يوم السباق

بليل، الجو كان ساقع ورياح السـباق بتخبط في الجاكيت الجلد بتاعي. الإضاءة في المكان كانت عبارة عن كشافات العربيات المـتعدلة اللي واقفة على الجانبين، وصوت الأغاني الـمهرجانات والـتكنو داخل في بعضه مع صوت ضرب نار من شكمانات المكن الريس. الأرض كانت إسفلت أسود جديد، لسه متعلم عليه بـكاوتشات المكن اللي جربت الأرض قبل ما السباق الرسمي يبدأ.
أنا واقفة على مكنتي، ماسكة الجادون بـإيدين ثابتة، وبحاول أهدي ضربات قلبي اللي بقت شبه طبل بلدي. كنت دايماً بحس إن الموتوسيكل ده هو الحتة الوحيدة اللي بكون فيها نفسي، من غير يونيفورم مدرسة غلس، ومن غير نظرات الناس السخيفة للبيرسينج بتاعي. بس أول ما المتسابق اللي جنبي رفع وش الخوذة، وبانت ملامحه تحت الإضاءة الملونة، الرؤية لفت بيا.
مروان! الغلس بتاع المدرسة، اللي زقني الصبح وبصلي بقرف. كان باصصلي بـابتسامة مستفزة، وعينيه فيها نظرة تحدي خلت دمي يغلي في عروقي. هو طبعاً مش عارف أنا مين، لأن الخوذة الفول فيس بتاعتي مغطية وشي كله، والجاكيت مغطي ملامحي، مفيش أي حاجة تبين إن أنا البنت اللي هزقها الصبح.
”جاهز يا كابتن؟” الواد اللي واقف في النص ورافع المنديل زعق بصوته كله عشان يغطي على زئير المكن.
مروان لـف وشه للـطريق، وهز رأسه بثقة، وزود بنزين فجأة.. صوت المكنة بتاعته كان يرعب، مكنة متعدلة صح وصوتها واصل لـآخر الشارع. أنا كمان زودت بنزين، وحسيت باهتزاز المكنة تحت مني كأنه وحش مستني الإشارة عشان ينطلق. نسيت كل حاجة، نسيت ماما، ونسيت المدرسة، ونسيت مروان نفسه.. مبقاش في دماغي غير خط النهاية اللي على بعد ٢ كيلو.
المنديل نزل!
في جزء من الثانية، سيبت الدبرياج وفتحت البنزين على الآخر. المكنة نتشـت بيا لقدام بسرعة خيالية، الهوا كان بيخبط في الخوذة بـعنف لدرجة إني حسيت برأسي بترجع لورا. مروان كان طالع جنبي بالظبط، كأننا خط واحد مرسوم بالمسطرة. الـعداد بيترفع بسرعة: ٨٠.. ١٠٠.. ١٢٠.. ١٤٠..
الطريق كان ملفات واسعة وخطيرة، ومكنش ينفع أي غلطة، غلطة واحدة هنا معناها الموت. مروان كان سايق بـغشم وعصبية، بيحاول يكسر عليا عشان يجبرني أهدي السرعة وأرجع وراه، بس أنا مبخفش. في أول ملف محـترم، لويت جسمي كله مع المكنة، ونزلت بركبتي لدرجة إنها كادت تلمس الإسفلت، وخدت الغرزة من جوة الملف وسبقته بـنصف مكنة.
لمحت من مراية الموتوسيكل مروان وهو بيتجنن، زود سرعة أكتر وبدأ يلاحقني. خط النهاية بدأ يبان من بعيد، الإضاءة هناك كانت أقوى والناس واقفة بتصرخ وبتشجع. مروان جه من الناحية اليمين، وبقينا كتف بـكتف تاني، الهوا اللي طالع من مكنته كان بيهزني. وقبل خط النهاية بـمترين بالظبط، هو قرص على المكنة بـطريقة انتحارية، وعدى الخط قبلي بـفارق شـبر واحد!
فرملت بـعنف، والكاوتش صرخ على الإسفلت وطلع ريحة شياط. وقفت المكنة وأنا بنهج بـعنف، وصدر بيطلع وينزل من كتر الأدرينالين. مروان وقف مكنته على بعد خطوات، ونزل السـاند، وقلع الخوذة ونفض شعره لورا بـغرور وهو بيضحك وبياخد نفس عميق. الناس كلها جـريت عليه بتهنيه وتصقفله.
نزلت من على مكنتي وبصيتله بـغل. كنت عايزة أمشي، بس لقيت كبرياي بيوجعني. مشيت ناحيته بخطوات واثقة، وقفت قدامه بالظبط، ومديت إيدي عشان أسلم عليه كـروح رياضية، بس في نفس الوقت كنت عايزة أوريه إن اللي خسرتـه دي بنت.
رفعت إيدي وفكيت قفل الخوذة بـبطء، وخلعتها. شعري نزل على كتافي، والبيرسينج اللي في حواجبي وشفتي ولمع تحت كشافات العربيات.
مروان أول ما شاف وشي، الضحكة اختفت من على بوقه تماماً. عينيه وسعت بـصدمة، وفضل مبلم مش مصدق. بص للمكنة بتاعتي، وبعدين بص لوشي، وقال بصوت واطي ومذهول: “إنتي؟! البنت بتاعة الصبح؟”
ابتسمت بـنص بوق وقـلت له بثقة: “آه أنا.. مبروك السباق يا مروان، بس المرة الجاية مش هتعرف تعدي مني بالشبر ده.”
لفيت ضهري ومشيت وأنا سامعة همس الناس حوالينا مصدومين إن اللي كانت سايقة الوحش ده بنت في المدرسة، وسامعة صوت أنفاس مروان وهو لسه مش مستوعب الصدمة. ركبت مكنتي ودورتها، وطرت في ضلمة الليل وأنا حاسة إن اللعبة يلا بدأت، وإن سنتي في المدرسة الجديدة دي مش هتبقى مملة خالص.تاني يوم الصبح، المنبه ضرب الساعة 6:30. قمت وأنا حاسة إن جسمي كله مكسر من شدة جادون المكنة والتوتر بتاع السباق، بس جوايا طاقة غريبة وأول مرة أكون متحمسة للمدرسة كدة. وقفت قدام المراية، لبست اليونيفورم الكئيب، بس المرة دي وأنا بحط البيرسينج في مكانه كنت ببتسم؛ اللعبة بقيت مسلية أوي.
نزلت المطبخ لقيت ماما واقفة بتعمل قهوة وسرحانة، أول ما شافتني قالتلي: “صباح الخير يا لوجين، ها.. نمتي كويس؟ نمتي بدري برضه زي ما قلتيلي؟”
بستها من خدها وقلت بخبث: “نمت زي القتيلة يا فوزية يا عسل، السباق.. قصدي النوم بدري بيفوق أوي”. أخدت شنطتي وخرجت جري قبل ما تدخل معايا في تفاصيل.
وصلت المدرسة، وأول ما دخلت من البوابة، حسيت إن الأجواء اتغيرت تماماً. شلة البنات بتاعة الصبح كانت واقفة برضه، بس أول ما شافوني ملوش بوزهم زي امبارح، بالعكس، كانوا بيبصوا برعب وهمسهم زاد. طبعاً الأخبار في السن ده بتطير أسرع من الصوت، والكل عرف إن “البنت الجديدة” هي اللي كسرت عضم مروان امبارح على الطريق الجديد.
مشيت بثقة في الحوش لحد ما وصلت لمبنى الفصول، وفجأة لقيت حد بيشدني من دراعي جامد ويدخلني في الطرقة الفاضية اللي ورا السلالم. جيت أتحرك وأوريه الوش التاني، لقيت مروان واقف قدامي، ساند إيده على الحيطة ومحاصرني، وعينيه حمرا من كتر التفكير أو قلة النوم.
”إنتي مين بالظبط؟” مروان قالها بصوت واطي ومكتوم، مليان غيظ على فضول على صدمة.
شيلت إيده من على الحيطة ببرود، وعدلت جاكيت المدرسة بتاعي وقلت: “اسمي لوجين، زميلتك الجديدة في الفصل اللي إنت زقيتها امبارح الصبح، وافتكرت إنها مجرد بنت ضعيفة هتعيط لما تسمع كلمتين ناشفين”.
مروان ضحك بسخرية، وهز رأسه وهو مش مصدق: “لوجين.. هه، تصدقي لايق عليكي؟ بس اسمعي بقى يا شاطرة، اللي حصل امبارح ده كان بالصدفة، مكنتي مكنتش في كامل قوتها، فمتعشيش الدور أوي وتفتكري إنك سنيورة الأسفلت”.
قربت منه خطوة، وبصيت في عينيه مباشرة وقلت بنبرة تحدي هزت ثقته: “الأسفلت مبيكدبش يا مروان، والشبر اللي كسبت بيه امبارح.. أنا اللي سيبتهولك بمزاجي عشان أشوف هتعمل إيه. السباق الجاي هفكرك بالكلمتين دول”.
سبته وطلعت على الفصل، واليوم عدا وأنا حاسة بعينيه مراقباني في كل حركة، كأنه بيحاول يفك شفرة البنت اللي مفيش حاجة بتخوفها دي. نادين صاحبتي قعدت جنبي طول اليوم تحاول تسحب مني كلام عن اللي حصل، بس أنا كنت ببتسم وساكتة.
على الساعة 4 العصر، بعد ما المدرسة خلصت، كنت واقفة مستنية ماما برة، لقيت مروان معدي على مكنته الفظيعة ديك. وقف قصادي بالظبط، رفع وش الخوذة، وبصلي بنظرة كلها مكر وقال: “الخميس الجاي بليل.. طريق السخنة القديم، سباق فردي، أنا وإنتي بس، من غير دوشة ومن غير ناس. لو كسبتي.. هعتذرلك قدام المدرسة كلها على زقة امبارح، ولو خسرتي.. المكنة بتاعتك هتبقى بتاعتي، والبيرسينج ده هتشيليه ومشوفش وشك في طريقي تاني.. قولتِ إيه؟”
النور قطع في الشارع كله فجأة والهدوء ساد، وبقت إضاءة تابلت المدرسة في إيدي هي الحاجة الوحيدة اللي منورة وشه. بصيت للمكنة بتاعته، وبعدين لعينيه المتحدية، وحسيت بنبضات قلبي بتسرع تاني.. السباق ده فيه كبريائي ومكنتي، ومروان مش ناوي يجيبها لبر.
مديت إيدي وضربت على خوذته بخفة وقلت بابتسامة مرعبة: “جهز مكنتك يا مروان.. عشان من الخميس الجاي، هتمشي في المدرسة دي وتوطي راسك كل ما تشوفني”.
قبل ما يرد، دور المكنة بقوة وطار، وسابني واقفة في الضلمة، وعقلي مبقاش يفكر غير في حاجة واحدة.. إزاي هعدل الموتوسيكل بتاعي في الـ 48 ساعة الجايين عشان السباق اللي هينهي كل حاجة؟اليومين اللي بعد كده عدوا وكأنهم كابوس سريع. مكنتش بنام، حرفياً. كنت بقضي النهار في المدرسة مستحملة نظرات مروان المستفزة وتلميحاته السخيفة، وبالليل بنزل الجراج من ورا ماما. فكّيت المكنة حتة حتة، غيرت البوجيهات، ونظفت فلتر الهواء، وظبطت جنزير المكنة وضغط الكاوتش بالملي. كنت عارفة إن مروان مش سايق عادي، مروان بيموت في المخاطرة، وعشان أكسبه لازم مكنتي تكون طلقة مستنية الإشارة.
وجيه يوم الخميس المنتظر. الساعة دقت ١٢ بالليل.
سحبت المكنة من الجراج على الصامت لحد ما بعدت عن البيت، دورتها وطرت على طريق السخنة القديم. الطريق ده بالليل بيبقى ضلمة كحل، ومقطوع، ومفيش فيه غير كشافات المكن والملفات الوعرة اللي بتخوف أجدع شنب. وصلت هناك، لقيت مروان واقف ساند على مكنته، لابس جاكيت جلد أسود، ومولع سيجارة بيبص في ساعته ببرود. أول ما شاف إضاءة مكنتي، رمى السيجارة وداس عليها برجليه وابتسم ابتسامته الماكرة.
”افتكرتك خفتي ومش هتيجي يا لوجين، كنت لسه هروح وأعتبر المكنة بتاعتي” قالها وهو بيلبس خوذته.
نزلت وش الخوذة الفول فيس بتاعتي وقلت بلهجة فدائية: “لوجين مابتخافش يا مروان. جهزت نفسك للخسارة؟”
وقفنا إحنا الاتنين على خط البداية الوهمي اللي حددناه. الطريق قدامنا ممتد في الضلمة، والمنعطفات الجبلية باينة كأنها تعابين مستنية تبلع اللي يغلط. مفيش حد يحكم بينا، مفيش جمهور، مفيش غير كبريائي وكبريائه.
مروان شاور بـإيده: “عد التلاتة.. واحد.. اتنين.. تلاتة!”
وزأر الوحشين في نفس اللحظة! انطلقنا بسرعة مرعبة، الهوا كان بيخبط في صدري وكأنه حيطة خرسانة. مروان أخد السـبق في أول ميت متر بسبب قوة تجميع مكنته، بس أنا كنت لازقة في ضهره تماماً، مستنية اللحظة المناسبة. العداد وصل ١٦٠.. وبعدين ١٨٠.. الإسفلت بيجري تحتنا والملفات بدأت تظهر.
في أول ملف خطير، مروان هدى السرعة سنة عشان يظبط زاوية الميل، لكن أنا قررت أعمل حركة انتحارية؛ مهدتش! رميت جسمي كله مع المكنة على الأرض لدرجة إن الشكمان عمل شرار مع الإسفلت، وعديت من جنبه زي الشبح. من تحت الخوذة، لمحت نظرة الرعب في عينيه وهو شايفني بغامر بحياتي عشان أسبقه.
بقينا كتف بـكتف، والمنعطف الأخير والخطير قرب، الملف ده بعده على طول خط النهاية اللي اتفقنا عليه عند صخرة معينة. مروان بدأ يضيق عليا الخناق، بيكسر بمكنته على مكنتي عشان يجبرني أطلع برة الطريق على الرملة ويسقطني. المكنتين لمسوا بعض فعلاً وصوت الاحتكاك المرعب ملا المكان، المكنة اتهزت تحت مني وبغريزة البقاء ثبت إيدي على الجادون بكل قوتي وصليت في سري.
قبل الصخرة بـ٥٠ متر، مروان فتح بنزين على الآخر، بس أنا كنت قارئة حركته.. دوست دبرياج وسقطت غيار، وفتحت بنزين لأقصى درجة ممكنة، المكنة نتشـت لقدام كأنها طلقة رصاص، وعديت الصخرة قبله بـنصف طول المكنة بالظبط!
فرملت ولفيت بالمكنة وعملت “دريفت” حرق الكاوتش وخلى الدخان يملأ المكان. نزلت الساند وقلعت الخوذة، وشعري طار مع الهوا، وكنت بنهج وصوت ضربات قلبي مسموع في سكوت الجبل.
مروان وقف مكنته، وفضل قاعد عليها لفترة مش قادر ينزل. بعدين قلع خوذته ووشه كان أحمر وعرقان، باصص للأرض بذهول وهو مش مصدق إن “البنت الجديدة” كسرته في ملعبه وعلى طريقه. مشي ناحيتي ببطء، ووقف قدامي، وعينيه مفيهاش الغرور بتاع زمان.. كان فيها احترام حقيقي وانكسار فارس اتهزم بشرف.
حط إيده في جيبه، وطلع مفتاح مكنته ومد إيده ليا وقال بصوت واطي وخشن: “المكنة بتاعتك.. وإنتي فعلاً سنيورة الأسفلت. أنا خسرت.”
بصيت للمفتاح، وبعدين بصيت لعينيه وابتسمت بثقة، وزقيت إيده بالمفتاح بعيد وقلتله: “أنا مباخدش مكن حد يا مروان.. أنا بس كنت بربيك وبعرفك إن البنات مش كلهـم شبه بعض، حتى لو لابسين نفس اليونيفورم”.
لفيت ضهري وركبت مكنتي، وقبل ما أدورها، بصيتله بطرف عيني وقلت بخبث: “متنساش.. يوم الأحد الصبح قدام المدرسة كلها، مستنية الاعتذار اللي اتفقنا عليه”.
دورت المكنة وطرت في طريق الرجوع، وأنا حاسة بانتصار ملوش مثيل. دخلت البيت بالراحة وغيرت لبسي ونمت وأنا مرتاحة لأول مرة من يوم ما جيت البلد دي.
تاني يوم الصبح في المدرسة، الأجواء كانت هادية كالعادة، شلة البنات واقفين، والكل مستني مروان يدخل عشان يشوفوا هيعمل إيه. دخل مروان من البوابة، لابس قميصه الأبيض ومظبط شعره، أول ما عينه جت في عيني، مشي بثقة ووقف قدامي وسط ذهول وصمت الطابور كله.
قرب مني، وبصلي بـابتسامة غامضة مش مفهومة، وقال بصوت عالي سمّع الكل: “أنا آسف يا لوجين على قلة ذوقي أول يوم.. إنتي فعلاً متقفيش في طريق حد، الحد هو اللي يقف ويتعلم منك”.
البنات كلهم شهقوا من الصدمة، ومروان لـف وشـه ومشي وابتسامة مكرة على بوقه. جيت أتحرك عشان أروح فصلي، لقيت ورقة صغيرة مطبقة نزلت من إيده وهو بيعدي من جنبي. فتحتها بفضول، وكان مكتوب فيها بخط يده:
”الاعتذار ده عشان روحك الرياضية.. بس السباق الجاي مش هيبقى على مكن، السباق الجاي على قلبي.. ونشوف مين فينا اللي هيركع للتاني الأول يا لوجين.. جهزي نفسك.”
وقفت مكاني، والدموية هربت من وشي، وعينيا وسعت وأنا ببص لـضهره وهو بيمشي في الطرقة وبيضحك.. وحسيت إن اللعبة الحقيقية، اللعبة اللي ملهاش فرامل ولا خوذة تحميني منها.. لسه بادية حالاًَ!



