الجميله واقفه مكانها

الجميلة فضلت واقفة مكانها، ميتة في جلدها من الرعب. أنفاس طارق الصاوي القريبة منها كانت بتلفح وشها، وعينيه السودا كانت زي الليزر، بتخترق ملامحها وبتحاول تقرأ كل تفصيلة في وشها الخايف. الصمت اللي في الصالة مبقاش صمت عادي، بقى صمت تقيل يخنق، مفيش فيه غير صوت دقات قلبها اللي حاسة إنها عالية أوي لدرجة إنه ممكن يسمعها.
​انطقي! قلتلك مين اللي زقك عليا؟ عشان مين بتجسسي؟
​طارق ضغط على الحبال أكتر، وقرب وشه منها لدرجة إنها شافت الخدوش الصغيرة القديمة اللي على جفن عينه الشمال، آثار خناقات وماتشات قديمة طحنته لحد ما عملت منه البطل اللي واقف قدامها ده.
​الجميلة بلعت ريقها بصعوبة، وحست إن صوتها هرب منها. حاولت تجمع شجاعتها وتتكلم، بس الحروف طلعت متقطعة ومهزوزة:
أنا… أنا والله محدش زقني.. أنا دخلت هنا بالغلط.. يعني.. مكنتش أعرف إنك هنا!
​طارق ضحك ضحكة مكتومة، ضحكة كلها استهزاء سخرت من كلامها، ومال براسه أكتر:
بالغلط؟ بتستغفليني يا شاطرة؟ صالة مقفولة ومتأمنة، وأنتِ لابة جوانتي وبتضربي في كيس الرمل وعارفة اسمي، وتقوليلي بالغلط؟ اسمعي يا بت الناس.. أنا مبحبش اللف والدوران. قوليلي مين اللي باعتك؟ الكابتن رفعت؟ عايز يعرف خطتي للماتش الجاي؟ ولا دي لعبة من بتوع السوشيال ميديا عشان تعملوا لقطة وتريند على قفايا؟
​الجميلة حست بالإهانة، وكلمة “بتستغفليني” دي شعللت جواها حتة من العند اللي دايماً بيوديها في داهية. الخوف بدأ يتحول لغضب مكتوم، رفعت عينيها وبصت في عينيه مباشرة من غير ما تتهرب:
تريند إيه وزفت إيه! أنا ماليش في الكلام ده! أنا بحب الملاكمة.. بحبها من زمان، وجيت هنا عشان دي الصالة الوحيدة اللي فيها روح اللعبة بجد.. مكنتش أعرف إن البطل العظيم طارق الصاوي بيخاف من بنت دخلت تتفرج على الصالة بالليل!
​طارق عينيه وسعت من الصدمة. مكنش متوقع إن البنت الضعيفة اللي كانت بتترعش من دقيقتين تبص في عينيه بالجرأة دي وتكلمه بالأسلوب ده. ملامح وشه الخشنة اأتحولت من الشك للفضول. رجع بجسمه خطوة لورا، بس فضل قافل عليها الحصار بإيد واحدة ساندها على الحبل:
أنا بخاف؟ أنتِ لسانك طويل كمان ومش عاملة حساب للمكان اللي واقفة فيه ولا للشخص اللي بتكلميه.
​الجميلة أخدت نفسها بالكامل لأول مرة من ساعة ما دخل، وعدلت وقفتها وهي بتحاول تداري الرعشة اللي في ركبتها:
أنا عاملة حساب لكل حاجة، بس أنت اللي داخل فيا شمال وظالمني. أنا اسمي الجميلة.. وبدرس وبروح مدرستي عادي، ومصروف الأخبار بتاعي كله بجمعه عشان أشتري بيه كتب عن الملاكمة أو أتفرج على الماتشات القديمة بتاعتك وبتاع الأبطال القدام. ونفسي.. نفسي أتعلم اللعبة دي.. بس أهلي رافضين طبعاً عشان شايفينها لعبة “ولاد” و”عنف” ومتليقش ببنت. مكنش قدامي حل غير إني أجي هنا في السر، في وقت أضمن إن مفيش حد شايفني فيه.
​طارق فضل يبص لها من فوق لتحت بتمعن. الجوانتي اللي في إيديها كان واسع جداً على إيديها الصغيرة، والترنج اللي لابساه كان مبهدل شوية من الحركة. شاف في عينيها لمعة حقيقية، لمعة هو عارفها كويس أوي.. لمعة الشغف والغل اللي بيكون في عين أي حد نفسه يثبت نفسه في اللعبة دي. الشك اللي جواه بدأ يدوب، بس برضه مكنش ينفع يعدي الموضوع كدة.
​سحب إيده من على الحبل تماماً، وحطها في جيبه، ولف ضهره وتمشى ببطء لوسط الحلبة:
اممم.. الجميلة.. اسم على مسمى بس لسانك عايز قصه. ماشي يا ستي، هفترض إن كلامك صح وإنك مش جاسوسة من معسكر المنافسين بتاعي. بس أنتِ عارفة عقوبة اللي يدخل صالة طارق الصاوي من غير إذن وفي وقت تمرين خاص؟
​الجميلة مشيت وراه خطوتين وهي بتقل الصدمة:
عقوبة إيه؟ هتسلمني للشرطة؟
​طارق لف لها وعلى وشه ابتسامة خبيثة، ابتسامة خلت قلبها يدق بس المرة دي مش من الخوف:
شرطة؟ لأ، الشرطة دي للعيال السيس. إحنا هنا في صالة ملاكمة، واللي يغلط هنا، عقابه بيكون جوة الحلبة.
​الجميلة تنحت:
يعني إيه؟
​طارق شاور لها بصباعه:
يعني اطلعي الحلبة دي. وريني الضربتين اللي كنتِ بتضربيهم في كيس الرمل. لو لقيت فيكي أمل وبجد بتفهمي ملاكمة، هعديلك الدخلة دي وممشيكي سليمة. لو لقيتك بتلعبى عيال.. هكلملك الأمن برة يسلموكي لأهلك، وخليكي بقى تشرحي لوالدك كنتِ بتعملي إيه في صالة ملاكمة الساعة واحدة بالليل.
​الجميلة حست إنها اتدبست دبسة العمر. بس في نفس الوقت، الفكرة خطفتها. هي بقالها سنين بتتفرج على حركات الملاكمين وبتقلدها قدام المراية في أوضتها، ياترى بجد هتقدر تقف في حلبة حقيقية وقدام مين؟ قدام طارق الصاوي؟
​طارق شاف ترددها، فضحك:
ها؟ خوفتي؟ مش كنتِ من شوية عاملة فيها سبع البرومبة وبتتكلمي بثقة؟
​الجميلة جزت على سنانها، ورفعت إيديها الإثنين اللي فيهم الجوانتيات الكبيرة، ودخلت من بين الحبال بخطوة سريعة:
مش الجميلة اللي تخاف.. أنا جاهزة. وريني هتعمل إيه.
​طارق وقف في نص الحلبة، ومرفعش إيديه حتى، فضل حاططهم ورا ضهره:
ماشي يا شجيعة. اضربي. وريني الـ “جاب” والـ “كروس” بتوعك. اضربيني أنا.
​الجميلة وقفت وقفة الاستعداد اللي شافتها مية مرة في الفيديوهات. قدمت رجلها الشمال، ورفعت إيديها الإثنين يحموا وشها. طارق هز راسه بإعجاب مكتوم من الوقفة، الوقفة كانت صحيحة ومظبوطة بنسبة كبيرة بالنسبة لحد متعلمش على إيد مدرب.
​الجميلة أخدت نفس عميق، واندفعت لقدام ووجهت ضربة سريعة بإيدها الشمال لوش طارق. طارق بميل بسيط جداً من راسه وبدون مجهود تفادى الضربة، الجميلة مأستسلمتش، وراحت لافة وسطها وضاربة باليمين ضربة قوية “كروس” كانت متوجهة لفك طارق.
​طارق تفاداها برضه بمرونة غريبة، بس المرة دي الجميلة فقدت توازنها بسبب قوة الاندفاع، ورجلها لفت تحتها وكانت هتقع على أرضية الحلبة.
​قبل ما جسمها يلمس الأرض، لقت إيد قوية جداً زي الحديد لفت حوالين وسطها ورفعتها لفوق بسهولة وكأنها ريشة. طارق وقفها على رجلها تاني، وفضل ماسكها لثواني لحد ما اتأكد إنها ثبتت.
​طارق بص في عينيها وقال بصوت جدي ومن غير استهزاء:
الوقفة كويسة، والضربة الشمال سريعة، بس اليمين فيها غشومية. بتحدفي جسمك كله لقدام وبتنسي رجليكي.. الملاكمة مش إيد بتضرب بس، الملاكمة رجلين بتشيل الجسم وتثبته. لو ضيعتي توازنك، الخصم هيرميكي على الأرض بلمسة واحدة.
​الجميلة كانت بتنهج، مش من التعب، من القرب المفاجئ ومن كلامه اللي نزل عليها زي المية الساقعة. حست إنها بتتعلم بجد لأول مرة في حياتها.
​أنتِ عندك أساس كويس يا جميلة.. خسارة يترمي في الهوا.. أو في خناقات المدارس.
​الجميلة بصت له بامل مفاجئ:
يعني.. يعني أنا بجد ينفع أكون ملاكمة؟
​طارق سكت لثواني، ونظرة الغموض رجعت لعينه تاني. ساب وسطها ورجع خطوة لورا، وبدأ يفك القفازات اللي حوالين رقبته ويرميها على الأرض:
ينفع.. بس مش بالطريقة دي. مش بالسرقة والتسلل في نص الليل. اللعبة دي عايزة التزام، وعايزة عرق، وعايزة حد يستحمل الوجع.
​الجميلة بلهفة:
أنا مستعدة لكل ده! مستعدة أجي كل يوم! بس علمنا يا كابتن طارق.. أرجوك.
​طارق بص لساعته، وبعدين بص للباب الكبير بتاع الصالة، وفجأة ملامح وشه اتغيرت تماماً وخفت الابتسامة وحل مكانها قلق حقيقي وعنيف. لفت انتباهه صوت حركة غريبة برة الصالة، صوت عربيات بتقف وصوت رجالة بيتكلموا بنبرة واطية بس حادة.
​طارق مسك الجميلة من كتفها فجأة وبقوة، ونزل بيها لتحت الحبال وهو بيهمس بعنف:
اششش.. ولا كلمة! مش قلتلك مفيش حد يعرف إني هنا؟ شكل اللعبة أكبر مني ومنك.
​الجميلة حست برعب حقيقي المرة دي. صوت خطوات برة الصالة بدأ يقرب من الباب الحديدي الرئيسي، وصوت تكة س*لاح بتتمير سموع بوضوح في هدوء الليل. طارق سحب الجميلة ورا كيس رمل كبير وبقى ضهرها لحط الصالة، وهو واخد وضع الاستعداد التام، وعينيه مثبتة على الباب اللي بدأ يتفتح ببطء شديد ويظهر منه ضل طويل لراجل ماسك في إيده مسدس بكاتم صوت.
​طارق همس في ودن الجميلة ونفسه سريع وساخن:
أي حاجة تحصل.. متتحركيش من هنا. لو جرالي حاجة، هرب حبل الهروب اللي ورا الستارة دي واجري ومتبصيش وراكي.. فاهمة؟
​الجميلة هزت راسها وهي بتموت من الرعب، وعينيها متثبتة على الضل اللي بيدخل الصالة خطوة ورا خطوة، وفي اللحظة دي بالذات، النور القطع تماماً عن الصالة، ومبقاش فيه غير سواد كحل، وصوت ضربة مكتومة قوية هزت المكان كله!الجميلة حطت إيديها على بؤها عشان تمنع صرختها إنها تطلع. السواد كان كحل، مفيش أي نبتة نور تبين مين بيضرب ومين بيتضرب. صوت النهجان العالي وصوت الجزم وهي بتتحك بفي الأرضية الخشبية بتاعت الحلبة كان بيرن في ودنها زي الرعد.
​فجأة، سمعت صوت طارق وهو بيزأر زي الأسد المجروح، وجسم تقيل اترمى على الأرض وعمل دبة هزت الصالة كلها. الجميلة كانت بتترعش، دموعها نزلت من الخوف بس عقلها كان شغال.. طارق قالها “لو جرالي حاجة اهربي”. هي مش قادرة تسيبه، بس برضه الستارة اللي شاور عليها كانت قريبة منها.
​لفت راسها ببطء في الضلمة، وبدأت تزحف على ركبها وإيديها وهي بتتحسس الأرض لحد ما إيدها لمست قماش الستارة التقيل. وفجأة، النور رجع اشتغل تاني كأن اللي قطعوه كانوا بيلعبوا بأعصابهم!
​الجميلة لفت وشها بسرعة والصدمة لجمتها.
​طارق كان واقف في نص الصالة، التيشيرت بتاعه مقطوع من عند الكتف، وفي جرح بينزف دم على جبهته، بس كان ماسك راجل ضخم من رقبته وضغطه على الأرض، والمسدس اللي بكاتم صوت كان مرمي على بعد متر منهم.
​لكن الصدمة الحقيقية مكنتش هنا.. الصدمة كانت في الراجل الثاني اللي واقف عند باب الصالة، ماسك مسدس تاني وموجهه ومثبته على طارق بالملي. الراجل ده مكنش غريب.. الجميلة شافت الوش ده قبل كده في التلفزيون وفي المؤتمرات الصحفية.
​ده كان كابتن “رفعت”.. المدرب بتاع الخصم الحقيقي لطارق في الماتش الجاي!
​رفعت كان واقف بيبتسم ابتسامة صفرا وخبيثة، وعينيه كلها غدر:
أخرتها يا طارق؟ بطل مصر وإفريقيا تخلص عليه رصاصة بـ قرش صاغ في صالة مهجورة بالليل؟ كان نفسي تتروق في الحلبة قدام الناس.. بس أنت اللي مش عايز تجيبها لبر ومصمم تكسب الماتش الجاي وتضيع علينا ملايين.
​طارق رغم الدم اللي نازل على وشه، ورغم المسدس اللي موجه لقلبه، متهزش.. بصلة بنظرة كلها احتقار وتف ث ثقة على الأرض:
أنت فاكر نفسك هبطت يا رفعت؟ الموت عندي أهون من إني أبيع ماتش لواحد زيك.. اضرب يلا مستني إيه؟ بس وحياة أمي لو عشت ما هسيب فيك حتة سليمة.
​رفعت ضحك بصوت عالي ومقزز، وبدأ يضغط على الزناد ببطء:
لأ ما أنت مش هتعيش يا بطل.. سلملي على الحلبة.
​في اللحظة دي، الجميلة حست إن الدموية المصرية اللي فيها لفت.. الخوف اختفى وحل محله جنون مفاجئ. لمت كل قوتها، وبدون تفكير، سحبت كيس الرمل التقيل اللي جنبها بكل عزمها وهزته بكل قوتها ناحية رفعت اللي كان واقف قريب منه وهو مش واخد باله منها تماماً!
​كيس الرمل طار في الهوا وخبط في ضهر رفعت خبطة غشيمة خلته يختل توازنه، والرصاصة طلعت من المسدس بس جت في السقف والجبس وقع مبهدل المكان!
​طارق استغل اللحظة دي زي الفهد، ساب الراجل اللي في إيده واندفع في ثانية واحدة، ووجه لرفعت ضربة “أبر كاب” من تحت الفك خلت رفعت يطير في الهوا ويقع على ضهره فاقد الوعي تماماً والمسدس اتنطور بعيد.
​طارق وقف وهو بينهج، وبص للجميلة بذهول تلو التاني النهاردة.. البنت دي مش طبيعية.
​أنتِ عملتِ إيه؟ يخرب بيت جنانك!
​الجميلة كانت واقفة وإيديها بتترعش بس ملامحها كانت ثابتة:
قلتلك الملاكمة رجلين بتشيل الجسم وتثبته.. وأنا ثبت رجلي وزقيت الكيس!
​طارق ضحك من قلب وسط الوجع والدم، وقرب منها ومسك إيدها بسرعة:
مفيش وقت للكلام، الرجالة دول زمان ليهم تأمين برة.. يلا بينا من طريق الهروب اللي قلتلك عليه.. دلوقتي حالاً!
​سحبها وجريوا ناحية الستارة، وطارق فتح الباب الحديدي الصغير اللي بيطلع على ممر ضيق ورا الصالة يؤدي للشوارع الجانبية. أول ما خطوا برة في الهوا الساقع بتاع الفجر، سمعوا صوت سرينة بوليس بتقرب من بعيد.. بس الصدمة إنهم وهم بيجروا في الممر، لقوا تلات رجالة تانيين واقفين ومقفلين المخرج تماماً ومعاهم شوم وجنازير!
​طارق وقف وقف وقفة استعداد تانية وشد الجميلة وراه، وهمس لها وعينيه بتلمع بالتحدي:
شكلنا كدة هندخل ماتش اعتزالي بدري أوي.. جاهزة للـ “جاب” والـ “كروس” بجد يا جميلة؟ ولا هترجعي في كلامك؟
​الجميلة رفعت إيديها وقفت جنب بكتف بكتف، وعلى وشها ابتسامة حماس من وسط الرعب:
معاك يا بطل.. وريهم بقى مين هما “الغلابة”!الرجالة التلاتة قربوا ببطء، وضحكاتهم الخبيثة كانت بترن في الممر الضيق. الجنازير الحديد كانت بتخبط في الأرض وتعمل صوت يقشعر ليه البدن، والشوم مرفوع في إيديهم وجاهز للنزول.
​طارق ملمحش أي خوف في عين الجميلة، بالعكس، شاف شرارة غريبة، شرارة بنت بلد مبترجعش لورا لما تتزنق.
​أول واحد اندفع بغشومية وهو بيطوح الجنزير ناحية راس طارق. طارق وطى بسرعة فائقة، والجنزير خبط في الحيطة وطير طوب أحمر. في جزء من الثانية، طارق رد بلمح البصر بضربة “هوك” شمال في بطن الراجل، كتمت نفسه وخلته يقع على ركبه وهو بيكح دم.
​في نفس اللحظة، الراجل الثاني كان نازل بالشومة على ضهر طارق، الجميلة بدون ما تفكر، وبسرعة بديهة، وطت الأرض وسحبت طوبة حمراء مكسورة من اللي وقعت من الحيطة، ورزعتها بكل عزمها في قصبة رجل الراجل الثاني!
​الراجل صرخ صرخة مكتومة من الوجع ومال لقدام، طارق ملوش فرصة؛ لف وسطه وارتكز على رجله الصح، واداله ضربة “يمنية قاضية” في فكه، طيرته مترين لورا لحد ما خبط في صناديق زبالة قديمة ومتحركش بعدها.
​الراجل الثالث لما شاف زمايله الم يقعوا في ثواني بالشكل ده، الرعب دخل قلبه. بص لطارق وجرحه بينزف، وبص للجميلة اللي واقفة وماسكة حتة خشبة وجاهزة، وخطوات سرينة البوليس بقت على أول الشارع. الراجل رما الشومة من إيده ولف ضهره وجري بأقصى سرعة مستسلم تماماً.
​طارق سند ضهره على الحيطة وهو بيلهث وعرقان، الدم نازل على عينه بس كان بيضحك:
أنا قلتلك الملاكمة رجولة وشغف.. بس مكنتش أعرف إنك “دبابة” يا جميلة! ده أنتِ صايمة وفاطرة على خناقات الشوارع!
​الجميلة رمت الخشبة ونفضت إيديها وهي بتضحك وسط نهجانها:
أومال إيه يا كابتن؟ إحنا بنيجي مع الحق برضه! بس يلا بينا البوليس زمانه دخل الصالة.
​جروا هما الاثنين في الشوارع الجانبية الضلمة، لحد ما وصلوا لأول ممر آمن بعيد عن الصالة. طارق وقف وبص للجميلة بنظرة مختلفة تماماً عن نظرة الشك والتحقيق بتاعت أول الليل. نظرة كلها احترام وتقدير حقيقي.
​سحب منديل من جيبه ومسح الدم اللي على جبهته، وقال بنبرة جادة وصادقة:
الجميلة.. أنتِ أنقذتِ حياتي وحققتيلي ماتش عمري قبل ما يلعبوه في الكواليس. أنا مدين لكِ بجميل مش هنساه. ومن بكرة.. صالة “الغلابة” مفتوحالك في أي وقت، وأنا اللي همرنك بنفسي وبالمجان.. بس في النور، وقدام الدنيا كلها، عشان هعمل منك بطلة مصر الجاية.
​الجميلة عينيها لمعت بدموع الفرحة، الشغف الحلم اللي كان مستحيل وبتعمله في السير، خلاص بقى حقيقة وهيبدأ في النور.
​هزت راسها بالموافقة وهي مش مصدقة:
وأنا جاهزة يا كابتن.. مستنية بكرة بفارغ الصبر.
​لف ضهره ومشي في طريق بيته وهي مشيت في طريق بيتها، والنهار بدأ يشقشق بنوره الجديد في سما القاهرة. الجميلة وصلت تحت بيتها، لسة بتطلع المفاتيح من جيبها عشان تفتح باب العمارة بالراحة من غير ما حد يحس.. لقت الباب بيتفتح ببطء من جوة!
​قلبها سقط في رجليها.
​والدها كان واقف ورا الباب، ملامح وشه كانت ضلمة وقاسية وعينيه شرار، وفي إيده الموبايل بتاعها اللي كانت ناسياه على السفرة في الصالة، والشاشة منورة بـ 20 مكالمة فائتة.
​والدها بص لها بصوت رخيـم وناشف زي الحجر وهز الموبايل في وشها:
كنتِ فين لحد الساعة 5 الصبح يا جميلة؟ ومين طارق الصاوي اللي باعث لك رسالة دلوقتي حالا بيقولك فيها “جهزي نفسك لبكرة يا بطلة”؟
​الجميلة اتصمّرت في مكانها، الهوا اتكتم في صدرها، وعرفت إن الحكاية مخلصتش.. دي الحكاية الحقيقية لسة بتبدأ دلوقتي حالا!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *