ذنبٌ لم أرتكبه

الجزء الخامس: ما وراء الستار
​سحبت الورقة من إيد سارة وأنا صوابعي بترتعش. فتحتها وبدأت أقرأ الخط اللي كنت حافظاه كويس، الخط اللي سابلي عقدة “أنتِ السبب” طول حياتي.
​الجواب كان مكتوب فيه:
​”بنتي هدير.. لو بتقرأي الكلام ده، يبقى أنا خلاص مشيت، ويبقى بابا قرر يوريكِ الحقيقة بعد ما تكبري. أنا عارفة الكلمة اللي قولتهالك وأنا ماشية قطعت فيكِ إزاي، وعارفة إنك شيلتي ذنب مش ذنبك.
​أنا ما خونتش باباكي يا هدير. أستاذ منير اللي شوفتيني معاه، ما كانش عشيقي.. ده كان المحامي اللي بيخلصلي ورق عشان أتنازل لباباكي عن كل حاجة؛ البيت، وفلوسي، وحضانتكم انتم الثلاثة.
​الحقيقة يا بنتي إن باباكي هو اللي كان تعبان.. تعبان جداً. قبل ليلتها بشهر، باباكي جاله مرض خطير في المخ، والدكاترة قالوا إن أي ضغط عصبى أو زعل ممكن ينهي حياته في ثواني. لما جيت أواجهه بإني عرفت، هددني إنه هيأذي نفسه لو سبته، وقال لي إنه مش هيستحمل يعيش من غيري لو عرفت سر كان مخبيه عليا طول سنين جوازنا.. سر إنه كان متجوز عليا ومخلف، ومضيع كل شقا عمري على بيته التاني.
​أنا كنت عايزة أمشي وأخدكم معايا، بس هو قفل كل الأبواب، والدكاترة حذروني إن خناقة واحدة كمان ممكن تموته. الصدمة اللي شوفتيها في الجراج كانت صدمتي أنا.. أنا كنت بنهار والمحامي كان بيسندني لما عرفت إن باباكي كتب كل أملاكي باسم ابنه التاني.
​أنا مثلت الدور يا هدير.. وافقت أطلع أنا الست الوحشة والخاينة، عشان يفضل باباكي في نظركم البطل المظلوم، وعشان يعيش الكام سنة اللي فاضلين له في هدوء من غير ما يجيله جلطة تموته لو عاندت معاه. قسيت عليكِ عشان تكرهيني.. لأن الكره بيخلي الفراق أسهل من الشفقة. سامحيني يا بنتي.. أنا عمري ما نسيتكم.”
​الجزء السادس: الحقيقة المرة
​الورقة وقعت من إيدي على الأرض. حسيت إن الأوضة بتلف بيا.
كل السنين دي.. كل ليلة نمت فيها وأنا بعيط وبجلد نفسي وبقول “أنا اللي هديت بيتنا”.. كل الكره اللي شيلته لأمي في قلبي.. طلع مبني على كدبة اتفصلت بمقاس مظبوط عشان تحمي صورة الأب اللي كنت شيفاه ملاك.
​بصيت لسارة، وعينيا مليانة دموع: “وبابا؟ بابا كان عارف إنها مش خاينة؟”
​سارة نزلت راسها وقالت بصوت مخنوق: “الجواب التاني اللي في الكيس.. ده تقرير طبي لبابا من 12 سنة، وجنبيه تنازل رسمي من ماما عن كل مليم عشان بابا يوافق يسيبنا معاه وما ياخدناش لبيته التاني.. بابا عاش يمثل علينا دور الضحية عشان يداري غلطته، وماما عاشت في نظرنا شيطان عشان تحمي حياته وتحمي صورتنا عنه.”
​في اللحظة دي، سمعت صوت كحة بابا من الأوضة التانية.. الصوت اللي كان دايماً بيحسسني بالأمان، فجأة بقى بيحسسني بالخوف.
​خرجت من الأوضة بخطوات تقيلة، ورحت وقفت عند باب أوضته. كان نايم وشعره كله أبيض، الراجل اللي ضحى بأمي عشان يفضل بطل في عيون بناته.
​نزلت على ركبي في الصالة، وبكيت.. بكيت على الـ 12 سنة اللي ضاعوا من عمري وأنا شايلة ذنب مش ذنبي، وبكيت على أمي اللي ظلمتها.. الست اللي طلعت أجدع بكتير من كل الظنون.
​هل تحبين إتخاذ مسار معين للنهاية، مثل مواجهة الأب أو البحث عن الالجزء السابع: المواجهة
​فضلت قاعدة على الأرض والوجع بياكل في قلبي، لحد ما الفجر أذن. سارة كانت قاعدة جنبي، ضامة رجليها لصدورها وبتعيط بسكوت. قمت وقفت، ونفضت غبار السنين اللي عشتها في كدبة.
​مشيت بخطوات ثابتة ورحت على أوضة بابا. فتحت الباب.. كان صاحي وقاعد على السرير بيسبّح، أول ما شاف وشي، المسبحة وقعت من إيده. ملامحه اتقلبت خوف، كأنه شم ريحة السر اللي فاح في البيت.
​حدفت الكيس البلاستيك على السرير قدامه، وقولت بصوت مخنوق بس قوي:
​”ليه يا بابا؟ ليه عيشتني 12 سنة بموت بالبطيء؟ ليه سيبتني أشيل ذنب خراب البيت وأنا طفلة، وأنت اللي كنت هاده فوق دماغنا؟”
​بابا بص للورق، وشه جاب ميت لون، وشفايفه بدأت تترعش. حاول يتكلم: “يا هدير.. أنا.. أنا كنت عايز أحميكم.. كنت عايزكم تفضلوا معايا…”
​قطعت كلامه وأنا بصرخ بوجع مكبوت من سنين:
​”تحمينا من إيه؟ من الحقيقة؟ أنت حَميت نفسك! حَميت صورتك عشان تفضل في نظرنا البطل المظلوم، وسبت أمي تِتِنهش في شرفها وسيرتها، وسبتني اِتـعذب بكلمتها “أنتِ السبب”! أنت عارف الكلمة دي عملت فيا إيه؟ دي دمرت حياتي!”
​بابا غطى وشه بإيديه وبدأ يعيط بنشيج عالي، لأول مرة أشوفه ضعيف ومكسور بالمنظر ده. بس دموعه مابقتش بتأثر فيا زي زمان. الوجع اللي جوايا كان أكبر من إني أواسيه.
​الجزء الثامن: رحلة البحث عن “بسمة”
​سيبت البيت ونزلت في نفس الليلة. أخدت سارة ومريم في إيدي، ومبقاش لينا هدف في الدنيا غير حاجة واحدة بس: نلاقي أمي.
​سألنا، وتتبعنا الأخبار القديمة، وعرفنا إنها سابت الإسكندرية من كام سنة ورجعت القاهرة، وعايشة في شقة بسيطة في منطقة تانية خالص، ولا معاها منير ولا بيوتي سنتر ولا أي حاجة من الإشاعات اللي بابا كان بيمهدها عشان يثبت التهمة عليها. كانت عايشة لوحدها، بتشتغل وتصرف على نفسها.
​لما وصلنا عند باب شقتها، قلبي كان هيقف. تلات بنات واقفين قدام الباب، بنترعش كأننا لسه الأطفال اللي سابتهم من 12 سنة.
​خبطت.. والباب اتفتح.
​واقفة قدامنا.. ملامحها كبرت، وشعرها بقوا فيه خصلات بيضا، وعينيها تعبانة. أول ما شافتني، رجعت خطوة لورا وحطت إيدها على قلبها.
​”هدير؟ مريم؟ سارة؟”
​مريم وسارة جريوا عليها وارتموا في حضنها وانهاروا من العياط. أمي ضمتهم وهي بتصرخ بصوت مكتوم، كأنها بترد روحها اللي تاهت منها سنين.
​أنا فضلت واقفة مكاني، الدموع مغرقة وشي. أمي رفعت عينيها وبصت لي، ونفس النظرة القديمة رجعت.. بس المرة دي ما كانتش نظرة عداوة، كانت نظرة رجاء وخوف من الرفض.
​قربت منها خطوة بخطوة، وطلعت الورقة المتطبقة من جيبي:
​”أنا عرفت كل حاجة يا أمي.. عرفت إنك مش خاينة.. أنا اللي آسفة.. سامحيني.”
​أمي سابت كل حاجة وجريت عليا، أخدتني في حضنها.. الحضن اللي انحرمت منه وأنا عندي 12 سنة. في اللحظة دي بس، حسيت إن التلج اللي كان محوط قلبي داب، وإن الوجع اللي كان مكتوب في صدري اتمسح.
​النهاية
​ما رجعناش لبابا تاني، بس ما قطعناش معاه تماماً؛ بقينا بنسأل عليه عشان مرضه وعشان ربنا، بس الأمان والشغف اللي كان ناحيته مات.
​أمي رجعت لحياتنا، وبدأنا نبني مع بعض ذكريات جديدة، من غير ذنب، من غير كدب، ومن غير خوف. اتعلمت إن الحقيقة ممكن تكون توجع وتأخرت كتير، بس في النهاية.. هي الوحيدة اللي بتقدر تشفي الجروح القديمة وتخلأمي ما رجعتش لبابا، ولا كان ينفع ترجع. الكسر اللي حصل في النفوس كان أكبر من إنه يتصلح بمجرد كلمة “آسف”. بس هي رجعت لينا احنا.. رجعت سكن وأمان لبناتها.
​أجرنا شقة قريبة منها، وبقينا نقضي معاها كل يوم. لأول مرة من 12 سنة، أكل لقمة طعمها حلو من غير ما تغص في حنجرتي. لأول مرة أنام وأنا مش حاسة إن الكابوس مستنيني أول ما أغمض عيني. أمي بدأت تعوضنا عن كل ضفيرة شعر بابا معرفش يعملها، وعن كل دمعة نزلت من مريم وسارة وهما مش فاهمين هما بيعاقبوا على إيه.
​أما بابا.. ففضل في بيته لوحده. المرض بدأ يتمكن منه أكتر، وبقى محتاج رعاية. بالرغم من كل الوجع والكدب اللي عيشنا فيه، أصلنا ما سمحلناش نسيبه يرمي لحمه. بقينا بنروح نخدمه بالدور، بنأكله ونشربه ونجيبله علاجه، بس من غير “مشاعر”.
​علاقتنا بيه بقت قايمة على الواجب وبس.. الأمان والتقدير والشغف اللي كان ناحيته مات، ومفيش حاجة في الدنيا تقدر تصحي الميت. كان بيبص في عيوننا ويشوف الشوق لأمي، ويشوف العتاب اللي مابيخلصش، فكان بيكتفي بالسكوت.. والدموع.
​كلمة أخيرة
​في يوم عيد ميلادي الـ 25، كنا كلنا متجمعين في شقة أمي. بابا ما كانش معانا، بس بعتلي رسالة صغيرة على الموباي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *