ضرب النار

جميلة وقفت مكانها متسمرة، ضهرها لِباب اللوكر المعدن اللي لسه رازعاه، وصوت رنتّه الساقعة لسه بتزن في ودانها. ممر الجامعة اللي كان من شوية زحمة وهيصة ومفيش فيه موضع لقدم، اتحول فجأة لسرادق صمت، كل العيون متوزعة بينها وبين فهد اللي واقف على بعد خطوات، حاطط إيديه في جيوب بنطلونه الجينز، وعلى وشه نفس الابتسامة الباردة المستفزة اللي بتعلن انتصاره. الكلمة بتاعته “طالعة فيه زي القمر.. مش كدة برضه؟” فضلت تتردد في الممر زي صدى صوت في نفق ضلمة. الكل بدأ يوشوش، البنات بيمصمصوا شفايفهم ويبصوا لها من فوق لتحت بـ غل، والشباب بيغمزوا لبعض.
​نظرات فهد مكنتش نظرات إعجاب، جميلة كانت عارفاة كويس وعارفة الدماغ اللي بتفكر ورا العينين الكهرمانيتين دول. دي كانت نظرة صياد رمى الطُعم والسمكة بلعته بالهنا والشفا. الدموية هربت من وشها تمامًا، وحست بريقها ناشف زي الحطب، بس كبريائها الصعيدي اللي ورثاه عن أبوها رفض يخليها تبان مكسورة أو ضعيفة قدام الممر كله، وخصوصًا قدامه هو.
​أخدت نفس طويل، وحاولت تلم شتات نفسها بسرعة. رفعت راسها لفوق، وعدلت ياقة قميصها الأبيض ببرود مصطنع، وبصتله بعينين قوية وحادة زي الموس. مشيت خطوتين ناحيته، وكل خطوة كعب جزمتها كان بيرن في الممر الفاضي، لحد ما بقت واقفة قدامه بالظبط، مفيش بينهم غير شبر واحد. همست بصوت واطي بس حاد وواضح يوصل له هو بس: “اللعبة دي رخيصة أوي يا فهد.. وماتليقش غير بيك. فاكر إن الكلمتين دول هيعملوا لك قيمة؟ أنت لسه برضه فهد اللي خسر الماتش الحقيقي قدام عيني، والجاكيت ده؟ أنا لبسته بس عشان كنت قرفانة أبهدل هدومي من تراب الشارع.”
​ابتسامة فهد مأختفتش، بالعكس، وسعت أكتر وعينيه لمعت بتحدي أكبر. قرب منها سنة صغيرة وميل راسه وقال بصوت واطي وناعم زي الحية: “مش مهم اللعبة رخيصة ولا غالية يا جميلة.. المهم مين اللي كسب الجولة الأولى. والجامعة كلها دلوقتي مابتقولش غير اسمي واسمك في جملة واحدة. وريني بقى هتخلصي من الحكاية دي ازاي.”
​ساعتها، صفارة المحاضرة الأولى ضربت، والصوت رجع فجأة للممر والناس بدأت تتحرك بسرعة للدرج. جميلة لفت ضهرها ومشيت وهي بتغلي من جواها، كل خطوة كانت بتخبط فيها الأرض بقهر. دخلت المدرج وقعدت في آخر بنش ورا، مش عايزة تشوف حد ولا حد يشوفها. فتحت الكشكول بتاعها وبدأت تشخبط بالقلم الرصاص بعنف لحد ما السن اتكسر. كانت بتفكر في المصيبة اللي حطت نفسها فيها. فهد مش مجرد زميل غلس، ده ابن “عتمان الغول”، الراجل اللي بينه وبين عيلة جميلة تار وتنافس تجاري في السوق قاطع القلوب من سنين، ودخول فهد الجامعة دي أصلاً كان بنية واضحة إنه يكسر مناخير عيلة “الشرقاوي” في بنتهم الوحيدة.
​طول المحاضرة، جميلة مكنتش سامعة كلمة واحدة من الدكتور. دماغها كانت بتلف في ساقية. “لو الحكاية دي وصلت لأخويا الكبير (كريم)، هتحصل مجزرة في الجامعة.” كريم دمه حامي ومابيفهمش، ولو عرف إن ابن عتمان الغول بيجيب سيرة أخته على لسانه قدام يسوى ومايسواش، مش هيرده غير الدم.
​لما المحاضرة خلصت، جميلة لمت حاجتها بسرعة وخرجت، كانت عايزة تروح اللوكر تاخد الجاكيت ده وتولع فيه في وسط حوش الجامعة عشان تغسل الإشاعة دي تمامًا. وصلت للوكر، وفتحت القفل بسرعة وهي بتترعش، مدت إيدها عشان تشد الجاكيت، بس حست بإيد قوية بتمسك معصمها وتمنعها.
​اتخضت ولفت وهي بتزعق: “أنت تاني؟! سيب إيدي وبطل قلة أدب!”
بس الصدمة إن اللي كان واقف مكنش فهد.. ده كان “كريم” أخوها الكبير.
​كريم كان واقف وعينيه حمرا زي الجمر، عروق رقبته بارزة، وواضح إنه مكنش جاي يزورها بالصدفة. هو سمع. الإشاعات في الجامعة بتطير أسرع من النار في الهشيم، وظاهر إن حد من رجاله أو حد عايز يوقع بين العيلتين كلمه وبلغه.
​كريم ضغط على إيدها وقال بصوت مكتوم ومليان غيظ: “الجاكيت ده بتاع مين يا جميلة؟”
جميلة لسانها اتقل، ومبقتش عارفة تنطق. بصت للجاكيت اللي مكتوب عليه “فهد” ببنط عريض، وبصت لوش أخوها اللي بيطق شرار. “أنا.. أنا هفهمك يا كريم.. ده مش زي ما أنت فاكر.. الجو كان ساقع امبارح و..”
كريم قاطعها بصوت زلزل الممر: “بتاع ابن عتمان؟! بتلبسي جاكيت ابن الراجل اللي داس على كرامتنا؟ أنتِ اتجننتي يا بت؟!”
​في اللحظة دي، ومن حظ جميلة السيء -أو يمكن من ترتيب القدر- ظهر فهد من آخر الممر، وكان معاه شلة من أصحابه بيضحكوا. أول ما شاف كريم واقف وماسك إيد جميلة، ضحكته وسعت، ومشى بخطوات بطيئة وواثقة ناحيتهم، كأنه كينج مابيهابش حد.
​فهد وقف على بعد مترين، وحط إيديه في جيوبه وقال ببرود قاتل: “أهلاً يا كيمو.. منور الجامعة يا بطل. مكنتش أعرف إنك بتيجي توصل أختك بنفسك، ولا جيت تاخد الجاكيت بتاعي؟”
​كريم ساب إيد جميلة فجأة، واتجه ناحية فهد زي الطور الهايج. جميلة صرخت: “لا يا كريم عشان خاطري لا!”
بس كريم مسمعش، رفع إيده وبكل قوته ضرب فهد بوكس في وشة، لدرجة إن فهد رجع لورا خطوتين وشفته اتقطعت ونزلت دم. أصحاب فهد جريوا عشان يتدخلوا، والممر اتحول لساحة خناقة شوارع. فهد مسح الدم اللي على شفته بطرف صباعه، وبص للدم، وبعدين بص لكريم وضحك ضحكة مرعبة، ضحكة واحد كان مستني اللحظة دي بفارغ الصبر.
​فهد هجم على كريم، والاتنين بقوا يضربوا بعض بغل سنين متلتل. جميلة كانت واقفة بتصرخ وبتعيط، بتحاول تفرق بينهم بس مكنتش قادرة، والطلبة كلهم اتلموا يعملوا دايرة ويتفرجوا ويصوروا بالموبايلات. الأمن بتاع الجامعة جه جري، وبصعوبة شديدة قدروا يفصلوا كريم وفهد عن بعض، والاتنين بينهجوا وهدومهم متبهدلة والدم مغرق وشوشهم.
​كبير أفراد الأمن زعق بصوت جهوري: “على مكتب العميد.. أنتوا الاتنين! وأنتِ كمان معاهم يا آنسة!”
​في مكتب العميد، الأجواء كانت مشحونة لدرجة تخنق. العميد، راجل كبير هيبة بنظارة طبية، كان قاعد ورا مكتبه الخشب الضخم وباصص لهم بنظرات لوم وغضب شديد. كريم كان قاعد على كرسي وهو بيهز رجله بعصبية وفهد قاعد على الكرسي التاني ببرود حاطط منديل على شفته، وجميلة واقفة في الزاوية ودموعها مش راضية تقف.
​العميد خبط على المكتب بإيده: “إيه اللي حصل ده؟ إحنا في جامعة محترمة ولا في غرزة؟ أنتوا عايزين تتفصلوا؟!”
كريم زعق: “يا فندم البني آدم ده قل أدبه على أختي، وأنا مافيش حد يمس شعرة من أختي وأنا عايش على وش الأرض!”
فهد رد بمنتهى الهدوء والخبث: “أنا مقلتش أدبي يا فندم. أنا لقتها سقعانة وبتترعش بالليل بعد الماتش، واديتها الجاكيت بتاعي بكل ذوق وإنسانية عشان متتعبش. وهي قبلته ولابسته وجت بيه الصبح. هو اللي جه متهجم عليا وعايز يعمل بطل.”
​العميد بص لجميلة: “الكلام ده صحيح يا آنسة جميلة؟ أنتِ خدتي الجاكيت بتاعه برضاكي؟”
جميلة بصت لأخوها كريم اللي كان باصص لها بنظرة ترجي وعتاب قاتل، كأنه بيقولها “ماتكسريش ضهري قدامه”. بلعت ريقها وقالت بصوت مرتعش: “لأ يا فندم.. أنا مأخدتوش برضايا. هو اللي حدفه عليا ومشي، وأنا جيت الصبح عشان أرده له في اللوكر، بس الإشاعات طلعت عليا.”
​العميد تنهد تنهيدة طويلة وقال: “بصوا بقى.. خناقات العائلات بتاعتكم دي تخلوها برا أسوار الجامعة. أنا هنا عندي نظام. فهد وكريم.. إنذار بالفصل النهائي لو اسمكم جه في خناقة تانية. وأنتِ يا آنسة جميلة، تلتزمي بمحاضراتك ومشوفش الجاكيت ده ولا غيره تاني. اتفضلوا برا.”
​خرجوا من المكتب، كريم شد جميلة من إيدها بعنف ومشى بيها لحد برا بوابة الجامعة، ورماها جوة عربيتو ورزع الباب. طول الطريق للبيت، مكنش فيه صوت غير صوت أنفاس كريم الغاضبة وصوت كاسيت العربية الشغال على واطي. جميلة كانت بتبص من الشباك والدموع بتجري على خدها. عارفة إن اللي حصل ده مش هيمر بسلام، وإن فهد مش هيسكت على البوكس اللي أخده، والموضوع دلوقتي اطور من مجرد غيرة شباب لمعركة شرف وتار قديم هيولع في العيلتين.
​وصلوا البيت، في منطقة مصر الجديدة، في فيلا عائلة الشرقاوي. كريم دخل وجر جميلة وراه، وأول ما دخلوا الصالة، لقوا أبوهم، “الحاج إسماعيل الشرقاوي”، قاعد بيشرب قهوته وبيقرأ الجرنان. أول ما شاف منظرهم، وهدوم كريم المتبهدلة ووشه المتجرح ودموع جميلة، وقف وفنجان القهوة اتهز في إيده.
​الحاج إسماعيل بصوت رخيم ومرعب: “في إيه يا كريم؟ إيه المنظر اللي أنتوا جايين بيه ده؟”
كريم بص للأرض وقال بغل: “ابن عتمان الغول يا بويا.. فهد. قل أدبه على جميلة في وسط الجامعة، وعمل حوار عشان يكسر عيننا قدام الناس.”
الحاج إسماعيل عينه وسعت، والدموية طلعت لوشه، مسك عصايته الأبنوس وضغط عليها لحد ما صوابعه ابيضت. بص لجميلة وقال: “الكلام ده صح يا بنتي؟ عملك إيه الواد ده؟”
​جميلة حكت لأبوها كل حاجة بالظبط، من أول ليلة الماتش لحد خناقة الممر، مأخبتش عليه حاجة لأنها عارفة إن الكذب في الموقف ده هيزود الطين بلة. الحاج إسماعيل سمع وكل ما الحكاية بتتقدم، ملامحه بتقسو أكتر. بعد ما خلصت، ساد صمت رهيب في الصالة، صمت يسبق العاصفة.
​الحاج إسماعيل بصلهم وقال ببرود يخوف: “عتمان الغول فاكر إنه لما يلاعبنا بالعيال الصغيرة هيكسب. ماشي يا فهد.. أنت اللي بدأت اللعب في المحظور. كريم.. تلم رجالتك، ومن بكرة الشغل في السوق هيتغير. كل بضاعة لعتمان نازلة المينا، مش هتدخل مصر غير على جثتنا. إحنا هنقطع عنهم المية والنور لحد ما يجوا يبوسوا الجزم عشان نرضى عنهم.”
​بينما في الجانب الآخر من المدينة، في قصر عائلة “الغُول”، فهد كان قاعد في أوضته قدام المراية، بيمسح الدم اللي على شفته بقطنة وفيها مطهر، وهو بيبتسم. دخل عليه أبوه، “عتمان الغول”، راجل ضخم بجلباب صعيدي فاخر وعينين صقر مابترحمش.
​عتمان بص لابنه وقال بصوت غليظ: “أنت اتضربت يا فهد؟ ابن إسماعيل الشرقاوي ضربك في وسط الجامعة والناس اتفرجت عليك؟”
فهد لف لأبوه ومسح شفته وقال بثقة: “أنا مأضربتش يا بويا.. أنا خليته يضربني. البوكس ده هو المفتاح اللي هيفتح لنا باب جهنم على عيلة الشرقاوي. أنا خليت بنتهم مسار كلام الجامعة كلها، وخليت كريم يظهر بمظهر الهمجي اللي مابيفهمش والعميد عطاله إنذار بالفصل. دلوقتي، هما اللي بقوا في موقف ضعف.”
​عتمان الغول قعد على الكرسي وبص لابنه بنظرة إعجاب وخبث: “دماغك سم يا فهد.. طالع لأبوك. بس افتكر، إسماعيل الشرقاوي مش هيرخي الحبل. زمانه دلوقتي بيخطط يقطع علينا طريق المينا. الشحنة اللي جاية الأسبوع الجاي فيها كل ثروتنا، لو حصل لها حاجة، هنفلس.”
فهد قرب من أبوه وقال وهو بيضغط على سنانه: “الشحنة هتوصل يا بويا، وأنا اللي هأمنها بنفسي. وعيلة الشرقاوي؟ أنا هخليهم يجوا لحد عندك يطلبوا السماح، وبنتهم جميلة دي.. هتبقى هي الكارت الأخير اللي هكسر بيه عينهم العمر كله.”
​مرت الأيام، والأجواء في الجامعة بقت زي حقل ألغام. جميلة كانت بتروح وتحضر محاضراتها وهي حاسة إن فيه عيون بتراقبها في كل مكان. فهد مكنش بيظهر كتير، بس لما كان بيظهر، كان بيبص لها من بعيد بنظرة باردة وغامضة، كأنه بيقولها “العد التنازلي بدأ”. الإشاعات بدأت تهدأ شوية بشوية، بس التوتر اللي تحت السطح كان بيغلي.
​في البيت، جميلة مكنتش بتنام. كانت بتسمع خناقات أبوها وكريم بالليل عن السوق والبضايع والمينا. عرفت إن رجالة الشرقاوي ورجالة الغول اشتبكوا أكتر من مرة في منطقة المكس في الإسكندرية بسبب شحنة الحديد الجديدة، وإن الوضع قايم على شعرة.
​في يوم، جميلة كانت خارجة من المكتبة بتاعت الجامعة، الدنيا كانت بدأت تليل والجامعة بتفضي. وهي ماشية في الممر الضلمة اللي بيودي للبوابة الخارجية، حست بحركة وراها. قلبها انقبض، وسرعت خطواتها. فجأة، طلعت لها عربية سودا من غير نمر، وقفت قدامها بالظبط والممر كان فاضي تمامًا ومفيش أي أمن قريب.
​الباب بتاع العربية اتفتح، ونزل منها اتنين رجالة ضخام بجاكتات جلد سودا ولثام على وشوشهم. جميلة صرخت وحاولت تجري لورا، بس واحد منهم لحقها ومسكها من دراعها وقفل بوقها بإيده الضخمة. تانى واحد طلع منديل فيه مادة مخدرة وحطه على وشها. جميلة حاولت تقاوم، ترفس برجليها، تضرب بإيديها، بس القوة مكنتش متكافئة. الدنيا بدأت تلف بيها، النور بدأ يضلم، وصوت صراخها المكتوم اختفى تمامًا وسط سكون الليل.
​آخر حاجة شافتها قبل ما يغمى عليها تمامًا، كانت عينين كهرمانيتين بتبص لها من الإزاز الفامي بتاع الكرسي الوراني للعربية.. عينين فهد.
​صحت جميلة وهي حاسة بصداع قاتل في راسها، وجسمها كله مهدود. فتحت عينيها ببطء، لقت نفسها قاعدة على كرسي خشب في أوضة ضلمة وواسعة، ريحتها تراب ورطوبة، واضح إنها مخزن قديم مهجور. إيديها ورجليها كانوا مربوطين بحبال جامدة في الكرسي.
​حاولت تتحرك وتصرخ: “الحقوني! يا كريم! يا بابا!” بس صوتها طلع مبحوح وضعيف من أثر المخدر.
​فجأة، النور اللي فوق راسها قاد مرة واحدة، نور أبيض قوي عما عينيها وخلاها تغمضهم. سمعت صوت خطوات حذاء جلد واثق بيقرب منها. فتحت عينيها بالتدريج، ولقت فهد واقف قدامها، لابس قميص أسود، ومقمر دراعاته، وفي إيده كوباية عصير قصب ومصاصة، بيشرب ببرود ولا كأنه عامل مصيبة.
​جميلة بصتله بغل وزعقت بكل قوتها: “أنت اتجننت يا فهد؟! أنت خطفتني؟! أنت عارف أبويا وكريم هيعملوا فيك وفي أهلك إيه؟ هيدبحوكم!”
​فهد سحب كرسي وقعد قدامها بالظبط، وحط كوباية العصير على جنب، وميل براسه وهو بيبتسم نفس الابتسامة اللي بتكرهها: “يدبحوني؟ هما لو عرفوا مكاني أصلاً يا جميلة. تفتكري أبوكي البطل وكريم الشجاع هيلاقوكي فين؟ مصر واسعة أوي، والمخازن دي ميعرفهاش غير الجن الأزرق.”
​جميلة دموعها نزلت من الخوف والقهر: “أنت عايز مني إيه؟ حرام عليك.. أنا عملتلك إيه؟”
​فهد ملامحه اتقلبت فجأة من البرود للجدية القاتلة، وعينيه بقت تطلع شرار. قرب وشة منها لدرجة إنها حست بأنفاسه السخنة وقال بصوت فحيح: “عايز إيه؟ عايز حقي وحق أبويا. أبوكي ورجالته وقفوا الشحنة بتاعتنا في المينا، الشحنة دي فيها شقى عمر عيلتي كله، وضيعوا علينا ملايين. أبوكي افتكر إنه لما يقرصنا في فلوسنا هنركع.. بس هو ميعرفش إن عتمان الغول وولاده مابيركعوش.”
​جميلة زعقت: “والسوق ماله ومالي أنا؟! سيبني امشي!”
​فهد ضحك ضحكة عالية رنت في المخزن الفاضي: “ونسيب الكارت الرابح؟ لأ يا قطة. أنتِ دلوقتي الرهينة اللي هتخلي إسماعيل الشرقاوي يمضي على تنازل عن كل شحنات المينا، ويرجع لنا فلوسنا، وكمان يعتذر لأبويا قدام كبار السوق كلهم ورأسه في الأرض.”
​فهد وقف وطبطب على شعرها بنعومة مستفزة وقال: “امسحي دموعك دي يا جميلة.. واجهزي، عشان كمان شوية هعمل مكالمة فيديو لأخوكي كريم.. وأوريه أخته الغالية وهي منورة مخازن الغول. تفتكري هيستحمل يشوفك كدة، ولا هيجي زاحف؟”
​فهد سابها ولف ضهره ومشى ناحية الباب الحديد الكبير للمخزن عشان يخرج، وجميلة كانت بتبص لضهره برعب ودموعها مغرقة وشها، وحبل الأمل بدأ يرفع ويتقطع. بس قبل ما فهد يوصل للباب ويفتحه، المخزن كله اتهز فجأة على صوت ضرب نار كثيف برا، وصوت صراخ ورجالة بتجري.. فهد وقف مكانه متفاجئ، وجميلة رفعت راسها بسرعة والبهجة والخوف اخلطوا في قلبها.. هل كريم وصل؟ ولا دي حرب ثانية هتبدأ دلوقتي حالا؟ضرب النار برا بقى زي المطر، وصوت الرصاص الحي وهو بيخبط في البوابات الحديد الخارجية للمخزن عامل صدى يرعب. فهد في ثانية اتقلب ملامحه، البرود والثقة اللي كانوا على وشه اختفوا، وطلع طبنجة سودا من ورا ضهره وعمرها بسرعه وهو بيبص ناحية الباب الحديد الكبير وعينيه بتلف في المكان زي الصقر.
​جميلة كانت مربوطة في الكرسي، مش قادرة تتحرك، ومرعوبة من فكرة إن رصاصة طايشة تدخل من الباب تخلص عليها، بس في نفس الوقت كان عندها أمل يكون أخوها كريم هو اللي برا ومعاه رجالة الشرقاوي وجاي يخلصها من الكابوس ده.
​فجأة، الباب الحديد الصغير اللي في ضهر المخزن اتفجر واتخلع من مكانه بقوة، ودخل منه تلات رجالة ملثمين ماسكين آلي، وبدأوا يضربوا نار بغشومية في كل حتة. فهد رمى نفسه ورا صناديق خشب كبيرة وبدأ يبادلهم ضرب النار بذكاء وسرعة، وهو بيزعق في رجالته اللي برا في اللاسلكي: “إيه اللي بيحصل برا؟ مين دول يا غبي منك له؟”
​بس الصوت اللي جاله من اللاسلكي مكنش صوت رجالته.. كان صوت جهوري وغريب بيقول بضحكة فحيح: “رجالتك ميتين يا فهد يا غول.. والدور عليك وعلى بت الشرقاوي.”
​جميلة صرخت لما رصاصة خبطت في الأرض جمب رجلها بالظبط وطيرت شظايا أسمنت على وشها. فهد بص عليها، ولمح واحد من الملثمين بيقرب من الكرسي بتاعها وعايز يشدها. في اللحظة دي، فهد أخد قرار سريع؛ طلع من ورا الصناديق وهو بيضرب نار بدقة، جاب الملثم في كتفه وقعه الأرض، وجري بسرعة رهيبة ناحية جميلة، وبحركة سريعة من مطواة كانت في جيبه، قطع الحبال اللي رابطة إيديها ورجليها.
​قومي معايا بسرعة لو عايزة تعيشي!
زعق فيها وهو بيشدها من إيدها بعنف ويجري بيها ورا الصناديق. جميلة كانت بتترعش ومش مستوعبة: “مين دول؟ دول مش رجالة بابا!”
فهد وهو بيغير خزنة الطبنجة بمهارة: “لأ مش هما.. دول رجالة ‘المعلم شداد’.. الحوت الكبير اللي شغال في السلا..ح في المينا. أبوكي وأبويا لما ضربوا في بعض الأسبوع اللي فات، وقفوا حال السوق كله، وشداد خسائره بملايين، والظاهر قرر يخلص من عيلة الغول وعيلة الشرقاوي في ضربة واحدة.. خطفك أنتِ وتصفيتي أنا هنا هتشعلل الحرب وتخلي عائلاتنا تدبح بعض، وهو يصفى له الجو!”
​الكلام نزل على جميلة زي الصدمة. الحرب مكنتش بين عيلتها وعيلة فهد بس، بقوا الاتنين دلوقتي هدف لعدو أكبر وأخطر بيموت ومبيرحمش.
​أصوات الخطوات بدأت تقرب من الصناديق، وفهد مكنش فاضل معاه غير طلقات معدودة. بص لجميلة وعينيه الكهرمانية فيها نظرة مكنتش شافتها قبل كدة.. نظرة خوف حقيقي، بس مش على نفسه. مسك كتافها وقربها منه وقال بصوت واطي ومشدود وسط ضرب النار: “في ممر سري ورا الصندوق الكبير ده بيطلع على الملاحات برا.. هتمشي فيه ومتبصيش وراكي، فاهمة؟”
​جميلة بصتله بذهول: “وأنت؟”
فهد ابتسم ابتسامة باهتة بس مليانة تحدي: “أنا هأمنلك الضهر.. مش فهد الغول اللي يسيب بنت تموت بسببه، حتى لو كانت بنت الشرقاوي.”
​قبل ما جميلة تنطق، فهد زقها جوة الفتحة الضلمة اللي ورا الصندوق، ولف ضهره وطلع يضرب نار عشان يشغل الملثمين ويسحبهم بعيد عنها. جميلة جرت في الممر الضلمة وهي بتعيط، وراها صوت الرصاص لسه شغال، وفجأة.. سمعت صوت صرخة مكتومة لفهد، متبوعة بصوت ضربة تقيلة، وبعدها ساد صمت مرعب وقاتل في المخزن كله.
​جميلة وقفت في الضلمة، حاطة إيدها على بوقها وهي بتنهج بدموع، مش عارفة تعمل إيه.. هل تكمل وتنقذ نفسها وتسيب فهد يموت، ولا ترجع وتشوف إيه اللي حصل للشخص اللي من كام ساعة كان عدوها والوقتي ضحى بنفسه عشان تعيش؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *