من ساعه ما شفت ابوكي

جمود تام ساد الصالة الضيقة بتاعة شقتكم، الهوا فجأة بقى تقيل لدرجة إنك حسيتي بنغزة في صدرك وأنتي مش عارفة تاخدي نفسك. الراجل ده—المعلم مرسي—كان واقف في نص الصالة وكأنه يملك المكان، يملك الشقة، ويملكك إنتي شخصياً. عينيه السودة الحامية كانت بتفحص كل ركن، من السقف اللي قشرته واقعة لحد السجادة القديمة اللي تحت رجليه، وبعدين نظرة عينيه استقرت عليكي إنتي. نظرة مش شريرة بالمعنى المفهوم، بس نظرة باردة، خالية من أي مشاعر، زي نظرة الجزار للحمة اللي قدامه.
إنتي كنتي واقفة عند الباب، إيدك لسه ماسكة المقبض الحديد وحديده ساقع كلبش في صوابعك. حاولتي تنطقي، حاولتي تصرخي وتسأليه هو مين وبأي حق يدخل كده، بس لعنتك القديمة كانت أسرع. لسانك اتمط، وبقيتي تتهتكي في الكلام، الحروف اتعجنت في بقك: “أ… أ… أأأنت…”
المعلم مرسي ما اتحركش من مكانه، بس رفع العكاز الأبنوس بتاعه شبر واحد عن الأرض وخبط بيه خبطة رنت في الشقة كلها. الخبطة دي خلتك تسكتي فجأة من الخوف. طلع منديل قماش قذر من جيب البالطو، مسح بيه طرف شفايفه، وقال بنبرة هادية بس فيها فحيح أفعى: “مش عايز أسمع صوت التكتكة ده يا شاطرة. أنا وقتي بفلوس، والفلوس اللي بتنزلك كل أول شهر دي أنا اللي دافعها من جيبي. أحمد أخوكي غرق في شبر مية، وبدل ما يسد دينه، سابلي حتة العيلة دي أبتلي بيها. خلصينا.. خمس دقايق وهدومك تكون في الشنطة، وإلا هتمشي بالهدوم اللي عليكي دي، وأظن الملاية مش هتنفعك في السيدة.”
كلمة “أحمد أخوكي غرق” نزلت عليكي زي الصاعقة. عقلك رفض الفكرة تماماً. أحمد؟ أحمد الجدع الشهم اللي كان بيسهر يذاكرلك، اللي كان بيمسح دموعك لما العيال في المدرسة يترقوا على تَهتَهتك؟ أحمد شغال في “شغلانة شمال” مع راجل زي ده؟ الدموع اتجمعت في عينيكي بس ما نزلتش، الخوف كان مجمد دمك. لقتي رجلك بتاخدك لوحدها على جوة الأوضة. فتحتي الدولاب وإيديكي بتترعش، سحبتي الشنطة القماش القديمة وبقيتي ترمي فيها أي حاجة تيجي قدامك: بنطلونين، كام طرحة، وكشكول المذكرات اللي كنتي بتكتبي فيه لما الكلام بيعجز على لسانك.
خرجتي من الأوضة والشنطة في إيدك، كان واقف مستنيكي عند الباب، مديكي ضهره وباصص على السلم. أول ما سمع صوت خطواتك، التفت ومال براسه: “قدامي.”
نزلتي وراه السلم خطوة بخطوة، وصوت خبطة عكازه على السلالم الرخام كان بيعمل صدى صوت في ودنك زي دقات ساعة القيامة. في الشارع، كانت واقفة عربية مرسيدس سودا فاميه، شكلها غريب جداً على منطقتكم البسيطة. الجيران كانوا واقفين على أول الشارع بيبصوا من بعيد بخوف، محدش فيهم استجرأ يقرب أو يسأل في إيه، لأن هيبة المعلم مرسي والرجالة اللي واقفين جنب العربية كانت تقطع دابر أي حد يفكر يعمل فيها شجاع. السواق فتح الباب الوراني، المعلم ركب بهدوء وسند عكازه جنبه، وأشار لك بإيده تدخل تقعدي جمبه. ركبتي وانكفيتي على نفسك في الزاوية، والشنطة على رجلك ضماها لصدرك كأنها أخر حتة باقية من حياتك القديمة.
العربية اتحركت بسلاسة مرعبة، والشوارع بدأت تتغير. من منطقتك الهادية لزحمة القاهرة، لحد ما دخلتوا شوارع السيدة زينب الوعرة، الحواري الضيقة اللي ريحة البخور والدم فيها مالية الجو. العربية وقفت قدام بيت قديم جداً، مبني بالحجر الهاشمي، من البيوت بتاعة زمان اللي ليها بوابات حديد ضخمة.
”انزلي،” قالها مرسي وهو بيفتح الباب وبيتحرك بخطوته العرجة اللي فيها ثقة عمياء.
دخلتي وراه من البوابة الحديد، لتلاقي نفسك في حوش واسع مليان كراسي خشب وشيشة ورجالة شكلهم يرد الروح من الخوف. أول ما شافوا المعلم مرسي، كلهم وقفوا انتباه، والهمس انقطع تماماً. مشي بيكي لحد ما طلعتوا الدور الأول، ودخلك مكتب ضخم كله خشب أرو غامق، ريحته سجاير تركي وبخور عود. قعد ورا مكتبه، وحط العكاز قدامه، وبص لك بابتسامة صفرا متوقعة: “قعدي يا سما.. خلينا نتفق على قواعد البيت الجديد.”
أنتي فضلتي واقفة، رجلك مش شايلاكي بس كبريائك وخوفك على أحمد كان أقوى. أخدتي نفس طويل، وحاولتي تجمعي كل قوتك عشان تتكلمي. ضغطت على سنانك وطلعتي الكلمات بالعافية، بتهتهة شديدة بس بنبرة فيها تحدي: “أ… أأأخويا… ف… فففين؟ أ.. أحمد… عععايش؟”
المعلم مرسي سكت لثواني، رجع بضهره لورا على الكرسي الجلد، وطلع علبة السجاير. ولع واحدة ونفخ الدخان في الهوا، وعينيه بتراقب ملامح وشك المنهارة. “أخوكي؟ أحمد ده كان غبي.. افتكر إنه يقدر يلعب مع الكبار ويخرج نظيف. دخل معايا في صفقة آثار، وأخد مقدم كبير عشان يهرب حتة تمثال برة البلد. بس الطمع عماه، الحتة اختفت، وأخوكي فص ملح وداب. الرسائل اللي بتجيلك دي؟ دي رسايل متسجلة ومعمولة بالكمبيوتر من رجالتنا عشان ما تعمليلناش شوشرة وتجري على الحكومة وتفتحي علينا عين إحنا مش ناقصينها.”
الدنيا لفت بيكي. الرسائل كدب؟ أحمد ما بيكلمكيش؟ يعني كل الشهور دي وأنتي عايشة في وهم؟ الدموع خانتك المرة دي ونزلت سخنة على خدودك. حسيتي إن الأرض بتهرب من تحت رجليكي.
مرسي كمل وهو بيميل عليكي فوق المكتب: “أنا مش فاعل خير يا سما. المصروف اللي كان بينزلك ده تمنه غالي. أحمد سابك عندي رهن لحد ما الحتة ترجع أو لحد ما أعرف هو غطس فين. ومن اليوم وجاي، إنتي مش طالبة في مدرسة.. إنتي شغال عندي هنا في البيت والمكتب. هتشوفي حاجات وتسمعي حاجات، لو لسانك ده نطق بكلمة واحدة برة العتبة دي، أو لو حاولتي تهربي.. مش هتشوفي أحمد تاني، لا عايش ولا ميت. سامعة؟”
حركتي راسك فوق وتحت بسرعة من الرعب، وإنتي مش قادرة تستوعبي حجم المستنقع اللي وقعتي فيه. أشار بإيده لست عجوزة ملامحها قاسية كانت واقفة عند الباب: “خديها يا أم السعد، عكنيها في أوضة البدروم، وعرفيها شغلها من النجمة.”
مشتي ورا أم السعد وأنتي حاسة إنك ماشية لقبرك. الأوضة في البدروم كانت ضيقة، شباكها صغير قوي ومطل على الشارع من تحت لفوق، يدوب تشوفي منه رجليين الناس وهي ماشية. رميتي الشنطة على السرير الحديد المصدّي، وقعدتي ضامة ركبك لصدري. العتمة بدأت تفرش في الأوضة، ومعاها بدأ الخوف يتحول لحاجة تانية.. حاجة شبه الغضب. أحمد مش ممكن يكون حرامي أو خاين، أحمد عمل كده عشانها، والراجل اللي فوق ده مخبي سر كبير.
عدت الأيام وكل يوم كان عبارة عن جحيم. تصحي من النجمة، تنظفي السلالم، تمسحي المكتب، وتجهزي الشاي للرجالة اللي داخلة خارجة. كنتي بتشوفي شنط سودا بتتسلم وبتستلم، وفلوس بتعد بالآلاف، وكلام كله بالرموز. لسانك المربوط كان هو أكبر ميزة ليكي هنا؛ مرسي ورجالته كانوا بيتكلموا قدامك بحرية كاملة لأنهم عارفين إنك “خرسة” ومبتعرفيش تتكلمي، وحتى لو اتكلمتي، تَهتَهتك هتفضحك قبل ما تقولي جملة مفيدة. بس اللي ما كانوش يعرفوه، إن ودنك كانت واعية لكل كلمة، وعقلك كان بيسجل كل حاجة.
في ليلة من الليالي، بعد نص الليل، البيت كله كان هادي. كنتي طالعة تمسحي الطرقة اللي قدام مكتب المعلم مرسي بعد ما الرجالة مشيت. الباب ما كانش مقفول للآخر، كان موارب وضارب منه خيط نور ضئيل. جيتي تتحركي، بس سمعتي صوت مرسي وهو بيتكلم في الموبايل بنبرة عصبية وعالية على غير عادته. لزقتي ضهرك في الحيطة وكتمتي نفسك تماماً.
”بقولك الواد لسه منطقش يا باشا!” مرسي كان بيزعق بصوت مكتوم. “أحمد حجر صوان، بقالنا شهور مانعينه عن النور في مخزن الملاحات، ومستحمل الضرب والتعذيب ولا راضي يقول التمثال فين ولا مين اللي وراه. أنا جبت البت أهو وبقت تحت إيدي، هسيبه كام يوم كمان، ولو ما اتكلمش، هبعتله حتة منها في كيس أسود عشان يعرف إن الله حق واللعب معايا موت.”
صدمتك المرة دي ما خلتكيش تعيطي. الصدمة خلت قلبك يدق زي الطبل. أحمد عايش! أحمد محبوس في مكان اسمه “مخزن الملاحات” وبيتعذب بسببهم! وإنتي الكارت اللي مرسي هيستخدمه عشان يكسر أخوكي. الخوف اتمسح في ثانية وحل محله غريزة البقاء.. لازم تهربي، ولازم تنقذي أحمد.
ببطء شديد، رجعتي بضهرك لورا لحد ما نزلتي البدروم. أفكارك كانت بتجري زي الخيل. مخزن الملاحات؟ ده أكيد في منطقة الملاحات القريبة من أطراف القاهرة أو الإسكندرية، بس لازم تتأكدي. مفيش وقت للتردد، لو فضلتي هنا، مرسي هيقطع حتة منك ويبعتها لأخوكي.
استنيتي لحد الساعة ما بقت تلاتة الفجر، الوقت اللي أم السعد بتغط فيه في النوم، والكلاب الضالة بس هي اللي صاحية في الشارع. لبستي الطرحة وسحبتي مذكراتك وقلم، وحطيتي في جيبك كام جنيه كنتي مخدياهم من مصروفك القديم. اتسحبتي على السلالم زي الخيال، الباب الوراني للمطبخ كان بيفتح على حارة ضيقة وراه البيت. فتحتي القفل بالراحة وبدون أي صوت، وخرجتي.
الهوا الساقع خبط في وشك، الشارع كان ضلمة كحل ومفيش فيه صريخ ابن يومين. جريتي.. جريتي بكل قوتك ومن غير ما تبتفتي وراكي. حافية أو بالشبشب الخفيف، مش مهم، المهم تبعدي عن وكر السيدة. بعد نص ساعة جري، وصلتي لشارع رئيسي، ولمحتي عربية تاكسي بيضا مروح صاحبها. وقفتيها وإيدك بترتعش.
ركبتي ورا، الراجل بصلك في المراية باستغراب: “على فين يا آنسة في وقت زي ده؟ ومالك بتتنفضي كده ليه؟”
حاولتي تتكلمي، بس التلعثم كلبش في لسانك: “أ… أأأ… ااال…” النفس انقطع. طلعتي المذكرات بسرعة وكتبتي بخط يترعش: “وديني أي لوكاندة رخيصة أو محطة القطر.” الراجل حس إن وراكي مصيبة، بس صعبتي عليه وطمع في الكام جنيه، فهز راسه وطلع بيكي على محطة مصر.
طول الطريق، وأنتي بتبصي من الشباك، كنتي عارفة إن الصبح أول ما يطلع، المعلم مرسي هيقلب عليكي مصر حتة حتة. إنتي دلوقتي مابقيتيش مجرد عيلة خايفة.. إنتي بقيتي خيط الدم اللي هيوصل لأحمد، أو الرصاصة اللي هتقضي عليكم إنتو الاتنين. دخلتي المحطة، وقعدتي في ركن ضلمة وسط الزحمة، مستنية الفجر يشقشق وعقلك بيسأل سؤال واحد: هتوصل لأحمد ازاي قبل ما رجالة مرسي يوصلوا لك؟نور الفجر بدأ يشقشق ويزق ضلمة المحطة، ومع كل دقيقة بتعدي، كان الرعب جواكي بيكبر وينهش في قلبك. الناس بدأت تكتر، وشوش مسافرة، وشغالين، وعمال.. بس إنتي عينيكي كانت بتزيغ على كل راجل لابس بالطو أو بيتحرك بحذر وسط الزحمة. كنتي حاسة إن عيون المعلم مرسي محوطاكي في كل مكان، وإن رجالته زمانهم قالبين عليكي حواري السيدة وزقاقها، وشوية وهيترصوا على محطات القطر والمواقف.
قعدتي على دكة خشب قديمة، ضامة مذكراتك لصدرك كأنها درع بيحميكي من الدنيا. فتحتي الكشكول وبقيتي تبصي للكلام اللي كتبتيه.. “مخزن الملاحات”. الكلمة دي كانت هي القشة اللي هتعومك، أو الحبل اللي هيشنقك. بس هتروحيله إزاي وأنتي حتة عيلة مكسورة، لسانها بيخونها عند كل كلمة، ومعاهاش في جيبها غير كام باكو لبان وكام جنيه فكة؟
فجأة، لمحت عيل صغير، قفاص وبياع جرايد، لابس تيشيرت دايب وبنطلون مقطع، بس عينيه فيها ذكاء ولمحة صياعة من بتاعة عيال الشوارع اللي شربوا المر. كان بينادي بصوت مبحوح: “اقرأ الحادثة.. اقرأ الجورنال!”
جتلك فكرة مجنونة، بس مكنش فيه بديل. قمتي من مكانك وخطواتك بتقدم خطوة وترجع تانية، لحد ما وقفتي قدامه. الولد بصلك واستغرب شكلك؛ وشك المخطوف، وطرحتك المتبهدلة، والشنطة القماش اللي في إيدك.
حاولتي تنطقي، وريجك ناشف كأنه تراب: “م… م… مَممـ…”
الواد كشر وحط الجرايد تحت باطه: “في إيه يا أبلة؟ مالك؟ بتتكلمي كدا ليه؟”
الدموع كانت هتفر من عينيكي بسبب قلة الحيلة، بس بسرعة فتحتي المذكرات وكتبتي بالقلم الجاف بخط عريض: (أنا عايزة أروح الملاحات.. تعرف مخازن هناك؟ وأخويا محبوس هناك.. ساعدني والفلوس دي ليك). وطلعتي من جيبك أخر خمسين جنيه معاكي وحطيتيهم في إيده.
الواد عينيه لمعت لما شاف الخمسين جنيه، بس أول ما قرأ الكلام، ملامح وش الصبيانية اختفت وحل مكانها خوف حقيقي. بص حواليه بحذر، وبعدين قرب منك ووشوشك بصوت واطي جداً: “الملاحات؟ إنتي هبلة يا أبلة؟ دي منطقة مقطوعة ورا الماكس في إسكندرية، كلها مخازن مهجورة وبتوع سلاح ومخدرات. اللي بيدخل هناك مابيطلعش! وأخوكي مين اللي يحبسوه هناك؟”
إنتي ماردتيش، بس نظرة عينيكي المكسورة والرجفة اللي في إيديكي كانت كفيلة تقول له كل حاجة. الواد سكت ثانية، صعبتي عليه وفي نفس الوقت الطمع والخوف اتخانقوا جواه، بس الشهم اللي فيه غلب. أخد الخمسين جنيه وحطها في جيبه بسرعة وقال: “بصي، أنا ليا واحد صاحبي اسمه ‘بوجي’ شغال على ميكروباص خط إسكندرية، هيركبك معاه في الكنبة الورانية ومحدش هيحس بيكي، ولما توصلي هناك.. ربنا معاكي بقى، بس نصيحة مني، بلاش تروحي للموت برجليكي.”
هزيتي راسك بالموافقة وأنتي مش شايفة قدامك غير صورة أحمد وهو بيتعذب تحت إيدين رجالة مرسي. الواد مشي بيكي من ممرات خلفية في المحطة لحد ما خرجتوا لموقف الميكروباصات. ركبك مع صاحبه بوجي اللي بصلك بشك بس سكت لما صاحبه غمزله. انكمشتي في الكنبة الأخيرة جنب الشباك، والميكروباص دار وطلع على الطريق الصحراوي.
طول السكة، والشمس بتطلع وتحرق الإسفلت، وأنتي عقلك شغال تفكير. أحمد است حمل شهور عشان يحميكي ويخبي السر، وأنتي لازم تكوني قوية علشانه. التلعثم اللي في لسانك مش هيكون نقطة ضعفك، بالعكس، ده هيكون سترك.. محدش بيتوقع حاجة من بنت مابتتكلمش.
بعد ساعات من التوتر والخوف، الميكروباص هدى ودخل أطراف إسكندرية. النسمة الساقعة بتاعة البحر خبطت في وشك، بس مكنتش نسمة حلوة، كانت ريحة يود وملح وموت. بوجي وقف في مكان مقطوع، وقال بنبرة خشنة: “انزلي هنا يا أبلة.. دي أول طريق الملاحات. المخازن جوة على بعد كيلو، بس رجلِك لو غرزت هناك، محدش هيسمع صراخك.”
نزلت ورجليكي بتترعش على الأرض الرملية المملحة. المكان كان عبارة عن أرض بيضا من كتر الملح، ومباني خرسانية ضخمة مصدية ومهجورة، مفيش فيها روح. مشيتي بخطوات بطيئة، مستخبية ورا الحيطان والمعدات القديمة المرمية.
وفجأة، وأنتي بتمرّي من جنب مخزن ضخم بوابته حديد ومصديّة، سمعتي صوت كتم نفسك من الرعب.. صوت خبطة مكتومة، ووراها أنين وجع طالع من جوة الروح. صوت إنتي عارفاة وحافظاه أكتر من نفسك.. صوت أحمد!
قلبك دق بعنف لدرجة حسيتي إنه هيطلع من بين ضلوعك. قربت عينك من خرم صغير في البوابة الحديد وبصيتي جوة.
المخزن كان ضلمة، وضارب فيه خيط نور واحد من السقف، نازل على كرسي حديد مربوط فيه شاب، وشه كله دم، وهدمته مقطعة، بس ملامحه الجدعة كانت باينة رغم العذاب.. ده أحمد. قدامه كان واقف راجلين من بتوع المعلم مرسي، واحد منهم ماسك كرباج وبيتكلم بغل: “انطق يا روح أمك.. التمثال فين؟ المعلم مرسي على آخره، واليومين بتوعك خلصوا.. انطق بدل ما نبعت نجيب المحروسة أختك تتسلى معانا هنا!”
أحمد رفع راسه بصعوبة، وتف دم من بقه، وقال بصوت مجروح بس كله عزة نفس: “لو لمستوا شعرة منها.. هطربقها على دماغكم ودماغ معلمكم.. التمثال مش هتشوفوه.”
في اللحظة دي، وأنتي بتبكي من غير صوت وإيدك على بقك عشان ماتصرخيش، سمعتي صوت حركة وراكي.. صوت خطوة تقيلة، ومعاها خبطة منتظمة.. تك.. تك.. تك…
رعب الدنيا كله اتجمع في جسمك. لفيتي ببطء وتلقائية، لتلاقي النور اتحجب عنك، وواقف فوق راسك بكامل هيبته وطوله.. المعلم مرسي!
بصلك بابتسامته السامة، وسند على عكازه الأبنوس، وقال بنبرة حنينة مرعبة: “كنت عارف إنك هتدليني على الطريق يا سما.. البنت الشاطرة دايماً بتروح لأخوها. نورتي الملاحات يا حبيبة المعلم.”المعلم مرسي أشار بصباعه لواحد من رجالته، اللي زق البوابة الحديد المصدية بتاعة المخزن. الباب عمل صرير عالي يقشعر له الأبدان، وفتح على الجحيم اللي جوة. مرسي دخل بخطواته الثابتة والعرجة، وإيد قوية من رجالة مرسي كلبشت في كتفك وزقتك وراه جوة العتمة.
أحمد أول ما سمع صوت الباب رفع راسه بتعب، وعينيه اللي ورمت من الضرب فتحت بالعافية. أول ما لمح خيالك، وشف الكسرة والرعب في عينيكي، جسمه اتنفض على الكرسي والحديد قعد يزيق: “سما؟! لأ.. لأ يا مرسي! أختي ملهاش دعوة! يا فجركم.. سيبوها!”
مرسي قعد ببرود على كرسي خشب قديم كان محطوط في الركن، وحط عكازه الأبنوس بين رجليه وسند عليه كفوفه اللي لابس فيها الجوانتي الجلد. بص لأحمد بابتسامة صفرا وقال: “أهو إنت اللي جبتها لحد هنا يا أحمد.. بنشوف بياع الجرايد في المحطة، ورجالتنا لقطوها وهي بتركب ميكروباص إسكندرية. البت طلعت واعية وودنها نظيفة، سمعتني وأنا بتكلم في الموبايل وجتلك طيران.. وفّرت عليا مشوار.”
إنتي كنتي بتترعشي، والدموع مغرقة وشك، حاولتي تجري على أحمد بس الراجل اللي ماسكك شدك لورا بقسوة. أخدتي نفس عالي وحاولتي تصرخي، تطلعي أي كلمة تنجد أخوكي، بس لسانك اتخشب وتَأتَأتك كانت ألعن من كل مرة: “أ… أأأ… أأحمد… لـ… لـ…”
”بس! مش عايز اسمع صوت التكتكة ده هنا كمان!” مرسي زعق فجأة، وصوته رن في المخزن زي الرعد، وبعدين بص لأحمد وكمل بنبرة فحيح: “قدامك دقيقة واحدة يا أحمد. تقولي مكان التمثال فين، وإلا وحياة لقمة العيش اللي كلناها سوا، هخلي رجالتي يعلموا على وش أختك دي، وأخليها عاجزة لسان وشوف كمان!”
أحمد كان بيتنفس بسرعة، وعينيه بتتنقل بينك وبين مرسي. كان باين في عينيه صراع مميت.. صراع بين سره اللي هيموت لو قاله، وبين روحه وأمانه اللي واقفة قدامه بتترعش. هز راسه بالرفض والدموع نزلت من عينيه واختلطت بالدم اللي على وشه: “مش هقولك.. لو قلتلك هتموتنا إحنا الاتنين يا مرسي.. أنا عارفك!”
مرسي ملامحه اسودت، ورفع عكازه الأبنوس وأشار للراجل اللي ماسكك: “علم عليها يا مقطوع.”
الراجل طلع مطواة قرن غزال من جيبه، وسحب السلاح بـ تكة رعبت المكان، وقرب من وشك. في اللحظة دي، وأنتي شايفة الموت بعينيكي، مذكراتك اللي كنتي ضماها لصدرك وقعت على الأرض الرملية، واتفتحت على صفحة قديمة كنتي كاتبة فيها بخط إيدك زمان: (أحمد هو سندي، وأنا ضهره).
النظرة دي حركت جوة أحمد بركان. صرخ صرخة هزت حيطان المخزن المهجور: “خلااااص! خلاص يا مرسي! هقولك.. التمثال في مقبرة كوم الشقافة.. مدفون تحت البلاطة الثالثة في السرداب المهجور ورا المدافن الرومانية.. سيبها!”
مرسي ابتسم ابتسامة النصر، وعينيه لمعت بالجشع. وقف على رجليه وسند على عكازه: “أهو كده.. من الأول يا أبو حميد، كان لازم تشتري غالي.” التفت لرجـالته وقال: “اربطوا البت جنبه، واقفلوا المخزن ده بالترباس لحد ما نروح نأمن الحتة ونشوف كلامه صح ولا بيحور.. لو طلع بيغفلنا، هنيجي ندفنهم سوا هنا.”
الرجالة ربطوكي في كرسي حديد جنب أحمد، وربطوا بوقك بحتة قماشة عشان م تصرخيش. مرسي ورجالته خرجوا، وقفلوا البوابة الحديد الضخمة وسحبوا الترباس من برة. المخزن رجع ضلمة كحل، ومبقاش مسموع فيه غير صوت أنفاسكم المكتومة.
أحمد مال براسه عليكي وهو بيعيط: “سامحيني يا سما.. أنا السبب.. كنت عايز أأمن مستقبلك ومستقبل تعليمك بعد أمنا وأبونا ما ماتوا، مكنتش أعرف إن الطمع هيوصلني للمستنقع ده.”
أنتي حركتي راسك بالرفض، وبقيتي تعافري في الحبل. الغضب اللي جواكي كان أقوى من الخوف. افتكرتي كلام بياع الجرايد الصغير لما قالك إن المنطقة دي مقطوعة.. بس افتكرتي كمان إنك لقطتي من وسط كلام الرجالة برة إن فيه دورية شرطة بتعدي على خط الملاحات كل يوم الفجر.
باعتناق رهيب وقوة مش بتاعتك، قعدتي تهزي الكرسي الحديد يمين وشمال لحد ما اتقلب بيكي على الأرض. دماغط خبطت في الرمل بس وجعك مكنش مهم. الحبل ارخى شوية بسبب القَلبة، وبقيتي تحركي إيديكي لحد ما الجلد اتمزع، بس قدرتي تفكي عقدة واحدة.. ومنها فكيتي إيدك كلها وشيلتي القماشة من على بوقك.
جريتي على أحمد وبقيتي تفكي حباله بضوافرك وسنانك وأنتي بتعيطي وتضحكي في نفس الوقت. أحمد اتفك وقف على رجله بالعافية وسند عليكي: “أنا مش قادر أمشي يا سما.. بس لازم نخرج من هنا قبل ما مرسي يرجع ويفهم إني غفلته والمقبرة مش هناك.”
أحمد غفله! يعني أحمد مقالش المكان الحقيقي!
أحمد بص حوليه، ولمح شباك صغير عالي ومكسور في أخر المخزن، الشباك ده كان ضيق جداً، يدوب يعدي جسم نحيف زي جسمك إنتي. أحمد شالك على كتافه وهو بيتحامل على وجعه وبيموت من الألم: “اطلعي يا سما.. انجي بنفسك وهاتي مساعدة.. أنا هستناكي هنا.”
هزيتي راسك وعينيكي فيها إصرار مشوفتهوش في نفسك قبل كده. تسلقتي الشباك ونزلتي على الرمل برة المخزن. الدنيا كانت لسه ليل، والهوا الساقع خبط في وشك. جريتي على الطريق الرئيسي.. جريتي لحد ما رجليكي نزفت، لحد ما لمحت أنوار عربية بوكس شرطة بتمشط الطريق الصحراوي من بعيد.
وقفتي في نص الشارع ورفعتي إيديكي بتصرخي. العربية وقفت فجأة وظابط نزل منها وسحب سلاحه: ” واقفة كدا ليه يا بت في وقت زي ده؟”
هنا.. الصدمة والخوف والغضب اتجمعوا في حنجرتك.. الوجع اللي كتم صوتك من سنين انفجر فجأة. التأتأة اختفت لثواني، وطلع صوتك واضح وقوي لأول مرة من يوم حادثة أبوكي وأمك: “أخويا.. أخويا بيموت جوة المخزن! المعلم مرسي وتجار الآثار حابسينه وهيقتلوه! الحقوا أحمد!”
الظابط بصلك بذهول، وبسرعة أمر عساكره يجروا معاكي. رجعتي بيهم لحد المخزن، العساكر كسروا الترباس ودخلوا، وأول ما دخلتي، لقيتي أحمد واقع على الأرض ومغمى عليه بس لسه بيتنفس. جيرتي عليه وضميتيه لصدري وأنتي بتصرخي باسمه وصوتك طالع حر من غير قيود.
بعد شهر..
الدنيا اتغيرت تماماً. المعلم مرسي ورجالته اتقبض عليهم في كمين وهم رايحين يدوروا على التمثال في المكان الغلط اللي أحمد قاله، والشرطة قطعت دابر العصابة كلها بعد ما أحمد اعترف بكل حاجة وقدم ورق صفقات مرسي الشغالة في الشمال اللي كان مخبيه كرت حماية له. أحمد أخد حكم مخفف مع إيقاف التنفيذ لأنه ساعد في القبض على شبكة دولية، وخرج ورجعلك.
واقفة قدام مراية شقتكم القديمة في صباحية يوم جديد، بتسرحي شعرك وجاهزة تروحي مدرستك. أحمد دخل عليكي وهو شايل صينية الفطار، ملامحه رجعت صافية وضحكته الجدعة ملت الوش.
حط الصينية وبصلك بحب: “يلا يا ستي.. الفطار جاهز عشان أوديكي المدرسة بنفسي.. ومن النهاردة، مش هغيب عنك ثانية، وشغلي هيبقى في النور وقدام عينيكي.”
ابتسمتِ له وبصيتي في المراية.. التأتأة م راحتش بنسبة 100%، لسه لسانك بيقف ساعات، بس الشرخ اللي جوة قلبك اتداوى. عرفتي إن الصوت مش باللسان، الصوت بالقلب اللي بيعرف يحارب عشان اللي بيحبهم. سِندِتِ راسك على كتف أحمد، وكنتي عارفة إن مهما كانت الدنيا ضلمة، طول ما إيدكم في إيد بعض، مفيش “معلم مرسي” تاني في الدنيا يقدر يكسركم.




