كتمت صراخها

فتحت عيونها ببطء، حاسة بتقل غريب في دماغها كأنها كانت في كابوس طويل ومش قادرة تفوق منه. النور الأبيض القوي اللي ضارب في سقف الأوضة زغلل عيونها، غمضت وفتحت تاني عشان تستوعب المكان. دي مش أوضتها، ولا دي شقتها، ولا حتى ملامح القاعة اللي كانت فيها من كام ساعة. السقف عالي وفيه نقوش كلاسيكية قديمة، والسرير اللي نايمة عليه واسع جداً ومفرش بحرير ناعم لونه أسود.
حاولت تقوم، بس جسمها كان مهدود تماماً والمفعول بتاع الحقنة لسه مأثر على عصبها. أول ما حطت رجليها على الأرض الرخام الساقعة، شافت فستانها الأبيض.. فستان الفرح اللي اتبهدل تراب وبقع دم صغيرة على طرف ديله. في اللحظة دي، شريط الأحداث رجع لوراء بسرعة مرعبة في دماغها؛ صوت ضرب النار، صراخ المعازيم، شكل عريسها وهو بيقع على الكوشة، ونظرة أبوها الأخيرة وهو ماسك جنبه وبيقع على الأرض، وبعدها.. الشكة اللي في رقبتها وصوت مروان وهو بيهمس لها في العربية.
”صحيتي يا عروسة؟”
الصوت جه من ركن الأوضة الستار بتاعه تقيل ومظلم. اتنفضت في مكانها وبصت ناحية الصوت والرعب ماسك حنجرتها. مروان كان قاعد على كرسي جلد عريض، حاطط رجل على رجل، وفي إيده كاس مياه بيقلب فيه تلت جزيئات تلج بتخبط في بعضها بتناغم مستفز. كان قلع جاكيت البدلة، ومكتفي بالقميص الأسود اللي مشمر كمامه لحد كوعه، وبان على دراعه اليمين أثر جرح قديم بالطول.
”مروان..” صوتها طلع مبحوح، ضعيف، وخايف. “أنا فين؟ وبابا.. بابا حجر عليه إيه؟ قولي إنهم عايشين يا مروان عشان خاطري!”
مروان قام من مكانه براحة شديدة، خطوات جزمته الجلد على الرخام كانت بتعمل صوت منتظم ومرعب في هدوء الأوضة الواسعة. قرب منها وملمح وشه ماكنش فيه أي تعبير، لا غضب ولا فرح، برود تام زي برود التلج اللي في إيده. قعد على طرف السرير قصادها، وحط كاس المياه على الكومودينو، ومد إيده يرجع خصلة شعر نزلت على وشها.
هي رجعت لوراء بتلقائية وخوف، بس هو مسك طرف دقنها ب صوابعه وضغط ب حنية مقصودة ثبتت راسها: “اششش.. اهدي خالص. الجرح اللي في رقبتك لسه طري من الحقنة. طول عمرك نفسِك قصير وبتخافي من أقل حاجة يا نادين.”
”أنا بسألك عن أبويا!” صرخت والدموع نزلت من عيونها زي الشلال، حاولت تزق إيده بس كانت زي اللي بيزق جبل حديد. “إنت عملت إيه هناك؟ إنت موتهم؟ قولي إنك مموتهمش!”
مروان ساب دقنها، وأخد نفس طويل وطلعه ببطء، ومال بجسمه عليها لدرجة إنها حست بأنفاسه السخنة: “أبوكي هو اللي بدأ الجيم ده يا نادين. لما يجيلي لحد مكتبي ويقولي بنتي مش لواحد صايع زيك، وأنا داخل بيته من بابه وشاري خاطرك ومستعد أكتبلك نص أملاكي.. يبقى هو اللي اختار النهاية. لما يروح يبيعك لواحد لمجرد إنه لابس بدلة وبيقعد على مكتب في شركة استيراد وتصدير، يبقى بيتحدا مروان الألفي في عقر داره. وأنا مفيش حد بيتحدا ويرسب في الآخر.. كله بيتحاسب.”
”إنت مجنون.. إنت مريض!” نادين كانت بتترعش بكل جسمها، بتعيط بانهيار وهي شايفة الشخص اللي حَبته لسنوات بيتحول قدامها لوحش غريب مش عارفاة. “ده بابا يا مروان! اللي وقفت قدامه وعصيت كلامه عشانك.. اللي قولتله مروان بيحبني وهيحميني.. تقوم إنت تضربه بالرصاص؟”
مروان وقف وطول بعرضه في الأوضة، وضحك ضحكة عالية رنت في المكان: “يحميكي؟ وأنا لسه عند وعدي يا قلب مروان، أنا بحميكي من الدنيا كلها.. حتى من أبوكي لو وقف في طريقنا. وبعدين متقلقيش أوي كده.. الرصاصة اللي أخدها الحاج عبد العزيز كانت في كتفه، يعني هيعيش.. بس هيعيش وهو عارف إن بنته بقت في حيازة الراجل اللي قال عليه صايع. أما العريس القمور اللي كان واقف جنبك.. فده خلاص، تقدري تقولي عليه سافر مكان بعيد مش هيرجع منه تاني.”
الكلام نزل عليها زي الصاعقة. العريس مات.. وأبوها مصاب وبيموت من الخوف عليها. حست إن الدنيا بتلف بيها، والدوا لسه مأثر على وعيها. رمت نفسها على السرير ودفنت وشها في المخدة وبدأت تصرخ بهستيريا. مروان مبعدش، قعد جنبها تاني وفضل يملس على ظهرها بحنان غريب وعجيب، كأنه بيطبطب على طفلة صغيرة خايفة من الضلمة، مش ضحية هو اللي دمر حياتها من دقايق.
”عيطي.. عيطي يا نادين، فضي الشحنة اللي جواكي دي خالص. أنا معاكي ومش هسيبك. من النهاردة المكان ده بيتك، ومفيش مخلوق يقدر يوصلك هنا. السرايا دي في وسط المزارع في الشرقية، بعيد عن مصر وعن دوشتها وعن أي حد يدور عليكي. رجالتنا محاوطين المكان، يعني إنتي في أمان مفيش بعده أمان.”
نادين رفعت راسها وبصتله بعيون حمرا زي الدم: “أمان؟ إنت بتسمي الخطف والقتل أمان؟ مروان.. لو كان جواك حتة واحدة بس من البني آدم اللي أنا عرفته زمان، رجعني. أرجوك رجعني لبابا، أنا مش هقول حاجة للشرطة، هقول معرفش مين اللي ضرب نار.. بس سيبني أمشي.”
ملامح مروان اتقبلت في ثانية. البرود اختفى وظهر مكانه الغضب اللي بيحرق الأخضر واليابس. مسكها من دراعها والمرة دي جامد لدرجة إنها اتأوهت من الألم: “ترجعي فين؟ ترجعي عشان أبوكي يجوزك لغيري تاني؟ قولتلك إنتي ملكي! السلسلة اللي في رقبتك دي أنا اللي جايبها، الخاتم اللي في إيدك ده أنا اللي هحطه.. إنتي اتخلقتي عشان تبقي معايا أنا بس. فكرة إنك تبقي لراجل تاني دي كانت بتموتني في اليوم ألف مرة وإنتي عايشة حياتك عادي وبتجهزي لفرحك! إنسي يا نادين.. إنسي الدنيا اللي برة السرايا دي تماماً.”
حدف دراعها بعنف وقام وقف، عدل قميصه وبص لها نظرة أخيرة باردة: “قدامك ساعة، هتلاقي الشغالة داخلة ليكي بأكل ولبس نظيف. تغيري الفستان ده وترمي أي حاجة تفكرك بالمسخرة اللي حصلت في القاعة. بالليل هنيجي نكتب كتابنا.. المأذون زمانه على وصول.”
”مش هجوزك! لو موتني مش هكتب كتابي عليك يا مروان!” صرخت ورا ظهره وهو ماشي ناحية الباب.
وقف عند الباب من غير ما يلتفت، وقال بصوت واطي وواضح يقطع القلب: “هتكتبي يا نادين.. عشان خاطر أبوكي اللي لسه عايش في المستشفى، وعشان خاطر أخوكي الصغير اللي في الجامعة وميعرفش شكل الرصاص بيبقى عامل ازاي في جلباب الصعايدة. فكري كويس.. قدامك ساعة.”
قفل الباب وراه، وصوت القفل الحديدي وهو بيتحول من برة كان زي إعلان رسمي بدخولها السجن. نادين اتكومت على السرير، ضامة رجليها لصدرها وفستان الفرح الأبيض حواليها زي الكفن. كانت بتسمع صوت الهوا اللي بيخبط في شجر المزارع برة، والهدوء هنا كان مرعب لدرجة تخلي الواحد يسمع دقات قلبه الخايفة.
مرت الساعة كأنها سنة. الباب اتفتح بهدوء ودخلت ست كبيرة في السن، ملامحها ريفية وطيبة، لابسة عباية سودا وشال على راسها. كانت شايلة صينية عليها أكل كتير.. شوربة وفراخ محمرة ورز، وجنبها شنطة سفر كبيرة. حطت الصينية على التربيزة وبصت لنادين بنظرة فيها شفقة وخوف في نفس الوقت.
”شد حيلك يا بنتي.. كلي لقمة تقويكي.” الست قالتها بصوت واطي كأنها خايفة حد يسمعها.
نادين قامت بسرعة وجريت عليها، مسكت إيدها بتوسل: “يا خالة.. أرجوكي ساعديني. أنا مخطوفة هنا. قوليلي تلفوني فين؟ أو خرجيني من أي باب ورا السرايا.. أبوس إيدك!”
الست رجعت لوراء بخوف ونفضت إيد نادين: “يا لهوي يا بنتي! تخرجي فين؟ ده مروان بيه برة قالب الدنيا، والرجالة بسلا..حهم في كل شبر برة. لو شموا خبر إن دبت نملة خرجت من غير إذن المخرج، هيروح فيها رقاب. كلي يا بنتي واسمعي كلامه.. مروان بيه واعر وصعيدي في طبعه لما بيقفل على حاجة مبيسبهاش، بس والله قلبه طيب وبيحبك، السرايا دي بقالها شهر بتتوضب عشانك، مكنش بينام ليل مع نهار عشان يخليها زي الجنة ليكي.”
”جنة؟” نادين ضحكت بمرارة. “دي جهنم يا خالة.. دي جهنم.”
الست سابت الشنطة وقالت: “الشنطة دي فيها هدوم جديدة مروان بيه جيبهالك بنفسه. غيري فستانك ده عشان المأذون وصل برة والرجالة الكبار بتوع البلد جم عشان يبقوا شهود. متزعليش ومتقاوحيش يا بنتي.. الواعر مبيتجبرش.”
خرجت الست وقفلت الباب تاني. نادين بصت للشنطة وبصت للفستان الأبيض. حست بالعجز ينهش في عضمها. فكرت في أبوها.. وفي أخوها يوسف اللي ملوش ذنب في صراعات الكبار دي. مروان يقدر يعملها، يقدر ينهي حياة يوسف في ثانية ومحدش هيحاسبه، هو كبير المنطقة وسلطته واصلة لأماكن أبعد بكتير مما تتخيل.
فتحت الشنطة بإيدين بترتعش، طلعت منها فستان بسيط لونه كحلي غامق من الستان النظيف. قلعت فستان الفرح اللي كان حلم حياتها وبقى كابوسها، ولبست الفستان الكحلي. بصت لنفسها في المراية الكبيرة اللي في الأوضة؛ وشها شاحب، عيونها منفخة من العياط، بس ملامحها لسه جميلة.. الجمال الحزين اللي بيكسر القلب.
الباب اتفتح تاني، بس المرة دي كان مروان. أول ما شافها بالفستان الكحلي، عينيه لمعت بنظرة إعجاب غريبة. قرب منها ومسك إيدها، وإيدها كانت باردة زي التلج.
”يلا يا نادين.. المأذون مستني برة.” قالها بصوت هادي، كأن مفيش دم انسال من كام ساعة بسببه.
مشيت معاه وهي حاسة إنها بتتحرك زي العروسة اللعبة اللي بتتحرك بحبال. خرجوا من الأوضة ومشيوا في ممر طويل على جدرانه لوحات قديمة وسجاد إيراني غالي، لحد ما نزلوا على سلم خشبي عريض يودي للصالة الكبيرة تحت. الصالة كانت مليانة رجالة هيبتهم تخوف.. لابس جلاليب صعيدي تقيلة وعبايات صوف، وفيه رجالة تانيين لابسين بدل سودا وبان على وسطهم أثر الس..لاح المخفي.
أول ما مروان ونادين نزلوا، الكل وقف احتراماً. مروان مشي بثقة وقعد على الكنبة الكبيرة، ونيم نادين جنبه. المأذون كان راجل عجوز بنظارة قراءة، حاطط الدفتر قدامه وباصص للأرض، كأنه عارف الجوازة دي وراها إيه ومش عايز يدخل في مشاكل.
”جاهزين يا مروان بيه؟” المأذون سأل بصوت مرتعش.
”جاهزين يا مولانا.. اكتب.” مروان رد بنبرة حاسمة.
المأذون بدأ يقرأ الصيغة، وكل كلمة كانت بتنزل على ودن نادين كأنها مسمار بيدق في نعش حريتها. لما جه وقت موافقتها، المأذون بص لها وسألها: “هل تقبلي يا بنتي مروان الألفي زوجاً ليكي؟”
نادين سكتت. القاعة كلها بقت في حالة هدوء قاتل، مفيش غير صوت نفس الرجالة وصوت ضربات قلب نادين. مروان مال عليها وضغط على إيدها ب قوة، وبص في عيونها بنظرة واضحة.. نظرة فيها صورة أخوها وأبوها.
”موافقة يا مولانا..” صوتها طلع ميت، خالي من أي حياة.
”على بركة الله.” المأذون كمل الإجراءات، ومروان مضى وبصم، وجر إيد نادين عشان تبصم هي كمان. في ثواني، الدفتر اتقفل والمأذون قال جملته الشهيرة: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.”
الرجالة اللي في القاعة بدأوا يباركوا لمروان بصوت عالي، وضرب النار برة السرايا اشتغل تاني بس المرة دي كـتحية وفرح بـجواز كبيرهم. مروان وقف وشكر الكل، وطلب منهم يتفضلوا على العشاء اللي معمول في الجنينة برة.
لما الصالة فضيت ومبقاش فيه غيرهم، مروان التفت لنادين اللي كانت قاعدة ثابتة في مكانها مش بتتحرك. قرب منها، وطى ورفع راسها ليه، وبص في عيونها بحب حقيقي بس ممزوج بالتملك: “مبروك يا مدام نادين الألفي. بقيتي بتاعتي رسمي وبقيت جوزك قدام ربنا والدنيا كلها.”
نادين مبصتلوش، فضلت باصة للفراغ وقالت بجمود: “إنت أخدت جسمي وإمضتي يا مروان.. بس قلبي وروحي إنت موتهم النهاردة باللي عملته. عمرك ما هتاخد مني حب تاني.. عمرك.”
مروان ملامحه متهزتش، ابتسم ابتسامة هادية ومسح على شعرها: “مش مهم يا نادين.. الحب أنا عندي منه كتير يكفينا احنا الاتنين. المهم إنك هنا، تحت سقفي، وفي حضني. ومع الوقت.. هتعرفي إن اللي عملته كان الصح.”
مسك إيدها ووقفها: “يلا.. نطلع أوضتنا، الليلة لسه في أولها، وعندي ليكي مفاجأة هتعجبك أوي.”
نادين مشيت معاه وهي مش حاسة برجلها. المفاجأة اللي بيتكلم عنها كانت عبارة عن خوف جديد بيستناها فوق. دخلوا الأوضة ومروان قفل الباب بالمفتاح وحطه في جيبه. مشي ناحية مكتب صغير في ركن الأوضة، فتح الدرج وطلع منه علبة قطيفة حمراء صغبرة. قرب منها وفتح العلبة.. كانت الدبلة الفضة اللي كان بيلفها في إيده وهو في الضلمة.
مسك إيدها اليمين، وبكل هدوء لبسها الدبلة في صباعها. الدبلة كانت مظبوطة بالملي على صباعها، كأنه كان قايسها من ساعات.
”قولتلك هلبسهالك ووقتي جاي.. مروان الألفي كلمته مبتنزلش الأرض أبداً.” قالها وهو بيبوس إيدها مكان الدبلة.
نادين سحبت إيدها براحة وبصت للدبلة بدموع محبوسة. في اللحظة دي، سمعوا صوت حركة غريبة برة السرايا.. صوت كلاب الحراسة بتهوهو بشكل هستيري، وبعدها على طول.. صوت ضرب نار بس المرة دي مش ضرب نار بتاع فرح.. ده كان اشتباك قوي وقريب جداً من أسوار السرايا!
مروان عيونه وسعت وفجأة البرود اتمحى من وشه تماماً. جري على الدولاب وطلع منه مسد..س أسود ضخم وعمره في ثانية. بص لنادين وقال بصوت حاد وزي الرعد: “اقعدي هنا ومتحركيش من الأوضة دي.. فاهمة؟ لو حصل إيه متفتحيش الباب!”
خرج مروان وقفل الباب من برة بسرعة. نادين جريت على الشباك الكبير وبصت من ورا الستارة التقيلة على الجنينة الواسعة. برة كانت الدنيا مقلوبة.. كشافات السرايا الكبيرة كانت بتتحرك في كل حتة، ورجالة مروان بيجروا بسل..احهم وبيتداروا ورا الشجر وبيردوا على ضرب نار كثيف جاي من وسط المزارع المظلمة.
في وسط الفوضى دي، نادين شافت عربية دفع رباعي سودا كبيرة بتكسر البوابة الحديدية الخارجية للسرايا وتدخل بسرعة جنونية، ونازل منها رجالة ملثمين بيضربوا نار بغل.. وفي مقدمتهم راجل طويل، ملامحه مش باينة من اللثام، بس حركته وطريقته في ضرب النار كانت مألوفة جداً لنادين.
قلب نادين بدأ يدق بسرعة جنونية.. مين دول؟ ومين الراجل اللي قالب الدنيا ده وعايز يدخل السرايا باي ثمن؟ هل ممكن يكون..؟
قبل ما تكمل فكرتها، صوت انفجار قوي هز السرايا كلها، ونور الأوضة انقطع تماماً وبقت السرايا في ضلمة كحل، وصوت خطوات سريعة وعنيفة بدأت تطلع على السلم الخشبي برة أوضتها.. خطوات مش بتاعة مروان.. خطوات حد بيكسر كل حاجة في طريقه وجاي ناحيتها!نادين كتمت صرختها بإيدها، ورجعت لوراء لحد ما ضهرها لمس الحيطة الساقعة. الضلمة كانت كحل، ومفيش أي نور غير ومضات ضرب النار اللي برة اللي بتنور الأوضة لكسور من الثانية وتختفي. صوت الخطوات برة كان بيقرب.. عنيف، وسريع، وصوت تكسير الخشب والأبواب اللي جنبه كان بيخلّي قلبها يتنفض من مكانه.
وفجأة.. الباب الخشبي التقيل بتاع الأوضة اتهز بعنف كأن حد بيخبطه بضهره أو بيضربه برجليه. نادين غمضت عيونها وصوت دقات قلبها بقيت مسموعة في ودنها. خبطة تانية.. والتالتة كانت كفيلة إن الكالون الحديدي يطير والباب يتفتح ويتحدف لجوة الأوضة.
دخل طول أسود وسط عتبة الباب، ملامحه مش باينة، بس أنفاسه كانت عالية وسريعة كأنه كان في معركة موت برة. الراجل وقف ثواني يستكشف الضلمة، لحد ما لمح نادين وهي متكومة في ركن الأوضة. اتقدم ناحيتها بسرعة، ونادين بدأت تصرخ بهستيريا: “ابعد عني! متقربش مني! إنت مين؟”
الراجل نزل لمستواها على الأرض، ومسك كتافها بإيدين قوية بس كانت بترتعش، وشال اللثام من على وشه بسرعة مع ومضة ضرب نار برة نورت ملامحه..
”نادين! اهدي.. أنا يوسف! أنا أخوكي!”
نادين برقت عيونها بذهول، ومش مصدقة اللي شايفاه.. أخوها يوسف الصغير، اللي ملوش في المشاكل ولا عمره مسك سلا..ح، واقف قدامها ببنطلون جينز متبهدل تراب وقميص غرقان عرق، وماسك في إيده مسد..س!
”يوسف؟! إنت.. إنت إيه اللي جابك هنا؟ وإيه اللي بيحصل برة ده؟” نادين سألته وهي بتمسك في قميصه كأنها بتتعلق في قشاية.
يوسف شدها من إيدها وقفها بسرعة وهو بيبص وراه ناحية الممر: “مفيش وقت للشرح يا نادين. مروان الألفي ده مجنون، وكان فاكر إن الصعايدة ملهمش ضهر في مصر.. ميعرفش إن رجالة العيلة هنا أول ما عرفوا باللي عمله في الفرح قلبوا الدنيا. أنا جيت أخدك ونمشي من هنا حالا قبل ما مروان يفوق من الصدمة.. رجالته بتقع برة.”
”وبابا؟ بابا حجر عليه إيه يا يوسف؟” سألته بدموع وعياط مكتوم وهي بتجري وراه في الممر المظلم.
”بابا في العمليات، الرصاصة جت في كتفه بس نزف كتير.. ادعيله. المهم نخرج من جهنم دي الأول!” يوسف قالها وهو بيعدل سلا..حه وبيبص يمين وشمال في الممر اللي بقا مليان دخان وريحة بارود تخنق.
نزلوا السلم الخشبي بسرعة، وكان فيه جث..ث لرجالة مروان واقعة على السجاد الإيراني الغالي، والمكان اللي كان من شوية قاعة كتب كتاب اتقلب لساحة حرب. أول ما قربوا من الباب الرئيسي للسرايا عشان يخرجوا للجنينة، صوت ضحكة دافية ومألوفة رنت من وراهم في الصالة.. ضحكة خلت دم نادين يتجمد في عروقها.
”طالع ب أختك على فين يا حيلتها؟ إنت فاكر إنك خارج من بيت مروان الألفي حامِلها؟”
التفتوا بسرعة.. مروان كان واقف وساند ضهره على عمود رخام في نص الصالة، القميص الأسود بتاعه مقطوع من عند الكتف وفيه جرح بينزف دم، بس ملامحه كانت هادية وثابتة بشكل مرعب، والمسد..س الضخم في إيده متوجه دايركت على دماغ يوسف.
يوسف في ثانية رفع مسد..سه ووجهه على مروان، ووقف قدام نادين عشان يداريها ب ضهره: “سيبها يا مروان. اللعبة خلصت ورجالتك برة خلاص بيسلموا نفسهم. أختي مش هتقعد معاك ثانية واحدة تانية في المكان ده.”
مروان مبصش لـ يوسف أصلاً، عينيه كانت مركزة على نادين اللي مستخبية ورا ظهر أخوها. ابتسم بوجع ممزوج بتملك وقال بصوت واطي: “نادين.. أنا قولتلك إيه فوق؟ قولتلك بلاش أخوكي الصغير يدخل في صراعات الكبار عشان ميعرفش شكل الرصاص بيبقى عامل ازاي. مش إنتي بصمتي ومضيتي وبقيتي مراتي؟ تسيبي جوزك وتمشي مع عيل لسه ميعرفش الدنيا فيها إيه؟”
”إنت مش جوزي! إنت خطفتني وموتت الناس!” نادين صرخت من ورا ظهر يوسف وهي بتبكي بهستيريا. “سيبنا نمشي يا مروان، كفاية دم لحد كده!”
مروان ملامحه اتقلبت للشر المحض، وصابعه بدأ يضغط على زناد المسد..س وهو باصص ل يوسف: “أنا مفيش حاجة بتطلع من تحت إيدي يا نادين.. والواد ده لو م نزلش س..لاحه حالا، هتشوفي دماغه سايحة قدام عينيكي زي ما شوفتي عريسك في القاعة.”
يوسف أخد نفس طويل، وإيده اللي ماسكة الس..لاح ثبتت فجأة، وبان في عينيه غضب الصعايدة الحقيقي: “لو راجل اضرب.. بس وحياة أمي ما هخرج من هنا من غير أختي، يا نموت احنا الاتنين يا نخرج احنا الاتنين.”
الجو في الصالة بقى مشحون لدرجة تخنق، صباع مروان على الزناد، وصباع يوسف على الزناد، ونادين واقفة في النص بين أخوها وحبيبها القديم اللي اتقلب وحش.. وفجأة، برة السرايا، صوت سرينات بوليس قوية جداً بدأت تقرب وتملى المكان، وأضواء البوليس الحمرا والزرقا بدأت تنور جدران الصالة من برة.
مروان عينه فلتت وبص ناحية الباب بصدمة، وفي اللحظة دي.. نادين لَمحت حركة سريعة، وصوت ضربة رصاص دوت في المكان كله وهزت الحيطان.. بس الصدمة إن الرصاصة مخرجتش لا من مسد..س مروان ولا من مسد..س يوسف!
وقعت جث..ة واحد من رجالة مروان المصابين اللي كان مستخبي ورا الكنبة وبيحاول يغدر ب يوسف من ضهره، ويوسف التفت بسرعة وبص وراه وهو مش مستوعب.. مروان هو اللي ضرب الراجل بتاعه عشان يحمي ظهر يوسف!
مروان بص ل نادين ونزف من كتفه زاد، وبصوت مليان كبرياء مكسور قال: “أنا مبسمحش لحد يلمس حاجة تخصك يا نادين.. حتى لو كان أخوكي اللي جاي يسرقك مني.” البوليس بدأ يكسر الأبواب الخارجية، ومروان بصلها النظرة الأخيرة.. نظرة غامضة كلها وعيد، وفجأة رمى قنبلة دخان صغيرة على الأرض، الصالة اتملت بدخان أبيض كثيف عمى العيون تماماً.
يوسف شد نادين من إيدها وبدأ يكح وهو بيجري بيها برة الصالة وسط الدخان، لحد ما خرجوا للجنينة ولقوا رجالة البوليس محاوطين المكان كله. نادين التفتت وراها ببكاء وبصت للسرايا اللي بقت شبه مهجورة ووسط الدخان والضلمة.. مروان اختفى كأنه مكنش موجود، بس الدبلة الفضة اللي في صباعها كانت لسه بتفكرها ب كل كلمة قالها.. وبإن الحكاية دي لسه منتهتش، ومروان الألفي عمره ما بيسيب حقه.عدى شهرين على الليلة دي. شهرين ونادين عايشة في بيت أبوها في القاهره، بس حاسة إنها لسه مسجونة جوه السرايا دي في الشرقية. البوليس قلب الدنيا على مروان الألفي، نزلت نشرات بوشه في كل مكان، ورجالته الكبار اتقبض عليهم، والمزارع دي اتفتشت شبر شبر.. بس مروان ملوش أي أثر، كأنه فص ملح وداب، أو كأنه كان شبح واختفى في ضلمة الليل.
الحاج عبد العزيز خرج من المستشفى، صحته بقت أحسن بس مكسور، مبيعملش حاجة في يومه غير إنه يقعد في الصالة ويبص للأرض بندم، حاسس إنه كان السبب في كل اللي حصل لبنته بسبب عناده. أما يوسف، فبقى هو راجل البيت، ساب كليته مؤقتاً ومبقاش يفارق البيت، وبقى ينام والمسد..س اللي جابه من قرايبهم الصعايدة تحت مخدته، مستني في أي لحظة إن الباب يتكسر تاني.
نادين كانت قاعدة في أوضتها، الدنيا برة كانت بتغيم والمطر بدأ ينزل خفيف على قزاز الشباك. بصت لإيدها.. الدبلة الفضة لسه في صباعها. حاولت تخلعها ألف مرة، بس كل ما تيجي تشدها من صباعها، يجيلها هبوط وتفتكر صوته وهو بيقولها: “الدبلة دي مش هتنزل من صباعك، ووقتي جاي”.. تحس بخوف غريب يخليها تسيبها مكانها.
”نادين.. الأكل جاهز يا بنتي، تعالي كلي لقمة مع أخوكي وأبوكي.” صوت يوسف قطع حبل أفكارها وهو بيخبط على الباب براحة.
”حاضر يا يوسف، جاية أهو.” ردت بصوت هادي، قامت عدلت هدومها وبصت لنفسها في المراية. ملامحها رجعت هادية، بس عيونها بقى فيها لمعة خوف مابتفارقهاش، لمعة مستنية المجهول.
خرجت وقعدت معاهم على السفرة. الهدوء كان سيد المكان، مفيش غير صوت المعالق وصوت التلفزيون الشغال في الخلفية على نشرة الأخبار. الحاج عبد العزيز بص لنادين بحزن ومد إيده طبطب على إيدها: “سامحيني يا بنتي.. أنا اللي رميتك في النار دي بركوب دماغي.”
نادين ابتسمت بمرارة وهزت راسها: “خلاص يا بابا.. المهم إنك وسطنا والحمد لله إنها عدت على خير.”
يوسف اتكلم وهو بيحط المعلقة: “بقولك إيه يا نادين، أنا كلمت عمي في الصعيد، وبيقول نقفل شقة القاهرة دي خالص وننزل نقعد معاهم هناك في البلد وسط العزوة.. هناك مروان ولا غيره يقدر يهوب ناحيتنا، والبلد أمان وناسها رجالة.”
قبل ما نادين ترد، جرس الباب رن.
الثلاثة اتنفضوا في مكانهم كأن صاعقة نزلت في الصالة. يوسف وقف في ثانية، ومد إيده ورا ظهره سحب المسد..س، وبص لأبوه ونادين وشاورلهم يسكتوا خالص. مشي بخطوات بطيئة وحذرة ناحية الباب، وعينه على العين السحرية.
بص من العين السحرية.. مكنش فيه حد واقف برة! الممر كان فاضي تماماً.
يوسف فتح الباب براحة وهو موجه مسد..سه لبرة، يمين وشمال.. مفيش أي مخلوق. بس أول ما بص تحت رجليه على عتبة الباب، لقى حاجة خلت جسمه يتجمد.
كانت علبة قطيفة حمراء صغيرة، وجنبها وردة بيضاء بلدي ريحتها مالية المكان، ومكتوب ورقة صغيرة مطوية بـخط يد مميز ونظيف جداً.
يوسف وطى أخد العلبة والورقة وقفل الباب بسرعة وقفل الترباس الحديد. نادين جريت عليه بلهفة ورعب: “في إيه يا يوسف؟ مين اللي كان برة؟”
يوسف ماردش، فتح العلبة القطيفة.. وجواها كانت الدبلة الفضة التانية.. دبلة مروان الألفي اللي كان بيلبسها!
نادين سحبت الورقة من إيد يوسف المرتعشة، وفتحتها. أول ما قرت الكلام اللي مكتوب فيها باللون الأسود، لقت المكتوب:
”وحشتيني يا مدام نادين الألفي. الصعيد بعيدة أوي، ومش هتعجبك أجوائها.. خليكي في القاهرة قريبة مني. أنا حواليكي في كل مكان، في الهوا اللي بتتنفسيه، وفي المطر اللي بيخبط على شباك أوضتك حالا.. جهزي نفسك، لأن الزفة الحقيقية ميعادها قرب، والمرة دي.. مفيش بوليس ولا أخ هيقدر يوقفني.”
— جوزك، مروان الألفي.
نادين رفعت عيونها برعب وبصت ناحية الشباك، وفي نفس اللحظة.. شافت خيال راجل طويل واقف تحت المطر في الشارع المظلم، ساند على عربية مرسيدس سودا، وبيبص لفوق ناحية شباك أوضتها.. رفع إيده ببطء وشاورلها، واختفى في وسط ضلمة الليل والمطر.




