الصرخه

الضلمة اللي كانت محاوطة رانيا تحت الأنقاض مكانتش ضلمة ليل، دي كانت ضلمة قبر. النفس طالع بطلوع الروح، وكل حبة تراب بتدخل صدرها كانت بتخنق جواها ذكرى حلوة عاشتها في البيت ده. كانت سامعة صوت بعيد، صراخ وصرخات ناس في الشارع، كلاكيس عربيات إسعاف، وصوت لودر بيتحرك على أول الشارع، بس كل ده كان في حتة تانية، وهي في حتة تانية خالص.
​الوقت مبقاش ليه قيمة، الساعات بتعدي كأنها سنين. رانيا بدأت يجيلها هلاوس، تشوف حسن أبوها وهو بيصالحها ويديها مصروف زيادة ويقولها “إنتي ست البنات يا رانيا”، وتشوف منى وهي بتغدّيها بإيدها. بس فجأة الصدمة كانت بتفوقها؛ صورة منى وهي بتلف ضهرها وبتجري بكرم، والكلمة اللي لسه بتصّدي في ودنها: “سامحيني!”. الكلمة دي كانت الحبل اللي مخليها عايشة، مش حباً في الحياة، بس عشان تسألها: “ليه؟”.
​فجأة، وسط السكون ده، حست بحركة فوقيها. صوت خبط منتظم، وصوت رجالة بيزعقوا: “هنا يا رجالة! سامع صوت نفس هنا! شدوا الحيل!”، رانيا حاولت تصرخ، بس مطلعش منها غير كحة مكتومة دم. الطوب بدأ يتشال من فوقيها حتة حتة، والنور بدأ يدخل عينيها بالتدريج لحد ما عماها. شالوها على نقالة، وهي مش حاسة برجليها، وعينيها بتدور وسط الوشوش المتورمة من الصدمة في الشارع.. بتدور على منى، على حسن، على كرم.. مفيش حد.
​في المستشفى، رانيا عرفت الحقيقة الأولى اللي كسرّت باقي قلبها. حسن أبوها مات تحت الأنقاض وهو بيحاول يوصل للأوضة بتاعتها عشان ينقذها. مات وهو بيفكر فيها. أما منى وكرم؟ اختفوا. الجيران قالوا إنهم شافوا منى وهي راكبة عربية إسعاف مع الواد، وشها كان أبيض ومبرقة زي المجانين، ومن يومها مظهرتش في طنطا كلها. أكن الأرض انشقت وبلعتهم، أو أكن منى هربت من ذنبها.
​مرت 12 سنة.
​رانيا مبقتش الطفلة الضعيفة بتاعة زمان. الـ 12 سنة دول غيروها تماماً، عاشت في ملجأ ومؤسسات رعاية، كبرت وهي شايلة في قلبها غل يهد جبال، ترفض أي عيلة تحاول تتبناها، وتقول لنفسها: “اللي من دمي رمتني، الغريب هيحن عليا؟”. رانيا اتعلمت واشتغلت وصممت تدرس حقوق، عشان تفهم يعني إيه عدالة، وعشان اليوم اللي هتقابل فيه منى. رجليها اللي اتزنقت زمان سابت عاهة خفيفة، عرج ملحوظ بيظهر لما تمشي بسرعة، العرج ده كان كل يوم الصبح في المراية بيفكرها بالثمن اللي دفعته عشان كرم يعيش.
​بقت رانيا عندها 23 سنة، شغالة في مكتب محاماة كبير في القاهرة، هادية، مابتضحكش غير مجاملة، وملامحها حادة زي الس*كينة. في يوم عادي، وهي قاعدة بتراجع ملفات قضية تعويضات لشركة مقاولات، تليفونها رن. رقم غريب.
​رانيا ردت بنبرتها الرسمية الجافة: “أيوة، مين معايا؟”.
صوت راجل شاب، باين عليه التوتر والخوف، صوته كان بيرعش بس فيه نبرة خطفت قلب رانيا ورجعت بيها 12 سنة لورا. نبرة فكرتها بعلبة الألوان المأكولة.
الراجل قال: “أنا كرم.. كرم حسن المنشاوي. أنتي رانيا.. صح؟ أختي؟”.
​رانيا حست إن السقف بيقع عليها تاني، الدموية هربت من وشها، صوابعها اتجمدت على سماعة التليفون. كرم؟ الطفل اللي أمه فضلتّه عليها؟ اللي بسببه عاشت في ملجأ؟ اللي بسببه حسن مات؟
ردت بصوت خارج من قاع الغل: “عايز إيه يا كرم؟ وجايب رقمي منين؟”.
كرم بكى، بكاء حار، صوت شهقاته كانت عالية: “أنا دورت عليكي سنين يا رانيا.. المحامي بتاع الملجأ القديم هو اللي دلني عليكي بعد ما كبرت.. أنا محتاجلك، أمي.. أمي بتموت في المستشفى، وعايزاكي. بقالها 12 سنة عايشة ميتة، ومش هتمشي من الدنيا غير لما تشوفك.. أرجوكي يا رانيا، سامحيها وتعالي، إحنا في مستشفى القصر العيني”.
​رانيا قفلت السكة في وشه من غير ولا كلمة. قعدت على الكرسي وهي بتنهج، دموعها نزلت لأول مرة من سنين. “أسامحها؟ بالبساطة دي؟”. بس الغل اللي جواها تحول لفضول قاتل. هي مش هتروح عشان تسامح، هي هتروح عشان تبص في عينيها وتقولها: “أنا عشت، ومُمتش زي ما سبتيني أموت”.
​وصلت المستشفى بالليل. الجو كان ساقعة ومطر خفيف بيغسل شوارع القاهرة. مشيت في الممرات لحد ما وصلت للأوضة رقم 402. وقفت قدام الباب، أخدت نفس طويل، وفتحت الباب.
​الأوضة كانت ريحتها أدوية وموت. على السرير كانت قاعدة ست عجوزة، شعرها كله أبيض، وشها دبلان وخسيس كأنها عندها 80 سنة مش 50. كانت موصلة بأجهزة كتير. وفي ركن الأوضة، كان واقف شاب طويل، وسيم، ملامحه شبه حسن أبوها جداً. أول ما شاف رانيا، عينيه لمعت بالدموع. كرم.
​كرم قرب عليها وبص لرجليها اللي بتعرج، وشه اتملى بالذنب: “رانيا..”.
رانيا رفعت إيديها تصده: “ولا كلمة. أنا مش جاية عشانك، ولا عشانها. أنا جاية أسمع كلمة واحدة.. ليه؟”.
​منى فتحت عينيها ببطء لما سمعت الصوت. عينيها الدبلانة فجأة نورت، وحاولت تتعدل على السرير وهي بتمد إيديها المرتعشة اللي فيها كانيولا: “رانيا؟ بنتي؟ رانيا أنتي عايشة؟ يا حبيبتي.. يا قلب أمك”.
​كلمة “يا قلب أمك” نزلت على رانيا زي الس*كينة. صرخت فيها: “متقوليش بنتي! ومتقوليش يا قلب أمك! اللي بتقول يا قلب أمك متبترميش بنتها تحت الحيطة الخرسانة وتاخد ابن بطنها وتجري! أنا عشت 12 سنة في جهنم يا منى! حسن مات وهو بيحاول ينقذني، وأنتي جريتي.. جريتي بالابن الحقيقي، وسبتي البنت المتبنية تموت! قوليلي لآخر مرة في عمرك.. ليه؟ عشان أنا مش من دمك؟”.
​منى بدأت تبكي بحرقة، وجهاز ضربات القلب بدأ يصفر بعنف. كرم جري على أمه يهدّيها وهو بيبكي ويبص لرانيا: “حرام عليكي يا رانيا، أنتي فاهمة غلط! أمي محمتنيش أنا.. أمي كانت بتحميكي أنتي!”.
​رانيا ضحكت بسخرية ووجع: “بتحميني أنا؟ وهي سايباني تحت الردم وماسكة فيك؟ أنت اتجننت؟”.
​منى اتكلمت بصوت حشرجة، ودموعها نازلة على قنوات تجاعيد وشها: “اسمعيها مني يا رانيا.. قبل ما أقابل ربنا. اليوم ده.. لما الزلزال ضرب.. والحيطة وقعت.. حسن صرخ وقالي شيل كرم واجري. أنا جيت أجري عليكي.. بس السقف كان بيقع. الحتة الخرسانة اللي وقعت عليكي.. مكانتش حتة عادية. دي كانت الكمرة الرئيسية للبيت”.
​منى قعدت تكح، وكرم أداها بوق مية وهي بتكمل بتعب: “الكمرة دي لما وقعت، ركبت فوق حديد تسليح بارز من الأرض. لو أنا حاولت أشدك، أو لو حسن حاول يرفعها.. السقف كله كان هينزل يفرمك في ثانية. أنا وقفت مشلولة، مش عارفة أعمل إيه. كرم كان بيصرخ في إيدي.. وفجأة بصيت فوقي، لقيت تانك المية الكبير بتاع العمارة اتهز وبدأ يقع من السطح فوق الأوضة اللي أنتي فيها مباشرة”.
​رانيا عقدت حواجبها، وجواها بدأ يتهز: “وتانك المية ماله ومال إنك تسيبيني؟”.
​منى بكت بصوت قطع قلب كرم: “التانك لو وقع على السقف المهدود.. كان هيدشدش الخرسانة فوقيكي ويموتك فوراً. مكنش فيه غير حل واحد.. حل قالهولي حسن في ثانية بعينه وهو بيجري على سلم العمارة عشان يقطع محبس المية الرئيسي ويفضي التانك من المواسير اللي في المنور قبل ما يقع بتقلّه.. حسن صرخ فيا وقالي: (خدي الواد واخرجي برة البيت عشان يفضالي المكان وأعرف أهد الحيطة التانية من برة المنور عشان أسحب رانيا!). حسن مات وهو بيحاول يقطع المية ويفضي التانك عشان الثقل ميموتكيش! وأنا.. أنا لما جيت أتحرك ناحيتك.. السقف بدأ ينزل تراب حامي.. وكرم صرخ.. أنا مكنتش بهرب بكرم عشان بحبه أكتر منك.. أنا هربت بكرم عشان حسن يعرف يتحرك وينقذك من غير ما الواد يتفرك في إيدينا.. ولما قولتلك (سامحيني).. مكنتش بقولها عشان هسيبك تموتي.. كنت بقولها لأني مكنتش قادرة أشيل الخرسانة من عليكي بإيدي الاتنين والوقت بيجري!”.
​رانيا وقفت مذهولة: “طب وليه هربتي؟ ليه مجيتيش المستشفى؟ ليه دورت عليكي وملقتكيش؟”.
​كرم سكت خالص، وبص في الأرض، ومنى غطت وشها بإيديها وهي بتشهق: “أنا مهربتش يا رانيا.. أنا لما خرجت الشارع بالواد.. العمارة كلها انهارت وحسن جواها. الصدمة طيرت عقلي. جالي انهيار عصبي حاد وشلل مؤقت من الرعب والذنب. دخلت مستشفى الأمراض النفسية في العباسية وقعدت فيها 7 سنين كاملة.. 7 سنين وأنا مش فاكرة حتى اسمي! كرم عاش مع خاله في الصعيد، ومكنش يعرف طريقك ولا يعرف إحنا مين أصلاً لحد ما كبر وبدأ يدور في الأوراق”.
​منى بصت لرانيا بعيون كلها رجاء وأمل أخير: “أنا عمري ما فرقت بينك وبين كرم.. أنتي أول فرحتي يا رانيا.. أنتي اللي حسن جابها البيت وقالي دي رزقنا من ربنا.. أنا عشت الـ 12 سنة اللي فاتوا بموت في اليوم مية مرة عشان سبتك.. بس والله العظيم ما كان بإيدي.. كان غصب عني.. سامحيني يا بنتي.. سامحيني عشان أموت وأنا مرتاحة”.
​رانيا حست إن الجبل اللي كان شايلّاه فوق ضهرها 12 سنة اتهد، بس المرة دي مكانش مهدود بالوجع.. كان مهدود بالحقيقة. الحقيقة اللي عرفت فيها إنها مكانتش غريبة.. دي كانت غالية لدرجة إن أبوها ضحى بعمره عشان تانك المية ميقعش عليها، وأمها خسرت عقلها وصحتها من صدمة الفراق والذنب.
​رانيا مشيت بخطوات بطيئة، وعرجها باين، وقربت من السرير. دموعها نزلت مغرقة وشها. مسكت إيد منى المرتعشة، وضمتها لـ صدرها بقوة، ووطت باست راسها: “مسامحاكي يا أمي.. مسامحاكي يا حبيبتي.. أنا اللي أسفة إني شكيت في حبكم ليا”.
​في اللحظة دي، جهاز ضربات القلب طلع نغمة مستمرة طويلة.. منى ابتسمت ابتسامة هادية وأخيرة.. وعينيها اتقفلت وهي مرتاحة، كأنها كانت مستنية الكلمة دي عشان تروح لحسن وهي مطمنة.
​رانيا لفت لكرم، اللي كان بيبكي في صمت. قربت منه، ولأول مرة من 12 سنة، مدت إيديها وحضنته. كرم متبت فيها وهو بيعيط كأنه الطفل الصغير اللي عنده سنة وغاوي يبوظلها الألوان. رانيا همست في ودنه وهي بتبص لـ وش أمها: “خلاص يا كرم.. العاصفة عدت.. وإحنا رجعنا لبعض”.بعد ما الدكاترة دخلوا الأوضة وشدوا الملاية البيضاء على وش منى، رانيا وكرم خرجوا برة في الممر. الجو كان هادي جداً، مفيش غير صوت المطر اللي برة وصوت خطوات الممرضات. كرم كان قاعد على كراسي الانتظار، حاطط راسه بين إيديه وبيعيط من غير صوت، كأنه لسه مش مصدق إن الست اللي عاشت وماتت عشان ذنب ملوش ذنب فيه، راحت خلاص.
​رانيا وقفت قدام الشباك، بتبص على أنوار القاهرة وهي مغسولة بالمطر. لأول مرة من 12 سنة، حست إن الهوا بيدخل صدرها من غير ما يجرحها. الوجع اللي كان مسيطر عليها ومخليها ناشفة وجافة زي الحيطة الخرسانة بدأ يدوب. التفتت لكرم، مشيت ناحيته بخطواتها الموزونة، وقعدت جنبه.
​حطت إيدها على كتفه، وقالت بنبرة حنينة مكانتش تظن إنها لسه عايشة جواها:
​خلاص يا كرم.. شد حيلك. هي ارتاحت، وراحت لحسن. تلاقيهم دلوقتي مع بعض، ومبسوطين إننا سوا.
​كرم رفع راسه، عينيه كانت حمراء ووشه تعبان جداً، بص لرانيا وقال بصوت متقطع:
​أنا كنت خايف أوي يا رانيا.. خايف متجيش، وخايف لما تيجي تكرهيني أكتر. أنا مكنتش ذنبي حاجة، بس طول الـ 12 سنة دول، لما كبرت وفهمت، كنت بحس إن كل لقمة باكلها وكل يوم بعيشه هو ذنب في حقك.. أنتي دفعني تمن حياتي من عمرك ومن رجلك.
​رانيا ابتسمت ابتسامة خفيفة، ومسحت دمعة نزلت على خده:
​مفيش حد بيدفع تمن حياة حد يا حبيبي. ده كان نصيبنا، والحمد لله إننا عرفنا الحقيقة قبل فوات الأوان. أنا مش زعلانة منك، ولا زعلانة منها. بالعكس، أنا فخورة إن حسن المنشاوي يبقى أبويا، وإن منى تبقى أمي، وإنك أنت تبقى أخويا.
​مرت الأيام، وخلصت إجراءات الدفن والعزاء في طنطا. رانيا أصرت إن العزاء يتعمل في نفس البلد اللي شهدت طفولتهم، وسط الجيران القدام اللي افتكروهم وبكوا على عمرهم اللي ضاع. كرم قرر يسيب الصعيد وينقل حياته كلها للقاهرة عشان يبقى جنب أخته، ورانيا ساعدته يظبط ورقه في الكلية ويدور على شقة قريبة من شقتها.
​في يوم الجمعة، بعد كام شهر من الوفاة، كرم كان قاعد في شقة رانيا الجديدة. الشمس كانت داخلة من البلكونة، وصوت عبد الحليم شغال في الراديو الصغير اللي رانيا اشترته مخصوص عشان يفكرها ببيت زمان.
​كرم كان قاعد على السفرة وفاتح كشكول وبيرسم، وفجأة رانيا دخلت من المطبخ وشايلة صينية عليها كوبايتين كاكاو سخن. بثت في الكشكول بتاعه، ولقت علبة ألوان خشب جنبه.
​رانيا ضحكت وقالتله:
​طب والله كبرت وبقيت بترسم بجد، مش بتاكل الألوان زي زمان.
​كرم ضحك من قلبه، وخد منها كوباية الكاكاو، وبص في عينيها وقال:
​أنا لسه باكلها على فكرة.. بس باكلها بفني.
​رانيا قعدت جنبه، وسندت راسها على كتفه، وبصوا هما الاتنين لـ صورة قديمة لحسن ومنى كانت رانيا مبروزاها وحطاها في صدر الصالة. الصورة كانوا طالعين فيها بيضحكوا من قلبهم، ورانيا الصغيرة قاعدة في النص، وكرم بيشد شعرها.
​رانيا همست وهي بتشرب الكاكاو:
​البيت مبقاش مهدود يا كرم.. إحنا بنيناه تاني.
​وفجأة، تليفون رانيا رن. كان رقم مكتب المحاماة اللي شغال فيه. ردت، ووشها ملامحه اتغيرت فجأة.. وبصت لكرم بذهول والصدمة رجعت لعينيها تاني لما سمعت المحامي الكبير بيقولها:
​رانيا.. الملفات القديمة بتاعة تعويضات زلزال 2014 اللي أنتي كنتي بتراجعيها؟ إحنا لقينا ثغرة مرعبة في ورق شركة المقاولات اللي بَنَت العمارة بتاعتكم.. الانهيار مكنش قضاء وقدر بس يا رانيا.. العمارة كان مغشوش في أساساتها، وصاحب الشركة ده لسه شغال وبيبني عمارات تانية لحد النهارده باسم جديد!
​رانيا وقفت، وصوتها اتتحول لصلابة مفيهاش تراجع:
​جهزلي الملف ده فوراً يا متر.. القضية دي هتبقى قضيتي أنا.. وحق حسن ومنى والعمر اللي ضاع مننا، أنا اللي هجيبه وبنفسي.رانيا قفلت السكة، والتليفون لسه في إيدها، بس النظرة اللي في عينيها كانت كفيلة تهد جبال. كرم وقف وبص لها بقلق: “في إيه يا رانيا؟ المحامي قالك إيه؟”.
​رانيا لفت له، وملامحها جامدة زي الصخر: “البيت يا كرم.. البيت ملوقعش عشان الزلزال كان قوي.. البيت وقع عشان كان مغشوش. صاحب شركة المقاولات اللي بنى عمارة طنطا زمان، سرق حديد التسليح وباع ذمم الناس عشان يملى جيبه. أبوك مات، وأمك عقليتها تاهت 7 سنين، وأنا وأنت اتشتتنا.. عشان شوية فلوس دخلت جيب بني آدم معندوش ضمير”.
​كرم اتجمد مكانه، وعروق إيديه برزت من الغضب: “واللي عمل كده فين؟ عايش حياته عادي؟”.
​رانيا ردت وهي بتلبس جاكت البدلة بتاعتها بكل حسم: “عايش وبيبني عمارات تانية وبيموت في ناس تانية.. بس المحطة بتاعته خلصت لحد هنا. القضية دي بتاعتي يا كرم، وحق دم حسن المنشاوي هجيبه بالقانون”.
​ومن اليوم ده، بدأت معركة تانية خالص.. معركة رانيا كانت بتحارب فيها بكل طاقتها. شهور وشهور وهي مابتنامش، قاعدة وسط تلال من الأوراق والخرائط الهندسية القديمة، بتقارن نسب الأسمنت، وبتجيب شهادات الجيران، وبتنبش في دفاتر قديمة بقالها سنين متطربة. كرم مسبهاش لحظة، كان هو ضهرها وسندها، بيتحرك معاها ويساعدها في كل خطوة.
​صاحب الشركة لما عرف إن في محامية شابّة بتنبش وراه، حاول يبعت لها ناس يهددوها، وبعدين حاول يغريها بفلوس وملايين عشان تقفل الملف. دخل مكتبها في يوم وبص لرجليها اللي بتعرج وقالها بسخرية: “يا أستاذة رانيا، بلاش تفتحي قضايا ماتت من 12 سنة، خدي التعويض اللي تطلبيه وعيشي حياتك، بدل ما تخسري رجلك التانية”.
​رانيا بصت له بكل ثقة وشماتة وقالتله: “الرجل اللي بتعرج دي يا باشا.. هي اللي هتدوس على اسمك وتوديك ورا الشمس. الفلوس دي تبلها وتشرب ميتها.. اخرج برة وميعادنا في المحكمة”.
​وجت الجلسة الحاسمة. قاعة المحكمة كانت مليانة على آخرها، وصحفيين وقنوات، لأن القضية بقت قضية رأي عام. رانيا وقفت في نص القاعة، ببدلتها السوداء، ملامحها قوية، ووقفتها فيها شموخ يخطَف العين. بدأت ترافع، وصوتها كان بيهز جدران القاعة. مكانتش بتتكلم كمحامية، كانت بتتكلم كبنت شافت أبوها بيموت وأمها بتضيع قدام عينيها. قدمت المستندات والتقارير الهندسية اللي تثبت الغش، وفجرت المفاجأة لما جابت شهادة مهندس قديم كان شغال مع المتهم وضميره صحي وقدم دفاتر السرقة كاملة.
​رانيا ختمت مرافعتها وهي بتبص للمستشار وبتقول بنبرة هزت قلوب كل اللي قاعدين: “سيادة القاضي.. أنا مش واقفة هنا عشان أطلب تعويض مالي.. أنا واقفة عشان الـ 12 سنة اللي عشتهم في ملجأ فاكرة إن أمي باعتني.. واقفة عشان أب ضحى بعمره عشان تانك المية ميفرمنيش.. واقفة عشان أم ماتت بالكسرة والذنب.. العدالة مش بس ورق.. العدالة هي الروح اللي هترجع لأبويا وأمي في قبرهم لما يعرفوا إن دمهم مأهدرش”.
​ساد الصمت في القاعة لثواني.. وبعدها انطلقت كلمة القاضي اللي ريحت القلوب: “حكمت المحكمة حضورياً.. بالسجن المشدد لمدة 15 سنة للمتهم، مع غلق الشركة وسحب تراخيص البناء”.
​صوت الشاكوش وهو بيخبط كان كأنه بيعلن نهاية الكابوس. القاعة اتقلبت صويت وفرحة، وكرم جري على رانيا وحضنها وهو بيبكي ويقول: “عملتيها يا رانيا.. جبتي حقهم يا أختي”.
​بعد كام يوم من الحكم، رانيا وكرم سافروا طنطا. راحوا المدافن، وقفوا قدام قبر حسن ومنى. الجو كان دافي، والشمس منورة المكان. رانيا حطت وردة بيضاء على القبر، وسندت على كرم، وابتسمت لأول مرة من قلبها، ودمعة صافية نزلت على خدها.
​بصت للقبر وقالت بصوت هادي ومرتاح: “ناموا وارتاحوا يا حبايب قلبي.. حقكم رجع.. والبيت اللي اتهد زمان.. أنا وكرم بنبينه من جديد.. ومش هيقع تاني أبداً”.
​لفت ضهرها لكرم، ومسكت إيده، ومشيا هما الاتنين مع بعض، خطوة بخطوة، والمرة دي مكانتش بتعرج من الوجع.. كانت بتمشي بثقة ست فازت بمعركة عمرها، ورجعت لحضن أخوها اللي عاشت سنين فاكرة إنه سرق منها حياتها، فطلع هو السند اللي كمل معاها الحكاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *