا؟ كنتوا افتكرتوا عيد ميلادي اللي فات واللي قبله؟ كنتوا جيتوا زرتوني من غير ما تكونوا عايزين فلوس أو إمضاء؟”. ليلى اتوترت وقالت “يا ماما إنتِ عارفة مشاغل الدنيا والعيال والبيوتي سنتر بتاعي، المهم دلوقتي الأستاذ رفعت يقولنا الإجراءات إيه عشان نوزع الورث ده بما يرضي الله، والشرع بيقول للذكر مثل حظ الأنثيين، وأنا وماجد متفقين”. الأستاذ رفعت ابتسم ابتسامة غامضة، طلع ملف أزرق قديم، حطه على السفرة وفرد الورق وقال “المرحوم عبد الحميد سنة 1996، قبل وفاته بشهور قليلة، كان اشتري قطعة أرض كبيرة في منطقة حيوية جداً في أول طريق مصر الإسكندرية الصحراوي، الأرض دي وقتها كانت برخص التراب، لكن حالياً، بعد ما دخلت كردون مباني وبقى مبني حواليها كمبوندات، سعرها تجاوز الـ 10 مليون جنيه بمراحل”. ماجد اللعاب سال في بقه وفرحة طاغية ظهرت على وشه وقال “أنا قولت كده! أنا هعرف أستثمر المبلغ ده في البورصة وهعملكم شركه استيراد وتصدير باسم العيلة”. ليلى قاطعته “شركتك إيه يا ماجد؟ أنا ليا نصيبي هاخده كاش عشان هفتح فرع جديد للمركز بتاعي في التجمع”.
والاتنين بدأوا يتخانقوا ويعلوا صوتهم على بعض قدام أمهم، كأنها مش موجودة، كأن الراجل اللي مات وشقي عشان الأرض دي مش أبوهم. هدى كانت بتبصلهم بكسرة نفس، بس الكسرة دي حركت جواها قوة رهيبة. خبطت بكفها على السفرة خبطة هزت الكوبايات، وقالت بصوت زلزل القاعة “بس! اخرسوا خالص! انتوا بتوزعوا وترسموا في إيه؟ إنتوا مفكرين إنكم هتاخدوا مليم واحد من شقى أبوكم؟”. ماجد استغرب وقال “يعني إيه يا أمي؟ ده شرع ربنا، ده ورثنا من أبونا وإنتِ ليكِ التُمن”. الأستاذ رفعت قلع النظارة وحطها على الورق، وقال بنبرة حاسمة “الحقيقة يا بشمهندس ماجد، ويا أستاذة ليلى، إن الأرض دي مفيهاش مليم واحد ورث”. ليلى صرخت “يعني إيه؟ المحامي نصاب؟ الورق مزور؟”. رفعت رد بكل برود “لأ، الورق سليم مية في المية، بس المرحوم عبد الحميد قبل ما يموت بأسبوع واحد، كتب الأرض دي كلها ‘بيع وشراء رسمي’ باسم الست هدى، يعني الأرض دي ملك خالص وخاص للست هدى من تلاتين سنة، ومش تابعة للتركة، ومن حقها تبيعها، توهبها، أو تحرقها حتى لو عايزة، ومحدش فيكم ليه حق الشفعة ولا الاعتراض”.
الصدمة نزلت على ماجد وليلى كأنها صاعقة كهرومغناطيسية شلت حركتهم. ماجد وشه اتقلب ألوان، والدموية هربت من عروقه، وقف وبص لأمه بذهول وقال “كتبها باسمك؟ يعني إنتِ معاكِ 10 مليون جنيه وسايبانا عايشين في الضغط ده؟ سايباني بطلع عيني في السوق وسايبة أختك بتكحت في الصخر؟”. هدى وقفت قصاده، وبقت أطول منه بقيمتها ومبادئها، وقالتله “أنا اللي سبتكم؟ أنا اللي بعت حلقان جوازي عشان تخش الجامعة يا باشمهندس؟ أنا اللي كنت ببيع سندوتشات في المدارس ووشي يحمر من الكسوف لما حد من زمايلك يشوفني عشان أدفعلك مصاريف الكورسات اللي بالإنجليزي؟ أنا اللي كنت ببيت من غير عشا عشان أختك تشتري الهدوم البراند اللي عاجباها عشان متقليش عن صحابها؟”. ليلى بدأت تعيط بدموع تماسيح وقربت من أمه “يا ماما إحنا لحمك ودمك، مسامحانا على التقصير؟ إحنا كنا بنغيب بس بنحبك”. هدى زقتها بهدوء وقالت “الحب مش كلام يا ليلى. الحب سأل، الحب أود ومودة. إنتِ جيتي سألتي عليا في عيد ميلادي؟ أنا كنت قاعدة قدام التورتة لوحدي زي الكلبة، مستنية تليفون، مستنية رنة. مفيش حد فيكم افتكرني. ولما شميتوا ريحة الـ 10 مليون جنيه، عملتولي غدا عيلة ولميتوني؟”.
ماجد حاول يغير استراتيجيته، قال بنبرة هادية فيها خبث “ماشي يا أمي، إحنا غلطنا وبنعتذرلك، والفلوس دي بتاعتك وإحنا مش عايزينها دلوقتي، بس إنتِ ست كبيرة ومش هتعرفي تديري المبلغ ده ولا الأرض دي، هاتي توكيل رسمي عام ليا وأنا هبيع الأرض بأعلى سعر وأحطلك الفلوس في البنك تعيشي من أرباحها ملكة”. هدى ضحكت ضحكة عالية، ضحكة وجع وسخرية، وبصت للأستاذ رفعت وقالتله “قولهم يا أستاذ رفعت أنا عملت إيه في الأرض من أسبوع، أول ما جارتنا أم محمد قالتلي إنهم بيدوروا على الورث”. الأستاذ رفعت طلع وثيقة تانية، عليها أختام النسر واضحة وضوح الشمس، وقال “الست هدى باعت الأرض دي بالكامل من أسبوع لشركة تطوير عقاري بمبلغ 12 مليون جنيه كاش”. ليلى عينيها لمعت وقالت “يعني الفلوس معاكِ في البنك يا ماما؟”. رفعت كمل كلامه وقال “المبلغ بالكامل تم تحويله بناءً على رغبة الست هدى وبموجب عقود قانونية موثقة، لإنشاء مؤسسة خيرية باسم المرحوم عبد الحميد لبناء مستشفى لعلاج أورام الأطفال بالمجان، وتم تخصيص جزء من المبلغ كوقف خيري لدار أيتام وشراء أجهزة غسيل كلوي لمستشفيات حكومية.. الست هدى لم تبقِ لنفسها ولا لكم مليم واحد”.
الفيلا حلت عليها حالة من الذهول التام، ليلى صرخت صرخة مكتومة ووقعت على الكرسي وهي بتلطم على وشها “ضيعتِ شقانا! ضيعتِ مستقبلنا يا ماما! بتبني مستشفيات وسايبة عيالك؟”. ماجد هجم على السفرة ومسك الورق وهو مش مصدق، عينه كانت بتجري بين السطور، يدور على ثغرة، يدور على غلطة قانونية، لكن الختم كان حقيقي، والتوقيع كان توقيع أمه. بص لأمه بغل وغضب وقال “إنتِ مش أم.. إنتِ انتقمتِ مننا عشان نسينا يوم؟ عشان نسينا عيد ميلاد؟ بتضيعي من إيدينا 12 مليون جنيه؟”.
هدى بصتله بكل ثبات، ومسحت دمعة هربت من عينها بسرعة وقالت “أنا منقمتش منكم يا ماجد، أنا ربيتكم. بس الظاهر إني فشلت في التربية، فكان لازم أعلمكم الدرس الأخير. الفلوس دي مش شقاكم، دي شقى أبوكم وشقايا أنا. إنتوا لو كان في قلوبكم ذرة رحمة لأمكم، كنتوا ورثتوا الأرض دي وكنت هكتبهالكم بالتساوي وأنا عايشة، لكن إنتوا جيتوا عشان الفلوس، وعشان كده الفلوس راحت للناس اللي تستحقها، الناس اللي هتدعي لأبوكم بجد، مش الناس اللي مستنية موتي عشان تورثوني”. هدى لمت شنطتها الصغيرة، وبصت لعيالها نظرة أخيرة، نظرة خالية من أي عاطفة، وقالت “من النهارده، كل واحد فيكم يشق طريقه بنفسه، إنتوا دكاترة ومهندسين ومعاكم فلوس وشركات، عيشوا حياتكم ونبأوا افتكروا إن كان ليكم أم باعت كل حاجة عشانكم، وإنتوا بعتوها بلاش”.
التفتت هدى وخرجت من باب الفيلا بخطوات ثابتة وراس مرفوعة، والأستاذ رفعت وراها. ماجد حدف الكوبايات اللي على السفرة وكسرها وهو بيزعق بهستيريا، وليلى قعدت تبكي على حظها وعلى الملايين اللي طارت في الهواء. هدى ركبت التاكسي مع المحامي، وبصت من الشباك على شوارع القاهرة، ولأول مرة من سنين تحس إن قلبها خفيف، وإن الحمل اللي كان كاتم على نفسها انزاح. الدرس انتهى، والصفحة اتقفلت، والعيال اللي نسوا أمهم في عيد ميلادها، صحيوا الصبح لقوا نفسهم برة الحسبة خالص، مأخدوش من الدنيا غير الندم والسراب.هدى فضلت قاعدة في التاكسي، باصة لطريق الشيخ زايد وهو بيعدي من ورا الشباك، والنور بتاع العواميد بيعكس على وشها اللي رسمت الأيام عليه تجاعيد شقى وتعب. الأستاذ رفعت كان سايق في سكوت، مقدر حجم الوجع اللي جوة قلب الست اللي شالت جبال لوحدها وفي الآخر اترمى في وشها الجحود.
بعد مسافة، رفعت قطع السكوت ده وقال بنبرة هادية “تفتكري هيتعلموا الدرس يا ست هدى؟”. هدى اتنهدت تنهيدة طويلة، تنهيدة خرجت من حشا جوفها، وقالت “إلي فيه طبع يا أستاذ رفعت مبيشيلوش إلا الكفن. أنا مكنتش بعاقبهم عشان الفلوس، أنا كنت بفوقهم من الغيبوبة اللي هما فيها. الفلوس بتروح وتيجي، بس الأصول لو راحت، مش هيرجعها مية مليون جنيه”.
في الوقت ده، جوة الفيلا بالشيخ زايد، الدنيا كانت قايدة نار. ماجد كان قالب الصالة، كسر الفازات الكريستال، وحدف الكراسي وهو بيزعق زي المجنون “12 مليون! 12 مليون راحوا في الهوا! لدار أيتام ومستشفيات؟ وإحنا؟ إحنا اللي من لحمها ودمها تسبنا كده؟”. ليلى كانت قاعدة على الركنة، الميك أب بتاعها ساح من العياط واللطم، تليفونها م بطلش رن من السكرتيرة بتاعتها في المركز بتفكرها بشيكات الإيجار اللي مأخراها على أمل إنها تسددها من نصيبها في الورث. ليلى بصت لأخوها وقالت بصوت مبحوح “ماجد.. إحنا لازم نعمل حاجة. إحنا لازم نرفع قضية حجر عليها! أمك اتجننت، ست عندها 69 سنة وبتتبرع ب ثروة زي دي، أكيد مش في كامل قواها العقلية!”.
ماجد وقف مكانة، وفكرة الحجر دي لمعت في عينه زي الشيطان. مسك تليفونه وطلب رقم محامي صاحبه كبير، وحكاله على كل اللي حصل بسرعة ونبرة صوته كلها غل. المحامي على الناحية التانية سمع الكلام، وسكت شوية، وبعدين قال “يا ماجد بيه، الست باعت الأرض ب عقد بيع وشراء رسمي وقبضت الفلوس كاش، وحولتهم بحسابات بنكية موثقة لجهات حكومية وخيرية تابعة للدولة. يعني الأوراق مخرتش المية، والأستاذ رفعت ده ثعلب وقانوني قديم، ومأمن كل خطوة. لو رفعتوا قضية حجر، هترجعوا بخفي حنين، وفوقيها هتبقوا فضحتوا نفسكم في الجرايد وعلى السوشيال ميديا إنكم بتحجروا على أمكم عشان الفلوس، وسمعتك في السوق وسمعة أختك هتبقى في الطين”.
ماجد قفل السكة والدموع حابسة في عينه من القهر، رمى التليفون على الأرض اتفرفتك مية حتة. عرف إن اللعبة انتهت، وإن أمهم قفلت كل الأبواب في وشهم.
مرت الأيام، وهدى رجعت لبيتها القديم في شبرا. البيت اللي شهد شقاها وضحك عيالهم وهما عيال صغيرة. جارتها أم محمد عرفت باللي حصل، ودخلت عليها بصينية شاي سخنة، وقعدت جمبها وقالت “يا أم ماجد، قلبك طاوعك تكسري بخاطرهم كده؟ دول مهما كان عيالك، والضنا غالي”. هدى بصت لكوباية الشاي وقالت “يا أم محمد، الضنا اللي مبيشيلش أمه وهي حية، مش هيشيلها وهي ميتة. أنا سيبتلهم اللي يسندهم، ماجد عنده شركته وليلى عندها مركزها، بس أنا حيرت الفلوس دي لله عشان لما أقابل وجه كريم ألاقي حاجة تشفعلي، وعشان هما يفهموا إن الله حق”.
الغريبة بقى إن بعد شهرين من الواقعة دي، حال ماجد وليلى اتقلب تماماً. البيزنس بتاع ماجد بدأ يهتز بسبب أزمة في السوق، وكان محتاج سيولة سريعة عشان ينقذ شحنته في الميناء، وملقاش حد يسلّفه مليم، وبقى مهدد بالإفلاس. وليلى اضطرت تقفل فرع من فروع مركز التجميل بتاعها وتبيع عربيتها عشان تسدد الديون اللي عليها.
في ليلة شتا باردة، الساعة كانت تلاتة الفجر، هدى كانت قاعدة في صالتها بتقرأ قرآن، فجأة لقت الباب بيخبط خبطات خفيفة ومرعوبة. قامت فتحت، ولقت ماجد واقف على الباب، من غير البدرة الشيك، هدومه متبهدلة، ووشه شاحب، ووراه ليلى واقفه بتعيط ومنهارة من البرد والتعب.
ماجد بص في الأرض، ونزل على ركبه قدام أمه، ومسك رجليها وبكى بحرقة وقال “سامحينا يا أمي.. الدنيا دارت بينا وتعبنا، وإحنا مش عايزين فلوس ولا عايزين ورث، إحنا بس عايزين حضنك.. إحنا ملناش غيرك”. ليلى اترمت في حضن أمها وهي بتشهق “أنا آسفة يا ماما.. آسفة على كل يوم سبتك فيه لوحدك”.
هدى دموعها نزلت، قلب الأم عمره ما بيقسى للآخر، طبطبت على راس ماجد وأخدت ليلى في حضنها.. بس المرة دي، وهي بتضمهم، كانت عارفة إنهم رجعوا ندمانين ومكسورين، والدرس ساب علامة في قلوبهم مش هتتمسح طول العمر. الورث الحقيقي مكنش الـ 12 مليون، الورث كان اللحظة دي.. لما عرفوا إن الأم هي السند الوحيد اللي مبيتشرى بفلوس، وإن اللي يبيع أمه، الدنيا بتبيعه بأرخص سعر في سوق المزاد.دخلت هدى عيالها الصالة، وقفلت الباب وراهم من برد الشتا اللي كان بياكل في عضمهم. قعدوا في الأرض حوالين الدفاية القديمة، وماجد حاطط راسه بين إيديه والدموع نازلة من عينه في صمت، وليلى لسه متشبثة بعباية أمها كأنها عيلة صغيرة خايفة تتوّه في الزحمة.
هدى دخلت المطبخ، حطت براد الشاي على البوتاجاز، وبصت للنار وهي بتغلي. قلبها كان واجعها عليهم، بس كان فيه راحة غريبة.. راحة إن الوجع ده هو اللي هيصنع منهم بني آدمين بجد. خرجت بالصينية، صبتلهم الشاي بإيدها المرتعشة وقالت بصوت هادي وراسي “اشربوا يا عيال عبد الحميد.. اشربوا ودفو جسمكم”.
ماجد رفع راسه وبص لأمه بعيون حمرا وقال “يا أمي، أنا خسرت كل حاجة.. الشحنة المحجوزة في المينا اتباعت في المزاد، والشركاء سابوني، والفيلا اللي كنتِ فيها دي معروضة للبيع عشان أسدد قروض البنك.. أنا بقيت على الحديدة”. ليلى كملت وهي بتشهق “وأنا قفلت المركز يا ماما، ومبقاش حيلتي غير شقة إيجار صغيرة.. الدنيا اسودت في وشنا، وحسينا إن دي دعوتك علينا”.
هدى حطت كوباية الشاي وقالتلهم “أنا عمري ما دعيت عليكم يا ماجد، الأم تدعي على ضناها وتبكي لو استجاب. دي مش دعوتي، ده تخلي ربنا عنكم لما تtraceتوني وبعتوا الأصول. الفلوس اللي كنتوا بتجروا وراها ونسيتوني بسببها، هي اللي سبتكم وفضحتكم”.
ليلى مسكت إيد أمها وبستها “ونبي يا ماما تسامحينا، إحنا مستعدين نعيش معاكِ هنا في شبرا، نخدمك ونشيلك فوق راسنا، بس ارضي عننا”. هدى ابتسمت ابتسامة خفيفة، فيها حنان الأم وفيها برضه حكمة الست اللي شافت الدنيا، وقالت “البيت بيتكوا يا ليلى، وعمري ما هقفل بابي في وشكم.. بس عيشتكم هنا مش هتبقى لوع ومصلحة.. هتبقى عشان إنتوا محتاجين لبعض بجد”.
هنا، هدى قامت دخلت أوضتها، وفتحت الدولاب القديم، وطلعت من قعره علبة قطيفة حمراء تراب السنين مغطيها. خرجت ليهم، وقعدت وفتحت العلبة. ماجد وليلى بصوا جوة العلبة ولقوا “دفتر توفير” قديم قوي، ومعاه مفتاح حديد صدى.
هدى بصت لدفتر التوفير وقالت “أبوكم عبد الحميد، الله يرحمه، مكنش سايب الأرض دي بس.. كان سايب برضه ورشة ميكانيكا وخرطة صغيرة في السبتية، كان كاتبها باسمي من زمان برضه. الورشة دي أنا قفلتها من يوم وفاته ومحبتش أبيعها ولا أأجرها، وكنت بشيل فيها قرشين من شقايا وتفصيل الهدوم في الدفتر ده عشان الزمن.. الدفتر ده فيه مبلغ بسيط، مش ملايين، بس فيه بركة.. والورشة دي موجودة ومفاتيحها في إيدي”.
ماجد بص للمفتاح ودموعه نزلت تاني، بس المرة دي دموع أمل. هدى حطت المفتاح في إيد ماجد وقالتله “شيل بدلتك البراند يا بشمهندس، وانزل السبتية افتح ورشة أبوك، شمر عن دراعك واشتغل بلقمتك وعرقك لحد ما تقف على رجلك من جديد. وإنتِ يا ليلى، الورشة فيها قاعة صغيرة فوقيها، خديها ونظفيها وافتحي فيها مشغل خياطة صغير على قدك، زي ما أنا بدأت وعلمتكم”.
ماجد مسك المفتاح وباسه، وباس إيد أمه ورجلها وهو بيقول “وعد يا أمي.. وعد من النهارده مش هتشوفي مني غير الراجل اللي يشرفك ويشرف اسم أبويا”. وليلى اترمت في حضنها وهي حاسة بأمان ملقتهوش في وسط كل براندات ومظاهر الدنيا.
وفي ليلة عيد ميلاد هدى الـ 70، بعد سنة كاملة من الليلة ديك.. الصالة الصغيرة في شبرا كانت مليانة دفا وضيق. ريحة محشي ورق العنب كانت مالية المكان، والضحكة طالعة من القلب. ماجد كان قاعد بهدوم الشغل الكحلي، إيده فيها آثار شحم الورشة بس وشه منور ومرتاح، وليلى قاعدة جمبه بتورّي أمهات المنطقة فساتين بتفصلها في مشغلها الجديد.
وعلى السفرة، كانت فيه تورتة شيكولاتة صغيرة، وحواليها تلات أطباق بس.. تلات أطباق مليانين رضا وحب حقيقي. ماجد قام وولع الشمعة، وبص لأمه وقال “كل سنة وإنتِ طيبة يا ست الكل.. يا ورثنا الحقيقي اللي عشنا العمر كله مش شايفينه”.
هدى طفت الشمعة وهي بتبتسم، ولأول مرة من سنين، دموعها تنزل من الفرحة مش من الكسرة. شافت عيالها بيرجعوا لآدميتهم، وعرفت إن الـ 12 مليون جنيه اللي راحت للمستشفى بتبني جدران تعالج أطفال الناس، لكن الوجع والدرس اللي ادتهولهم.. كان المستشفى اللي عالجت قلوب عيالها من الجشع والأنانية. ونور الشمعة انطفى، بس النور اللي في البيت.. هيفضل قايد لأخر العمر.



