الضياع

الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، جسمي كله اتخشب ومبقتش قادرة أتحرك ولا حتى أخد نفسي. “تموتي معانا؟!”.. الكلمة كانت مرعبة، غريبة، ومش مفهومة. فضلت باصة للست اللي رمت نفسها تحت رجلي ودموعها مغرقة الأرض، الست اللي المفروض إنها أمي، اللي سابتني من عشرين سنة بابتسامة باردة، راجعة دلوقتي بتطلب مني أموت معاهم؟
​أبلة نادية كانت قاعدة على الكرسي اللي جنبك في المكتب، أول ما سمعت الجملة دي، قامت وقفت بسرعة والفضول والخوف مالي عينيها، مسكتني من كتفي كأنها بتطمني أو بتثبتني في الأرض عشان ما أقعش. أنا سحبت رجلي براحة ومن غير أي تعاطف، وبصيت للست دي وقلت لها بصوت ناشف وخالي من أي مشاعر: “قومي.. قومي من الأرض واقفي. إنتي مين أصلاً؟ وجاية هنا تقولي إيه؟ يعني إيه أموت معاكم؟”
​أمي قامت وهي بتترعش، وجسمها كله كان بيتهز من العياط. قعدت على أقرب كرسي وفضلت تبص لي بنظرات كلها رجاء وخوف، نظرات كنت بتمنى أشوف فيها ملمح واحد من الحنان اللي اتحرمت منه، بس ملقيتش غير الأنانية. مسحت دموعها بطرف طرحتها السودة وقالت بصوت متقطع: “أنا عارفة إن ماليش عين أجيلك.. وعارفة إن اللي عملته زمان في جامع السيدة عائشة كان جري//مة في حقك.. بس وربنا العالي فوق سبع سموات، كنا مجبرين يا سما.. كنا هلكانين ومش عارفين نعمل إيه.”
​ضحكت ضحكة وجع عالية، ضحكة هزت جدران المكتب الصغير: “مجبرين؟ مجبرين تسيبوا طفلة عندها أربع سنين لوحدها وتأخدوا أختي وتمشوا؟ طيب بلاش زمان.. إيه اللي جابك دلوقتي؟ وإيه حكاية الموت دي؟”
​أمي بلعت ريقها بصعوبة، وبدأت تحكي والصدمة بتكبر في قلبي مع كل كلمة بتقولها: “أبوكي.. أبوكي من سنتين دخل في طريق السحر والدجل، كان فاكر إنه هيغتني ويجيب فلوس يرفعنا بيها لفوق.. مشي ورا واحد دجال من برة مصر، والدجال ده ضحك عليه وخلاه يكتب عهد بدمه ودم عيلته كلها.. عهد للمس من الجن عشان يفتحوا له مقبرة أثرية تحت بيتنا القديم في الصعيد. أبوكي عمل كده فعلاً، والفلوس جريت في إيدينا وبقينا أغنيا، بس الثمن كان مرعب.. العهد اللي أبوكي مضاه مكنش بفلوس، كان بروح عيلته بالكامل!”
​سكتت شوية وهي بتنهج وكأنها بتفتكر كابوس، وأنا وأبلة نادية كنا بنسمع وإحنا مش مصدقين إننا في القرن الواحد والعشرين ولسه في ناس بعقول مريضة بالمنظر ده. أمي كملت والذعر مالي عينيها: “من ست شهور، أختك الكبيرة هند.. ماتت فجأة، صحيت الصبح لقيتها جث//ة هامدة في سريرها والدم نازل من عينيها ومنهارة تماماً.. وبعدها بشهرين، أبوكي جاله شلل كامل ومبقاش ينطق، والدكاترة كلهم قالوا مفيش سبب طبي.. الدجال ده رجع وظهر لينا تاني وقالنا إن العهد لازم يكتمل، وإن الروح الثالثة في العيلة لازم تقدم نفسها كقربان للمقبرة قبل ما الشهر ده يخلص، وإلا اللعنة هتحرقنا كلنا وإحنا صاحيين، ومفيش حد هينجى.. أنا روحت للشيوخ وقرأوا عليا، كلهم قالوا لي نفس الجملة: ‘العهد مش هينكسر إلا لو الدم اللي خرج من العيلة رجع واكتمل في طقس المقبرة’.. أنا دورت عليكي في كل مكان يا سما، سألت في كل الملاجئ لحد ما عرفت إنك هنا.. إنتي الروح الثالثة اللي هتنقذنا.. لو جيتي معانا وعملنا الطقس ده، اللعنة ه تترفع وأبوكي هيخف، وإحنا هنعيش!”
​أنا كنت بسمع الكلام ده والذهول شل عقلي.. الست دي جاية بعد عشرين سنة مش عشان تاخدني في حضنها، ولا عشان تعتذر لي وتصلح اللي انكسر.. دي جاية تستخدمني كقربان! جاية تضحي بيا للمرة التانية عشان تنقذ نفسها وتنقذ جوزها اللي باع روحه للشيطان!
​أبلة نادية مقدرتش تمسك نفسها، زعقت بصوت هز المكتب كله: “إنتي إيه؟ إنتي بني آدمة؟ إنتي شيطانة في صورة أم؟ سبتيها وهي عيلة صغيرة للدنيا تاكل فيها، وراجعة دلوقتي وعايزاها تموت عشان طمعكم وقرفكم؟ اطلعي برة! اطلعي برة قبل ما أطلب لك الشرطة!”
​أمي وقفت وبدأت تصرخ بهستيريا: “لو ما جاتش معايا كلنا هنموت! اللعنة هتاكلنا كلنا! هي من دمنا، ولازم تدفع التمن معانا!”
​أنا وقفت بثبات، رغم إن قلبي كان بيتقطع من جوة، وبصيت في عينيها مباشرة وقلت لها بكل قوة: “أنا مش من دمكم.. أنا دمي انقطع عنكم من يوم ما سبتوني على دكة الجامع.. أنا بنتك يا نادية، مش بنتك إنتي. اطلعي برة، وملكيش بنات هنا.”
​أمي بصت لي بنظرة حقد ورعب غريبة، وقبل ما تخرج قالت بصوت فحيح الأفاعي: “مش هتفرحي بحياتك يا سما.. اللعنة لو طالتنا، مش ه تسيبك.. إنتي حتة من العهد، والعهد هيجيلك لحد عندك.” وخرجت ورزعت الباب وراها.
​البيت في شبرا كان دايماً أماني، بس الليلة دي مكنش فيه أمان.. كنت قاعدة في الصالة، وضامة رجلي لصدري، وأبلة نادية بتعمل لي كوباية ليمون دافي وهي بتبكي بصوت مكتوم. مكنتش قادرة أستوعب اللي حصل.. السحر، الدجل، اللعنة، الموت.. كل دي حاجات كنت بشوفها في الأفلام، بس لما تقتحم حياتك وتكون إنتي الضحية، الدنيا بتسود في عينيكي.
​”سما.. يا بنتي” نادية قعدت جنبي وأخدتني في حضنها: “متخافيش يا حبيبتي، الست دي مجنونة.. كلامها كله تخاريف ودجل، مفيش حاجة اسمها لعنة وقربان، دي أوهام ناس طماعين ربنا عاقبهم بمرضهم وبموت بنتهم عشان اللي عملوه فيكي.. نامي يا بنتي وانسى كل اللي حصل.”
​حاولت أصدق كلام أبلة نادية، حاولت أقول لنفسي إنها مجرد تخاريف.. نمت في حضنها وأنا بحاول أطرد الأفكار السودة من دماغي. بس الكوابيس مسبتنيش.. حلمت بالجامع، بس مكنش فيه نور Candles ولا ريحة بخور حلوة، كان الجامع ضلمة كحل، وأمي واقفة بعيد ووشها ملوش ملامح، وماسكة في إيدها خنجر أسود وبتقولي: “العهد مستني ديرتك يا سما”.
​صحيت من النوم وأنا بجري وبصرخ، وجسمي كله عرقان.. بصيت في الساعة كانت 3 الفجر. البيت كان هادي جداً، بس كان فيه حاجة غلط.. ريحة البخور والمستكة اللي دايماً في شقتنا اختفت، وحل محلها ريحة غريبة.. ريحة تراب قديم، ريحة مقابر وطين مبلول.
​قمت من السرير براحة وأنا بترعش، وخرجت للصالة.. النور كان مطفي، بس كان فيه ضوء خافت جاي من بلكونة الشقة. مشيت خطوة ورا خطوة، وبدأت أسمع صوت همس.. همس خفيف ومش مفهوم، كأن في كذا حد بيتكلموا بصوت واطي جداً تحت البيت.
​قربت من البلكونة وبصيت منها على الشارع.. الشارع في شبرا دايماً صاحي، بس الساعة 3 الفجر في اليوم ده كان فاضي تماماً، مكنش فيه صرصار ماشي.. عدا حاجة واحدة. كان فيه تلات أشخاص واقفين تحت بيتنا بالظبط، لابسين لبس أسود ومغطين وشوشهم، وواقفين في حلقة وبيهمسوا وهم باصين لفوق.. باصين لشقتنا!
​فجأة، واحد منهم رفع رأسه وبص لي.. مكنش ليه وش! كان عبارة عن سواد كامل، وعينين بتنور بلون أحمر دموي.. أنا رجعت لورا وصرخت بأعلى صوت عندي، وجريت على أوضة أبلة نادية.
​دخلت الأوضة وبقت أحركها: “أبلة نادية! قومي أرجوكي! في ناس تحت البيت.. في حاجة غلط!”
نادية صحت مخضوضة وفتحت النور: “في إيه يا سما؟ مالك يا بنتي؟”
حكيت لها وأنا بنهج وببكي، قامت معايا ودخلنا البلكونة وبصينا.. مكنش فيه حد! الشارع كان فاضي تماماً وهادي.
نادية لفت ليا وأخدتني في حضنها: “ده وساوس يا سما، الرعب اللي شوفتيه الصبح عمل فيكي كده.. تعالي اقرأي معايا قرآن ونامي.”
​عدى يومين، وحاولت أرجع لحياتي الطبيعية في الجمعية الخيرية بالجامع، بس الخوف كان ملازمني زي ضلي. أبلة نادية كانت بتحاول تخليني مأقعدش لوحدي أبداً. وفي اليوم الثالث، وأنا قاعدة في مكتب الجمعية بعد العصر، الباب خبط.. قلبي انقبض، وافتكرت أمي.. بس لما فتحت، مكنتش أمي.
​كان شاب أسمر، ملامحه صعيدية جادة، وعينيه فيها حزن وخوف كبير.. كان لابس قميص وبنطلون بسيط، وأول ما شافني سأل بصوت واطي: “أنتي سما؟”
قلت له بتوجس: “أيوه أنا.. مين حضرتك؟”
الشاب اتلفت حواليه كأنه خايف حد يشوفه، ودخل المكتب وقفل الباب وراه وقال: “أنا اسمي كريم.. أنا ابن عمك.”
​أنا رجعت خطوة لورا: “ابن عمي؟ أنا مليش عيلة.. إنت عايز إيه؟ لو جايب لي رسالة من الست اللي جت هنا من يومين، ف وفر على نفسك واخرج.”
كريم رفع إيديه كأنه بيهديني وقال بسرعة: “اسمعيني بس يا سما أرجوكي.. أنا مش جاي أأذيكي، ولا جاي أطلب منك تروحي معاهم.. أنا جاي أحذرك.. طنط فادية (أمي) مش ه تسيبك، وهي فعلاً مش مجنونة.. الكلام اللي قالتهولك عن العهد والمقبرة حقيقي!”
​قعدت على الكرسي لأن ركبي مكنتش شيلاني، وكريم قعد قدامي وكمل كلامه: “عمي (أبوكي) لما بدأ في الموضوع ده من سنتين، عيلتنا كلها قاطعتهم لأننا عرفنا إنه بيتعامل مع دجال خطير من المغرب اسمه ‘الشيخ هارون’.. الدجال ده مش ساحر عادي، ده شخص بيتحكم في عشائر من الجن السفلي.. عمي لما فتح المقبرة وخد الذهب، الدجال قاله إن الحارس بتاع المقبرة طالب تمن، والتمن ده هو ‘تطهير النسل’.. يعني الروح اللي تتقدم لازم تكون بكر ومن صلب صاحب العهد. هند أختك ماتت لأنها رفضت، ف اللعنة أخدتها.. وعمي اتشل لأن الوقت بيعدي.. طنط فادية دلوقتي رايحة للدجال ده عشان تخليه يعمل طقس ‘الجلب’، يعني هيحضروا عليكي وانتي في مكانك هنا، وهيجبروكي تروحي لهم بنفسك وتدخلي المقبرة!”
​أنا دموعي نزلت من الرعب: “يجبروني إزاي؟ أنا مش هروح في حتة! أنا مش هتحرك من شبرا!”
كريم بص لي بنظرة يأس: “الطقس ده بيعتمد على الأثر يا سما.. طنط فادية لما جت هنا، مخدتش بالها وهي بتعيط وتحت رجليكي؟”
افتكرت اللقطة.. افتكرت لما كانت ساجدة تحت رجلي وبتعيط.. “هي عملت إيه؟” سألت بصوت مخنوق.
كريم قال: “هي قطعت حتة صغيرة من ديل الفستان أو العباية اللي كنتي لابساه، وخدت خصلة شعر من اللي كانت وقعه على مكتبك.. الأثر ده كفاية جداً عشان الشيخ هارون يعمل سحر ‘النزيف والمسلوب’.. هتلاقي نفسك بتتحركي من غير وعي، وبتسيب بيتك وبتروحي للصعيد لحد المقبرة برجليكي!”
​في اللحظة دي، تليفون كريم رن.. أخرجه من جيبه وبص للشاشة، ووشه اتقلب للون الأبيض الجير.. بص لي وقال وهو صوته بيرتعش: “ده أبويا.. عمك الكبير.”
رد على التليفون وفتح الإسبيركر.. جه صوت راجل كبير مكسور وبيصرخ من الرعب: “الحق يا كريم! عمك مات! مات دلوقتي حالا في المستشفى.. والبيت القديم بيتحرق بنار سودة مفيش مياه قادرة تطفيها.. ومرات عمك فادية اختفت، الجيران قالوا شافوها ماشية في وسط النار ومبتتحرقش، وكانت عمالة تضحك وتقول: ‘العهد ه يكتمل الليلة.. البنت جاية’!”
​كريم قفل الخط وهو بيبص لي والذعر مالي عيونه.. “عمي مات.. العهد م بقاش فاضل فيه غير روح واحدة.. إنتي يا سما.. الليلة هي ليلة الطقس الأخير.”
​الشمس بدأت تغيب، والضلمة بدأت تفرض سيطرتها على شوارع القاهرة. كريم أصر إنه يروح معايا لبيت أبلة نادية عشان يفهمها الوضع ونشوف هنعمل إيه. لما وصلنا وحكينا لنادية، الست انهارة وبقت تحضني وتعيط: “مش هسيبهم ياخدوكي.. نموت سوا ولا إن حد يمس شعرة منك.”
​كريم قال بصوت حازم: “الخوف مش هيحل حاجة.. السحر ده هيشتغل أول ما الليل ليل بالكامل، يعني على الساعة 12 بالليل.. لازم نلاقي طريقة نكسر بيها الأثر، أو نحمي سما لحد ما الليلة دي تعدي.. لو الفجر أذن والطقس مكملش، العهد هينكسر واللعنة هترتد على الدجال وعلى مرات عمي ويهلكوا هم.”
​قررنا إننا مش هنقعد في الشقة.. نادية اقترحت نروح الجامع: “الجامع.. بيت ربنا، مفيش شيطان يقدر يدخله.. سما تقعد جوة المقام أو في مصلى الحريم ونفضل نقرأ قرآن لحد الفجر.”
كريم وافق: “فعلاً.. ده أفضل حل.. الشياطين اللي بيتعامل معاهم الساحر ده مش هتقدر تخترق مكان بيتدكر فيه اسم ربنا 24 ساعة.”
​تحركنا بسرعة ورحنا جامع السيدة عائشة.. المكان اللي بدأت فيه مأساتي وأنا عندي أربع سنين، هو نفس المكان اللي رايحة له دلوقتي وأنا عندي أربعة وعشرين سنة عشان أحمي حياتي. الشيخ بتاع الجامع كان يعرفني وبيحبني جداً بسبب شغلي في الجمعية، لما شافنا ولقى حالتنا بالمنظر ده، دخلنا أوضة الملحقات الداخلية للجامع، وهي أوضة قديمة وقريبة من المأذنة، ومحدش بيدخلها كتير.
​”اقعدوا هنا يا بنتي” الشيخ قال وهو مطمننا: “المكان هنا أمان، وأنا هقعد في الصحن برة أقرأ قرآن بصوت عالي في الميكروفون الداخلي.. وربنا يحفظكم.”
​قعدنا في الأوضة.. الساعة كانت 9 بالليل. الوقت كان بيمر كأنه سنين.. كل دقيقة بتعدي بتموتني من الخوف. كريم كان قاعد على الأرض وماسك مصحف وبيقرا، وأبلة نادية كانت ضمامي وبتقرأ آية الكرسي في ودني بصوت مهزوز.
​الساعة بقت 11:30.. وبدأ الكابوس الحقيقي.
​الجو جوة الأوضة فجأة بقى برد جداً.. برد لدرجة إننا كنا بنشوف نفسنا وهو خارج زي الدخان، رغم إننا كنا في عز الصيف.. وريحة التراب القديم والمقابر بدأت تظهر تاني، بس المرة دي كانت قوية جداً وخانقة.
​فجأة، حسيت بصداع رهيب في رأسي.. كأن في حد بيخبط بجاكوش جوة جمجمتي.. وداني بدأت تصفر، وصوت الشيخ اللي بيقرأ قرآن برة بدأ يبعد.. يبعد جداً لحد ما اختفى.. وحل محله صوت تاني.. صوت أمي!
كانت بتناديني.. بصوت ناعم، نفس الصوت اللي سمعته وأنا عندي أربع سنين: “تعالي يا سما.. تعالي يا حبيبتي.. أمك مستنياكي.. ربنا هياخد باله منك.”
​أنا قمت وقفت من غير ما أحس.. حركتي مكنتش بإرادتي.. كنت حاسة إن في خيوط غير مرئية مربوطة في إيديا ورجليا وبتسحبني.. عيني كانت مفتوحة بس مش شايفة الأوضة، كنت شايفة طريق ضلمة وطويل وفي آخره نار سودة.
​نادية صرخت ومسكتني: “سما! رايحة فين يا بنتي؟ رد عليا!”
كريم قام بسرعة ومسكني من إيدي التانية: “سما! فوقي! ده السحر بدأ.. متستسلميش!”
أنا مكنتش قادرة أنطق.. كنت بزقهم بقوة مش قوتي.. قوة رهيبة كانت في جسمي.. زقيت كريم وقعته على الأرض، وزقيت أبلة نادية لدرجة إنها خبطت في الحيطة. مشيت خطوة ورا خطوة ناحية باب الأوضة، وفتحت الباب وخرجت لصحن الجامع.
​الجامع مكنش فيه حد.. الشيخ اللي كان بيقرأ قرآن مكنش موجود.. الصحن كان ضلمة كحل، ومفيش غير لمبة واحدة خافتة بتتهز فوق المقام.. مشيت ورا الصوت اللي في ودني، وخرجت من باب الجامع للشارع.
​الشارع مكنش شارع السيدة عائشة اللي أعرفه.. كان مليان ضباب أسود، ومفيش أي صوت.. كريم ونادية جريوا ورايا ومسكوني تاني، كريم بدأ يقرأ سورة البقرة بأعلى صوته في ودني، ونادية كانت بتعيط وتكتفني من وسطي.. مع كل آية كريم كان بيقولها، كنت بحس بنار بتولع في جسمي.. كنت بصرخ بصوت مش صوتي.. صوت راجل خشن وعميق كان بيخرج من حنجرتي وبيقول: “العهد مكتوب.. والدم مطلوب.. سيبوها!”
​كريم م استسلمش، فضل يقرا ويقرا، وضغط على دماغي بإيده وهو بيقول: “وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون”..
​فجأة، حسيت برعشة قوية هزت جسمي كله، وكأني فقت من غيبوبة.. وقعت على أرض الشارع وأنا بنهج وببكي، الضباب بدأ يختفي شوية، ورجعت أشوف شارع القاهرة الطبيعي.. الساعة في إيد كريم كانت 11:55.. خمس دقائق والفجر يأذن.
​بس الفرحة مكملتش..
​من أخر الشارع، ظهرت عربية سودة قديمة.. العربية وقفت فجأة ونزل منها شخصين.. واحد منهم كان الشيخ هارون، الدجال.. كان راجل عجوز جداً، وشه مشوه ومخيف، ولابس عباية مغربية سودة.. واللي معاه كانت أمي.. فادية.
ملامح أمي مكنتش ملامح بشر.. عينيها كانت بيضاء تماماً ومفيش فيها نني، وكانت بتتحرك زي العراقة المتحركة بحبل.
​الشيخ هارون بص لنا وابتسم ابتسامة خبيثة ظهرت سنانه السوداء، ورفع إيده اللي كانت مليانة طلاسم مكتوبة بالدم وقال بصوت فحيح: “الوقت انتهى.. الروح هتيجي، والعهد هيكتمل.. حتى لو في بيت الله.”
بدأ يقول كلمات بلغة غريبة ومرعبة، الأرض تحت رجلينا بدأت تتهز، وصوت الهمس اللي سمعته في بيتي رجع تاني بس أقوى بمليون مرة، كأن في جيش من الكائنات غير المرئية بيحيط بينا ويقرب مننا عشان ياخدني.
​كريم وقف قدامي وهو ماسك المصحف وبيرتعش، وأبلة نادية حطت جسمها كله فوقي كأنها بتحميني بظهرها.. أمي بدأت تقرب مننا وهي بتضحك ضحكة هستيرية وتقول: “تعالي يا سما.. المقبرة فتحت.. والذهب مستنينا.. تعالي موتي عشان نعيش!”
​وفي اللحظة اللي الشيخ هارون رفع فيها خنجر أسود في الهوا وبدأ يوجهه ناحيتي وهو بيقول القسم الأخير عشان السحر يكتمل وجسمي بدأ يتسحب ليهم تاني.. فجأة.. انطلق صوت هز السما والأرض.. صوت كان أقوى من سحرهم ومن جنهم ومن كل طغيانهم.
​”الله أكبر.. الله أكبر..”
​صوت أذان الفجر بدأ يتردد في كل مآذن القاهرة.. صوت المؤذن في جامع السيدة عائشة انطلق من الميكروفونات القوية فوق راسنا بالظبط.
​مع أول كلمة “الله أكبر”، الشيخ هارون صرخ صرخة مرعبة كأن النار ولعت في جسمه، الخنجر وقع من إيده وبدأ جلده يقشر ويتحرق ويطلع منه دخان أسود ريحته نتنة.. وأمي وقعت على الأرض وهي بتصرخ وبتتلوى كأنها بتطرد حاجة من جواها، وعينيها البيضاء بدأت ترجع لطبيعتها وهي بتصرخ من الألم: “آآآه.. النار.. النار بتاكلني يا هارون!”
​الضباب الأسود انقشع تماماً، والهمس اختفى.. الدجال هارون بص لنا بنظرة غل ورعب، ولف جلبابه وجري في الضلمة وهو بيتحرق، وساب أمي مرمية على الأرض.. أمي فضلت تتلوى لحد ما حركتها وقفت تماماً.. وبقت جث//ة هامدة، وشها دبلان وشعرها أبيض كأنها عندها ميت سنة.
​الصبح طلع.. والشمس نورت شوارع القاهرة من تاني.. كنا واقفين في نفس المكان، البوليس كان مالي المنطقة والإسعاف خدت جث//ة أمي.. كريم كان واقف مع الظباط بيشرح لهم اللي حصل بطريقة قانونية (إنها أزمة قلبية مفاجئة)، وأنا كنت قاعدة على رصيف الجامع، راسي ساندة على كتف أبلة نادية.. السند الوحيد الحقيقي اللي ليا في الدنيا دي.
​بصيت لجامع السيدة عائشة.. المكان اللي شهد عذابي وأنا عندي أربع سنين، وهو نفس المكان اللي شهد نجاتي وأنا عندي أربعة وعشرين سنة.. عرفت إن جملة أمي زمان: “ربنا هياخد باله منك”، كانت الجملة الوحيدة الحقيقية اللي قالتها في حياتها، بس ربنا مخدش باله مني بالطريقة اللي هي كانت عايزاها.. ربنا بعت لي نادية عشان تكون لي أم بجد، وحماني من شرهم وطمعهم.
​حسيت إن الكابوس انتهى.. واللعنة انكسرت.. قمت مع أبلة نادية عشان نرجع بيتنا في شبرا.. بس وأنا بركب العربية مع كريم ونادية، عيني جت على الأرض.. مكان ما أمي كانت مرمية وبتتحرق.. مكنش فيه حاجة.. غير ورقة صغيرة قديمة ومطوية، مكتوبة بدم جاف.. ورقة العهد!
​فتحتها وأنا إيدي بترتعش، وقريت السطر الأخير اللي كان مكتوب فيها وتحته إمضاء أبويا.. السطر كان بيقول: “العهد لا يموت بموت أصحابه.. وإذا انكسر الطقس في المحاولة الأولى، ينتقل الطلب إلى الجيل التالي.. إلى أولاد سما!”
​وقفت في مكاني.. والدم اتجمد في عروقي تاني.. اللعنة منتهتش.. الكابوس مخلصش.. الكابوس يلا دوب بدأ، والعهد مستني أولادي أنا في المستقبل! وبصيت لأبلة نادية وكريم وأنا مش عارفة أقولهم إيه.. هل هعيش طول عمري هربانة من ضل عيلتي الملعونة؟الورقة كانت في إيدي أتقل من جبل المقطم. الحروف المكتوبة بالدم الجاف كانت بتتحرك قدام عيني كأنها تعابين صغيرة بتصحى من النوم. “ينتقل الطلب إلى الجيل التالي.. إلى أولاد سما!”.. الجملة دي طيرت النوم من عيني لسنين قدام، وخلت الفرحة اللي حسينا بيها بعد أذان الفجر تتبخر في الهوا كأنها لم تكن.
​كريم لاحظ إني وقفت مكان ومتحركتش، ووشي رجع أبيض زي الجير تاني. قرب مني وسحب الورقة من إيدي براحة، وأول ما قراها، شفايفه اتهزت وسمعته بيهمز برعب: “يا نهار مش فايت.. الشيخ هارون مكنش بيكدب، العهود السفلية دي مبتموتش بموت أصحابها.. دي بتتنقل في الدم زي المرض!”
​أبلة نادية جت ورا عينينا وبصت للورقة، بس المرة دي مكنش فيه عياط، كان فيه غضب أم حقيقية مستعدة تهد الدنيا عشان تحمي بنتها. أخدت الورقة من كريم، وطلعت من شنطتها ولاعة، وولعت في الورقة وفضلت ماسكاها لحد ما بقت رماد والريح طيرته في شارع السيدة عائشة. لفت ليا وضمتني وقالت بحزم: “مفيش عهد، ومفيش زفت! الرماد ده هو آخر حاجة تربطك بالناس دي يا سما. أنتي مش هتتجوزي ولا هتحملي هم عيال دلوقتي، ويوم ما تتجوزي ويكون ليكي بيت وعيال، ربنا اللي حماكي الليلة دي هو اللي هيحميهم.. يلا بينا على شبرا.”
​رجعنا الشقة في شبرا، بس الشقة مكنتش هي هي. ريحة المقابر والتراب انقشعت فعلاً ورجعت ريحة البخور والمستكة، بس الأمان اللي كان مالي الحيطان انكسر. كريم قعد معانا يومين كاملين، مكنش بينام تقريباً، كان دايماً باصص من البلكونة، ومقضي وقته بيقرأ قرآن ويرش مياه بملح ورقاق في أركان الشقة زي ما الشيوخ قالوا له.
​في اليوم الثالث، كريم لم حاجته وقالنا إنه لازم يسافر الصعيد: “يا سما، أنا لازم أرجع قريتنا في سوهاج.. البيت القديم بتاع عمي اللي اتحرق بنار سودة لازم أشوفه، ولازم أدور ورا الدجال هارون ده.. لو فضل عايش، مش هيسيبنا في حالنا، وهيفضل يدور على طريقة يرجع بيها حقه من الجن اللي بيمطاردوه بعد ما العهد باظ في المرة الأولى.”
​أنا كنت خايفة عليه جداً: “بلاش يا كريم.. الناس دي مش بتخاف ربنا، وإنت لوحدك هناك.”
كريم ابتسم ابتسامة صعيدية ماليانة رجولة وثقة: “أنا مش لوحدي يا بنت عمي، أنا معايا ربنا، وعيلتنا هناك كلها وقفت معايا لما عرفوا الحق. خليكي أنتي هنا مع أبلة نادية، ومتخرجيش من شبرا ولا من الجامع، وخليكي دايماً على وضوء.”
​سافر كريم، ورجعت أنا وأبلة نادية لحياتنا.. أو للحياة اللي بنحاول نتظاهر إنها طبيعية. كنت بروح الجمعية الخيرية في الجامع كل يوم، بس مبقتش أقعد لوحدي في المكتب أبداً. الشيخ بتاع الجامع كان دايماً يبعت لي ستات كبار يقعدوا معايا، وكان دايماً يقرأ قرآن بصوت عالي.
​مرت سنة.. وسنتين.. وتلاتة.. وأنا عندي تمانية وعشرين سنة دلوقتي. كريم مكنش بيقطع اتصاله بيا، كان بيكلمني كل أسبوع يطمني. قالي إن البيت القديم اتهد تماماً وبنوا مكانه مسجد، وإن الشيخ هارون اختفى ملوش أي أثر في الصعيد كلها، كأن الأرض انشقت وبلعته، أو كأن الجن اللي كان بيخدمهم أكلوا روحه بعد ما فشل في تقديم القربان.
​بدأت أطمن.. بدأت أقول لنفسي إن يمكن الرماد اللي أبلة نادية طيرته في الهوا نهى اللعنة بجد. وفي وسط الأيام الهادية دي، ظهر “أحمد”.
​أحمد كان مهندس ديكور، جه الجمعية عشان يجدد مصلى الحريم متبرعاً. كان شاب خلوق، هادي، وعينيه فيها طيبة تفكرني بأبلة نادية. مع الوقت، بدأ يقرب مني، وبدأ يسأل عليا. أنا كنت بصده دايماً، كل ما يفتح معايا موضوع الجواز، يجي في بالي السطر الملعون: “ينتقل الطلب إلى أولاد سما!”. كنت بترعب إني أظلم طفل ملوش ذنب في الدنيا دي بسبب عيلة طماعة باعت روحها للشيطان.
​بس أحمد م استسلمش، وراح لأبلة نادية وطلب إيدي منها. نادية قعدت معايا بالليل وقالت لي: “يا سما.. العمر بيجري، وأحمد يابنتي شاري الخاطر ومحترم. أنتي هتقضي عمرك كله هربانة من وهم؟ ربنا كبير يا بنتي، ومبيسيبش حد.”
اتصلت بكريم وحكيت له، كريم سكت شوية وبعدين قال: “اتوكلي على الله يا سما. أنا دورت كتير، والعهود دي بتضعف لما أصحابها الأصليين يموتوا ويفوت عليها سنين.. أحمد راجل صالح، والصلاح بيطرد الشياطين.”
​وافقت.. واتجوزت أحمد. عشنا في شقة صغيرة قريبة من أبلة نادية في شبرا. أحمد كان نعم الزوج، حنين وطيب، وعمر ما حاجة غريبة حصلت في بيتنا. مرت سنة على جوازنا، لحد ما جه اليوم اللي عرفت فيه إني.. حامل.
​الخبر اللي بيفرح أي ست في الدنيا، نزل عليا كأنه حكم بالإعدام. قعدت في الحمام وأنا ماسكة تحليل الحمل وببكي بهستيريا. أحمد دخل عليا واتخض: “مالك يا سما؟ في إيه يا حبيبتي؟ مش ده اللي كنا بنتمناه؟”
مكنتش قادرة أقوله الحقيقة.. مكنتش قادرة أقوله إن ابنه أو بنته اللي لسه متولدش، عليه دَين دم لجن سفلي تحت الأرض!
​أبلة نادية وكريم كانوا هم الوحيدين اللي فاهمين ناري. نادية كانت بتجيلي كل يوم تقرأ على بطني قرآن، وكريم بعت لي حجاب فيه آيات تحصين قالي أخليه دايماً تحت مخدتي.
​مرت شهور الحمل صعبة، كنت بشوف كوابيس متقطعة.. بشوف أمي فادية واقفة في الضلمة ووراها الشيخ هارون، وباصين لبطني وبيضحكوا. كنت بصحى وأنا بصرخ، وأحمد كان فاكر إن ده مجرد “اكتئاب حمل” وتعب طبيعي، وكان بياخدني في حضنه ويقرأ لي قرآن لحد ما أنام.
​وفي ليلة شتوية باردة.. جالي الطلق. روحت المستشفى، وبعد ساعات من التعب، شرفت الدنيا “فريدة”.. بنتي الصيرة.
​أول ما الممرضة حطتها في حضني، نسيت كل الخوف. كانت حتة سكرة، بيضاء وعينيها سوداء وواسعة. بصيت لها وقلت في سري: “أنا هحميكي بروحي يا فريدة.. مش هسمح لأي شر في الدنيا يقرب منك.”
​عدت سبع سنين كاملة.. فريدة كبرت وبقت في المدرسة. كانت بنت ذكية جداً، وشقية، وبتحب اللعب. الكوابيس كانت اختفت تماماً من حياتي، وبدأت أقتنع إن اللعنة ماتت مع أمي وأبويا والدجال.
​وفي يوم.. فريدة رجعت من المدرسة، وكانت هادية زي غير العادة. دخلت أوضتها وغيرت هدومها وقعدت على السرير وهي باصة للحيطة.
دخلت وراها وقعدت جنبها: “مالك يا ديدة؟ في حاجة حصلت في المدرسة؟ حد زعللك؟”
فريدة لفت ليا، وبصت لي بعينيها السوداء الواسعة، وقالت بنبرة صوت هادية جداً.. نبرة مش نبرة طفلة عندها سبع سنين: “محدش زعلني يا ماما.. بس أنا شوفت تيتة فادية اليوم في حوش المدرسة.”
​الكلمة وقعت عليا كأنها صخرة. جسمي كله اتجمد، والدم هرب من عروقي. مسكت كتاف فريدة وضغطت عليها براحة وأنا بحاول أتحكم في صوتي: “تيتة مين يا حبيبتي؟ تيتة فادية ماتت من زمان جداً قبل ما أنتي تتولدي.. أنتي أكيد شوفتي حد شبهها.”
​فريدة هزت راسها بالنفي وقالت ببراءة مرعبة: “لا يا ماما.. هي قالت لي إنها تيتة فادية.. وقالت لي إنها كانت دايماً بتشوفك وأنتي عندك أربع سنين في الجامع.. وقالت لي أقولك الكلمة دي..”
​بلعت ريقي بصعوبة وقلت والصوت بيطلع بالعافية: “كلمة إيه يا فريدة؟”
​فريدة ابتسمت نفس الابتسامة الباردة اللي شوفتها على وش أمي من تلاتين سنة وقالت: “قالت لي أقولك.. العهد ميموتش يا سما.. وأنا جيت أخد القربان!”الكلام نزل عليا كأنه خنجر اتغرس في قلبي. الصدمة شلت لساني، ومبقتش قادرة أنطق ولا كلمة. الابتسامة الباردة اللي على وش فريدة، ونبرة الصوت اللي مش نبرتها.. كل حاجة كانت بتقول إن الكابوس اللي هربت منه طول سنين عمري، رجع ووقف في وسط أوضة بنتي.
​سحبت فريدة لحضني بسرعة وعنف لدرجة إنها اتخضت وبدأت تعيط بصوتها الطبيعي: “في إيه يا ماما؟ أنتي بتوجعيني!”
أنا مكنتش حاسة بنفسي، كنت بقرأ آية الكرسي والمعوذتين بأعلى صوت عندي وأنا بضمها لصدري وببكي بهستيريا. أحمد دخل الأوضة مخضوض على صوتنا: “في إيه يا سما؟ مالك؟ فريدة مالها؟”
بصيت لأحمد وعيوني مغرقة دموع، وقلت له بصوت مرعوب: “البيت ده لازم يتساب فوراً.. مش هنقعد هنا ولا دقيقة!”
​أحمد مكنش فاهم حاجة، بس لما شاف حالتي والذعر اللي مالي عيوني، وافق ينزلنا. كلمت أبلة نادية وكريم، وفي أقل من ساعة كنا كلنا متجمعين في بيت أبلة نادية في شبرا. كريم أول ما سمع اللي فريدة قالته، وشه اسودّ وغضب الصعايدة كله ظهر في عينيه. وقف وقال بصوت حازم: “الشيخ هارون ماماتش.. الدجال ده كان مستني البنت تكبر وتوصل للسن اللي العهد بيطلبه.. سبع سنين! السحر السفلي بيتحرك بالسن ده بالذات. طالما ظهر لفريدة، يبقى الطقس هيتعمل الليلة دي، ومفيش وقت للهرب.”
​أحمد كان واقف مذهول ومقسوم بين تكذيب الكلام ده كله وبين الخوف على بنته، بس لما شاف كريم بيطلع بخور غريب وبيبدأ يحصن الأوضة، قعد جنب فريدة وضاممها وهو بيترعش.
​الساعة ديرت وبقت 11 بالليل.. الجو في شقة شبرا اتغير تماماً. البرد القارس رجع تاني، وريحة التراب والمقابر الخانقة بدأت تظهر في الجو. فجأة، النور انقطع عن الشقة كلها، والضلمة بقت كحل.
​فريدة اللي كانت نايمة في حضن أبوها، قامت وقفت فجأة.. عينيها كانت مفتوحة على الآخر، بس مكنش فيها نني.. كانت بيضاء تماماً زي عيون أمي زمان! بدأت تتحرك ناحية الباب وهي بتقول بصوت مكرر وخافت: “أنا جاية يا تيتة.. أنا جاية يا شيخ هارون..”
​أحمد صرخ ومسكها، بس البنت كانت فيها قوة مرعبة زقته وقعته على الأرض. كريم جرى عليها ومسكها من كتافها وبدأ يقرأ أواخر سورة الحشر بصوت زلزل الأوضة، وأبلة نادية ولعت شمعة وبقت ترش مياه المقرأ عليها وهي بتبكي.
​وفجأة.. سمعنا خبط قوي برة على باب الشقة.. خبط عنيف كأن في حد عايز يهد الباب.
كريم زعق: “محدش يفتح الباب! ده الخادم بتاع العهد جاي ياخد البنت!”
الخبط زاد، وفجأة الصوت اتقلب لصوت أذان.. بس أذان متقطع ومعكوس ومرعب! الشياطين كانت بتحاول تلعب بعقولنا عشان نفتح. فريدة كانت بتصرخ وبتتلوى بين إيدين كريم، والدم بدأ ينزل من مناخيرها الصغيره.
​أنا في اللحظة دي، حسيت بنار ولعت في قلبي.. نار الأمومة اللي أقوى من أي سحر أسود في الدنيا. جريت على فريدة، زقيت كريم، وأخدت بنتي في حضني.. ثبت راسي على راسها، وبصيت في عينيها البيضاء مباشرة وقلت بصوت هز حيطان الأوضة، صوت طالع من أعماق روحي المكسورة: “أنا سما.. اللي أمها سابتها في بيت ربنا وهي عندها أربع سنين.. وربنا مسبنيش! ربنا حماني ونصرني.. وأنا مش هسيب بنتي للشيطان! لو العهد طالب دم من صلب صاحب العهد.. ف أنا صاحبة العهد دلوقتي.. خذوني أنا وسيبوا بنتي!”
​بمجرد ما نطقت الجملة دي.. وقدمت نفسي فداء لبنتي.. حصلت حاجة مكنش حد يتوقعها.
​الورقة اللي أبلة نادية حرقتها من سنين.. الرماد بتاعها اللي طار في الهوا.. حسيت كأنه رجع واتجمع في الأوضة على هيئة إعصار تراب صغير. فريدة سكتت تماماً، وعينيها رجعت لطبيعتها، ووقعت في حضني مغمى عليها ونفسها هادي.
​وفي نفس اللحظة.. سمعنا صرخة رعب حقيقية جاية من الشارع تحت البلكونة.. صرخة راجل عجوز بيموت ويتحرق.
​جرينا كلنا على البلكونة وبصينا.. تحت في الشارع، في ضوء عمود النور الخافت، كان واقف راجل عجوز بعباية سودة مخيفة.. كان الشيخ هارون! بس مكنش لوحده.. كان محاوط بكتلة من النار السودة اللي كانت بتاكل في جسمه، وورا النار دي كانت ظاهرة ملامح أمي فادية وأبويا، بس مكنوش جايين يأذونا.. كانوا ماسكين في رقبة الدجال وبيسحبوه معاهم للأرض وهي بتنشق تحت رجليه! أمي التفتت ليا للمرة الأخيرة، ومكنتش مبتسمة ابتسامة باردة.. كانت بتبكي، كأنها بتطلب السماح لأنها السبب في كل الوجع ده.
​الأرض بلعت الشيخ هارون وناره، وانقفل الشارع ورجع فاضي وهادي زي ما كان.. ريحة المقابر اختفت، وحل محلها ريحة بخور ومستكة صافية مالت الشقة كلها.
​الصبح طلع.. والمسك مالي الأوضة. فريدة صحيت في حضني وهي بتفرك عينيها وبتقول ببراءة: “صباح الخير يا ماما.. أنا جعت أوي.”
أحمد أخدنا في حضنه وهو بيبكي من الفرحة، وأبلة نادية سجدت في الأرض تشكر ربنا، وكريم ابتسم وقالي: “العهد انكسر للأبد يا سما.. تضحيتك بنفسك وفدائك لبنتك حبس الدجال في عهده، والجن انقلب على الساحر وأكله.. أنتي حرة يا بنت عمي.. وبنتك حرة.”
​بصيت من البلكونة على شوارع شبرا وصوت أذان الفجر بيخلص.. ولأول مرة من تلاتين سنة، حسيت بنسمة هوا باردة ونقية بتدخل صدري.. عرفت إن ربنا فعلاً أخد باله مني.. ومن بنتي.. وإن اللعنة انتهت، والقصة الملعونة قفلت كتابها للأبد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *