صرخه باسم

فضلت النظرة ممدودة بين هما الاتنين، نظرة خطفت الروح وجمدت الدم في العروق. هنا كانت لسه مأنتخة، نص فايقة ونص نايمة، بس عينيها اللي كانت دايماً بتبان دبلانة وكسلانة، فجأة لمعت بذكاء حاد زي موس الحلاقة. سليم حس إن قلبه اتقبض، إيده اللي شالة الكتاب اتهزت ثانية، بس رجع ثبتها بسرعة وهو بيحاول يرسم على وشه الابتسامة الساحرة اللي بيوقع بيها أي بنت في ثواني.
​”إيه يا بنتي؟ صحيتي؟” سليم قالها بصوت واطي، فيه نغمة تسبيل خفيفة، “أنا قلت بس أشيل عنك الشمس عشان شكلك كان متكدر وأنتِ نايمة.”
​هنا مقالتش ولا كلمة. عينيها نزلت تاني للورقة الصغيرة المطبقة اللي باينة من بين صفحات كتاب التاريخ بتاعه. الخط ده.. الخط ده هي عارفاة كويس. ده خط “ميار”، البنت اللي فاكرة نفسها ملكة المدرسة، واللي بقالها شهرين بتموت وتعرف هنا بتجيب درجاتها العالية دي ازاي من غير ما تفتح كتاب.
​هنا اتعدلت ببطء شديد، سحبت ضهرها لورا وسندت على الديسك، وربعت إيديها وهي بتبص لسليم بنظرة خالية تماماً من أي انبهار، نظرة خلت سليم، لأول مرة في حياته، يحس إنه عريان ومكشوف.
​”الخطة ماشية بالملي؟” هنا نطقتها بصوت هادي ومستقر، مفيش فيه أي رجفة، “وهي ابتدت تصدق؟ تفتكر أنا اللي صدقت يا سليم.. ولا أنت اللي عشت الدور زيادة عن اللزوم؟”
​سليم ملامحه اتصلبت. الضحكة اختفت من عينه، وبسرعة سحب الكتاب وقفله، وحط إيده عليه كأنه بيخبي جري..مة. “أنتِ بتقولي إيه يا هنا؟ شكل النوم مأثر عليكي، ورقة إيه وخطة إيه؟”
​هنا ضحكت ضحكة خفيفة، واطية جداً، مفيش فيها أي غل، بالعكس، كانت ضحكة حد مستمتع باللعبة. مالت براسها لقدام وقالت له بصوت شبه الهمس: “سليم، متلعبش معايا اللعبة دي.. أنا اللي مخترعاها. ميار اتراهنت معاك على كتاب الملخصاتبتاعي بتاع الفيزيا؟ ولا الرهان كان أتقل.. تخليني أقع في حبك وأمشي وراك زي الباقيين عشان تكسروا مناخير البنت اللي شايفة نفسها على المدرسة؟”
​سليم بلع ريقه وصدمته كانت حقيقية. البنت الكسلانة، اللي بتقعد في آخر تختة، اللي الكل فاكرها مش هنا، طلعت قرية المشهد من قبل ما يبدأ اصلاً.
​”أنتِ.. أنتِ عرفتي منين؟” سليم سأل، و صوته مكنش فيه الثقة بتاعة كل يوم، كان صوت حد اتمسك متلبس.
​هنا رجعت سخرت ضهرها لورا ببرود، وبصت للشباك وهي بتلعب بقلم رصاص في إيدها: “ميار بقالها أسبوعين عينيها منزلتش من عليا، وكل ما تشوفك واقف معايا في الطرقة وشها بيجيب ألوان. وأنت.. أنت مابتطقش القعدة في الفصل وقت الفسحة، فجأة بقيت تحب تقعد جنبي وتعمل فيها الشهم اللي بيخبي الشمس؟ الحسبة سهلة أوي يا سليم، بس أنت غبي عشان سبت خطها باين في كتابك.”
​سليم حس بنار بتغلي جواه، مش عشان اتمسك، بس عشان البنت دي حركت فيه حاجة حقيقية وهو بيحميها من الشمس. هو مكنش بيمثل في اللحظة دي، مكنش بيفكر في الرهان أصلاً لما لقا وشها انكمش من النور.
​”طب لو قلتلك إن الرهان ده كان في الأول؟” سليم قرب منها، و عينه كانت فيها رجاء غريب، “لو قلتلك إني فعلاً وافقت ميار عشان كنت مستغربك، بس بقالي كام يوم بنسى أصلاً إحنا في الفصل؟ هنا، أنا مش بمثل.”
​هنا بطلت تلعب بالقلم، وبصت له بعيون صقر، خالية من أي مشاعر: “ميهمنيش يا سليم. الرهان بتاعكم ده تسلوا بيه وقتكم بعيد عني. الكتاب بتاعي ودرجاتي خط أحمر، وأنت وميار.. آخركم تتفرجوا عليا وأنا باخد المركز الأول كل سنة وأنتوا بتجروا ورا المظاهر.”
​في اللحظة دي، جرس الفسحة ضرب. الصوت كان عالي وقطع الحوار الحامي اللي مكنش مسموع وسط هيصة العيال. الفصل بدأ يتملي تاني، والطلاب دخلوا يجروا ويضحكوا، وميار دخلت معاهم، عينيها راحت فوراً على تختة سليم وهنا. سليم لمح نظرة ميار، ولقى نفسه متكتف، مش عارف يتصرف ازاي.
​هنا، بكل برود الدنيا، فتحت مقلمتها، طلعت نضارة القراية بتاعتها، ولبستها. فتحت كشكولها وبدأت تكتب، وكأن سليم مش موجود، وكأن قلبه اللي كان بيدق زي الطبل جنبها ده مجرد دوشة في الخلفية.
​سليم قعد في تختته، حاسس بالهزيمة الساحقة. هو الشاب اللي مفيش بنت بتقول له لأ، اترمى بره دايرة اهتمام البنت الكسلانة بكلمتين. فتح كتابه تاني، سحب الورقة الصغيرة من سكات، طبقها في إيده وضغط عليها لحد ما ضوافره علمت في ايده.
​طول الحصص اللي باقي من اليوم، سليم مكنش مركز مع المدرس. كان عينه بتروح عليها كل دقيقة. كانت قاعدة بتكتب ورا المدرس بمنتهى السرعة، خطها منظم، ولما المدرس سأل سؤال صعب للطلبة المتفوقين، الفصل كله سكت. سليم بص لهنا، لقاها ساندة خدها بإيدها، وعينيها مقفولة تاني!
​المدرس زعق: “محدش عارف الإجابة؟ مفيش غير سليم وميار اللي رافعين إيديهم؟”
سليم مكنش رافع إيده أصلاً، وميار كانت بتبص بثقة. فجأة، هنا فتحت عين واحدة، وقالت الإجابة بصوت واطي وكسلان وهي لسه ساندة راسها: “الإجابة هتبقى ج يا مستر، عشان القوة الطاردة المركزية بتتناسب عكسياً مع نصف القطر، لو عوضت في القانون الأساسي هتطلع معاك علطول من غير اللفة دي كلها.”
​المدرس تنح، وبص للسبورة وبص لهنا وقال بذهول: “صح.. صح يا هنا، برافو عليكي. بس ياريت تركزي معايا وتفتحي عينك.”
هنا هزت راسها و رجعت غمضت عينيها تاني، ولا كأنها عملت معجزة.
​سليم حس إن عقله هيطير. البنت دي مش طبيعية.
​لما اليوم الدراسي خلص، والكل بدأ يلم حاجته عشان يروح، هنا سحبت شنطتها بسرعة وخرجت قبل الزحمة. سليم ساب ميار وهي بتنادي عليه وبتجري وراه في الطرقة: “سليم! استنى يا سليم! عملت إيه مع البت دي؟ جابتلك الملخص؟”
سليم ماردش عليها، دفعها بإيده وكمل جري ورا هنا لحد ما طلع بره بوابة المدرسة.
​الدنيا بره كانت زحمة، ميكروباصات بتنادي، وأهالي مستنيين، وشمس العصر بدأت تكسر. لمح طرف طرحتها البيضاء وهي بتمشي بخطوات سريعة و هادية في نفس الوقت ناحية شارع جانبي بعيد عن الدوشة. جرى وراها ونادى: “هنا! استني يا هنا!”
​هنا وقفت، ومفتحتش وشها، لفت له ببطء وهي سانده الشنطة على كتف واحد: “عايز إيه تاني يا سليم؟ أظن كلامي كان واضح جوه.”
​”أنا عايز أعتذر.” سليم قالها وهو بينهج، و ملامحه كانت حقيقية لأول مرة، “أنا عارف إني غلطت، وعارف إن سمعتي في المدرسة زي الزفت، بس أنا مش عايز الملخص، ومش عايز الرهان. أنا عايزك أنتِ تسامحيني.. وعايز أبدأ معاكي بجد، من غير لعب.”
​هنا بصت له من فوق لتحت، وابتسمت ابتسامة غامضة، ابتسامة خلت سليم يحس بقلق أكتر من الأول. قربت منه خطوة واحدة، وقالت بصوت كأنها بتقرأ الغيب: “سليم.. أنت متعرفش حاجة عني. أنت فاكر إنك بتلعب بيا؟ طب خد المفاجأة دي.. الورقة اللي في كتابك؟ أنا اللي شفت ميار وهي بتكتبها الصبح، وأنا اللي خليتها تحطها في كتاب التاريخ بتاعك بالذات عشان عارفة إنك هتفتحه في الفسحة قدامي.”
​سليم وقف مكانه كأن صاعقة ضربته. عينه اتسعت من الصدمة، ولسانه عجز عن النطق.
​هنا كملت وهي بتمشي لورا وبتبعد عنه، وضحكتها الساحرة والذكية منورة وشها: “أنا مش الضحية يا سليم.. أنا اللي حركتكم كلكم زي العرايس من أول يوم في السنة عشان تبعدوا عني وتلتهوا في بعض وتسبوني أنام في حالي.. سلام يا بطل.”
​سابت سليم واقف في نص الشارع، مذهول، مش مستوعب الصدمة، وعقله عاجز عن استيعاب إن البنت الكسلانة كانت هي اللي سايقة اللعبة من الأول خالص، وسابت وراها ألف سؤال وسؤال مخلين سليم مش عارف هيبص في وشها ازاي بكرة في الفصل.فجأة، وسط ذهول سليم وصدمته اللي جمدته في مكانه، لقى نفسه من غير ما يفكر بيضحك. ضحكة عالية وخارجة من قلبه، ضحكة حد مبهور بجد مش حد مكسور. جرى وراها تاني وقفل عليها الطريق وهو بيبتسم و عينه بتلمع بتحدي: “ماشي يا هنا.. اعتبريني يا ستي العروسة الخشب اللي كنتِ بتحركيها، بس العروسة دي قررت تقطع الخيوط وتقف قدامك بجد. أنا مش هسيبك، واللعبة دي لو أنتِ اللي بدأتيها، فأنا اللي هغير قواعدها.”
​هنا وقفت وبصت له، ولأول مرة النظرة الكسلانة اللي في عينيها اختفت، وحل محلها فضول حقيقي وهي شايفاه بالثقة دي رغم إنه اتمسك متلبس، وسابته ومشيت وهي بتقول له: “بكرة نشوف يا سليم.”
​تاني يوم في المدرسة، الأجواء كانت مشحونة. ميار كانت واقفة في الطرقة وشها جايب ألوان من الغيظ بعد ما سليم قفل في وشها السكة وماردش على مكالماتها طول الليل. أول ما هنا دخلت الفصل بخطواتها الهادية، عيون سليم اتعلقت بيها علطول. راح قعد في تختته جنبها، بس المرة دي مكنش في إيده كتاب تاريخ ولا ورق مخفي، كان في إيده علبة عصير مانجا ساقعة وشوكولاتة من اللي هنا بتحبها.
​حط الحاجة قدامها من سكات. هنا بصت للحاجة وبصت له، ورفعت حاجبها: “وده إيه ده إن شاء الله؟ رشوة؟”
​سليم ساند خده بإيده وبص لها بحنان حقيقي: “لأ، دي طاقة عشان تقدري تكملي نوم في الحصة، أصل الصراحة مستر الميكانيكا بكرة هيبهدل الدنيا وأنا مش حمل أشوفك متكدرة من النور تاني.”
​هنا حاولت تخبي ابتسامتها، بس عينها خانتها ولمعت. سحبت العصير وشربت منه، وطول اليوم الدراسي، سليم مكنش بيلعب، كان فعلاً حامي حماها في الفصل؛ يداري عليها لو نامت، ويجهز لها الأقلام، ولما ميار حاولت تيجي وتلقح بالكلام، سليم وقف لها وصدها بكلمتين ناشفين خلوها تلف وترجع مكانها وتعرف إن دورها انتهى تماماً.
​الشهور مرت، والامتحانات الكبيرة قربت، وسليم اتغير 180 درجة. مابقاش الشاب المستهتر بتاع زمان، بقى بيقعد يذاكر بجد عشان بس يثبت لهنا إنه يستاهل يقف جنبها. وفي آخر يوم في امتحانات ثانوية عامة، والكل خارج بيعيط ويسقف ويهيص في الحوش، سليم وقف مستني هنا بره البوابة في نفس المكان اللي صدمته فيه أول مرة.
​هنا خرجت، وكان باين على وشها الإرهاق بس ملامحها كانت رايقة. سليم قرب منها وهو ماسك ورقتين في إيده، وشه كان منور: “النتيجة طلعت على موقع الوزارة يا هنا.. أنا جبت 95%.”
​هنا وقفت وبصت له بفخر مدارياه، وقالت له: “طب وأنا؟”
​سليم ضحك وطلع الورقة التانية: “أنتِ؟ المركز الأول على المحافظة يا دكتورة هنا، كالعادة وراكبة المركب ونايمة!”
​هنا ضحكت من قلبها، الضحكة اللي سليم كان مستنيها من شهور. سليم بص لها وقال بنبرة كلها صدق: “أنا عمري ما هنسى اليوم اللي حطيت فيه الكتاب عشان أداري الشمس عنك، اليوم ده الشمس مش هي اللي اتدارت، اليوم ده النور دخل حياتي بجد بسببك.”
​هنا سكتت لثواني، وبصت لعيونه اللي كانت واضحة وصادقة ومفيش فيها أي لف ودوران، ولأول مرة، مدت إيدها وأخدت منه ورقة النتيجة وهي بتقول بدلال مصري خالص وابتسامة ماليها الأمل: “ماشي يا سليم.. بما إنك طلعت شاطر وبتتعلم بسرعة، فممكن أديك كورس مكثف في الذكاء.. بس بشرط، من غير دوشة عشان بعرف أنام.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *